عشرون عاماً في المنفى

(1)

عشرون عاماً في المنفى

بالكتابة هنا سأوفر مبلغ قدره 120 دولاراً في الساعة .. ثلاث جلسات في الأسبوع بــ 360 دولار .. وسأوفر ربع ساعة بحثاً عن موقف للسيارة .. وكذلك دولارين عٌملة معدنية لعداد موقف السيارة في الشارع .. بالإضافة لـإحتمال الحصول على مخالفة بقيمة خمسين دولاراً إذا ما تأخرت عن الرجوع للسيارة

لست مولعاً بالحساب .. ولا أنا بالبخيل .. وليس هناك من ضغينة ضد الدكتورة لويس طبيبتي النفسية .. لكن بالعقل .. كل ما أفعله عندما التقي بها .. هو الجلوس على مقعد فاخر .. ثم أبدأ في سرد حكايتي
هي في الجهة المقابلة .. تجلس تتأمل قسمات وجهي .. تقيس المسافة بين أنفي وفمي .. تلاحظ ارتعاشة يدي .. وبجانبها دفتر .. تلتقط قلمها أحياناً لتسجيل بعض الملاحظات .. ثم تناولني علبة مناديل لتجفيف دموعي عندما تستبد بي العواطف .. ثم عندما تحين الساعة تشكرني

( oops time’s up, I’ll see you on Wednesday )

 ثم تقودني للباب كأنها تدحرجني ” تصريف يعني ” .. لكن .. ل .. ل .. لم أكمل الحكاية بعد .. ترد بابتسامة مُصطنعة ونظرة مُشفقة وهي تهّز رأسها من الأعلى للأسفل

( It’s O.K we will finish on Wednesday)

ثم تنادي مريضتها المنتظرة في غرفة الإنتظار

 

حسناً .. أنا الآن موجود في البيت .. وهذا مقعد فاخر .. وهاهنا مكتب أنيق وجهاز كومبيوتر .. ونافذة زجاجية أمامي بعرض حائط تطل على منظر المدينة .. وهاهنا بجانبي علبة مناديل فيما لو احتجت … سأسرد كل الحكاية .. لن التزم بالتوقيت .. لن التزم بساعة أو اثنتين .. لن التزم بأي شيء .. سأكتب إن شئت في الصباح او المساء .. سأقول كل شيء .. لا .. و مشغل أم كلثوم وأغنية فكّروني .. السيدة لويس ليس لديها أم كلثوم

وأنتم أيها القُراء .. خذوا راحتكم .. التقطوا قلماً ودفتر .. أكتبوا كل ملاحظاتكم عني … قولوا .. أحسنت .. او قولوا مجنون .. لم أكن أهتم لنصائح الدكتورة لويس على أي حال .. لكن إنتبهوا .. أنا يا سادة يا كرام مثل كأس الويسكي .. لن يستسيغ طعمي البعض .. والبعض الآخر ربما يعتبرني رجساً من عملِ الشيطان .. وبعضكم لن يصبر على فراقي

أحداث هذه القصة حقيقية .. كل الوقائع حدثت فعلاً .. سأرويها بطريقتي أنا .. سأنقل ما كنت أعتقد في تلك اللحظة .. بغض النظر عن الخطأ والصواب او الشك واليقين .. بعض الأحداث قد تدخل ضمن الأوهام التي تمر بأي إنسان .. ويتم بناء أحداث لاحقة على تصّور باطل .. كأن تعتقد أن شخصاً ما يكرهك .. ثم تتصرف كردّة فعل على هذا الأساس .. بينما حقيقة موقف ذلك الإنسان غير ذلك

قضيت من عمري سبع عشرة عاماً من مولدي إلى أن أنهيت الثانوية في مدينة جيزان على ساحل البحر الأحمر جنوب غرب المملكة العربية السعودية .. ثم قضيت ثلاث سنوات في مدينة الظهران أدرس في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في نفس الفترة التي شهدت غزو العراق للكويت ووصول القوات الأمريكية للمنطقة الشرقية من السعودية .. تم طردي من جامعة البترول .. ” جامعة لا تُقدر المواهب ” .. ثم ختمتها ست سنوات في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة .. تخرّجت بعدها من كُلية الهندسة

عندما غادرت السعودية كنت لم أزل لم أستلم وثيقة التخّرج .. بل لم أكن أعلم بعد أن كنت قد نجحت في جميع مواد ذلك الترم .. ثم أخيراً إحدى عشرة سنة في سان فرانسيسكو عاصمة الحُب في العالم
حياتي عبارة عن نكتة .. فيلم مجنون لكن بلا موسيقى تصويرية خلف المشاهد والأحداث .. البداية .. لا يهم .. ممكن نبدأ من أي تاريخ .. والنهاية نفسها .. ستكون هي البداية .. إنسان ساذج .. إبن ساذج .. وأمي ساذجة .. كان حلمي كطفل أن أصبح طياراً .. وانتهى بي المقام خلف المقود .. لكن كسواق تاكسي في سان فرانسيسكو  يالله في الأخير كُله سواقة .. كُله توصيل رُكاب

لم أُقبّلُ إمرأة سعودية في حياتي .. في الواقع لم أتحدث إلى إمرأة سعودية خلال السبعة وعشرين سنة الأولى إلا إلى أمي وقريباتي .. عمّتي خالتي جدّتي .. كُنتُ شديد الحياء أيضاً .. وكُنت ” فيرجن” سبعة وعشرون سنة .. ” يااااا لهووووووي على قدرة التحمل ” .. سبعة وعشرون سنة .. وعندما ابتسم لي الحظ أخيراً .. أخيراً إبتسم .. ييييييييييييييه … إكتشفت أن عشيقتي الأمريكية لازبين .. !! بعد سبعة وعشرين سنة صيام طحت في لازبين

هل سمعتم عن الحسد ؟! لا أعتقد ذلك … أنتم السعوديون شعب منغلق على نفسه .. كيف بالله ستعرفون أن هناك شيء اسمه حسد .. ؟ أنا فاشل بمرتبة الشرف الأولى .. متشرد .. طفران .. و مُتخلف عقلياً .. يعني .. لا يوجد أمل أن يحسدني أحد .. على ايش يا حسرة .. ومع ذلك .. قابلت امرأة ذات يوم في الطريق تقرأ المُستقبل .. قالت .. يا ولدي .. ستعيشُ طويلاً .. وستركب أحصنةً وحميراً .. لكنك يا ولدي .. محسودٌ .. محسودٌ .. محسودٌ

****

ستقرؤون قصتي و ستقولون … يا إلهي قصة مُثيرة .. أتمنى أن أصل إلى النهاية بسرعة .. حسناً .. سأحقق لكم هذه الأمنية .. هذه هي النهاية .. هنا .. هذه الصفحة .. أنا هنا في المدينة الأكثر ليبرالية في أميركا .. سان فرانسيسكو .. لكنني أعيشُ سجين .. سجين تلك الجدران الساكنة بداخلي .. ومن هُناك .. جيزان .. إلى هنا .. سان فرانسيسكو .. مررت بالكثير والكثير من المواقف .. عندما أتذكر شريط حياتي السينمائي .. من اول صورة أتذكرها .. العُرس .. الى كل الصور التي يحملها شريط ذكرياتي .. أشعر أنني محظوظ جداً .. محظوظ لأنني مازلت أتنفس الهواء … محظوظ أنني مازلتُ على قيد الحياة .. صحيح أنني لم أجد إجابات لكل تلك الأسئلة التي أحملها معي .. وهل يهم ؟

قضيت في جيزان أجمل أيام الطفولة .. كُنت أنتظر قدوم الصيف رغم حرارته اللاهبة .. لأن أبناء عمتي يأتون لزيارتنا من مكة .. كُنّا نقضي الصيف نلعب في سطح منزلنا .. نشاهد أفلام الرسوم المتحركة سندباد .. جزيرة الكنز .. عدنان ولينا .. أو نذهب للبحر والحديقة .. ثم عندما ينتهي الصيف .. تنطفى أنوار السعادة فجأة .. هم يعودون إلى مكة .. وأنا أتدثر بلحاف من الليل و الحزن العميق .. كانوا يُغادرون في الصباح الباكر .. وكنت أسمع ضجيج حركاتهم فأستيقظ .. لكنني أتظاهر بالنوم .. لأنني أكره الوداع .. أتذكر هشام يطبع قبلة الوداع على جبيني وأنا أتظاهر بالنوم .. هاها .. كُنا في العاشرة من العمر .. كنت أكره الوداع ولازلت .. وأكره الدراسة التي كانت تأخذ مني أعز أصدقائي .. عندما نلتقي أنا و هشام المكاوي نصبح كتوأم روح .. و عندما نتورط في بعض الشقاوة .. كان يكذب كي ينقذني من التعرض للضرب من والدي .. للأسف أنا وهشام افترقنا للابد .. هو اختار أفغانستان والحرب والموت عام 1989 .. وأنا أخترت أمريكا والسلام والحياة عام 1998

أنا اليوم هنا .. ليس لدي صديق واحد حقيقي .. لم أجد الإنسان الوفي الذي يفهمني .. وكل الأصدقاء الذين جربتهم … لم يمحو ذكرى هشام .. الأسوأ أن أكثر هؤلاء الذين تصورت أنهم أصدقاء .. أكتشف لاحقاً أنهم مجرد حسّاد أو يبحثون عن مصلحة ما

سبعة عشر عاماً قضيتها في جيزان مرت كألف عام .. قضيتها في سجن مفتوح الأبواب .. سجن بلا جدران .. الإمام الذي يعظ الناس في خطبة الجمعة ظهراً يوصي الناس بالتقوى .. يُداعب أعضائي التناسلية بعد صلاة العصر من نفس اليوم وأنا في العاشرة من عمري

في مكة المكرمة قضيت أجمل الأيام خاصة في شهر رمضان .. .. في المدينة تعرضت لحادث دهس وأنا أعبر الشارع إلى مسجد العنبرية .. في الرياض في صيف 1987 تعرضت لمحاولة اختطاف في شارع الخزان قريب من معهد الرياض للغات .. في الظهران 1991 سقطت على رأسي وفقدتُ الذاكرة لثمانية وأربعين ساعة .. في جدة عشقت الشوارع والمٌجسمات وأبحر والتسكع بالسيارة في شوارع البلد بعد الثانية عشرة ليلاً .. وفي جدة وصلت لطريق مسدود .. وكُنت أتمنى الموت

في روما تمنيت أن لم تلدني أمي .. في سانت بيترسبرغ فلوريدا تعلمت حُب الحياة من جديد .. في اركيتا كاليفورنيا عدتُ للحياة وفقدت عذريتي .. في تيخوانا المكسيك كانت اول قُبلة .. أخيراً … عندما أضعت الطريق .. ولم أعد أعرف من أنا .. وماذا أريد .. وبعد تفكير عميق .. حددت لنفسي هدف لم يخطر في بالي من قبل اطلاقاً .. قررتُ أن أكون مليونيراً .. يالله يا عمي .. أيش ممكن الواحد يخسر ؟!! ثم بدأتُ رحلة المليون .. الدكتورة لويس توقفت عن زيارتها بنهاية 2007 وخليل الطيب أصبح تأريخ .. مجرد ذكرى .. أما الحبُ .. الحبُ لا يمكن أن تجده إن لم يكن موجوداً بداخلك أصلاً .. الحب يبدأ حينما يتعلم الإنسان كيف يُحب نفسه .. مرحبا .. أنا خليل .. دزموند خليل

 

 .. يتبع

رقصة الموت

العُرس

(7)

