سهام في قلبي

(18)

سهام في قلبي

1979

سيدتي

في البداية كان معنا في البيت تلفون أسود بذراع صغيرة بجانب الهاتف .. وكان والدي يُدير تلك الذراع عدة مرات .. ثم أسمعه يصرخ .. المركز المركز .. ثم بعد ذلك أصبح معنا تلفون أسود بقرص دائري في المنتصف .. بداخله دوائر صغيرة .. وبداخل كل دائرة رقم من الصفر إلى تسعة .. ينقلب البيت فرح وسعادة عندما يتصل عمي حُّمد من أميركا .. كنت عندما أسمع أنه أتصل أشعر بفرحة غامرة .. كنت أجري نحو الهاتف .. وكأن روحي تُريد أن تسبق جسدي .. تُريد أن تخرج من جسدي لتلثم سّماعة الهاتف .. حتى أني كنت أشعر أن رجلي لم تعد تُلامس الأرض .. ثم عندما أصل لمكان الهاتف في تلك الصالة الصغيرة .. أجد الكل مجتمع حوله ينتظر دوره كي يتحدث .. كان والدي يسبق الجميع .. ثم يعطي السماعة لجدي ثم لجدتي .. وهكذا حتى تصل السماعة إليّ .. كنت أتكلم بسرعة كبيرة من الفرحة واللخبطة … كأن الحروف تصعد فوق ظهر بعض .. فتتكون كلمات جديدة من الفرح والإستعجال .. عم حُّمد عم حُمّد عم حُمّد .. .. أنا خليل خليل خليللل .. كيف حالك .. كككيف حالك عمي حُمّد .. متى ترجع .. ممتى ترجع .. وكنت أسمع عمتي من خلفي تستعجلني .. خلاص خليل .. اللي بعدك .. كنت أنهرها .. طيب .. عم حُمّد عم حُمّد عم حُمّد .. مع السلامة مع السلامة معاك أختي سهام .. ثم عندما تنتهي المُكالمة يخيم الحزن على البيت .. جدتي تبكي .. جدي يحاول أن يُخفي دموعه بطرف الغترة ثم يتجه صوب غرفته .. والدي مُبتسم يشعر بالفخر أن عمي يدرس في أميركا .. عشان يرفع رأسنا قُدام الناس .. ثم يردد الحمد لله.. الحمد لله .. سمعنا صوته .. المهم إنه بخير .. ثم نجتمع نتحدث عن ذكرياتنا مع عمي حّمد لمدة ساعة .. حتى ينّفض المجلس .. مرات كانت تأتي عمتي الكبيرة المتزوجة من بيتها لتشاركنا الفرحة وتطمئن على أخيها حُمّد .. هي أيضاً لها إبن تم إبتعاثه بعد ثالثة متوسط إلى بريطانيا لأخذ دبلوم في الأرصاد الجوية .. كان يُعاني من مرض الكلى .. وكانت تعيش في قلق عظيم بين نار ولوعة الفراق ومعاناة إبنها من إلتهاب الكلية

كان لعمي عبدالغفور كثير من المعجبات .. طبعاً لم أفهم ذلك في ذاك الوقت .. بل لاحقاً .. والسبب أن كثير من الفتيات من الحارة كانوا يزورون بيتنا بشكل إعتيادي بعد كل مغرب .. ويقعدن مع عمتي زُليخة وزوجة أبي وجدتي .. ثم لم نعد نشاهدهن بعد زواج عمّي عبدالغفور .. في أحد الأيام كان عمي عبدالغفور يجلس في المكتبة مكان الوالد .. والمكتبة عبارة عن رفوف مربعة تلتصق بالجدران الثلاثة .. تصطف عليها كل أنواع القُرطاسيات .. والواجهة زجاجية .. لم نكن نبيع الكتب بل فقط الأدوات المدرسية .. وكان يفصل بين الزبون والبائع دولاب من الزجاج والألمنيوم لعرض الأقلام والبرايات والمحايات .. وللدولاب رف علوي .. ورف في المنتصف .. كان عمي يبيع لفتاة .. وأخذ راحته في الحديث معها .. فوضع رجله اليمين على الرف الزجاج .. فأنكسر الرف وقُطعت رجله .. تم نقله للمستشفى .. وتم شك رجله بالعديد من الغُرز و لفها بالشاش .. وأعطوه عُكّازات لكي تساعده على المشي

 

في اليوم التالي كانت الأمطار تتساقط بغزارة .. خرج عمي وأحضر كُرسي .. وجلس أمام المنزل عند المدخل يشاهد الشارع ويستمتع بالجو الماطر الجميل .. طبعاً دون أن يبتل لأن سقف البيت أمام المدخل يمنع المطر من الوصول إليه .. كانت تلك فرصتي التي إنتظرتها طويلاً كي أضحك عليه وهو بعكازين لا يستطيع الحركة .. فكنت أجري وألعب في المطر وأشير إليه وأضحك .. وكان يحذرني من الشماتة به .. لكني لم أكن أعبه .. فيمكنني الجري والهرب منه ولن يستطيع اللحاق بي هذه المرة .. ههههههههههه

جاء ولد عمتي وطلب مني أن أذهب معه للميدان .. كان المطر ينقطع ثم يعود .. وقد إمتلئ الشارع بالماء وأصبح كالبحيرة .. رافقته للسوق وكان يكبرني بسبع سنوات .. كانت فيه حركات من الميوعة و كان يحرجني .. لأنه يمشي ويغني أغاني أم كلثوم في وسط الشارع وبصوت مرتفع .. ثم يحرك يديه بنفس طريقة أم كلثوم  .. هكذا ولم يكن يعبه بنظرات الناس .. أنا كنت أكره أم كلثوم أصلاً .. وذلك لسببين .. الأول أن صوتها غليظ ورجولي وهي إمرأة يُفترض أن يكون صوتها ناعم .. والثاني كنت عندما أنتظر مشاهدة فيلم السهرة لعادل إمام ليلة الخميس على ما أظن .. كانوا يعرضون أغنية طويلة جداً لأم كلثوم قبل الفيلم .. فأتسمر أمام التلفاز أحاول أن أبقي على عيوني مفتوحة .. حتى يغلبني النوم ويفوتني الفيلم بسبب أم كلثوم .. وعندما أستيقظ في الصباح .. تذكرني أختي سهام بقصة الفيلم وأكون في غاية الغيظ والقهر .. المهم .. ونحن عائدون من الميدان كان هناك مجموعة من اولاد الحارة في نفس عمري وبعضهم اكبر قليلاً .. صرخوا فينا وكانوا يكذبون .. أن لا نمشي خلال الماء من جهة اليمين وأن علينا أن نتجه لليسار لأن هناك علبة زيت نُحاسية مقطوعة ويمكن نتعور ونتأذى منها .. ولد عمتي لم يصدقهم لأنهم جيرانه ويعرفهم  .. أما أنا فصدقتهم ..  فأتجهت نحو اليسار .. ثم شعرت بألم حاد في رجلي اليسار .. عندما رفعت قدمي من الماء .. فإذا أصبع رجلي الكبير مقطوع إلى المنتصف والدم يسيل .. إنفجعت من كبر القطع وغزارة الدم .. حملني ولد عمتي بسرعة إلى البيت .. والمصيبة أن الاولاد كانوا يضحكون بهستيريا .. لأنهم اوقعوني في الفخ الذي نصبوه للمارة

أخذني ولد عمتي الكبير عبدالكريم إلى المستشفى .. وكان مدرساً للعلوم في متوسطة إبن سيناء .. كنت أبكي وأعتقد أنني ربما سأموت من كمية الدم التي سالت مني .. وصلنا المستشفى .. وقاموا بشك ثلاث غرز تحت أصبعي .. وكنت أبكي بصورة جنونية من ألم الغرز ثم لفوا الشاش حول أصبعي وباقي رجلي .. لكن لم يعطوني عُكّاز .. في اليوم التالي كان المنظر هكذا أمام عمارتنا .. أمطار مازالت تتساقط .. عمي يجلس على كرسي وبيده عكّاز وملفوف الشاش على كل قدمه .. وأنا أقف بجانبه أتكي على عُكازه الآخر .. ورجلي ملفوفة بالشاش .. ننظر بحزن للشارع .. والمطر ينهمر بغزارة .. نتنفس تلك الرائحة الفريدة التي يحملها المطر معه .. نستمع لصوت الرعد .. ونشاهد السيارات تمر من أمام المنزل ومافيش حد أحسن من حد

عدنا للمدارس .. المدرسة ظريفة .. وتحدث فيها أشياء غبية ومُضحكة ولا يُمكن تصديقها .. لم أكن متأكد هل الغباء في الكتب أم في المعلمين أم في طريقة التعليم أم فيّ أنا .. مثل أنهم كأنوا يضربوننا بالعصي في المدرسة .. ثم يطلبون مّنا أن نحبها .. ونحب المجيئ إليها ..! لابد أنهم مجانيين

المدرسة الشامية مبنى حكومي مكّون من دور ارضي ودور اول وسطوح .. وملعب كرة يد كنا نلعب فيه كرة قدم في حصص الرياضة ومباريات بين الفصول في الفسحة .. المبنى رمادي اللون من الخارج .. وحوافه مطلية بلون رمادي أغمق .. وهناك سور خارجي أقرب للشارع .. ثم مساحة تُرابية خالية .. ثم سور أخر ببوابة أقرب لمبنى المدرسة .. واضح أن الحراسة كانت مُشددة حتى لا يهرب الطلاب .. السور الداخلي يحيط بالملعب من الشرق .. ثم يلتف إلى جهة الغرب عند مدخل المدرسة .. الفراش يجلس طول الوقت أمام البوابة .. يوجد بوابة أخرى للمبنى يأخذك لغرفة المدير وغرف المدرسين .. ثم فصول الطلبة موزعة بين الدور الأرضي والدور الأول .. والملعب يقع شرق المدرسة .. ملعب أسمنتي الارضية طبعاً .. ربما كانت الشامية ومدرسة خالد بن الوليد هي المدرستين الوحيدتين الحكومية في المدينة .. وبقية المدارس الإبتدائية مباني مُستأجرة .. لذلك كُنا نشعر بالفخر كطلبة بمدرستنا