العُرس

1975

سيدتي

 

تمر بذاكرة الإنسان صور ومواقف لا حصر لها .. في اليوم .. في الشهر .. في السنة .. بل في الحياة .. ثم تبقى صورةٌ ما محفورة في ذاكرتنا للأبد .. بينما تتلاشى أخرى .. ما السبب يا تُرى ؟ أظن أن المشاعر التي تُرافق الصورة هي السبب .. الأحاسيس التي تتولد بسبب تلك الصورة أو ذلك الموقف هي التي تجعلنا نتذكر موقف ما حدث منذ ثلاثين سنة .. نوع الإحساس لا يهم .. قد يكون فرح او حُزن .. دهشة اوغضب

أنا شخصياً لا أُصدق أنني مازلت أذكر هذه الصورة العالقة في ذاكرتي .. إنها أول صورة أذكرها على الاطلاق .. عندما أبحث في ذاكرتي عن شيء قبل هذه الصورة .. لا أجد شيئاً .. هي ليست صورة جامدة .. بل مقطع سينمائي مُتحرك .. يبدأ بتسارع وحركة غير اعتيادية في ساحة بيتنا الشعبي .. أصوات كثيرة مُتشابكة … يالله .. المطار .. بسرعة .. مكّة .. العروسة .. تأخرنا .. يوصلون .. دحين .. فُل .. بكاء اطفال .. صُراخ .. أصوات شُحّات .. أصوات غطاريف .. رائحة فُل وكادي وبارود .. ثم تبدأ الصورة تتباطأ .. وتتباطأ .. وتتباطأ .. حتى كأني وأنا أقف بجانب السرير أُشاهد حركة الأجسام أمامي وكأنها أخذت نسق بطيء .. نساء يرقصن بحركة بطيئة .. أطفال يلتقطون الحلوى من الأرض .. أيضا بحركة بطيئة .. ثم أشاهد النساء يغطرفون وأصواتهم وكأنها تبتعد قليلاً .. قليلاً .. حتى تختفي .. وأنا التفتُ لليسار بحركة بطيئة .. وأُغمض عيني ثم أفتحها بحركة بطيئة ثم التفت لليمين ببطء .. عمي حُمّد يرمي بالشُحّات على الأرض .. أطفال يبتعدون ببطئ وخوف لكن بفرح أيضاً

أتدرين لم الحركة بطيئة .. لأنني كُنت أقف بجانب السرير وكأنني سرحت … فأصبحت رؤيتي للأشياء ضبابية والأصوات غير واضحة كأنها تختفي وتتلاشى .. هل كنت حزين في ذلك اليوم ؟ ربما .. ربما لم أحظى بالاهتمام الكافي .. الكُل كان مشغولاً بالعروس .. كُنا ما زلنا نسكن في بيت شعبي لا يبعد عن شاطئ البحر سوى بيت واحد فقط .. ربما عشرون متراً او يزيد قليلاً .. كان البيت كبير .. عبارة عن ثلاث غرف كبيرة جهة الجنوب وأبوابها للشمال جهة البحر .. غرفة تُسمى المجلس .. وبها قعايد ” مقاعد على شكل أسّرة ” .. كانت القعادة للنوم في الليل كالسرير .. وفي النهار للجلوس والسمر .. وهي مصنوعة من الخشب والحبال وسعف النخل

وكان هناك غُرفة أخرى أصغر حجماً بجانب المجلس .. لكنها كبيرة أيضاً تُسمى بَرَنّدة باللهجة المحلية .. بصراحة أنا لا أعرف الفرق بين المجلس والبَرَنّدة .. ربما المجلس للضيوف فقط .. والبّرندة للمعيشة او العكس .. كانت أبواب المجلس والبّرندة تواجه البحر ومفتوحة أكثر الوقت .. والغرفة الثالثة هي المطبخ وهي أصغر حجماً أقرب للسور للغرب .. وخارج المطبخ كان هناك فرن من الطين .. ثم ساحة كبيرة تفصل المجلس عن السور شمالاً .. والسور يحُيط بالمنزل .. وجدار في المنتصف يقسم الساحة إلى جزأين وهو قصير .. أتذكر أني كنت أمشي عليه أحياناً

باب خشبي أخضر جهة الشرق يطل على الشارع .. والشارع عبارة عن زقاق صغير تُرابي .. وبجانب السور في الجهة الشمالية الاقرب للبحر توجد شجرة فُل ” رديمة ” .. وعلى يسار تلك الشجرة كان هناك غرفة لها بابان .. باب للشارع وباب للبيت .. ذاك دُكان أبي .. لكن عمي حُمّد من يقعد فيه أكثر الوقت .. وأسم حُمّد هو نفسه اسم حمد في مناطق أخرى على ما أظن

ذاك الصباح كانت الحركة ذؤوبة .. أظن أن الساعة لم تتجاوز التاسعة صباحاً لأن الشمس لم تكن بتلك الحرارة .. كانت الرطوبة عالية .. وكنت أشّم رائحة البحر .. هناك بعض السرر متوزعة بمحاذاة السور من الداخل خارج المجلس يجلس عليهن بعض النسوة في الهواء الطلق تُحيط بالمنتصف .. ثم بدأ المزيد من الجيران يتوافدون نساءاً وأطفالاً .. عمي حُمّد يغدو ويجيء .. ثم خرج إلى الشارع .. كُنا نحن مازلنا بالداخل نسمع أصوات بواري السيارات تتعالى وتقترب من المنزل .. بدأت الأصوات تتعالى .. وتتعالى .. وخاصةً أصوات الشُّحات .. العروس وصلت من المطار للتو

ثم بدأ ما يُشبه الزفة .. العروس تمشي ببطئ .. وهي ترتدي فستان أبيض وطرحة .. والنساء يمشين خلفها ومن حولها ينثرون الفُل عليها .. كُنت أقف بجانب السرير بشيء من الذهول .. أشعر بشيء من الخجل .. حافي القدمين .. ألبس سروال قصير بيج وقميص أبيض بأزرار .. ثم بدأت الأحداث تتباطئ أكثر .. وأكثر … والأصوات تختفي .. وتتلاشى .. حتى انتهت الزفة .. العريس والدي … يييييييييه .. باركوا لي .. لُحسن الحظ أن العروس لم تكن أمّي .. في الواقع أين هي أمي .. أنا لا أراها في الصورة اطلاقاً .. لا أعلم أين هي … أما العروس فهي زوجة أبي الثالثة

بعد ذلك .. لا أعلم ماذا حدث ..؟ مجرد قصاصات من الصور المتحركة .. مثل شريط سينمائي قديم يمر بسرعة بأحداث قصيرة متسارعة .. الصور باللون الأبيض و الأغبر .. بيتنا الشعبي .. قوارير مكسورة ومغروسة على امتداد سور البيت .. صورة أمكالية التي نشرب منها الماء .. وهي جّرة كبيرة مصنوعة من الطين ولها غطاء تقف في زاوية في البيت بها ظل ولا يصلها ضوء الشمس .. قد أغرق لو سقطت داخلها .. كنا نغمس كأس فضي اللون بمقبض داخلها ثم نشرب .. وكان الماء بارد .. يا للمفاجأة .. وطحالب خضراء

في القاع .. ثم ماء مندلق من هذه الكالية يشّكل مستنقع صغير .. أتذكر ولد عمتي جابر يتعارك مع أخاه عبدالعظيم الذي يكبره ..ثم يقوم عبدالعظيم بطرح جابر على الأرض فيسقط في مستنقع الماء وسط طُرّاحة “ساحة” البيت

صورة جابر تتكرر في بيتنا القديم .. كُلها مشاهد سيئة .. هناك شيء غريب في جابر .. إنه صاحب حظ سيء .. يجاهد دائماً كي يظهر بمظهر طيب .. لكن ينتهي به الأمر كولد شرير .. مشهد آخر لجابر في ذاكرة شريط الصور السينمائية القصير .. جابر يحاول تشغيل مروحة طويلة تقف في المجلس على الأرض .. في وسط عمود المروحة قطعة معدنية فضية اللون .. أعتقد أن المروحة كانت معطلة ولا تعمل او أن بها ماس كهربائي .. لكن اللقافة أعيت من يداويها .. جابر يشبك الفيش الكهربائي .. ثم قمت بإمساك عمود المروحة الفضي فانتقل التيار الكهربائي لجسدي .. بدأت في الصراخ والاستغاثة .. لا أعلم لماذا التصق عمود المروحة بيدي لثواني والتيار الكهربائي ينفضني .. شاهدت أمي تجري باتجاه سلك المروحة لتفصله عن الجدار .. جابر يقف مندهشاً وخائفاً .. ثم صراخ أمي في وجهه ولومه على ما حدث لي

نعم تذكرت الآن ما حدث بالضبط ذلك اليوم .. خالتي كانت ستأتي لزيارتنا من مدينة صبيا .. أخذتني أمي للسُندّاس “حمام” و روشتني .. ثم لفتني في منشفة كبيرة ثم إختفت .. عندما قام جابر بتشغيل المروحة كنتُ أنا مازلتُ مُبتلاً .. ربما لذلك أصبت بصعقة كهربائية عندما لمست عمود المروحة .. مع أني بكيت بشدة .. إلا أنني حزنت على جابر في نفس الوقت لأن أمي لم تتوقف عن الصراخ في وجهه .. ثم استلقيت على إحدى القعائد وأنا مازلت ملفوف بالمنشفة الكبيرة .. ثم نمت .. وعندما إستيقظت .. أخبروني أن خالتي قد جاءت لزيارتنا ثم غادرت .. شعرت بالحزن .. لأني لم أرها في حياتي وقد كنت أتطلع لرؤيتها .. ولأني أيضاً كنت إستحمّيت ومستعد لمقابلتها .. منذ أن صحوت من النوم في الصباح الباكر وأنا أسأل متى ستأتي خالتي ؟

ثم المشهد الثالث لجابر يوم العيد .. أهداني صديق والدي نظّارة زرقاء مثل نظّارات الرجال .. كانت أول هدّية أتلقاها .. كنت في غاية الفرح .. يا سلام .. كل الأشياء أصبحت تبدو لي زرقاء بلون السماء والبحر .. ثم قابلني جابر أمام البيت وعجبته النظارة .. اخذها مني على أن يعيدها لي قبل المغرب كما قال .. ثم أعادها لي لكن مكسورة .. أعتقد أنها كانت أول مرة أجرب فيها طعم الحقد .. أول شعور بالتمّلك .. ثم يأتي جابر يأخذها ثم يعيدها مكسورة

عمي عبدالغفور يرفعني من الأرض ثم يرميني في السماء .. ثم أعود إلى يديه فيلتقطني .. ثم يرميني للسماء مرةً أخرى .. ما أجمل هذا الشعور وأنا طائر .. ثم يتظاهر أنه سيتركني أسقط على الأرض .. شعر رأسي يقف من الخوف .. فمي مفتوح وعيوني كذلك وريقي يسيل .. لكنه يلتقطني مرة ثانية .. عمي عبد الغفور مرح جداً .. ثم يستلقي على ظهره على السرير ويرفع ساقيه ويحملني على قدميه .. ثم يطلب مني أن أفرد ذراعي مثل جناح طائرة .. للحظات .. ثم يلتقطني بيديه قبل أن أسقط على بطنه .. ثم في المساء كان يشير بأصبعه جهة القمر ثم يقول ” عباس .. شوف عباس .. ” إذاً القمر إسمه عباس .. لكن للأطفال فقط .. لماذا ؟ لا أعلم ..

ليس لدي أدنى فكرة عن الزمن .. او كيف كانت تمضي الأيام والشهور ؟ او كم كان عُمري ؟ الذي أعرفه أنني حين التحقت بالمدرسة كنت في الخامسة .. كل هذه الصور سبقت السنة الأولى في المدرسة .. بيتنا الشعبي القديم ثم انتقلنا لحارة الجبل أثناء بناء العمارة ثم عودتنا للعمارة .. كذلك هناك طريقة أخرى للحساب .. لي ثلاث شقيقات أصغر مني أكبرهن أصغر مني بأربع سنوات .. واحدة ولُدت في هذا البيت القديم .. والثانية ولُدت في حارة أمجبل .. والثالثة بمجرد عودتنا للعمارة .. كل ذلك حدث قبل دخولي للمدرسة
——————-
قعائد : مقاعد على شكل سرر
شُحّات : مفرقعات نارية
غطارف : زغاريد النساء

 

.. يتبع

آمال

(6)

آمال

May 2007

إبتسمتُ بخبث .. ثم قلت هذه القصة ” أسرار ” حقيقية بكل تفاصيلها .. عدا الجزء المُتعّلق بأُمي الإيطالية .. أريدُ أن أعرف منك لاحقاً إذا كان هناك من تفسير نفسي لما كتبت ..؟! .. ثم ناولتها الورقة التي رسمتُ فيها الصورة .. صورتي وأنا طفل .. أخذتها مني .. قُلتُ ما رأيك في رسمي .. قالت .. وااو .. جميلة .. لكن .. القصة أعجبتني أكثر .. قلت الصورة او القصة .. هي مجرد مُحاولات .. ما زلت أبحث عن ما بداخلي ؟

قالت .. بالتأكيد هناك شيئٌ ما في الكتابة .. عندها وقفت .. ثم رفعت ذراعي كما فعل “جاك” في فيلم تايتنك عندما صرخ ..” أنا ملك العالم .. أنا ملك العالم ” رفعت ذراعي ثم استدرت .. وقلت .. ما رأيك ؟ ما رأيك فيما ترين ؟!! ابتسمت وقالت .. أرى شاباً وسيماً أمامي .. صرخت بعفوية .. وهذه هي المُشكلة .. أنني وسيم .. ويقولون أيضاً أنني مرح .. لو لم أكن وسيماً .. لهان الأمر .. لكن وسيم وخفيف دم .. ومع ذلك لا أستطيع الحصول على النساء اللاتي أرغب بهن ؟!! شيئ لا يُصّدق

سيدتي .. عندي لك سؤالين أرّقاني كثيراً .. الأول : إذا كنتُ ذكياً .. فلماذا فشلتُ في دراستي ..؟! الثاني : إذا كُنتُ وسيماً .. فلماذا لا أحصل على النساء الجميلات ؟!! ثم قلت .. السؤال الأول ليس بتلك الأهمية الآن .. لأني توقفت تماماً عن الدراسة .. لكني مازلت أرغب في معرفة السر .. لقد عانيت سنوات طويلة ومازلت أشعر  بمرارة …! إلا أن قضية البنات هي القضية الطازجة الآن .. أريدُ حلحلته بأسرع وقت

قالت .. عندما تُقابل النساء .. هل تبتسم ؟ … قلت .. لا أدري .. عادةً ما أكون متوتر وخائف .. لا أظن أن هناك مجال للتبسم !! قالت هذه نقطة مهمة .. عندما تُقابل فتاة غريبة عنك .. أنت غريبٌ عنها أيضاً .. البسمة تعطي طُمأنينة للشخص المُقابل ..  رددتُ بدهشة .. هااااه .. ثم قلت .. أريدك أيضاً أن تُساعديني كي أستعيد ثقتي في نفسي .. لقد قضيت سنين طويلة مع الفشل لدرجة أنني لم أعد أتذكر طعم النجاح .. ولدرجة أن ثقتي في نفسي أصبحت في الحضيض

قالت .. خليل .. لدي على الأقل ثلاثة أشخاص يحضرون إلى مكتبي هنا وهم رؤساء شركات .. يريدون أن تعود ثقتهم الى أنفسهم .. الثقة في النفس شيء متحرك غير ثابت .. تزيد وتنقص .. لا يهم من تكون او من أنت ؟ او ماذا تعمل ؟ .. النجاحات الصغيرة تتراكم .. معها ثقتك في نفسك تزداد .. التعثر او الفشل قد يُعيد الانسان لنفس النقطة ونفس الشعور .. نقطة الصفر .. مهما بلغت الإنجازات .. أنت لست فاشلاً يا خليل .. لقد حققت في حياتك أشياء عظيمة .. وحان الوقت أن تُعطي نفسك التقدير الذي تستحقه

قلت .. يا سلااااااااااااااااااااااااااااااااام .. فينك من زمان .. شكلي رايح أحبك .. من زمان لم أسمع عن نفسي مثل هذا الكلام

خليل .. أنت أنسانٌ رائع حقاً والشركة الصغيرة التي بنيتها تكبر كل يوم .. سمعت عنك كلام رائع جداً من صوفيا .. أنت شابٌ عُصامي .. تخطو خطواتك الأولى نحو النجاح .. أريدك أن تنظر لنصف الكوب الممتلئ .. وأترك الحديث عن الجزء الفاضي .. خليل الوقت يُداهمنا الآن .. لكن يجب أن تحضر هنا ثلاث مرات في الاسبوع .. أريد أن أعرف عنك كل شيء..  .. لقد ساعدتُ الكثير من الناس .. وأنا على ثقة أني سأنجح معك

 .. يتبع

العُرس

أسرار

(5)

أسرار

في مدينة صغيرة هادئة تقع في الجنوب الغربي للمملكة العربية السعودية ولدت لعائلة من الطبقة المتوسطة عام 1971 كنت الطفل الثالث لوالداي ، عشنا في منزل كبير مع جدي ، جدتي ، عمتان ، وعمّان .. جدي كان الكبير الذي يحظى بإحترام الجميع .. بالرغم من أنّه والدي من كان يُنفق على العائلة .. كان والدي يعمل مع الحكومة في إدارة التعليم .. وفي نفس الوقت كان لديه متجراً صغير بإسم جدي .. نسيت أن أخبركم .. كان لوالدي ثلاث زوجات .. لم أفهم لماذا ؟! ما السر وراء ذلك ؟

في منزلنا الكبير لعبت كما لم يلعب أحد .. كنُتُ في الرابعة من عُمري عندما بدأتُ أدرك الأشياء من حولي .. كُنت المفضّل لجميع أفراد العائلة .. جدي جدتي أعمامي وعماتي والدي .. كان لدي أربع أخوات مع ذلك كُنتُ أنا من يحظى بأكبر قدر من الاهتمام ..! كل شخص كان يحاول إسعادي .. لم أكن أدري لماذا ؟ ما السر وراء ذلك ؟! ربما لأني كُنتُ حينها الولد الوحيد حيث لي أربعة أخوات بنات !! لا ادري .. على كل حال .. كنت سعيداً بتلك الرعاية الخاصة .. لم أفهم ايضاً لماذا لم تكن أمي راضيةً عن ذلك ؟ لم أعرف السر وراء ذلك

بعد سنوات ذهبتُ للمدرسة .. كُنتُ ذكياً جداً لكني ولدٌ شقي .. كان يتملكني شعور بأنني أفضل من بقية الطلبة .. مُدرسي أحبني كثيراً لأنه لاحظ مدى التقدم السريع الذي كُنتُ أحرزه مقارنةً ببقية زملائي في الفصل .. بدأتُ لعب كرة القدم .. أتذكر جيداً عندما حضر المدرس ذات يوم وسأل الفصل .. اي الفرق المحلية نُشّجع .. لم يعطنا سوى خياران لأشهر فريقين محليين في السعودية لكي نختار ..! نصف الفصل رفع يده للفريق الأول .. والبقية رفعوا أيديهم للفريق الثاني .. لم أرفع يدي مع أي الطرفين .. سألني الأستاذ .. ماذا عنك ياخليل ..؟! لماذا لم ترفع يدك مع اي المجموعتين .. ؟!! أجبت بصوتٍ مرتفع .. لدي فريقي الخاص .. بالإضافة إلى أنني لا أحب كلا الفريقين المذكورين !! أنا أعشقُ المنتخب الايطالي !! تفاجأ المدرس بردي .. باختلافي عن البقية .. ! السبب الذي جعلني أعشق المنتخب الايطالي .. لأني كُنتُ أحب لون القمصان التي يرتدونها .. اللون الأزرق ! ولأني أيضاً أردتُ أن أكون مُختلفاً عن البقية .. كوني .. ورغبتي أن أكون مُختلفاً جر عليّ الكثير من المتاعب .. كُنتُ يومها في السابعة من عُمري .. وكُنتُ في الصف الثاني ابتدائي .. لاحقاً حبي للمنتخب الايطالي نما أكثر .. وبعد سنوات قليلة في أسبانيا .. حقق فريقي المُفضّل كأس العالم .. مع ذلك لم أعرف لماذا تحديداً عشقت إيطاليا ؟ ما السر وراء ذلك ؟

في غُرفتي جمعت العديد من الصور للمنتخب الإيطالي .. خريطة إيطاليا .. وايضاً صور بنات ايطاليات .. كذلك أحب كل شيء صُنع في إيطاليا كملابسي .. وأخيراً أحبُ أكل السباغيتي .. عندما كُنت في الرابعة والعشرين من عمري .. سافرت لفلوريدا لدراسة اللغة الانجليزية .. لم تكن الدراسة السبب الرئيسي لتلك الرحلة .. بقدر ما كان حاجتي لتغيير الجو .. وفرصة كي أُشاهد ناس وعادات مُختلفة .. أفضل شيء عجبني في فلوريدا البنات .. وكان من الغريب جداً أنه كلما أعجبت بفتاة اكتشفت لاحقاً أنها من أصول إيطالية !! حتى مُدرستي الأميركية التي أحببتها كثيراً .. أخبرتني أنّ جذور عائلتها تعود لإيطاليا .. هنا بالفعل بدأتُ أتعجب وأتساءل عن السر

عندما عدتُ الى وطني بعد شهرين .. وجدتُ وكأن شيئاً ما قد تغير في البيت .. شيئاً ما حدث أثناء غيابي .. كأن عاصفة هبّت .. البيت لم يعد يبدُ كما كان .. بدا وكأن مُصيبة حلت .. لكني لم أكن أتخيل للحظة أنني كنت جزءاً من تلك المشكلة .. بكلمات أخرى .. لم أكن أعلم أنه أنا سبب هذه المشكلة .. في أثناء محاولتي فهم ما حدث .. سألت ُ أمي .. ما الخطب ؟ كانت في قمة الانفعال عندما أجابت .. أنا لستُ أمك ! أنا فقط ربيتك مع أبيك .. لكني لستُ أمك الحقيقية .. أذهب لوالدك وأسأله أين هي أمك الحقيقية ؟! وأنا أستمع الى كلماتها دخلت في

حالة صدمة .. العالم بدأ يضيق من حولي .. لم يكن باستطاعتي تصديق ما تقول .. شعرت كأن العالم يتصاغر .. شعرت كأنني لم أعد أقوى على التنفس .. ما الذي تقوله هذه المرأة ؟ هل هذا ممكن ؟! هل هذا صحيح ؟! أم أنها فقط مُنّفعلة ؟ لم أذهب لوالدي .. بل ذهبتُ لعمتي التي كانت أكثر قُرباً مني .. وقبل أن تخرج كلمة واحدة .. بدأتُ في البكاء بحرقة .. آاااااه .. عمتي .. لا أُصدق ما سمعت .. أمي تُنكر أنني ابنها .. قالت عمتي .. لا … أمك فقط غاضبة من أبيك .. أنت ابنها .. وستبقى كذلك .. لم أصدق عمتي .. لأنني شعرت أنها هي ايضاً تريد أن تبكي .. لكنها تُمسك بدموعها