المدرسة تقع إلى الشرق من بيتنا على طريق الكورنيش .. خمسة دقائق مشياً على الأقدام .. وكنا نستمتع بمنظر البحر من الفصل في الدور الأول .. كنت أحب الجلوس قريباً من النافذة .. لم تكن الفصول مُكّيفة في ذلك الوقت .. دخل المُدرس ذات يوم وسأل .. من يعرف منكم اسماء البحار السبعة ..؟ أنا كنت جالس أستمع لما يقول ومُستغرب أنَّ هناك بحار سبعة .. كنت أظن أنه لا يوجد سوى بحر واحد فقط .. وهو هذا البحر الذي يقع على يساري .. وأستطيع رؤيته من النافذة التي تمتد إلى منتصف الفصل .. نافذة ثم عمود أسمنتي .. ثم نافذه أخرى تمتد إلى السبورة .. رفع بعض الطلبة أيديهم .. وبدأ المُدرس ينتقي الطلبة كي يقولوا ما عندهم … أنا أنا يا أستاذ .. تفضل يا بدر .. البحر الأحمر .. الأستاذ صح هذا واحد .. مين يعطيني إسم آخر ؟!! يالله يااولاد من يعرف ؟!! أنا كنت أفكر .. معقولة فيه بحر أحمر !!! قام طالب يقول البحر الميت .. درجة إندهاشي تزداد أكثر .. طالب آخر يقول أنا أنا يا أستاذ .. البحر الأسود .. وآخر يقول بحر العرب .. ورابع يقول بحر الصين … ثم توقفوا عن ذكر المزيد .. كنت مندهشاً للغاية .. ونفسي أرفع يدي وأشارك في حفلة البحار السبعة .. نظرت لجهة البحر للمرة الأخيرة لأتأكد من لونه .. ثم قفزت من الكرسي ورفعت يدي وصرخت بأعلى صوتي .. أننننننااااااا .. أنااااا يا أستاذ .. قال الأستاذ وهو يحاول إسكاتي .. خلاص يا خليل .. خلاص يا إبني الطلبة ذكروا جميع أسماء البحار السبعة .. صرخت بحماس وإستهجان وأنا أشير بيدي وذارعي جهة النافذة وبأعلى صوتي .. البحر الأزرق يا أستااااذ .. البحر الأزرق يا أستاذ .. لا .. يا خليل .. هذا هو البحر الأحمر .. شكراً يا خليل .. أقعد يا إبني .. وأنا غير مُصدّق ومغتاظ قعدت .. معقولة البحر أمام عيني أزرق والمُعلم يقول إنه أحمر .. أصدق المدرس وأكذب عيني .. مُستحيل أكذب عيني

كُنت أعود للبيت ولأني كُنت نحيف جداً كان والدي دائماً في صراع معي .. كان يُريدني أن آكل حتى أصبح قوي البنية .. وكنت آكل بكل ما أستطيع من جهد .. إلا أن والدي لم يكن راضيا عن صحتي .. فقررت أن أستعين بخبرة عمي عبدالغفور .. طلبت منه أن يخبرني عن ما يجب أن أفعل حتى أصبح قوي البنية ؟!! قال لي كُل وستصبح قوي البنية .. قلت له أكلت لكن لا فائدة .. قال راقب أختك سهام على الغدا وكُل كما تأكل هي وتوقف عندما تتوقف ..! قلت بس كذا .. بسيطة .. سأراقب سهام وهي تأكل .. يخرب بيت أهل سهام لما تاكل .. لم أكن أعلم أن المهمة ستكون بتلك الصعوبة وبتلك الدرجة من التعقيد .. إكتشفت في ذاك اليوم لماذا أنا بهذا النحف ؟!! بالرغم أن سهام ليست نُفيخة المنافيخي .. ولا تشبه نعمان في إفتح يا سمسم .. بل كانت ممتلئة قليلاً ولا تشاهد عظامها مثل أكثر البنات بينما بسهولة يمكنك رؤية عظامي

كان الغدا في العادة رز .. مرات يكون أبيض .. ومرات يكون أحمر .. أنا كنت أفضل الأبيض .. عمتي زُليخة تضع قطعة بلاستك على الارض ومرات جرائد .. ثم تضع صينية كبيرة مليئة بالرز .. ثم تضع في المنتصف فوق الرز طبق اليوم .. مرات سمك .. مرات دجاج .. وأحياناً لحم .. السمك هو الأكثر تردداً على السفرة .. لأنه الأكل المُفضل لوالدي وعمي عبدالغفور .. وكانت تصنع إدام .. وهو عبارة عن صلصة طماطم مع حبات طمامطم ثم تضيف إليها مرات بامية .. ومرات ملوخية .. وأحياناً خضار مشكل باذنجان .. كوسة .. ثم يكون هناك بالإضافة إلى ذلك بقول خضراء .. جرجير ولم أكن أحبه إطلاقاً .. فجل .. أحياناً كراث .. وأخيراً فواكه بعد الأكل .. برتقال موز تُفاح كل يوم .. بالإضافة إلى فاكهة الموسم .. وأحياناً مشمش مرات كميثرى .. بطيخ وهكذا

جلسنا حول السفرة جميعنا عدى جدي الذي يأكل لوحده في غرفته .. وكذلك والدي الذي يتأخر في العمل .. فتُبقي له زوجته بعض الأكل .. فيأكل لوحده أيضاً .. كُنا نجتمع حول السفرة عمي عبدالغفور .. عمتي المنسية .. جدتي .. عمتي زُليخة .. زوجة أبي .. أنا بجانب سهام هذه المرة .. وبقية أخواتي البنات .. وكذلك أختي الكبيرة .. بدأ السباق .. على بركة الله .. في العادة كنت آكل شوية رز شوية سمك .. وأتجاوز الفاكهة وأقوم أجري و ألعب مباشرة .. اليوم سأقوم فقط عندما تقوم سهام .. سأكل رز عندما تأكل رز .. سأكل سمك عندما تأكل سمك  .. كنت أقلدها .. هي لاحظت ما أفعل من تقليدي لها .. فلم تلتفت إليّ ولم تُبالي .. كانت كأنها في مهمة رسمية .. تركيز عالي ما شاء الله .. وتصميم وعزيمة وإخلاص في العمل .. في ربع الطريق بدأت أشعر بإجهاد .. وبدأت أشعر أن بطني قد إمتلأت .. فأصبحت أقلدها في الأكل لكن بكمية أقل .. وهي مستمرة لم تتوقف حتى أصبحت السفرة نظيفة تماماً .. إلى هنا لم أستطع الحركة .. وكنت أنوي أن أنام على ظهري من الشبع والتعب .. وظننت أنها إنتهت وستتوقف .. لكن كنت على نياتي

عمي عبدالغفور يرمقني بنظرة عتاب .. خليل إذا أردت أن تصبح قوياً فيجب أن تأكل .. وسهام مثال حي .. لا تقف حتى تتوقف هي .. بس ياعمي خلاص .. لا أستطيع .. أشعر أنني سأنفجر .. قال لا .. لازم تواصل .. وما نيل المطالب بالتمني .. ولكن تُؤخذ الدنيا غلابا .. أخذت سهام موزة .. أخذت موزة على مضض .. لم أستطع إكمالها .. سهام رمت قشرة الموزة الأولى .. وبدأت في تقشير الموزة الثانية .. عمري ما لاحظت أن سهام تأكل بهذه الطريقة إلا ذلك اليوم .. لأني كنت أخلص بدري اول واحد .. وأمشي .. فلم أعد أعرف إن كانت تتعمد تعقيدي .. أم تلك فعلاً طريقتها في الأكل .. وأنا أفكر .. رمت قشرة الموزة الثانية وأخذت موزة ثالثة تقشرها .. المصيبة إنها كانت تعمل ذلك بصمت وتركيز غير عادي .. ولا عليها في أحد .. يمكن سهام تحب الموز

سهام كانت أقرب أخواتي إليّ .. ذكية جداً وشاطرة في المدرسة .. كان والدي يُعّول عليها كثيراً أن تصبح طبيبة .. كانت بيضاء وجميلة .. وعنيدة .. عندها كبرياء وأنفة .. كانت رفيقة دربي عندما رحلنا مع أمنا للجبل .. كانت تتذكر الجبل ولم أكن أنا أذكره .. سهام التي كانت تبكي بحرقة عندما رحلت أمي .. وكانت تريد مطاردة الجيب .. بينما كنت أنا أقف أتفرج .. سهام التي شاركتني نفس الأحداث .. نفس الظروف .. لكن لم تُشاركني نفس حجم المعدة

أخبرني والدي أنه سيذهب للجبل ليطمئن على أحوال أمي .. وسألني إن كنت أود مُرافقته ورؤية أمي وأخي الصغير .. وأيضاً مولودها الرضيع الذي لم يسبق لي أن رأيته .. رددت عليه بلا مبالاة .. لا .. لا أريد زيارة أمي في الجبل .. بل أفضل اللعب هنا .. والإستمتاع بالإجازة الصيفية .. ذهب والدي وحده صباح الخميس ثم عاد مساء الجمعة .. في البيت سمعت أن عمّي حُمد سيعود من اميركا لحضور زواج عمي عبدالغفور .. من المضحك أن عمي عبدالغفور هو الأصغر سناً .. ومع ذلك تزوج قبل عمي حُمد .. كنت في غاية السعادة أنتظر يوم وصول عمي من اميركا .. يُفترض أن طائرته ستصل في وقت مُتأخر بعد منتصف الليل .. برغم حبي لعمي وشوقي للقاءه إلا أن النوم غلبني كالعادة .. وعندما إستيقضت في الصباح الباكر لرؤيته كان نائماً .. والله قهر .. أختي سهام إنتظرت قدومه في الليل .. وعندما إستيقظت في الصباح .. أخبرتني أن عمي أحضر لي جزمة على كفرات .. أنا بأعلى صوتي .. جزمة وتمشي على كفرات .. يااااااسلاااام .. معقولة .. لم أشاهد ذلك إلا في أفلام الكرتون .. كدتُ أطير من الفرحة .. وجري لغرفة الضيوف .. غرفة الكنب التي وضع فيها عمي حقائب السفر والهدايا

أريد أن أعترف بتُهمة يحاول الكثير من الناس نفيها عن أنفسهم .. وكأنها خُصلة قبيحة .. ومصيبة عظيمة وجريمة شنعاء .. الكُل ينفيها عن نفسه .. نعم يا سيدتي .. أقر وأعترف وأنا بكامل قوايا العقلية بأني مُذنب .. أعترف بأني أحب الهدايا .. وكلما زادت قيمتها شعرت بقيمتي أكثر عند الشخص الذي أهداني .. وكلما كانت الهدية فريدة من نوعها .. كلما شعرت أني فريد من نوعي عند الشخص الذي أهداني .. أشعر كأني غير مرئي .. والهدية تخبرني أني موجود .. تشعرني أنني مُهم أخيراً .. وأن هناك من لاحظ وجودي .. فلماذا يحاول الكثير من الناس الإعتذار والتنصل من حُب الهدايا .. بدل ما يفرحوا .. ويحمدوا ربهم أن هناك من تذكرهم وأحضر لهم هدية .. فتحت باب الغرفة .. وكانت مفروشة بسجاد موكيت مُشجّر بثلاث الوان مُتداخلة أخضر زيتوني وبني وأصفر .. والكنب أخضر زيتوني بزوايا وحواف خشبية بلون بني غامق .. ساعة خشبية مُعلقة على الحائط مطلية باللون البني الغامق برقاص ذهبي طويل يمتد لأسفل .. أحضرها ولد عمتي هدية من لندن .. وتوجد أبجورة ومزهرية بلا أزهار .. تلك هي غرفة إستقبال الضيوف .. أنيقة وفي منتهى الروعة .. وأفضل غُرفة في المنزل

كانت الحقائب مفتوحة مُلقاة على الأرض ولها رائحة مختلفة عن رائحة البيت .. رحت أقلب الحقيبة الكبيرة .. وجدت صندوق كرتوني بلون أزرق .. فتحته فوجدت جزمة زرقاء بعنق طويل بخطين أبيضين في المُنتصف .. وخيط أبيض وكفرات حمراء ورائحة الاشياء الجديدة .. الرائحة المُفضلة عندي .. أخذت فردة وحدة فقط .. وبدأت البسها لأتأكد أنها مقاسي .. وليست كجزمة عمي عبدالغفور المقلب .. السوداء المُنقطة أحمر .. او الحمراء المنقطة أسود .. ماعلينا .. لا يوجد مُقارنة .. اولاً هذه الجزمة من اميركا .. وثانياً لونها أزرق .. وثالثاً لها كفرات .. وأخيراً والحمد لله مقاسي مضبوط .. لبست فردة وحدة .. وحاولت أقف على رجلي .. فوقعت على مؤخرتي ..الله الله الله .. أش لزوم البهذلة والتهزيئ من الصبح كذا

نظرت للجزمة وأنا خايف .. لبست الفردة الأخرى وربطت الخيط .. وصرت لابس الفردتين .. لكن فيه مُشكلة عويصة الآن .. لا أعرف كيف أقف الآن .. وبعدييييين .. خطرت في بالي فكرة .. حبوت على ركبي من منتصف الغرفة إلى الكنبة .. وأستخدمت يدي ووقفت .. الآن الخطوة الأهم .. أريد أن أقف على الجزمة ابو كفرات بدون ما ألمس بيدي الكنب .. او اي شيئ آخر .. نجحت .. لثلاث ثواني فقط .. ثم وقعت بقوة هذه المرة على مؤخرتي .. وشعرت بألم .. وبعديييين مع الجزمة بنت الكلب ذي .. والله يا أنا .. يا أنتِ .. شيئ لا يُصّدق جزمة سريعة جداً .. كنت أقع حتى وأنا واقف على سجاد .. ماذا سأعمل على البلاط ؟

عمّي أحضر لي أيضاً بدلة بلون ازرق غامق مكونة من ثلاث قطع .. جاكيت .. بنطلون .. سديرية .. وكذلك كرفتة بيج بخطوط بنية ناعمة .. بس نسي يحضر القميص الأبيض الذي يُلبس تحت السديرية .. أخبرني أنه لم يجد قميص مقاسي .. صدقته وسامحته على تلك الغلطة التي لا تُغتفر .. كُله من أجل الجزمة الزرقاء .. لكن المهم لا يكررها .. تزوج عمّي عبدالغفور فتاة جميلة من حارة الجبل .. لا أعرف كيف تّعرف على عائلتها .. اذكر أن عمتي زُليخة كانت تحضر له صور لفتيات وهو يرفض هذه ويضحك من منظر تلك لأنها طويلة .. كان يبحث عن مقاسه .. بلا إحراج .. ربما يكون عمي قد تعّرف على تلك العائلة عن طريق صديق من أصدقاءه الذين يملؤن المدينة .. حضرت عمتي التي تسكن مكة لكن بدون إبتهال او هشام .. حزنت كثيراً .. وفي تلك الليلة أيضاً ليلة العرس كنت غاضباً جداً .. لأني كنت أريد لبس البدلة التي أحضرها عمي من أميركا .. كنت أبغى أكشخ على بقية العيال اللي لابسين أثواب .. وأدخل أنا بالبدلة والكرفتة وأحطم قلوب العذارى .. بس مالقيت قميص أبيض او حتى أزرق فاتح يُناسب البدلة النيفي

لفيت جيزان .. كل القمصان رجالية .. لا يوجد ولّادي .. عمي قال إلبس فلينة بيضاء .. قلت طيب والكرفتة أربطها على رقبتي وأعلقها هكذا دون ياقة .. رفضت الفكرة وحزنت .. تقريباً كنت ناوي أضحي بالعرس .. إلى أن جاء والدي ونهرني .. فلبست فلينة بيضاء .. وفوقها سديرية وجاكيت وتركت الكرفتة .. منظر غبي .. لكن ماذا أفعل ؟ حكم القوي على الضعيف

في طقوس الزواج في ذلك الوقت كان أهل العريس يأخذونه في السيارة .. ثم على مسافة معينة من البيت ينزل .. ثم يمشي في منتصف الشارع في موكب من أهله ومرافقيه .. طبعاً يتقدم العريس أثنين يحملان مجمرة البخور .. وناس ترمي مفرقعات نارية .. أنا كنت أمشي معهم في الموكب .. وكان العريس يلبس مشلح ويرافقه والدي ويلبس مشلح أيضاً .. حتى وصلنا لمنزل العروس .. كانت العروس تنتظر بالداخل وصول عمي على مسرح تم تركيبه على السطوح .. ويضعون عليه كنبتين للعريس والعروسة .. لم أدخل أنا وأنتظرت مع من إنتظر في الشارع

دخل العريس ووالدي .. وكان عمي حُمد يقوم بالتصوير .. المكان مُقتض بالنساء والعبايات السود ورائحة الُفل .. والطراطيع .. ثم يصعد العريس على المسرح .. ثم يضع يده اليمين على جبهة العروس ويرتل بعض التراتيل .. ربما يقرأ الفاتحة او يدعو .. ثم يجلس بجانب العروس ويضع في يدها الشبكة .. وينتظر بضع دقائق يرقص فيها أقارب العريس والعروسة .. ثم يُغادر العريس الفرح .. لكنه يقضي الليلة في بيت أهل العروس .. بل سبعة أيام في بيت العروس .. ونعود نحن أهله إلى بيتنا .. ثم نذهب صباح اليوم التالي بهدايا دهب .. نبارك للعروسين ونقدم الهدايا

ذئاب في المدينة

(17)

ذئاب في المدينة

1978

سيدتي

سافرت حبيبتي إبتهال … وبالرغم من أنها سافرت .. إلا أن الحياة أصبحت بطعم أحلى .. أصبحتُ أحلم في عز النهار .. أحلام اليقظة كانت لذيذة ومُمتعة .. كُنت أتخيلها على كيفي وبالطريقة التي أُريد .. أشُكّلها كما أشاء .. ألبسها الفساتين التي تعجبني .. وكنت مرات أعلّق عقد من الفل حول عنقها .. كنت أقبلها على خدها الأيمن مرات .. ثم أهرب .. وكانت تُطاردني وكنت أهرب منها وأختبئ .. او أقّبلها على خدّها الأيسر ثم أهرب .. وكانت تلاحقني كي تخطف مني قُبلة على خدي .. مرات كُنت أدعها تُقّبلني .. ومرات كنت أستحي  وفجأة .. كنت أستيقظ على صُراخ المدرس .. خليل أصحى معانا .. وأنتبه للدرس

سافر كذلك هشام وعدت لجدولي المُعتاد .. وحيد أبحث عن جديد .. كان يوم الخميس يومي المفُضّل .. كنت أخرج من البيت في الصباح الباكر .. فإذا قابلت ولد الجيران يوسف .. كُنت أتجه معه شمالاً إلى البحر .. كان يأخذني إلى قارب جده في البحر .. نشاهد السمك الصغير ونحاول إصطياده .. نرمي قطعة خبز وفجأة تجتمع أسماك صغيرة بشكلٍ مهول .. كُنّا نحاول أن نُمسكها بأيدينا .. لكن محاولاتنا لم تنجح ولا مرة .. لم يكن البحر بتلك النظافة .. لكن لم نكن لنهتم .. يكفي أن تلمس الماء بجلدك .. ثم تلفحك نسمة هواء .. فتشعر بالكثير من الإنتعاش والبهجة