عدتُ مرة أخرى لأمي لأسألها لما هي غاضبة مني ؟! قالت أنا لست غاضبة منك .. أنا غاضبة من أبيك الذي أخفى عنك الحقيقة كل تلك السنين ..! حبيبي .. يجب أن تعرف الحقيقة .. لا يمكننا الكذب عليك أكثر .. منذ خمسة وعشرون سنة ذهب أبوك لأثيوبيا للتجارة .. ثم أُصيب هناك بالملاريا .. في المستشفى كانت هناك ممرضة إيطالية .. إعتنت بأبيك حتى تعافى .. لكن أبوك وقع في حب تلك المرأة .. هي أحبته ايضاً .. غاب والدك لستة أشهر .. تزوجّها دون أن يخبر جدّك .. ثم عاد وأخبر الجميع أنه تزوج امرأة نصرانية .. جدك غضب من أبيك وطرده من البيت .. عندما رد أبوك بأن المرأة حامل .. غيّر جدك رأيه .. وأمر أبوك أن يحضرها من أثيوبيا .. عندما حضرت مع أبيك .. لم تكن موضع ترحيب من أحد .. وهي لم تستطع أن تكون واحدةً منّا .. بسبب الدين والتقاليد المختلفة

بعد ولادتك أرادت أن تعود بك إيطاليا لزيارة عائلتها … لكن جدك رفض .. المشكلة تعقدت أكثر عندما طلبت أمك الطلاق .. خمسة أشهر بعد ولادتك وافق ابوك على الطلاق شرط أن تتخلى عنك .. لأن أباك أراد لك أن تنشأ مُسلماً لا نصرانياً

أخيراً … وافقت أمك ورحلت إلى وطنها … ثم قمت أنا برعايتك مع أبيك .. وكل هذا الحب والاهتمام الذي تجده لأننا لم نشأ أن تشعر بأي فرق .. وهي تخبرني بالقصة .. لم أكن هناك .. لم أكن معها .. كُنتُ أُحلق في عالم من الخيال أحاول أجمع أشلائي .. شعرت أنها مزّقتني لمليون قطعة .. ونثرتها في الفضاء .. يا الهي .. الآن بدأت أفهم .. الآن أستطيع أن أجد إجابات لمئات الأسئلة التي أحملها معي طول حياتي .. يا الهي .. أين أمي ؟! كيف لها أن تتركني هكذا ؟ كيف لها أن تتركني وأنا خمسة أشهر فقط ؟ أين هي الآن ؟! هل هي على قيد الحياة ؟! لا أحد يدري ! مازلتُ أحمل في جُعبتي الكثير من الأسئلة بلا إجابات … و الكثير سيبقى أسرار

أخيراً .. إستيقظت من النوم … لأكتشف أن كل تلك القصة كانت مجرد حُلم مُزعج

————————

* هذا النص كُتب باللغة الإنجليزية وقدمته للمدرسّة عندما كنت في معهد اللغة عام 1998*

 

 .. يتبع

آمال

 

 

دزموند

(4)

دزموند

May 2007

ارجوكِ سيدتي لا تفزعي .. أنا لستُ مجنوناً .. قد أكون أعقل من جلس على هذا الكرسي .. ارجوك ساعديني .. فأنا أعقد عليكِ آمالاً كبيرة .. منذُ أن وعت عيني الأشياء .. وأنا الإنسان المُطيع .. المؤدب .. المنفذ لجميع الأوامر .. لم أكن أسأل لماذا ؟! ولأني كُنتُ أكبر إخوتي .. ولأن الآمال معقودة عليّ .. فقد تحملت الكثير من الضغوط المعنوية والنفسية .. وبالرغم أنني لم أجد الكثير من الاحترام والتقدير من والدي .. إلا أنني عزمتُ الا أُخيب ظنه .. لكن ذلك حدث على أي حال .. وكان يحدث كل مرة .. دون أن أعلم لماذا .. وكنت أقف على قدماي مرةً أخرى .. وأحاول بدل المزيد من الجهد .. لكنني كنت أقع في كل مرة

إكتشفت لاحقاً أن لا شيء يمكن أن يُرضي والدي .. لا شيء أبداً .. لكنني إكتشفتُ ذلك متأخراً جداً .. وأكتشفتُ أيضاً أن المشكلة لم تكن أنا بل هو .. هو لا يستطيع رؤية سوى الجزء الفارغ من الكأس .. لا شيء يُرضيه أبداً .. فإن أحضرتُ له القمر بيميني .. لقال : كان بإمكانك أن تُحضِر الشمس .. لماذا لم تُحضر الشمس ..؟ وإن أحضرتُ له الشمس .. قال لماذا لم تُحضر زُحل  .. وهكذا .. لا شيء يرضيه .. وقد كُنتُ أفعل كُل شيء من أجله .. من أجل أن يكون فخوراً بأكبر أبنائه .. أضعتُ زهرة شبابي من أجله … من أجل لا شيء .. تسعُ سنوات في جامعات السعودية .. عانيت فيها الأمرين .. الغُربة والفشل .. فقدت الثقة في نفسي .. فقدت الثقة في قدراتي .. عانيت من الاكتئاب ولم أكن أدري .. وبعد أن ظفرت بشهادة الجامعة هناك .. كُنت ما أزال أشعر بالعار .. فشهادة الخمس سنوات أخذتها في تسع سنين .. حضرت هنا لأميركا أبحث لوالدي عن شهادة أخرى من جامعة أخرى .. وشهادة أخرى بأني سأبذل الغالي والنفيس من أجل أن يرضى عني .. لكن .. لا يهم أبداً .. لا شئ يرضيه

فجأةً .. وفي عام 2005 إكتشفتُ أمراً خطيراً للغاية .. أمراً مهولاً هّز وجداني .. إكتشفت أنني كُنتُ مُبرمج بطريقة خاطئة .. وأن كل ما عملت في تلك السنين لم يكن سوى ضياع .. وأن كل ما ذهب من عمري ربما ذهب هباءاً .. وأن كل ما ترتب على ذلك من نتائج لم يعد له قيمة .. وهذا تماماً ما حدث لدزموند يا سيدتي .. دزموند الشخصية الموجودة في الجزء الثاني من مسلسل ” ضياع/ لوست ” .. سأختصر لكِ قصته في سطور قليلة ..  لقد وجد دزموند نفسه مرمياً على شاطىء جزيرة بعد أن اصطدم قاربه بالصخور .. ثم أخذه رجل موجود في الجزيرة إلى غرفة مُحصّنة تحت الأرض .. وكان الرجل يلبس بدلة مُحصنة ضد الأوبئة

بعد أن إستيقظ دزموند .. أخبره ذاك الرجل بأن الجزيرة موبوءة ..  وأن عليه أن يمكث داخل مبنى مُحصن تحت الأرض .. وأنه لا يمكن له الخروج للخارج إلا إذا لبس ملابس خاصة وجهاز اوكسجين للتنفس .. حتى لا تنتقل تلك الفيروسات إليه .. ثم أخذ يُحقنه بحُقنة كل يوم ضد الوباء .. أخبره ايضاً عن جهاز الكومبيوتر .. وأن عليه أن يدُخل كود من الارقام الى جهاز الكومبيوتر كل 108 دقيقة ..

ثم يبدأ العداد بالتناقص كل دقيقة ..  كتكات الساعة .. تك .. تك .. تك .. تك 108 107 106 105 .. دقيقة بعد دقيقة حتى يصل إلى آخر خمسة دقائق ..  يبدأ عندها جهاز الإنذار بإصدار أصواتاً تحذيرية بأن الوقت قد حان لإدخال أرقام الكود من جديد .. وضغط الزر من جديد

قال دزموند .. وماذا سيحدث يا سيدي إذا لم أُدخل الكود ؟! قال له الرجل الغريب .. سيحدث إنفجار كبير سيُدمر الجزيرة .. إن مُستقبل الجزيرة يعتمد عليك .. أمكث أنت هنا وقم بواجبك حتى يأتي شخص بديل يحمل عنك الراية .. ويقوم بأداء المُهمة .. ستعرفه عندما يخبرك بكلمة السر .. كل ما تحتاجه موجود هنا في هذه المحطة .. أكل .. شراب .. موسيقى .. ولا تنسى أن تأخذ الحُقنة ضد الأوبئة كل يوم .. لا تنسى مهمتك الأساسية تدخل هذا الكود في جهاز الكومبيوتر كل 108 دقيقة .. وتضغط على الزر .. ” تنفيذ ” … فيقوم العداد بالعودة من جديد الى الدقيقة 108 .. ويبدأ من جديد في العد التنازلي 108 107 106 105 وهكذا

لم يسأل دزموند الأسئلة الكافية .. واستمر في عمل ما طُلب منه بتفاني .. يُدخل الأرقام .. ثم يضغط على ذاك الزر كل 108 دقيقة مدة ثلاث سنوات .. ولم ينسى كذلك أخذ الحُقنة كل يوم .. حتى وجده بالصدفة الضائعون في الجزيرة عندما سقطت طائرتهم على الشاطئ  .. كانوا يبحثون عن مخرج من ورطتهم وظنوا عندما وجدوا دزموند أنه من سينقذهم .. عندما أخبرهم أن الحياة على الجزيرة مستحيلة بسبب الفيروسات والأوبئة .. أخبروه أن الحياة طبيعية خارج المحطة .. وأنه لا يوجد أوبئة ولا يحزنون .. صَعُقَ دزموند .. وحزن على تلك الأيام التي أضاعها من عمره يُدخل تلك الأرقام إلى ذلك الجهاز اللعين .. ثلاث سنوات مرت عليه بكل يوم وكل ساعة وكل دقيقة يُدخل تلك الأرقام في جهاز الكومبيوتر يريد أن ينقذ الجزيرة من الكارثة

سيدتي .. أنا خليل .. وهذه حياتي .. أُدخل الأرقام واضغط الزر منذ ثلاثين سنة

بُهتت السيدة لويس .. كأنني ألقيت عليها بحِمل ثقيل .. أثقل مما كانت تتصور .. أتذكر عندما قابلتني اول مره في العمل ورأت وجهي المُشرق وتلك الابتسامة العريضة .. ربما لم تلاحظ في تلك اللحظة سوى الابتسامة وادبي الجم .. يا للعجب .. كيف يستطيع الإنسان أن يخفي الكثير خلف إبتسامة صادقة .. وياللعجب ايضاً .. كيف وصلتُ أنا إلى هنا ..؟

كيف وصلت الى هنا .. مكتب أخصائية نفسية ..؟!! وكيف وصلت أيضاً الى هذا المكان .. أميركا .. ؟ لم أكن أحلم او أتصور في يوم من الأيام أن أذهب لأمريكا .. فكيف بالعيش فيها ..؟! لم أتخّيل ذلك ولا حتى عندما كان يستبد بي الخيال ..  أذهب لأمريكا .. مستحيل .. والدي لا يتركني أذهب ألهو مع اصدقائي في الحارة .. أنا لا أُغادر البيت معظم الوقت .. أنا نصفي رجل ونصفي الآخر إمرأة من كثر قعودي في البيت .. حتى أنّ المرأة اللازبين التي أحبتني هنا في أميركا .. أخبرتني أنها أحبت مني الجزء الناعم