البحر مليئ بقوارب الصيادين .. والقوارب محلية الصنع .. يوسف يجيد السباحة لأن جده كان يأخذه معه للبحر .. فتعلم السباحة .. أما أنا فلا أعرف السباحة .. في كل مرة أُخبر أحداً بأني أسكن على بعد عشرين متر من البحر .. وأن جدي بحار .. وأنني لا أُجيد السباحة .. يستغرب .. نعم سيدتي .. لم أتعلم السباحة .. لأن والدي كان يمنعي من الذهاب للبحر بحجة أن عندي مدرسة في اليوم الثاني ويجب أن أستيقظ باكراً .. وعندما يرغب جدي في أخذي معه للبحر نهاية الأسبوع .. كان والدي يرفض ذلك ويعطي جدي أي عُذر .. جدي يذهب للبحر الساعة التاسعة مساءاً ولا يعود إلا السابعة صباحاً .. ربما والدي يخاف أن أغرق في البحر .. لا أدري .. لماذا لا يخاف أبو يوسف عليه أيضاً ؟

كنت أخرج وحيداً بعض المرات .. وعندما لا أجد يوسف .. أتجه جنوباً إلى الميدان .. البداية كانت هكذا .. كنت وحيداً أخرج لإكتشاف العالم من حولي والتعرف عليه .. والنهاية نفسها .. مازلت وحيداً .. أُحاول إكتشاف العالم من حولي والتعرف عليه .. كأن الطفل لم يكبر ولم يتغير .. شيئ مُثير للدهشة .. كأن البدايات تُشبه النهايات .. او كأننا ندور حول أنفسنا ونعود لنفس اللحظة .. أحياناً تمر بموقف غير طبيعي لا يُصدّق .. فتتمنى أن لو كان بجانبك صديق .. او حبيبة .. شاهد عيان .. يشاهد ما تُشاهد .. ويشعر بما تشعر .. ويتنفس ما تتنفس .. ويشّمُ ما تشّم .. ويسمع ما تسمع .. أحياناً لا تفي الكلمات بنقل الصورة .. ومهما حاولت في وصف الأحداث تبقى تلك اللحظة خاصة جداً .. بأبعاد وزوايا رؤية لا يُمكن أن تتكرر .. ذاك الصباح تمنيت أن لو كان معي رفيق .. ليُشاهد ما شاهدت

ذاك الصباح إتجهت جنوباً للميدان .. والميدان يقع قريب من تقاطع شارع القادسية وشارع فيصل .. يحده من الشرق المقبرة .. وجنوباً للشرق كان موقف التكاسي التي تذهب لصبياء وأبوعريش وحتى أبها وجدة .. ومن الشمال حارة المعّش .. كانت هناك مجموعة من الدكاكين لبيع الخضروات والفواكة .. مجزرة البلدية .. وكان هناك ساحة واسعة تُرابية .. تُربة صلبة قليلاً وليست رملية .. على أطراف تلك الساحة يجلس باعة يمنيون يفترشون الأرض .. يبيعون لعب رخيصة للأطفال .. اللعبة بخمسة ريال .. سيارة شرطة .. طائرة هيلكبتر .. سيارة حمراء .. سيارة زرقاء .. عرائس للبنات .. كان ذلك المكان هو مكاني المفّضل في كل السوق .. كنت أذهب صباح كل خميس لأشاهد اللعب .. أسأل عن السعر ثم أعود البيت .. أحاول توفير المبلغ .. او اوفر من فلوس المدرسة .. وأجمعها لنهاية الأسبوع .. ثم أعود يوم الخميس التالي لأجد نفس البائع يجلس في نفس المكان

ذلك اليوم حضرت مُبكراً .. وكانت أشعة الشمس مباشرة في وجوه الناس .. وذرات الرمل في الأنوف .. كان هناك العديد من عمال البلدية يكنسون الأرض .. الأرض أصلاً تُراب .. ماذا يفعلون ؟! لم أفهم .. هل كانوا ينظّفون التُراب ؟!! ربما .. شاهدت على الأقل عشرة عمال .. كل عامل يُمسك مكنسة بعصى طويلة .. منهم اليمني .. ومنهم الأسود .. ومنهم السعودي الكبير في السن .. بدأ المُتسوقون بالتوافد على الميدان .. بعض المتسوقون من الأجانب أيضاً .. كانوا يأتون باكراً لشراء الخضروات او الفواكة .. رأيت إمرأة أجنبية تبدو كأنها من بلد عربي .. ربما كانت مصرية .. او شامية .. كانت بيضاء وشعرها قصير .. وجسمها رشيق .. كانت تغطي جسمها بعباءة شفافة .. من الكتف الى مُنتصف الساق .. و العباءة مفتوحة من المنتصف .. لمحت ذاك المنظر في البداية وأنا أقف أمام الرجل الذي يبيع اللعب .. طبعاً لم أهتم .. فأنا هنا أمام المعبد .. كان ذاك الرجل يضع شرشف على الأرض .. ثم يبدأ بصف اللعب الصغيرة .. صفوف أمامية .. صفوف خلفية .. وصفوف أخرى خلفها .. اربعة صفوف .. كأن تلك اللعب تستعد للصلاة وتتجه للقبلة .. وكأن الشرشف المرسوم عليه اوراق شجر وزهور وردية .. سجادة الصلاة .. وكأن البائع هو الإمام .. لكن الإمام يقف في الخلف يُراقب اللِعَب .. وكأن الزبون هو القبلة .. كانت اللعب مرصوصة في صفوف .. تقف بسكينة وخشوع لا تتحرك .. كان الرجل يضع لعبة .. ثم يضع لعبة أخرى بجانبها .. وأنا أقف أمامه أتأمل منظر اللعب .. وأشعر بسعادة .. يرمقني البائع بنظرات حيرة وتوجس .. ربما كان يعتقد أنني سألتقط لعبة وأهرب بها .. لا أدري

فجأة سمعت صراخ إمرأة يأتي من جهة الشمس .. إلتفت بخوف نحو الصوت .. فإذا بالمرأة الأجنبية وقد إنقض عليها أحد عُمال النظافة .. وكان رجلاً أسود ضخم الجُثة مفتول العضلات .. إنقض على المرأة يعتصرها بين ذراعيه ويضُمها إلى صدره .. ثم يُقبّلها .. ويُقبّلها .. و يُقبّلها .. وهي تصرخ .. وهو بصوتٍ مرتفع يقول .. أحبك .. أحبك .. أحبك .. وهي تصرخ .. ثم أندفع جميع عُمال النظافة نحو الرجل يُحاولون تخليص المرأة من بين يديه .. لكن لا فائدة .. كان متشعبط فيها إبن الذين .. فبدأوا يضربونه بأعواد المكانس .. يحاولون إنقاذ المرأة .. إجتمعوا عليه ستة او سبعة رجال .. لكنهم كلهم يبدون كالأقزام أمام هذا العملاق .. والمرأة التي بين يديه ربما تكسرت ضلوعها .. إنهارت وذابت كالشمعة بين يديه .. او ربما فقدت وعيها .. كان الناس مجتمعين من حوله وهو ملتصق بها .. والصراخ يعلو وفي ثواني وصلت الشرطة ولم يكونوا بعيدين عن المكان .. فضربوه حتى أقعدوه على الأرض .. وسحبوا المرأة من بين يديه .. ثم تزايد عدد الناس ولم أعرف ما حدث بعد ذلك .. ذاك المنظر أصابني بالرعب .. وبقي عالقاً في ذهني لسنيين .. عدت للبيت وقد أصابتني حالة صدمة .. شعرت لأول مرة بالخوف من الشارع  .. ولأول مرة بدأت أفكر بأن الشارع قد يكون مصدر خطر .. وأن عليّ أن أنتبه لما يجري من حولي

قصة الرجل الأسود خلّفت أثر عميق في نفسي .. أصبحت أكثر حذراً وتوجساً من أخطار الشارع .. أهل جيزان أناس طيبون .. لكن الأغراب كثيرون في البلدة في تلك الأيام .. كان الميناء يعجُ بالحركة .. سفن كثيرة ترسوا .. وبضائع كثيرة تستورد .. أسمنت .. خشب .. حديد .. ثم بعد سنوات خفّ ذلك النشاط بشكل ملحوظ

في البداية كنا أطفال نلعب حافيين الأقدام في الأزقة المالحة بين البيوت ذوا الجدران القصيرة .. ثم مع الوقت بدأنا نهتم بلبس الأحذية .. كنا نلعب أيضاً ويشاركنا اللعب بنات في الحارة .. بنات يلعبنا معنا ثم يختفين فجأة عن الأنظار .. ونحن كصبية لم نكن نفهم ما كان يحدث لتلك الفتيات .. عرفنا لاحقاً أن الفتاة تصل لسن مُعينة ثم تكبر فجأة فلا تعود للخروج إلى الشارع .. بكل أمانة سأخبرك يا سيدتي .. كان للعب مع الفتيات نكهة مختلفة .. جو مختلف .. كأن الصبية يتنافسنا على قلوب الفتيات .. البراءة هي العنوان .. والقصة مُجرد لعبة شعبية في زقاق في الحارة .. كنا نلعب العاب مثل ( ساري ) وهي مثل عسكر وحرامية .. او (واحد طش .. ونعد إلى عشرة ) ثم نختفي .. ويقوم شخص بالبحث عنا

أتذكر أني أعجبت بفتاة كانت تلعب معنا .. كنُّا عندما ننتهي من اللعب ونعود للبيوت .. كُنت أنتظر اليوم التالي على أحر من الجمر.. ثم يأتي ذلك اليوم ونلعب مرة أخرى … ثم يأتي يوم آخر .. لكن الفتاة لم تعد للعب معنا في اليوم الذي يليه .. فجأةً .. تتلفت تبحث عنها لكنها لم تعد هنا .. ولا حتى هناك ..!! تريد أن تسأل أين ذهبت ؟ بنت منَ هي ..؟ لكن تخاف أن ينكشف سِرك .. فتقرر الصمت .. وتعود للعب مع بقية الصبية .. بالرغم من أن هناك خلف بيتنا مجموعة من الأطفال تلعب كل يوم .. لكنني لم أكن أفضل اللعب معهم .. بل كنت أذهب ألعب مع أصحاب ولد عمتي موسى في الزقاق أمام منزلهم

في أحد الليالي كان هناك عرض لفيلم سينمائي في حارتنا .. هل يُعقل ذلك ؟ نعم .. سينماء في جيزان في حارة أمحافة .. لا أعرف كل التفاصيل .. لكنني أذكر أن هناك قطعة ارض بين البيوت خلف بيت عمتي .. وضعوا شاشة بيضاء كبيرة على جدار بيت مجاور .. ثم جلس الناس في الظلام في سكون يشاهدون فيلم عربي .. عنتر وعبلة .. او عنتر بن شداد لا اذكر العنوان لكن أتذكر أن الفيلم يحكي قصة عنتر بن شداد وحبيبته عبلة .. كنت أشاهد الفيلم مع اولاد عمتي ومع بقية الناس .. وكان هناك شخص في المقدمة يطلب من الجميع الهدوء حتى يتسنى للجميع الإستمتاع بالفيلم .. كان شيئ مُثير للدهشة

بجوار بيت عمتي بيت يسكنه مُهاجر يمني يعمل في صيد الاسماك .. كان الرجل طويل وعظام وجهه بارزة للأمام وعيناه غائرتان .. كان يشبه المومياء الفرعونية .. كنت أخاف من منظره .. وذات ليلة حلمت بذاك الرجل يُطاردني .. كنت خائف وأركض في زقاق الحارة أبحث عن بيتنا في الظلام ولا أجده .. وكنت أسمع أصوات كلاب لكن لا أراها .. عندما إستيقظت من نومي بعد منتصف الليل .. كانت الغرفة مظلمة .. وكنت مازلت أسمع اصوات كلاب ضالة خارج البيت في الشارع .. كانت الكلاب تأتي من السبخة (منطقة تقع في أطراف جيزان في ذلك الوقت والآن أصبحت وسط المدينة تقريباً ) آخر الليل وتنبح .. خفتُ كثيراً .. وعندما رأيتُ جدتي نائمة إندسيت خلفها مُحاولاً النوم .. في اليوم التالي كنت عندما أشاهد ذلك الرجل .. كنت أخاف من شكله ويتملكني رعب شديد

كان أمام منزلنا في الجهة المُقابلة للشارع ثلاث او اربع محلات تجارية .. إحداها كافتيريا لبيع السندوتشات .. شاب يمني طيب جداً إسمه أحمد يعمل في الكافتيريا .. كان وسيماً يشبه الهنود في شكله ولونه وشعره .. وكانت في وجهه طيبة تشبه الطيبة التي كنت أشاهدها في وجه عمي حُّمد الذي يدرس في اميركا .. كنت أذهب كل ليلة بعد المغرب لشراء سندوتش .. والدي ينهاني عن شراء الأكل من الخارج ويُفضل الأكل من طعام المنزل .. تجتمع العائلة للعشاء كل ليلة عندما تُحين نشرة أخبار التاسعة .. لكنني كُنت أذهب للنوم مبكراً عند السابعة او السابعة والنصف .. فأمسيت متعوداً على شراء السندوتش من عند أحمد اليمني .. ثم أذهب لبقالتنا .. ألتقط عصير سن توب ثم أعود للبيت .. أجلس أمام التلفزيون أتعشى لوحدي .. ثم أُشاهد التلفزيون قليلاً وأنام .. هكذا كل يوم .. إلى أن جاء يوم وذهبت لكافتيريا أحمد اليمني .. لكن أحمد الطيب لم يكن موجوداً .. كان هناك عامل يمني آخر جديد .. لكنه كريه المنظر .. قصير .. شعره أفرو جعد وكثيف .. يفرقه من الجنب .. وله سن ذهبي مُقّزز .. يرتدي بنطلون رمادي وقميص أبيض .. بمجرد أن شاهدني عيونه إتسعت قليلاً .. ثم أخذ يتأملني بنظرات فاحصة سألته أين أحمد .. فرد .. أحمد سافر البلاد .. تشتي شي نخدمك .. لم تعجبني نظراته .. رددت عليه .. نعم سندوتش جبنة وبيض مسلوق لو سمحت .. لم يكن بنفس سرعة وخفة أحمد في إعداد السندوتش .. إنتظرت قليلاً .. ثم ناولني السندوتش .. وأعطيته ريال .. وخرجت من المحل

بعض الناس ترتاح لروحه من اول نظرة واول مُقابلة .. والبعض الآخر يقشّعر جسدك بمجرد رؤيته .. حتى أنك لا تحتاج أن تنتظر حديثه .. وإذا تحدث لم يثبت إلا صدق ذلك الإحساس والإنطباع الأول .. كان أحمد اليمني من النوع الأول .. بينما هذا الرجل من النوع الثاني .. عندما عدت اليوم الثاني ولم أكن بنفس الحماس رمقني بنفس النظرات الفاحصة كأنه يستعد لإلتهامي .. سألني هذه المرة إن كنتُ مصرياً فأجبته بلا .. ثم أخذت السندوتش وغادرت المكان

في اليوم الثالث حضرت لشراء سندوتش آخر .. فقال لي وهو يبتسم وسنه الذهب يلمع .. والله كنت فاكر إنك مصري .. ثم ضاقت إحدى عينيه قليلاً .. وقال .. ( ياخي أنته قمييييل ياخي .. ) شعرت بقشعريرة تسري في كامل جسدي .. إلتفت للخلف أنظر جهة الباب .. لأتأكد إن كان والدي أمام البقالة او عمي .. كان بالإمكان مشاهدة بقالتنا من داخل الكافتيريا .. فلم أرى أحداً .. عدت ألتفت إليه .. وقلت .. بالله بسرعة لو سمحت .. والدي ينتظرني عند المكتبة .. قال .. طيب طيب ولا يهمك .. ناولته ريال .. وناولني السندوتش وهو ينظر إلي بنظرات حيوانية تُقطّر خُبثاً وشهوة .. أخذت السندوتش وخرجت .. ولم أعد لذلك المحل بعد تلك الليلة

مع الوقت تطورت لدي مثل الغريزة .. شيئ يشبه الحاسة السادسة .. كنت أستشعر الخطر من البداية .. في الشارع .. في المدرسة .. أحياناً أفهم مُتأخراً .. لكني أتعلم الدرس .. مع الأيام طورت مثل الرادار .. أمسح الشخص .. وأستشعر الخطر وأطلق أحكاماً مُسبقة بناءاً على مشاعري وأحاسيسي .. حتى أتفادى المتاعب قبل أن تقع الفأس على الرأس .. حدث ذلك في إحدى المرات .. وكان الآخر أيضاً من الوافدين اليمنيين

ليست لدي مشكلة شخصية مع اليمنيين .. فهناك الطيب وهناك الشرير .. هذه وقائع حدثت .. ولو كان الشخص المقابل من الصين لذكرتُ ذلك أيضاً .. تم إفتتاح سوبر ماركت جديد قريب من المقبرة .. وكان صاحب السوبر ماركت صديق لوالدي وشريكه في المكتبة .. وشريكه في مزرعة كبيرة أشتروها لاحقاً .. كل من يدير السوبر ماركت من العمال اليمنيين .. بدأت تظهر منتجات جديدة لم نتعود عليها .. كنت أحب جداً أكل السيريال .. منتج اميركي إسمه كونتري كورن فلكس .. وقد جربته في بيت عمّتي .. في ذلك الزمان كان الإنسان يساوم صاحب المحل في شراء اي شيئ .. طريقة لا أحبها لكن ذاك كان الواقع .. كيلو البرتقال بأربعة ريال .. أعطيك ثلاث ريال .. ينفع .. طيب هات ثلاث ونص .. وهكذا كل شيئ .. الملابس .. الأكل .. حتى جاء السوبرماركت فأصبح السعر ثابت

ذهبت بعد عصر ذلك اليوم لهذا السوبر ماركت الذي يُقابل المقبرة .. لشراء علبة سيريال كونتري كورن فلكس .. وكان معي سبعة ريال فقط .. كان هناك عمال يشتغلون في السوبرماركت وواحد محاسب على الكاش ريجستر .. ذهبت وأحضرت العلبة من الرف .. وكان السيريال داخل المحل بعيد عن المحاسب .. ثم عدت للمحاسب وأعطيته سبعة ريال .. قال المحاسب .. لا .. هذه بثمانية ريال .. قلت .. طيب أعطيني بسبعة .. فرفض وقال ثمانية السعر ثابت .. ” تشتي والا رقع العلبة ” .. كان يقف بجانبه عامل يمني آخر .. يُراقب الموقف .. يبدو أصغر سناً .. لكنه بالطبع يكبرني كثيراً .. عدت لداخل المحل لأرجع العلبة لمكانها .. وكانت تبعد عن المحاسب وعن الباب .. وكنت أشعر بالكثير من الحزن .. ومُستكثر إني أرجع البيت وأخذ ريال ثم أعود .. فتبعني الشاب الواقف .. ثم قال هات السبعة وأنا أزودك ريال .. فأتسعت عيناي غير مصدّق .. ثم نظر جهة المحاسب يتأكد بأن أحد لا يراه .. ثم لمس عضوي الذكري ويتحسس مكانه وكنت لابس بنطلون .. لم أفهم ماذا يريد !! ثم قال كلام لم أفهمه .. كان عقلي في تلك اللحظة مشغول بالكورن فلكس .. ثم لمس مؤخرتي يتحسسها .. لمبة حمراء في رأسي بدأت تضيئ .. إنتبهت وبدأتُ أشعر بالضيق .. أعطاني ريال .. وتمتم بكلمات لم أفهمها .. أتذكر منها كلمة وا حدة .. قابلني .. إعتقدت أنه يقصد أن أقابله عند المُحاسب .. فأسرعت جهة المحاسب وأعطيته ثمانية ريالات .. ثم غادرت المحل متوجهاً للبيت