عندما كُنتُ أحضر لمجلس والدي وأنا طفل صغير أتلمس خطواتي الأولى نحو الرجولة .. كان يقوم بذكر اي قصة مُخجلة عني فيتسبب في إحراجي ..  ومن ثّمَ أصبح مثار سخرية الكبار ..  كنت أهرب ولا أعود للمجلس حتى أصبحت أكره مجالسة الكبار وأشعر بعدم الراحة في وجودهم حتى أصبح هذا الشعور مُلاصقاً لي ..  لم أفهم أبداً دوافعه في تلك اللحظة ..؟! هل هو يُرّبيني بإحراجي بتلك الطريقة المُهينة ..؟

وعندما أصبحتُ في سن الشباب كان يمنعني من السهر خارج المنزل.. و يمنعني من السفر لوحدي .. وعندما تجرأتُ للمرة الأولى وكُنتُ في الرابعة والعشرين من عمري .. وأخبرته أنني أريد السفر لبريطانيا لأخذ كورس صيفي في اللغة الإنجليزية يساعدني في دراستي في كلية الهندسة .. ضحك بُسخرية .. وقال .. أخاف عليك وأنت هنا أمام ناظري .. فكيف أُرسلك الى بلاد الكفرة

عُدتُ على صوت السيدة لويس وهي تقول : حسناً .. تلك كانت قصة دزموند .. فما هي قصة الجزيرة والآخرين .. وهل ترى أن لها علاقة بك ..؟! أجبتها .. نعم بكل تأكيد .. قِصّة ” ضياع ” كالتالي … كان ركاب الرحلة 815  متجهون من سيدني الى لوس انجلوس على خطوط الطيران أوشيانيك عندما سقطت طائرتهم قرب جزيرة في عرض المحيط  .. مات بعضهم ونجا البعض ووجدوا أنفسهم على الشاطئ .. من الطبيعي أن يشعروا في الجزيرة بالضياع .. فهم لا يعرفون أين هم ؟  او أين تقع هذه الجزيرة .. ؟ ومن الطبيعي أيضاٌ أن يبذلوا كل ما في وسعهم كي يُنقذُوا أنفسهم من هذه الورطة لكي يعودوا بسلام الى ارض الوطن

إلا أنه وأثناء محاولاتهم المستميتة للخروج من هذه الجزيرة والعودة إلى الوطن .. يمرون بالعديد من المواقف والأحداث التي تختبر مدى إيمانهم وإصرارهم على العودة .. تلك المواقف التي جعلت فريقاً منهم يُحب تلك الجزيرة ويطمئن للعيش فيها .. ويتساءل .. ربما سقوط الطائرة هو القدر الذي أوصلنا إلى هنا  ..  ثم يقرر هذا الفريق العيش في الجزيرة .. خاصة عندما يتذكرون أن حياتهم في الوطن الأم  لم تكن بالصورة الوردية على اي حال .. وأن الإحساس بالضياع هنا في هذه الجزيرة .. كان يُقابله إحساس بالضياع هناك في الوطن

الا ان هذا الفريق الذي قرر أن يستقر في الجزيرة يصطدم بفريق آخر يُريد العودة للوطن بكل إصرار .. ويعتقد أن العيش في هذه الجزيرة أمر مؤقت .. وأن حياتهم في الوطن هي الأصل  .. سيدتي .. الطائرة التي ألقت بهم إلى هذه الجزيرة هي القدر 
 .. الوطن جيزان
 والجزيرة سان فرانسيسكو

ظلت تنظر إلي في صمتٍ وذهول .. وأنا أترقب أن تُلقي اليّ بسؤال … كسر الصمت سؤالي لها .. هل يمكنك مساعدتي ؟ أشعر بالضياع .. أشعر بغضبٍ عارم .. لقد أضعت أحلى سنين عمري بالجري وراء سراب .. أريد أن أسترجع ما فات .. والأدهى والأمَّر بعد كل تلك السنون لم أعد أعرف من أنا .. ماذا أريد .. كل الاتجاهات بالنسبة لي شمال .. أشعر أنني سأنفجر .. وأخشى أن يتأذى أحدٌ لو انفجرت ..

أريد أن أطوي هذا الفصل من حياتي وللأبد .. أريد أن أبدأ من جديد .. أُريد أن أتعلم أن أكون رجُلاً .. فأنا غير مُكتمل الرجولة .. كُنتُ أعيش تحت حماية أبي وكأنني امرأة .. أنا أكره خليل .. أكره خليل .. وأكره كل شيء يتعلق به .. وأكره أبي .. وأكره زوجتي .. أبنائي .. كل شيء .. وكل قرار اتخذته في حياتي لم يكن قراري .. لم يكن بملء إرادتي .. أنا فاشل ..  جبان .. غبي ..  قبيح

فجأة قالت .. اهدأ قليلاً … أرجوك .. أُريدك أن تهدأ قليلاً .. هل فكرت في الإنتحار ؟ هل فكّرت أن تضع حداً لحياتك ؟ تفاجأتُ بالسؤال .. قُلت باستغراب .. أنا ..!! لا .. لا أستطيع .. هناك في ثقافتنا ما يمنعني من عمل ذلك .. لكن أصدقك القول .. أتمنى عندما أذهب للنوم مساءاَ أن لا أستيقظ في الصباح .. أشعر أنني عالق في هذه اللحظة .. لا أستطيع أن أتزحزح .. لا أستطيع العودة للخلف .. لا أستطيع التقدم للأمام .. أشعر أنني مُنهك .. أشعر أنني ميت بداخلي ..  وأني ميت المشاعر .. نعم أتمنى أن أموت .. أتمنى أن أموت ولكن بطريقة أخرى .. كأن تصدمني شاحنة .. او تسقط على رأسي عمارة

ابتسمت ثم قالت .. جيد .. طالما أنك على الأقل لا تفكر بالانتحار فهذا جيد .. هذا يجعلنا نعمل على بعض النقاط براحة أكبر .. وسنحاول إصلاحها .. ولكن أريد أن أعرف القصة من البداية .. أريدك أن تُخبرني عن كُل شيء من البداية .. سنحتاج على الأقل لثلاثِ جلسات

أسبوعياً .. أريدك أن تكون قوياً ورابط الجأش .. وأريدك أن لا تفقد الأمل في الحياة

.. قلت لها .. لقد أحضرتُ لك حكايتي مكتوبة باختصار .. لقد كتبتها عندما كُنت طالباً في مدرسة اللغة الانجليزية عندما جئت لأمريكا للمرة الثانية عام 1998 وهي بعنوان ” أسرار ” .. وكانت قد حازت على إعجاب مُدرّستي .. نظرت اليّ بفضول .. حسناً ناولني الكراسة

ثم بدأت .. تقرأ في صمت .. وأنا أراقب عينيها .. تقرأ ببطء .. وأنا أنظر إليها بتوتر .. أشبك بين أصابع يداي الأثنتين .. وهي تقرأ .. ثم بدأت عينيها تتسارع أكثر كأنها تلتهم الكلمات في نهم .. وأنا أعصابي تزدادُ توتراً .. حتى أصبحتُ أجلس على حافة المقعد .. وهي مازالت تقرأ .. ثم رفعت حاجبها الأيمن باستغراب .. ثم قلبت الصفحة .. وبدأت هي تتوتر أكثر .. ثم قطبت حاجبيها .. كأنها شعرت بالغضب .. ثم فجأة صرخت بصوت عالي … ياااااا إلهي … هل وجدت أمك ؟

أجبتها .. بعد أن ارتخت أعصابي قليلاً .. لا يا سيدتي .. مازلتُ أبحثُ عنها

 .. يتبع

أسرار

 

الصعود للهاوية

(3)

الصعود للهاوية

May 2007

(*)

كُنتُ قد خططت لكل شيء .. لم أدع شيئاً للصدفة .. ستغادر زوجتي إلى ولاية ميريلاند صباح الغد لزيارة أمها وقضاء الصيف بصحبة ابني الأكبر 4 سنوات وطفلتي الصغيرة سنتان .. لكنها لن تعود .. هي مازالت لا تعلم بما أضمرتُ لها من شر .. أنا لا أصلح أن أكون أباً .. لا أصلح أن أكون أباً .. هذه حقيقة مُسّلمة .. ولو لا الضغط الذي مُورس علي من أبي .. منها .. لكُّنا ما نزال نعيش أسعد أيام حياتنا .. مرت الثلاث سنوات الأولى بسرعة .. كُّنا سعداء جداً .. نخرج للعشاء كل ليلتين .. نسافر .. نقضي نهاية الأسبوع في بُحيرة تاهو .. نخرج للتخييم .. نذهب للتزلج .. نذهب للمشيئ في الغابات .. نسبح في النهر .. جربت كل الأشياء التي شاهدتها يوماً في التلفزيون .. وكُنت محروماً منها في جيزان

ذهبنا لمدينة سانتا كروز .. لمونتراي .. لكارمل .. علمتُها شوارع سان فرانسيسكو .. حدائقها .. متاحفها .. هنا تقاطع شارعي هيت آشبري الشهير .. كان البداية لثورة الهيّبز في الستينات .. وتلك حديقة البوابة الذهبية حيث كان يتجمع الهيّبز في صيف الحب الشهير عام ١٩٦٧ .. اذكر اول لقاء رسمي بيننا .. وكنت أضم يداها بين يدي ونحن نجلس سوياً على الرصيف في النورثبييتش الحي الإيطالي .. مّر رجل بجانبنا وهو يرمقنا بنظراته الباسمة وقال .. أرى الحُب في ذرات الهواء .. ضحكنا سوياً .. وأحمّر خديها

تزوجنا .. وأتفقنا أن نمنح أنفسنا المزيد من الوقت حتى نتأكد أن زواجنا يسير في الطريق الصحيح قبل أن نفكر في إنجاب الأطفال .. وحتى نتغلب على كل تلك الاختلافات .. فالمسافة بين جيزان وسان فرنسيسكو لا تُقاس بالأميال .. اقترحت أنا ثلاث إلى خمس سنوات .. هي إختارت أن تكون ثلاث سنوات .. والدي يحدثني بالهاتف .. يا ابني لو أنك خلّفت بعد زواجك مباشرة .. بدل كل هذا الانتظار .. لكان أبنك يتحدث معي الآن على الهاتف .. قلت في نفسي .. بالعربي أم بالإنجليزي .. ما فائدة أن نحضر أطفالاً لهذا العالم التعيس .. لنزيد أطفالنا تعاسة .. كيف لي أن أكون أباً .. وأنا مازلت أشعر بأني طفلاً صغير لم يكبر بعد ؟ ما زلت أشعر أني ممزق بين حضارتين .. لا أعرف من أنا .. من أكون .. ماذا أريد ؟

وللحق أقول بعد سبع سنوات من هذا الزواج لم نتعارك او نتخاصم ولو لمرة واحدة .. كنتُ أنا متفتح الذهن .. وكانت هي العاشق المُتّيم .. ولكن أخيراً تحت كل هذه الضغوط رضخت .. وليتني لم أرضخ .. عندما أخبرتني أنها حامل .. كانت ردت فعلي مزيج من الفرحة والحيرة .. فرحة بتلك التجربة الجديدة .. وحيرة من المستقبل المجهول .. وعندما عرفت انه ولد .. قلت في نفسي .. ياااااااه .. جت سليمة .. بعدها اختلف نظام حياتنا تماماً وللأبد .. بدل الخروج والاستمتاع بالوقت والحب .. مطاعم .. شواطئ .. منتجعات .. أصبح رضاعة طبيعية .. ورضاعة صناعية .. وتغيير حفاضات ومواعيد مستشفيات