كان للسوبر ماركت باب خلفي .. وأنا عائد في طريقي للبيت تجاوزت ذلك الباب بعدة أمتار .. فإذا بذاك الشاب يخرج .. ويناديني بأن أتوقف وأعود .. بمجرد أن لمحته ولم أكن حتى تلك اللحظة مستوعباً الموقف .. بمجرد أن لمحته خفت وظننت أنه رجع في كلامه ويريد الريال .. فأطلقت رجلي للريح .. أجري .. وهو يناديني .. وهو ممسك بالباب الخلفي للمحل .. وأنا أجري .. وأجري .. وأتلفت للخلف لأتأكد أنه لا يُلاحقني .. ثم أنعطفت يميناً لشارع القادسية .. الآن شعرت أكثر بالأمان هاهنا شارعنا .. عيال حارتنا هنا .. لن يجرؤ هذا الحيوان على اللحاق بي

عندما أتذكر هذا الموقف الآن .. أعرف ماذا كان يريد ؟ لم يكن يريد الريال بل كان يريد المقابل لذلك الريال .. إبن القحبة شوف الذناءة يبغى ينيكني بريال .. طيب خاف رُبنا يا أخي وأرفع السعر شوية .. بريال يابن اللذين .. طيب بحبحها شوية وخلّيها بعشرة ريال على الأقل .. الواحد وراه مدارس ومصاريف

اول حبُ .. الصدمة الأولى

(16)

اول حبُ .. الصدمة الأولى

1978

سيدتي

إنتهى العام الدراسي ونجحت للصف الثالث .. كنت أعلم أن لي عمّة تعيش في مكة المكرمة .. لكن لم أشاهدها سوى مرة واحدة عندما حضرت لزيارتنا في بيتنا الشعبي القديم .. كل ما كنت أذكره من تلك الزيارة أنها قالت لي : اذا قعدت عاقل وطيب .. سآخذك معي لمكة .. فرحتُ كثيراً .. لكن يبدو أنني لم أكن عاقل او طيب .. فحين جاء وقت سفرها لم تأخذني معها .. بل أخذت أختي سهام والأخت الكبرى فقط .. هي وعدتني أنها ستأخذني المرة القادمة .. لكن لا يهم .. بكيت بحرقة .. شعرت أني كُنت ضحية مؤامرة .. شعرت أنه تم إستبعادي والتخلص مني لسبب لا أعلمه .. شعرت في تلك اللحظة أنني طفل كريه غير محبوب وليس له قيمة .. وأن الموضوع ليس له علاقة بكوني عاقل او مُشاغب .. فأختي الكبرى كانت أكثر شيطنة مني .. أتذكر فستان برتقالي ساده باهت اللون بدون أكمام .. قصير إلى تحت الركبة بقليل .. كانت ترتديه عمتي يوم السفر قبل أن تتغطى بالعبائة السوداء وتخرج للسيارة في الشارع .. أتذكر أنني حاولت اللحاق بهم ومطاردة السيارة التي كانت أسرع مني .. أتذكر عمّي حُمّد يلحقني .. يُمسك بي .. يثنيني عن اللحاق بالسيارة وكان يستعد هو الآخر للسفر في نفس اليوم او اليوم التالي لاميركا

حضرت عمتي من مكة مرةً أخرى لكن هذه المرة من أجل حضور زواج محمود ولد عمتي الكبيرة .. حضرت ومعها مفاجأة .. بنت في عمر أختي سهام أكبر مني بسنة .. وأيضاً حضر معها هشام الذي يكبرني بشهرين فقط .. تلك كانت اول مرة أقابلهم فيها .. أنا وهشام من اول نظرة تصادقنا بسرعة وأصبحنا عصابة .. هشام سرق عقلي .. وأخته إبتهال سرقت قلبي

هل يُعقل أن طفل في السابعة يقع في الغرام .. سنرى .. سأحدثكِ عن مشاعري .. ولك القرار .. عندما رأيت إبتهال لأول مرة شعرت بنغزة في صدري .. بوخز إبرة .. كنا نجري .. نلعب .. وكنت ملتصق بها لا أطيق الإبتعاد عنها .. وكنت لا أريد أن ألتفت لأشاهد أي شي آخر سواها .. وكنت عندما تتحدث لا أريدها أن تسكت أبداً .. كأن صوتها قيثارة من السماء تعزف أغنية ولحن الحياة .. وكنت أتمنى أن أخبيها عن أعين الناس .. فلا يراها أحد .. ولا ترى هي أحد .. فلربما تهيم بولدٍ آخر .. وأفقدها .. كانت رائعة الجمال .. عيناها واسعتان .. رموشها طويلة .. بيضاء .. وفوق هذا وذاك خفيفة دم .. كانت هناك مشكلة وحيدة .. كانت مغرورة جداً ولا تنظر لولد مثلي أصغر منها .. وكانت تتكلم كثيراً عن جون طارفولتا .. مين جون طارفولتا ذا ؟!! لم أكن أعرفه ..!! ولم أكن حتى أعرف نطق إسمه .. والله إني لو أشوفه ( لألعن والد والديه ) .. شكله واحد خطف قلبها وأنتهى الموضوع وطارت مني

أحببتها بصورة جنونية .. كنت أفكر فيها كل لحظة .. حلمت ذات ليلة أني أمسك بيدها وكانت تلبس فستان سماوي وعليه نقش لاوراق شجر بلون أزرق غامق .. كنت في سطح منزلنا ثم طرنا إلى السماء ودخلنا بين الغيوم .. وكانت الريح تنفخ فستانها قليلاً من الخلف فترفعه .. للأمانة لم يشي الحلم بما تحت الفستان .. كان مجرد حلم بريئ .. لم أتوقف عن حُبها إلى أن جاء اليوم الذي عرفت من ستتزوج .. صدقيني إذا أخبرتك أن هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أذكر فيها لأحد أنني أحببت إبتهال

في تلك الزيارة لعمتي وهشام وأبتهال .. بدأت أسمع كلام جديد على مسامعي .. خاصة من عمتي زُليخة .. مثل أن عيون هشام واسعة جداً وجميلة .. وأن حجم عيوني أنا أصغر .. وأن إبتهال أجمل من أختي سهام .. لأن أختي سهام ” دُبة ” .. بينما تتمتع إبتهال بالرشاقة .. كنت أستغرب هذا الإجحاف في حقي .. بالعكس هشام شعره جعد و رأسه أكبر من رأسي و يشبه الكرة الأرضية .. المفروض أنا أكون أحلى منه .. ثم جاء يوم وسمعت الكلمة من إبتهال شخصياً .. قالت لي أن عيوني صغار .. ولا تُقارن بعيون أخيها هشام .. هكذا يا سيدتي الجمال عند العرب يُقاس بحجم العيون .. كانت كلماتها قاسية وسببت لي صدمتان .. صدمة في نفسي اولاً .. وصدمة أخرى في حبي لها .. هذه الفتاة لا تعترف حتى بوجودي .. كانت تلك هي البداية لرحلة طويلة أعتقدت فيها أني إنسان قبيح

سافر عمّي حّمد إلى الولايات المتحدة الأمريكية .. عمّي حُمّد عطوف بصورة كبيرة .. حتى عندما كُنت أشاغب لم يكن يضربني .. عكس عمي عبدالغفور الذي يركلني برجله على مؤخرتي كأنه يركل كُرة .. عمي عبدالغفور مشكلجي .. وهو مُحارب يميل لنزعة التنافس والتحدي ولا يرضى بالهزيمة .. ”حموري” يلجأ للغش والمراوغة عندما تهزمه .. شاهدت ذلك عشرات المرات .. وعندما يغضب يصبح كالثور .. ليس من النوع الذي يسكت عن حقّه إذا كان له حق .. وهو شخصية خطيرة ذو أبعاد متعددة ومُعّقدة سأتحدث عنها لاحقاً .. لكن أكثر ما كان يعجبني فيه إنه شجاع .. على الأقل هذا ما كنت أسمعه من كلام اولاد عمتي وعمّتي زُليخة من أنه كان يضرب الاولاد في الحارة .. لكنني لم أشاهد أياً من هذا أمام عيني

عمي حُمّد على العكس .. كان في مُنتهى الطيبة .. مُسالم .. هادئ .. خدوم .. وكان شايل البيت كل البيت على رأسه .. المقاضي .. المحل .. بعض الناس هكذا .. ربنا خلقهم كالشمع .. عمي حُّمد كان شمعة تحترق لتضيئ المكان للكل .. وكان نهر دافئ من الحنان .. حنانه الذي غمرنا نحن الأطفال خاصةً أبناء أخيه .. عندما رحل لأمريكا لإكمال دراسة الماجستير ترك مكانه فارغاً .. فكنت أفتقده .. كانت تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها بأسم اميركا على اي حال .. كنت أسمع أيضاً أن الوقت عندهم ليل عندما يكون عندنا نهار .. وأن قيمة التذكرة إلى اميركا تساوي ستة عشر الف ريال .. كان مبلغ خيالي بالنسبة لأذني .. أنا الذي كنت أخذ من والدي ريالين كل يوم عندما كنت أذهب للمدرسة