مرت كل تلك الأحداث في ذهني كشريط سينمائي ونحن نجلس على الأريكة في صالة البيت نشاهد سوياً مسلسل ” لوست ” للمرة الأخيرة .. وذراعي تلتف حول ذراعيها وعنقها .. كانت الإضاءة خافتة كما تحب هي .. رائحة الشموع الموجودة في الغرفة تزيد المكان سكينة ووقار .. همستُ في اذنها .. ما أكثر ما يعجبك فيّ .. ؟ نظرت الى عيني بعمق .. لبرهة تفكر .. ثم قالت : جنونك ! قلتُ : جنوني !!! أنا

لا أسكر .. لا أشرب مخدرات .. لا أدخن الماريجوانا .. أنا ممل بصورة غير طبيعية .. فأين جنوني ؟

نظرت اليّ .. ثم سكتت برهة .. وقالت : اووه .. وبراءتك

(**)

عندما وصلت لمكتب السيدة لويس صباح يوم السبت حوالي عشر دقائق قبل العاشرة .. كان عليّ أن أنتظر في الشارع حتى تصل هي .. كان الجو شديد البرودة .. والضباب لم ينقشع بعد .. وكنت ما أزال أرتدي ملابس السهرة من الليلة السابقة .. ملابس ضيقة وغير دافئة .. قميص ضيق وبنطلون جينز ضيق ايضاً .. الملابس الضيقة غير محبب ارتداؤها في النهار .. لكني تعّمدتُ أن أحضر هكذا حتى تراني بهذا الشكل .. ملابس سهرة ضيقة في الليل .. لا شيء في ذلك .. لكن في النهار .. تصبح عرضة لنظرات الناس .. لاحظتُ ذلك في عيون بعض المارة .. كُنتُ مرتبكاً بعض الشيئ .. أُفكر بما أريدُ قوله .. هذا المزاج في تلك اللحظة .. وبرودة الجو .. جعلني أشعر برعشة خفيفة .. تمنيت لو كُنت توقفت في الطريق بمقهى ستار بكس الذي لم يكن يبعد كثيراً عن هنا .. كُنت التقطت كوب قهوة ساخن لاتيه بالفانيلا ليمنحني بعض الدفء

أحضرت معي دفتر لكتابة الملاحظات .. وورقة من كراسة رسم رسمت فيها صورة بورتريه لصورة شخصية لي وأنا في سن الخامسة .. احتفظ بها طول الوقت .. ومجلة دورية من مدرسة اللغة الانجليزية التي درست بها عام 1998 .. كتبتُ فيها اول موضوع إنشائي حقيقي بدون غش او مساعدة من أبي موضوع بعنوان ” أسرار ” .. ذكرت أبي هنا .. نعم .. الى أن وصلت للمرحلة الثانوية .. ووالدي من كان يكتب لي مواضيع التعبير .. كنت أذهب إليه في ساعة مبكرة من الصباح .. وهو يجلس القرفصاء يقرأ القرآن .. أخبره بأني انشغلت بحل واجب الفيزياء والرياضيات .. ولم أجد الوقت الكافي لكتابة موضوع مادة التعبير .. فكان يكتب لي موضوع التعبير في خمس دقائق .. وينصحني بأن أعتمد على نفسي .. كنت آخذ الورقات منه لأنسخها بخط يدي وأقدمها للمدرس المصري .. وأحياناً لا أجد الوقت الكافي للنسخ .. فأقدمهم للمدرس كما هي بخط والدي

لسنوات عديدة لم أكن أعرف من أنا ؟ كنتُ في جيزان أعرف من أنا بعض الشيئ .. او كُنتُ أتصور أنني أعرف .. كنتُ هناك ظل أبي في الأرض .. او صورة محددة أرادها لي أبي .. وشارك المجتمع في رسم تلك الصورة .. أما في سان فرانسيسكو .. فجأًةً .. تجد نفسك أمام لا نهاية من الخيارات .. صدقوني اذا قلت لكم أن الحرية مخيفة جداً أحياناً .. وخاصةً إذا جاءت بعد ثلاثين سنة من الأغلال

أحضرت معي الصورة التي رسمتها .. وأيضاً الموضوع الذي كتبته .. لأني كُنت أشعر بأن هناك فناناً خجولاً بداخلي .. لكني لم أكن أعرف من هو ؟ وكيف لي أن أخرجه إلى النور .. ربما تساعدني الأخصائية النفسية على تحديد ملامح ذلك الإنسان الساكن داخلي .. كُنت سأسألها عن رأيها في رسمي وايضاً فيما كتبته .. هل أنا فنان وموسيقار ..؟!! مع أني لم أعزف على آلة موسيقية حقيقية في حياتي .. هل أنا رسام ؟! لي بعض محاولات الرسم .. هل أنا ملاك ؟ هل أنا شيطان؟ كثيرة هي الأسئلة التي تدورُ في رأسي .. هل أنا كاتب ؟! .. لم يعد يهم  ..  بغض النظر عن الإجابة .. ماذا كُنتُ أفعل في كلية الهندسة لتسع سنوات

كل تلك الأفكار كانت تدور في رأسي .. لم يقطعها إلا وصول السيدة لويس .. بابتسامة عريضة أقبلت .. وكانت تحمل بعض الأوراق ..

إمرأة في الستين ربما .. جميلة الملامح .. قصيرة الشعر .. نحيفة كأنها عارضة ازياء … عيناها تنبض بالحياة والحيوية .. تلبس معطفاً بُنياً .. يغطي إلى تحت الركبة .. لكنه لا يُخفي ساقيها الجميلتين .. اتجهنا للباب .. فتحته بادخال ارقام سرية .. وصعدنا سوياً لمكتبها في الطابق الثاني

(***)

في حياتي لم أذهب إلى أخصائي نفساني الا ثلاث مرات .. وفي كل مرة كان السبب واحد .. الدراسة .. كُنت أذهب للأخصائي وفي جُعبتي نفس السؤال .. لماذا أمكث في غرفتي لعشر ساعات كي اُذاكر .. لكنني لا أستطيع أكمال صفحة واحدة ..؟!! مع العلم أنني أرغب في النجاح .. أرغب في التفوق .. وحتى إذا أكملت الصفحة .. لم أكن أفهم أي نقطة .. دائماً أنا شارد الذهن .. في الفصل في المعمل .. في الفصل اسأل المدرس أي سؤال فقط لكي أخرجه عن جو الموضوع .. ! في الغرفة عندما أحاول القراءة تجدني أعبث بأي شيء .. أرسم .. اشخبط .. أُقّلب قنوات التلفزيون .. أنقّب عن البترول داخل أنفي .. أقرأ جرائد .. أبحث عن حل لمشكلة فلسطين .. أصنع كل شيء في الغرفة عدا شيء واحد .. المُذاكرة ..! أخيراً وصلت إلى نتيجة وهي أنني ربما أكون مجرد إنسان غبي .. حِمار يريد أن يحصل على شهادة بكالوريوس الهندسة .. وهذا غير ممكن .. وإلى يومنا هذا مازلتُ لا أعرف كيف تخرجت من الجامعة ..؟!! المضحك أنه بعد التخرج .. قررت أن أسعى خلف الماجستير .. بحق الجحيم كيف كُنتُ أفّكر ؟

كُنت ادخل على الأخصائي النفساني بدون مُقدمات وأبادره بسؤال غريب .. هل تعتقد أنني غبي ؟! تتسع عيناه وهو ينظر إلي بدهشة .. ثم يقول .. بما أنك قد حضرت لزيارتي فلا شك عندي أنك رجل ذكي ! كانت زيارتي الأولى أخصائي نفساني عام 1995 عيادة خاصة في شارع فلسطين قريب من سوق الشرق الأوسط في مدينة جدة .. كُنتُ حينها مُحبط حتى الثمالة في الرابعة والعشرين من عُمري  .. وكان الطبيب من بلاد الشام .. وكانت زيارتي الثانية لأخصائي أمريكي من أصل فلسطيني عام 2003 في شارع ” يونيون ” بسان فرانسيسكو بطلب من زوجتي .. أمّا هذه المرة فهي المحاولة الثالثة لزيارة أخصائي .. وهي الدكتورة  لويس .. السيدة لويس زبونة عندي .. تعرفتّ عليّ عن طريق صوفيا وهي زبونة لدي أيضاً .. وصوفيا مهندسة ديكور تسكن حي ” بيرسيديو هايتس ” وهو حي اليهود ارستوقراط في المدينة .. وكانت قد مدحت عملي للسيدة لويس

عندما قابلت السيدة لويس للمرة الأولى سألتها إن كانت مُحامية ؟ قالت : لا .. أنا دكتوراه في الطب النفسي من جامعة بيركلي .. ولدي مكتب خاص لممارسة المهنة .. ابتسمت وقلت لها .. ربما أحتاج لزيارتك في المكتب ذات يوم .. فأعطتني كرت فيه العنوان والهاتف .. وضعته في محفظتي .. كان صعودنا إلى مكتبها في الدور الثاني فرصة لتذكر كيف وصلت إلى هذا المكان ؟

..  وجدتُ نفسي أسير خلفها في بداية ممر طويل ينتهي إلى مطبخ .. على اليمين توجد ثلاثة أبواب تقود إلى مكاتب مختلفة .. انعطفت بي يميناً إلى أول مكتب .. فإذا بي في صالة صغيرة للانتظار .. يوجد بها كنبة خضراء اللون باهتة بعض الشيء .. وكرسي .. وطاولة بالمنتصف .. وكذلك طاولة جانبية مرصوص عليها بعض المجلات بطريقة مرتبة وأنيقة .. لم يكن هناك مكتب سكرتارية .. ثم فتحت باب آخر بالمفتاح .. قادنا ذلك إلى غرفة واسعة بعض الشيء .. توقعت أن تكون هذه الغرفة أكثر تنظيماً وأناقة .. كما نتخيل نحن غرف الأخصائيين النفسانيين .. الوان هادئة .. موسيقى كلاسيكية .. كرسي أسود فخم من الجلد يستلقي عليه المريض باسترخاء .. إلا أنها لم تكن كذلك .. كانت عبارة عن غرفة أشبه بصالونات البيوت الأمريكية .. كتلك التي يجلس فيها الأمريكيون لمشاهدة التلفزيون .. كان هناك أريكة – صوفا – مريحة لجلوس المريض .. تواجهك عندما تدخل الغرفة .. وكرسي الأخصائية  يواجه أريكة المريض على مسافة كافية أقرب الى الباب .. ثم بقية الغرفة عبارة عن نوافذ و ستائر .. وكذلك كتب ومراجع مصفوفة على رفوف خلف مقعد المريض ..

في الجهة الأخرى من الغرفة لليمين طقم صوفا يصلح للاجتماعات .. وكذلك لوحة زيتية معلقة على الحائط

طلبت مني أن أجلس في وضع مريح .. وجلست هي أمامي .. في البداية ساد صمتٌ لبعض ثواني .. وكأنها كانت تنتظر مني البدء بالحديث .. بينما كُنت أنا أيضاً أنتظرها كي تبدأ هي .. ثم سألتني عن حالي .. فقلت بخير .. ثم قالت ماذا يمكنني أن أصنع لك ؟ .. لم ارد .. هل من سبب لمجيئك هنا ؟ .. قلت .. نعم دزموند .. قالت .. عفواً .. لم أفهم ؟ قلت ..  لوست  .. بدأت تعدل جلستها .. وبدأ وجهها يتغير قليلاً .. وكأنها شعرت أني مجنون .. ربما كانت تقول في نفسها كما يقول المصريون .. ياذي النيلة على اليوم اللي باين من اوله

 .. يتبع

دزموند

رقصة الموت

 

(2)

رقصة الموت

June 2007

(*)

هذا هو ليل شتائك في المنفى

توقد كل براكين الأرض السبعة

لكنك لن تدفا

تهرب من مرفا

وإلى مرفا

وتغور بعيداً في احلامك

عل
 هنالك امرأة تسخن ليلك

عل هنالك ارضا تدفن ويلك

عل هنالك شمساً توسع ظلك

لكنك لن تدفا

ما دام شتاؤك في قلبك

والمنفى فيك

فلن تهرب الا من منفى إلى منفى

====> بلند الحيدري

يُقال أن الكاتب الأمريكي مارك توين قال هذه العبارة عن سان فرانسيسكو ” أبرد شتاء مر عليّ .. صيف قضيته في سان فرانسيسكو ” .. إنها المدينة الباردة في عز الصيف .. مرت خمسة أسابيع منذ زيارتي الأولى الأخصائية النفسانية السيدة لويس .. الليلة أنا على موعد إنتظرته ثلاث عقود بصبرٍ وجلد .. الليلة سأشرب نخب أبي على جثة خليل .. او نخب خليل على جثة أبي .. وتلك اليد اليمنى التي أنهكها الإستمناء .. ستذهب مع الجثة بغير رجعة .. وستُدفن غير مأسوف عليها .. الليلة سأرتدي أحلى حُلة .. سأرقص على تلك الجثة .. الليلة سيتم دفن خليل ومعه ستة وثلاثون سنة من البؤس .. ستة وثلاثون سنة من الطاعة العمياء .. ستة وثلاثون سنة من ظل أبي … الليلة

سأكون أنا أنا .. أنا .. أنا .. وأنا فقط .. لا شريك لي

دخلت الحمام حلقت رأسي بالموس .. دقني .. نظرت في المرآة .. نعم هكذا أجمل .. قفزت الى البانيو لأخذ دش سريع .. خرجت وبدأتُ  في ارتداء ملابسي الداخلية .. تناولت قارورة عطري .. فيرزاتشي الزرقاء   .. بخة في الهواء .. مرور سريع خلال بخة العطر ثم بخة صغيرة تحت السروال الداخلي بجانب عضو الذكورة ..  من يدري إلى أين ستنتهي هذه الليلة ؟

لا تريد أن تسكب كل العطر على جسدك .. فأنت لست في جيزان .. الرجل الأمريكي لا يهتم كثيراً بالعطور .. إلا إذا كنت مثلياً .. لا تنسى كذلك أنك في سان فرانسيسكو .. ولا تريد إرسال الرسالة الخطأ .. فتحت دولاب الملابس .. هاهنا قميص ازرق سماوي مقلم بخطوط بنية منقّطة  لبن شيرمن  مقاس سمول  .. سيُظهر رشاقة جسمي واعتدال قامتي .. وتبرز معه اكتافي .. إلتقطته .. وهاهنا بنطلون جينز ازرق غامق لجين بول دامج ضيق من الأعلى ويتسع في الأسفل .. سيُظهر طول سيقاني .. وهاهنا جزمتي بو كابوتشي السوداء  .. جميل جداً .. اكتملت الأناقة الإيطالية .. نظرت في المرآة .. فبدا وكأني أقف أمام  آندريا آغاسي لاعب التنس الشهير

حفظت كل الجُمل التي أحتاج قولها بمجرد مشاهدة اول فتاة .. كل التكتيكات .. حسبت كل حركة وحركة مُضادة لردّة فعل الضحية .. الليلة معركتي المصيرية .. لا مجال للخسارة اليوم .. أحرقت كل سفني الشراعية قبل وصولي الى شارع فالنسيا الشهير بحي ميشن .. وصلت الى البار وأسمه ” البو رووم ” .. طلب السيكورتي بطاقتي الشخصية .. أخرجتها له بسرور .. كأنه لم يلاحظ أني أكبر من السن القانونية بخمسة عشرة سنة .. هذا جيد

البو رووم بار من دورين .. دخول الدور الأول بالمجان .. كان المكان شبه مُظلم .. عند الدخول يوجد على اليسار طاولات للجلوس مرصوصة وممتدة بجانب الحائط ” للمجموعات ” … وعلى اليمين يقف النادل خلف طاولة البار ويقابله كراسي فردية للزبائن  .. ومن خلف النادل ترتص قوارير الخمر بجميع الأنواع والألوان  .. ثمّة ممر في الوسط يفصل بين طاولة البار الطويلة والطاولات المقابلة الممتدة بجانب الحائط .. وفي نهاية الممر هناك غرفة البلياردو .. إضاءة مسلطة على طاولة البلياردو .. ومجموعة من الشباب تلتف حول الطاولة .. أمّا الدور الثاني فهو مكان للرقص .. وعادة ما يوجد فرقة تعزف موسيقى .. الدخول للأعلى برسوم .. بالرغم من أن الوقت مازال مبكراً نسبياً .. إلا أن البار في الدور الأرضي كان ممتلئاً

الإبتسامة أهم شيء عند الدخول الى البار .. فهي تضفي سحر خاص على هيئة الشخص .. وتُظهره واثقاً من نفسه .. تحركت في البار بطريقة ميكانيكية .. أبحث عن هدف .. وكأني الرجل الترمنيتر .. حدقتي تضيق وتتسع .. بعد معاينة المكان بدا لي شديد الإزدحام .. قررت الصعود إلى الأعلى .. بمجرد الصعود إلى الدور الثاني ناولت معطفي الصوف لفتاة تجلس خلف طاولة صغيرة وخلفها معاطف صوف معلقة .. اعطيتها دولارين وأعطتني تذكرة .. لفت نظري أنها تقرأ كتاب .. مع أن المكان مُعتم وقليل الإضاءة .. ربما تكون طالبة في الجامعة .. إستدرت لليسار لأشاهد المكان .. على اليمين مسرح صغير مرتفع قليلاً للفرقة الموسيقية .. كانت هناك آلات عزف ولا يوجد عازفون .. في الوسط ساحة صغيرة للرقص .. وفي أقصى اليسار بار مستدير .. وبعيداً هناك طاولة بلياردو .. المكان شبه مُظلم إلا من إضاءة مسلطة على المسرح وكذلك على البار وعلى طاولة البلياردو .. الموسيقى مُسجلّة صاخبة لكنها ناعمة في نفس الوقت .. هذا المكان مشهور بعزف موسيقى الجاز والفنك .. وأغلب الفرق الموسيقية التي تعزف هنا محلّية مكونة من اثنين او أربعة عازفين بالكثير

فتاة وحيدة ترقص في المنتصف على أنغام الموسيقى .. تُحرك يديها بتموج للأمام مرة وللجانب مرةً أخرى .. ثم تستدير وترفع ساقها برشاقة كأنها ترقص الباليه .. بدا لي وكأنها فراشة تُحلق في عالمها الخاص .. المكان شبه خالي إلا من مجموعة تلعب البلياردو وثلاثة او أربعة أشخاص يلتفون حول البار .. زوج من الشباب يستند إلى الجدار يشاهد الفتاة وهي ترقص .. ثم أقترب من تلك الفتاة شاب بلحية برتقالية ناعمة يحمل كأسين من البيرة .. أعطاها كأس .. ارتشفته بنشوة .. ثم أخذت ترقص من حوله وتدور

عبرت من جانبهما متجهاً إلى البار .. طلبت كوكاكولا مع الثلج وأخبرت النادل أن يسكبها في كأس كذاك الذي يشرب فيه الناس الويسكي .. استجاب بسرور وطلب دولارين ثمن الكوكا .. ناولته خمسة وطلبت منه أن يحتفظ بالباقي .. إستدرت جهة الشاب الذي بجانبي وبدأت معه حوار عادي لكنه مهم .. من المهم جداً الظهور أمام النساء في مثل هذه الأمكنة وكأنك معروف من الجميع .. لا تريد أن تظهر كشخص وحيد .. بل كشخص إجتماعي .. فالناس تطمئن أكثر للشخص المعروف .. وتخاف من الشخص الغريب .. والنساء خاصة في أمريكا كانوا عرضة للاختطاف والقتل بمجرد التعرف على شخص غريب في بار والخروج معه .. تحادثت قليلاً مع المجموعة التي تلتف حول البار .. ثم عرجت على طاولة البلياردو أشجع أحد اللاعبين .. بعد زهاء نصف ساعة إستدرت بدورة كاملة وأتجهت الى ساحة الرقص

كانت الفتاة ما زالت تحلق في عالمها الخاص وترمي بنظرات خاطفة هنا وهناك لكل الرجال الموجودون في الصالة .. أسندت جسدي إلى عمود في المنتصف أراقبها .. وابتسامة عريضة ترتسم على وجهي .. نحن السعوديون عجيبون حقاً .. لا أعلم من ضحك علينا منذ الأزل وقال أن الإبتسام يقل من هيبة الرجل .. وأن الناس لن يأخذوك بجدية إلا إذا بانت التكشيرة .. فحتى تكون رجل ذو شخصية  قوية يجب أن تتجهم .. وتعبس .. وتظل مكفهر الوجه .. أنا كُنت شخصية في السعودية طوال الوقت

لسنوات طويلة كنت أظن أن الناس تكرهني .. فلا أحد يبتسم هناك في  جيزان  .. وكنت أظن أن الحّر هو السبب ..  الناس ماهي طايقه نفسها … الكل يتأفف … أف .. أف .. أف في كل مكان .. في وجوه المارة .. خلف مقود السيارة .. في الشوارع .. في الأزقة .. في الدوائر الحكومية .. في الميادين .. في الأسواق .. في المدارس .. في المعابد .. في القهاوي .. كنت أظن أن الناس تكرهني .. حتى حضرت لأمريكا .. شعرت بحب الناس لمجرد أنهم يبتسمون في وجهك .. مع أني غريب .. وملون .. وابن كلب

الإبتسامة مهمة .. لكن الأهم أن تكون الابتسامة صادقة .. وليس أصدق من ابتسامة العيون .. أطلقت نظرتي الأولى صوبها كرصاصة إخترقت كل المسافات والأزمنة السحيقة .. نظرة حملت معها رغبة جامحة .. اخترقت كل الجدران الفاصلة بيني وبينها .. صمتها .. كبرياءها .. ملابسها .. رغبتها المترددة .. لتستقر في عظمها .. حتى بدت كأنها عارية تتراقص أمامي .. ثم بدت كمن شعر بتلك الرصاصة القاتلة .. بتلك الرغبة المتوحشة .. ثم أخذت تتباطئ .. وتتباطأ أكثر في الرقص .. بدت كأنها .. كأنها تنزف .. رمقتني هي بنظرة فاحصة من طرف عينها وتظاهرت أنها لم تلحظني .. اتبعتها أنا بنظرة أخرى تقيس حجم الخصر والارداف والسيقان

جميلة هي هذه الفراشة .. كانت ترقص وهي تنزف .. كانت تراقص صديقها .. لكنه بدا لي وكأنه مجرد صديق لا عشيق .. أدرت وجهي عنها ولاحظت أن المكان بدأ يمتلئ بالناس .. أخذت هي تقترب مني أكثر لكن ببطء .. تتظاهر بالرقص مع صديقها .. لكنها تخطو بخطوات نحوي .. ثم تتبع الخطوة بنظرة جانبية من طرف عينها .. بدأت تقترب بجسدها أكثر وأكثر .. تلتفت اليّ .. وأنا أتجاهلها أكثر .. للحظات بدت وكأنها تترجاني أن أنظر إليها من جديد .. أن أمنحها ذلك الشعور اللذيذ بأنوثتها