عمي عبدالغفور صاحب نكتة وشقاوة وشخصية جذابة .. كشخصية .. يذكرني بالفنان أحمد رمزي في الأفلام المصرية او الفنان الآخر حسن يوسف .. طبعاً أنتِ ليس لديك فكرة من هو الفنان أحمد رمزي او حسن يوسف .. عمي عبدالغفور رجل وسيم .. فمه صغير وشفاهه ممتلئة وأسنانه متناسقة جميلة مرصوصة كاللؤلؤ .. عيونه عسلية .. تلمح في بريقها قليل من المكر .. كان حليق اللحية بشنب مرتب .. لونه حنطي فاتح .. مثل لون الغالبية العظمى في الجزيرة العربية .. قصير لكنه ممتلئ الجسم .. ممتلئ عضلات لا دهون .. عكس والدي الذي كان قصير ونحيف .. كان أنيق جداً أناقة كُلها رجولة وليست أناقة مايعة .. ذوق رفيع في لبس الملابس .. ماشي على الموضة .. القمصان البنطلونات .. لو عددنا الناس الشِيك في جيزان .. عمي عبدالغفور لا يمكن أن يخرج عن العشرة الأوائل .. كان مشهور جداً في المدينة .. وله أصحاب يالطيف .. كنت أغبطه على كثرتهم .. لابد أن تكون لديك شخصية ديناميكية .. وكارزما حتى يصبح لك مثل هذا العدد من المعارف والأصدقاء .. مُجامل من الدرجة الأولى .. وكان أيضاً أكثر إيجابية من والدي وعمي حُمّد .. كان يُجيد تحفيز وتشجيع الناس .. لا يُثبط أبداً

كان عمي عبدالغفور في تلك الفترة شاباً في مقتبل العمر .. تخرج من معهد التربية الرياضية بالرياض .. وأصبح مُدرس رياضة .. وكان له أصحاب كثير جداً .. أكثرهم فنّانين رسم او مدّرسي رياضة او مدرسين ولاعيبة النادي او في الخطوط السعودية .. كانوا يجتمعون بعد صلاة الجمعة وقبل الغذاء لساعة أمام عمارتنا .. عددهم يقترب من الخمسة عشر رجلاً .. هذه بعض الأسماء التي أتذكرها فقط .. محمود ناصر.. خليل حسن .. عبدالوهاب عقيل .. عبدالعزيز عقيل .. أحمد حُّمد .. فتح الدين خميس .. محمد عبدالله .. أحمد خضري .. علي ناجع .. أحمد عامر .. علي بضاوي .. عبدالقادر عبدالله .. سالم خميس .. عيسى محمد .. فتح الدين بحيص .. كل هؤلاء يجلسون أمام البقالة على كراسي خشبية عتيقة .. فتصبح البقالة كالمقهى .. ضحك صراخ صخب .. بصراحة .. لم ارى في حياتي تجمع من الأصدقاء بمثل هذا الجو المفعم بالحب والمرح .. كانوا مندفعين نحو الحياة بجنون .. بنطلونات تشارلستون .. شعور طويلة جداً .. أفرو .. قمصان ضيقة وصدور مفتوحة .. كنت أسمع كلمة خنافس ولم أكن أفهم معناها .. كنت أسمع كلمة هيّبز ولم أكن أفهم معناها .. ربما خنافس تعني الشعر الطويل .. لأني حاولت أقلد عمي في طريقة الشعر .. فنهرني والدي .. وأمرني أن أذهب أحلق صلعة .. كان يقول بتصير خنافس هاه تفوو .. كانت نهاية السبعينات وحمى الهيبز والخنافس .. والأهلي والإتحاد .. ومحمد عبده و طلال مداح .. والفيس بريسلي .. وعبدالحليم حافظ .. والشياكة والهيامة .. وسميرة توفيق .. وستيف اوستن وأسماء كثيرة جداً كانت تتردد في جلسات عمي عبدالغفور وأصحابه

عندما أسأل نفسي عن هذا الشيئ الذي يملكه عمي عبدالغفور ويجعله محبوب لهذه الدرجة .. أجد الجواب في كلمة واحدة .. إجتماعي .. كان يعشق مُخالطة الناس .. بينما عمي حُمّد بالرغم من طيبته ولطفه … لم يكن بتلك الشعبية .. وعندما أسأل نفسي عن هذا الشيئ الذي يملكه عمي عبدالغفور ويجعله جذاب لهذه الدرجة .. أجد الجواب في كلمة واحدة .. ضحكته .. عندما يضحك .. تسمع صوت ضحكاته من آخر الشارع .. الضحكة لها سحر خاص .. عمي عبدالغفور كان يملك ذاك السحر .. وعندما تتحدث إليه كان يُنصت إليك بكل حواسه .. فتشعر كأنك أهم شخص في العالم .. وعندما يصافحك .. يده تحضن يدك بالكامل .. ثم يضغط أكثر فيشعرك كأنك إنسان عزيز عليه جداً .. فتجد نفسك أسير طغيان سحر شخصيته الجذابة

ذات يوم أخبرني أن هناك مباراة بين فريق حارتنا وأسمه فريق القلب .. وفريق آخر  .. والفريقان بهما عناصر تلعب لنادي جيزان .. بمعنى أن المبارة ستكون قمة .. فكنت متحمس جداً لحضور المبارة ومشاهدة عمي عبدالغفور يلعب كورة .. من بعد الغداء وأنا لابس فلينة وشورت رياضي وجزمة كورة ومستعد .. إنتظر المبارة بفارغ الصبر لمشاهدة عمي وهو يداعب الكرة ويسحب اللاعيبة ويسجل أهداف مثل بيليه .. وعندما وصلنا الملعب إختلف الفريقان ولم يجدوا حكماً يحكم المبارة .. وبعد شدٍ وجذب قرروا أن يكون عمي هو الحكم .. أُصبت بخيبة أمل .. وعرفت أن عمي ” ما في راس أهله كووورة ” .. والا لما كانوا وضعوه حكماً .. والمصيبة أيضاً أنهم جعلوني أنا من يحضر الكرة عندما تخرج عن الملعب ..ههههههههه

سألته يوماً لماذا إتجهت بعد الكفاءة المتوسطة إلى معهد التربية الرياضية ولم تذهب للثانوية ثم الجامعة ؟! قال : بل ذهبت للثانوية ولكن حدث موقف جعلني أقسم بأن لا أعود طالباً إلى هذا المكان لو إنطبقت السماء على الأرض .. يقول .. كنّا في الأسبوع الأول في الدراسة .. وكُنّا يومها في الفصل .. فقام أحد الطلبة برمي المدرس بطبشورة وهو يكتب على السبورة .. فألتفت المدرس يبحث عن الفاعل .. فلم يعرف من .. أحضر المدير .. ثم قرر المدير أن سيتم ضرب جميع من في الفصل على باطن القدم بسعف النخل إذا لم يتم تقديم المُذنب .. وكُنّا نعرف من هو .. ولم نعترف عليه لأنه صديقنا .. أخرجنا المدير جميعاً إلى الفناء .. وقام الفراش برفع رجل طالب بعد الآخر .. وتم ضربنا جميعاً .. فقررت أن لا أعود للدراسة بعد ذاك اليوم

كان عمي عبدالغفور صايعاً حفظه الله لكنه مُحافظاً على الصلاة .. لا ننسى أن جدي رجل مُتدين .. ذكر لي أنه عندما كان في المعهد في الرياض وكان قد نمى إلى علم والدي أن الخمور والشراب منتشرة بين طلاب المعهد .. يقول عمي عبدالغفور أن والدي أرسل له رسالة تُنهيه وتحذره من مغبة الإنجراف إلى هذا الطريق .. فبكى كثيراً مُتأثراً بما كان مكتوب في الرسالة

سافر لمصر رحلة مع شباب أصحابه .. وعندما جلب أحدهم مومس للبيت .. ضربه كف على وجهه وطرد البنت .. وعندما عاد من السفر .. أحضر لي جزمة حمراء ومُنقطة أسود .. او سوداء ومُنقطة أحمر .. لا يهم .. المهم أنها كانت ضيقة ولم تكن مقاسي .. فشعرت بالكثير من الغضب .. كان عمي عبدالغفور فرحان بصورة إلتقطها مع ممثل مصري .. لم يترك أحد لم يُخبره بتلك الصورة .. والصورة كانت مع ممثل من الدرجة العاشرة او كومبارس لكنه كان يحاول يُقنع الجميع بأن الممثل فنان مسرحي ولم يكن سينمائي .. لا يهم إن كان مسرحي او سينمائي المهم أنه لم يكن مشهوراً

ذات يوم كان جدي يُعاتبه لأنه شاب ومعه وظيفة والشقة موجودة لكنه لا يُريد أن يستر نفسه ويتزوج .. وكان أحد الجيران مار من الزقاق الخلفي للبيت فسمع الكلام الذي دار بين جدي وعمي عبدالغفور .. وفي الليل عندما كان عمي يسهر مع أصحابه في الحارة .. علقّ ذلك الشاب بما سمع من كلام جدي .. فقام عمي عبدالغفور وضربه .. حتى أن أم الشاب جاءت في اليوم التالي للبيت تشتكي لجدي ما فعل عمي بإبنها في الليلة السابقة

لكن أكثر ما كان يجذبني لعمي عبدالغفور هو خِفّة دمه .. كان يضحّكني بصورة جنونية .. ذات مساء كنا في سطوح منزلنا بعد صلاة العشاء .. أنا .. هشام .. عمي عبدالغفور .. وكان معنا أيضاً نجوم السماء تلمع وتتراقص وتضحك على قصص عمي عبدالغفور .. حيث أن الكهرباء قد إنقطعت عن الحي .. وكانت تنقطع كثيراً تلك الأيام .. كان هناك أربع سرر .. جلست النساء في المنتصف على ثلاثة .. وجلسنا نحن بعيداً بجانب الحائط على سرير .. كان عمي يقص لنا قصص عن جُحا .. وكان كلما إنتهى من قصة دخل في أخرى .. والضحك عدوى .. كنت أضحك .. وهشام يضحك .. والضحك لم يتوقف أبداً .. حتى إبتلت ملابسي الداخلية .. لكني لم أخبر أحداً .. ياخي من فين طلع لنا ذا العم .. بصراحة عمي ذا مضحك جداً .. وكيف يقدر يتذكر كل هذه القصص .. مع أنها لم تحدث له .. بل حدثت لجحا