عندما تقترب أكثر من المرأة .. يجب أن تمنح نفسك – دائماً – مسافة كافية ومخرج للانسحاب والتراجع .. حتى لا تشعر هي بأنك شخص رخيص يحاول بذل الغالي والنفيس من أجلها .. تداعبها مثل قطة .. ترخي لها الحبل ثم تشد .. ثم ترخي .. ثم تشد .. لو أرخيت

 

كثيراً ستمل منك وتتركك .. لابد من خلق هذا الجو المشحون من الشد والجذب والرغبة والممانعة .. يجب أن تتصرف دائماً كأنك أنت الجائزة .. لا هي .. هي من يجب أن يتعب حتى يصل اليك .. وهذه النظرية تطبق حتى مع الزوجة .. لو أعطيتها كل شيء ستمل وستبحث عن آخر ! وذهني شارد خلف تلك الأفكار الإجرامية و لسبب ٍ لا أعلمه .. تذكرت الشيطان .. وكيف أنه في جيزان كان يُجهد نفسه كثيراً بالوسوسة لي .. أما الآن فقد أصبح قليلُ الحيلة .. وأصبحت أنا من يوسوس له .. شعرت عليه بالأسف .. تذكرت أيضاً خليل .. خليل الذي ألقيت جثته الى مزبلة التأريخ قبل دخول هذا المكان … خليل الطيب .. خليل الساذج الذي كان يتمنى عطف إمرأة .. كان يتمنى ولو نظرة .. ليعود بعدها إلى غرفته خلف جدرانه الأربعة يضاجع يمناه بغضب

فجأةً مدت يدها إلى يدي وهي تبتسم .. نظرت إلى يدها تمتد إليّ وإلى تلك الأنامل الناعمة تقترب مني ببطئ  .. ثم سحبتني إليها بلطف وهي تتراقص أمامي .. نظرت في عينيها وأنا أبادلها إبتسامة عريضة لكن دون رقص .. كانت تميل بظهرها ورأسها للخلف .. وتعود تقترب من صدري بطريقة متموجة مضحكة قليلاً .. وجهها جميل جداً كالمرآة البيضاوية المستديرة .. وشعرها المفروق من المنتصف ينسدل على جانبي وجهها  .. تشبه الممثلة المصرية نجلاء فتحي عندما كانت في العشرين ! عدتُ للوراء استند إلى العمود .. وكأني أعتذر لها عن الرقص دون أن أبوح بكلمة .. إقتربت بجسدها من جسدي .. والتصقت به تدفعني بلطف تجاه العمود خلفي .. وعيناها الزرقاء تعانق عيناي .. وابتسامة لا تفارق شفتانا .. ثم مدت يدها اليمنى خلف عنقي تمررها بلطف لأعلى إلى رأسي وخلف اذني .. ثم إقتربت أكثر بفمها من أذني تهمس بجملة تعلن فيها رغبتها بكل جرأة لم أكن أتوقّعها .. قالت : أنت مُثير جداً وأريد أن آخذك معي للبيت الليلة

ضحكتُ ضحكة مدوية .. وسمعت صوت داخل رأسي يصرخ ” الله أكبر سقطت كابل ” .. لم أقل شيئاً .. ابتسمت وأنا ما زلت أنظر في عينيها .. ثم نظرت لشفتيها ثم إقتربت أكثر وطبعتُ قُبلة على شفتيها .. أمسكت هي بشفتى العليا تمتصها وكأنها تقول أنت لي الليلة أنت ملكي .. ونصبت أنا خيمة على شفتها السفلى

وااااااااو … لم يحدث لي مثل هذا الشيئ من قبل .. وأنا في تلك اللحظة المجنونة عادت ذاكرتي تسخر من خليل الميت .. ضحكتُ عليه من كل قلبي .. وكأني أتشفى فيه .. من يصدق أن هذا الفتى اليعربي هو نفسه كان في نفس الشهر من العام 1989 يجثو على رُكبتيه على الرصيف أمام أبيه .. والدي يجلس على كرسي يضع رجلاً على رجل أمام المكتبة .. كنت للتو قد عدت من جامعة البترول .. وكانت مهمتي الصعبة أن أُقنع أبي برغبتي للسفر إلى أفغانستان للجهاد في سبيله

(**)

ما حدث تلك الليلة لم يكن قضاءاً وقدر كما ننظر نحن للأشياء .. او كما نفسر نحن الاشياء .. نحن ” كأمة عربية وثقافة ” لا نفعل اي شيء .. لا نبذل أي جهد … وعندما تكون النتيجة الطبيعة الفشل .. نلوم القضاء والقدر .. خلاص يا عمي هذا رزقك .. الحمد لله على كل حال .. قدر ومكتوب .. كلها كانت أعذار نخفي خلفها عيوبنا وخوفنا وكسلنا .. لسنوات لم أكن أجرؤ على التحدّث إلى إمرأة .. حتى هنا في امريكا .. وكانت الحجة التي أحاول إقناع نفسي بها هي الحياء والخجل والخوف .. استسلمت لتلك النتيجة .. وأصبحت قدري الذي لا مناص منه .. يجب أن أعترف أنه ليس لي في البنات ناقة او جمل .. في البيت وفي المدرسة نتعلم كل شيء عن الحياة .. عدا أهم شيئين .. الحب .. والمال .. هل منكم من تعلم الحب في البيت او في المدرسة ؟! أتذكر مئات النساء الجميلات يعبرن أمامي .. لم أكن أجرؤ على التحدث إليهن .. فكيف سأجد المرأة التي ستصبح زوجتي في المستقبل .. صحيح بعض الرجال يملكون تلك الخصلة بالفطرة .. البعض مثلي لا يملكها .. هل أستسلم لقدري ؟! .. لا .. سأتعلم الحب .. حتى أصبح مكينة حب متحركة .. سأبحث عن طريقة .. سأجدها

لم أكن أعلم أنه يمكن للإنسان أن يتحدى الخوف .. الخجل .. او أي شيء آخر .. يستطيع الإنسان أن يتحدى أي شيء .. اي شيئ .. متى ما أراد … لم أكن أحلم أبداً أن أكون هذا الإنسان الذي يستطيع أخذ أي إمرأة معه للبيت مهما كانت في غاية الجمال .. زمن الاستسلام للقدر ولى بغير رجعة .. ذهب مع خليل الطيب .. الله يذكره بالخير .. كان حمار يمشي على الأرض .. وكان فاهم انه فاهم

كانت الأسابيع التي سبقت تلك الليلة المجنونة مليئة بالعمل المضني .. كان الهدف محدد .. أريد أن أكون دون وان .. او .. كازانوفا الجيزاني .. كنت أريد أن أكون مثل ما كان محمد علي كلاي في الملاكمة .. بطل واسطورة … كنت أريد أن أكون البطل لكن في الحب .. من أين أبدأ يا ترى ؟!! نعم .. من قوقل … البداية دائماً من قوقل .. البحث .. بحثت عن كيف لي أن أصبح السيد كازانوفا الجيزاني .. ووصلت إلى الكتاب المقدس .. بايبل العشاق .. كتاب اللعبة – لنيل استراوس

تعلمت من هذا الكتاب كل شيء .. كيف تقضي على الخجل .. أخرج للشارع وقابل مئة امرأة يومياً .. فقط سلم وقل اي شيء .. وهكذا كل يوم .. مع الاسبوع الثالث بدت تلك الرهبة التي أشعر بها تتلاشى .. كل يوم اتمرن كأني الكابتن ماجد .. حتى وصلت لتلك الليلة .. أصدقكم القول تلك الليلة كانت النتيجة فوق ما تصورت .. لكن كله بالعمل الجاد المُتدرج ووجود هدف وخطة وموعد نهائي .. والأحلام بإذن الله تتحقق

 .. يتبع

الصعود للهاوية

حكايات جيزاني من سان فرانسيسكو

(500)

المقّدمة 

“It is all in your head!”

مساء الخير سان فرانسيسكو .. صباح الخير جيزان .. أهلي قرأوا جزء من القصة .. يقولون أني مسحور .. فلا يمكن لشخص عاقل إن يكتب مثل هذا الكلام .. والدي يقول أن الدكتورة لويس اليهودية الخبيثة أفسدتني .. ويقول إن مُنافسي اليهودي في العمل سحّرني .. عمي عبدالغفور يلوذ بالصمت .. عمي حُّمد يحُضر قصاصات القصة لوالدي كي يقرأها بعد أن يطبعها ويخفي منها بعض الأشياء التي لا يُريد أن يراها أبي .. عمّي حمد يقول .. واضح أن خليل سكّير .. ومن رواد البارات .. كأس الويسكي لا يُفارق يده

القصة ستجيب على أهم سؤال ظهر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر  .. لماذا خمسة عشر شاباً من السعودية كانوا ضمن التسعة عشر إنتحارياً ؟ وثَمّة سؤال آخر من بين عشرات الأسئلة التي أبحث لها عن إجابة  .. ماذا سيحدث عندما يُقرر شخص نكرة التحدث بكل صراحة وصدق عن كل شيء يعرفه عن نفسه وعن الآخرين من حوله ؟

سيقرأ القصة البعض ويقولون .. مؤامرة صهيونية تستهدف مُقّدساتنا وثوابتنا الدينية .. ويقرأها أهل جيزان ويقولون .. أبااااااه فضحنا وفضح أهله .. ما هبوله .. غسلوا مُخّه ..

سيقرأ كل قارئ هذه القصة من زاويته الخاصة .. من تجربته الشخصية الفريدة .. من بيئته .. من نظرته الفريدة للحياة .. وسيخرج انطباعه وحكمه الخاص .. ولو قرأ هذه القصة الدكتور سيجموند فرويد لربما قال إنه الكبت ياغبي

أمّا القصة فهي قصتي أنا .. سأرويها بطريقتي أنا .. من عنده قصة مختلفة ورؤية مُختلفة للأحداث .. فليكتب ما يشاء .. أكتب وألّف عشرات الكتب والمقالات .. أمّا تاريخي أنا .. فأنا من سيكتبه .. حتى لو كنت المنهزم .. أنا من سيكتبه .. لن أدع المنتصرين يكتبون ويزّورون تاريخي

سندخل مستويات من العُتمة في حياتي .. ومن هنا من هذه المدّونة سيتسرب وميض ضوء إلى تلك الأماكن المُعتمة من الماضي .. ربما سيصيب هذا الوميض البعض بالعمى ..  فالقصة مليئة بالمفاجئات والمنعطفات الخطرة .. كل ما اطلبه منك أيها القارئ ربط الحزام  .. أستعد لرحلة العمر .. رولر كوستر العواطف والمشاعر الجياشة .. ستصعد معي لأعلى حتى لربما تلامس السحاب .. وستهبط معي إلى قاع وادٍ سحيق حتى لتظن أنه تلطخت ثيابك بالوحل .. ستضحك ملء شدقيك .. ستصرخ .. ربما تقع من فوق الكرسي .. ستغمرك السعاده للحظات .. ثم من حيث لا تعلم .. ستبتل خدودك بالدموع .. ربما ستكرهني حتى الموت  .. وربما ستعشق تلك الحروف التي ستحملك دون أن تدري إلى أين

.. يتبع

عشرون عاماً في المنفى