وحتى تكتمل فصول الضحك .. دخل هشام على الخط .. وبدأ يحكي عن قصص غريبة عنه .. وأشياء حدثت في المدرسة لا يمكن تصديقها .. لكني صدقته بكل براءة .. ذكر لنا أنه مثلاً ضرط في الفصل .. وسمع المدير الضرطة من مكتبه .. فضحكت أنا كثيراً مع تلك القصة .. وتفاعلت وبدأت أتحدث عن نفسي وقصصي .. لكن بصدق .. فذكرت لهم ما حدث لي ذلك اليوم .. عندما كنت في الفصل وأردت أن أذهب للحمام .. لكني وصلت للحمام متأخر .. وأضطررت أن أذهب للبيت مشياً وأنا متنيل بستين نيلة .. كنت أحكي القصة وأضحك ببراءة .. وهشام يضحك .. ويضحك .. ويضحك .. ولاحظت أن عمي عبدالغفور لا يضحك بنفس الحماس .. إلى أن جاءت فرصة وذهب هشام للحمام .. إقترب مني عمي وقال .. خليل .. إنت مصدق كلام هشام ؟ كلامه كله كذب .. عُمرك ما تصدق مكاوي .. جعلك تعترف على نفسك بأشياء .. غداً يمكن تصبح عيارة عليك .. فتحت فمي بإستغراب .. وأنا لا أصدق ما يقول

فيل .. هاه

(15)

فيل .. هاه

1977

سيدتي

رحلت أمي في تلك الليلة وأنا في الصف الثاني إبتدائي .. لم أشعر بفقدانها مباشرة .. واستمر غيابها ثلاث سنوات .. ثم تولّت زوجة أبي وعمتي زُليخة رعايتنا أنا وأخواتي .. كانت زوجة أبي طيبة ومحبة لنا .. لم تعاملنا إلا بكل خير .. كانت تغسل ثيابنا و كانت تحمّيني بعض المرات .. لم أتعرض للضرب منها في حياتي ولو لمرة واحدة .. إنها أمي الحقيقية التي رّبتني وأعتنت بي ورعتني .. لم أشعر أبداً بالنقص او فقدان أمي .. ولم أشعر بالخوف في الليل حتى جاءت تلك الليلة

كنت قد إعتدت النوم عند جدتي في نفس الغرفة تلك في الدور الارضي .. كُنتُ نائم على قعادة من القعائد .. ثم سقطت آخر الليل وأنا نائم على الأرض على وجهي .. فتكسرت أسناني الأمامية .. هي لم تتكسر بل تحركت من أماكنها وأصبح الألم لا يُطاق .. كانت الغرفة مُظلمة .. صحوت فزعاً والدم ينزف من فمي فزاد فزعي .. أخذتني جدتي تحاول مُساعدتي .. كانت ربما الساعة الثالثة صباحاً .. فلم تشأ أن توقض أبي .. كنت في تلك اللحظة أنظر في ارجاء الغرفة ثم أنظر للباب .. تمنيت لو أن أبي كان هنا .. هذه المرة الثانية التي أجد نفسي في هذا الموقف .. في ظلمة الليل أبحث عن والداي .. فلا أجدهما .. كنت بحاجة ليد أب حانية تخبرني أني بخير .. وأني لن أنزف حتى الموت .. وأن الأمور على ما يرام .. أخذت جدتي تُحضر ثلج وقطن وشاش .. وتحاول تضميد فمي .. لكن لا شيئ يوقف ذلك الالم اللعين .. كانت تلك ثاني أطول ليلة في حياتي .. ثم نمت

في الصباح أيقظوني للمدرسة .. شيء لا يُصدّق .. بعد تلك الليلة الطويلة من البكاء والالم تستيقظ في الصباح ليخبروك حان وقت الذهاب للمدرسة !! وكأنني لم أعش مآساة في الليلة السابقة !!  وعندما ذهبت للحمام ونظرت في المرآة .. لم أعرف نفسي من كثر ما تغير من شكل وجهي .. شفايفي كانت منتفخة بشكل مُضحك .. وعندما فتحت فمي بصعوبة .. كان مازال بقع من الدم بين الاسنان واللثة .. الناب داخل على الأسنان الأمامية .. والأسنان الأمامية راكبة فوق بعض .. وعندما أحاول الكلام لا يمكن أن تفهم ما أقول .. توقعت أن يأخذني والدي للدكتور .. او يطلب مني الراحة في البيت .. لكن لم يحدث ذلك .. طلب مني أن أغسل فمي وأستعد للذهاب للمدرسة

عندما ذهبت للمدرسة كنت أحمل شعور غريب .. كنت أظن أن الاولاد سيلتفون من حولي يسألونني ما الذي حدث .. وسأبدأ أحكي لهم عن تلك الليلة المرعبة وحجم الألم .. والدماء الغزيرة التي سالت من فمي .. لكن لم ينتبه أحد .. ولم يهتم أحد .. وحتى الحروف التي لم أستطع نطقها في البداية .. مع وصولي للمدرسة بدأت تتعدل .. وأصبحت قادر على نطق أكثر الحروف بسهولة .. لكن ربما عجبني نطق الحروف بطريقة مُضحكة .. فواصلت نطقها بنفس الطريقة .. ربما يُلاحظ وجودي أحد .. ربما يهتم بي أحد .. لكن لا وجود لما أتخيل .. إكتشفت أني غير مهم إطلاقاً .. فعدت بعدها الى طبيعتي اليومية مع مرور ساعات اليوم .. اركض أجري .. العب .. أصرخ .. الدنيا مستمرة بك او بدونك

تعرفت على ابن عمتي موسى .. وكانت عائلته تسكن ربما عشر بيوت جنوب بيتنا .. أقرب الى الميدان .. موسى يكبرني بسنة تقريباً .. لكننا كنا في نفس المرحلة الدراسية .. اراه في الفصل كل يوم .. مع الوقت أصبحنا أقرب الى بعض .. كان المدرس يطلب مني ومن موسى أن نقرأ ليردد الطلاب وراءنا .. كان ذلك دليل أني كنت من المتفوقين او هكذا إعتقدت

كان رائد الفصل مُعلم غريب الأطوار .. او ربما هكذا ظننت .. رجل أبيض بشنب كثيف .. قصير القامة .. شعره جعد يفرقه من جانب و يمشّطه للجانب الآخر .. ويحاول تغطية بداية ظهور صلعة خفيفة في المُقدمة .. لم يكن يرتدي الغترة على الرأس .. أغلب المُدرسين لا يلبسون الغتر في ذلك الوقت .. الا اذا كان المدرس مطوع

بعض أهل التدريس يعتقد أن الطلبة لا يُلاحظون بعض عاداتهم الغريبة .. بل نُلاحظ .. كعادة التنقيب عن النفط داخل أنوفهم مثلاً .. وهي أشهر عادة .. او اولئك المدرسون الذين يتحدثون والتفافيل تتطاير من أفواههم .. وأشياء أخرى .. وها أنا ذا بعد ثلاثون عاماً .. مازلت اذكر هذا المدرس .. وتلك الحركة العجيبة .. وأسجلها هنا للتأريخ وللحرية وللإنسانية وللوطن

كان يطلب من أحد التلاميذ القراءة .. ثم يروح ويجيئ أمام السبورة .. ثم يتوقف ويشم إبطه اليمين .. ثم ينظر لنا نحن الطلبة ليتأكد أن لا أحد قد لاحظ ما يفعل .. ثم يشم إبطه اليسار .. وهكذا يفعل ذلك كل يوم عدة مرات .. وقد كان من الممكن أن لا نلاحظ ما كان يفعل .. لو فعل ذلك مرة واحدة .. لكنه يصنع ذلك كل يوم .. هذا الأستاذ يعشق رائحة إبطه او أنه رُبما يضع رائحة جميلة يحبها .. ويتأكد كل خمس دقائق أن الرائحة الجميلة مازالت في مكانها

 كان عالمي صغيراً جداً في ذلك الوقت .. لم يتعدى البيت والمدرسة .. لم أكن أعرف الشارع بعد او الجيران .. البيت فقط .. إخواتي البنات .. والمدرسة .. زملاء الفصل .. لم يكن لي أصحاب بعد .. حتى إبن عمتي موسى لم أكن ألتقيه إلا في المدرسة .. والدي طّلق زوجته الثانية .. و أمي زوجته الأولى لم تعد تعش هنا .. فتولت رعايتنا زوجته الثالثة .. توقفت المشاكل تماماً عن البيت .. لم أعد أبداً من المدرسة لأجد البيت مُشتعلاً بالصراخ والبكاء والدراما .. أصبحت الحياة أكثر سعادة وأكثر هدوءاً

ذات يوم (حمّتني) زوجة أبي – والتي أصبحت في مقام أمي- بالماء والصابون .. رغم صغر سنهّا إلا أنها تبدو لي كامرأة كبيرة في ذلك الحين .. كنت البس سروال صغير فقط .. وكانت تفتح الدش ليصب على رأسي الماء .. ثم توقف الماء وتبدأ في دلك ظهري ورأسي بصابونة حمراء مشهورة في جيزان في ذلك الوقت .. لم تكن تستخدم الشامبو لشعري .. ربما لأن الشامبو لم يكن مشهوراً عندنا بعد .. لا أدري .. كان شعري طويل ينسدل من الخلف ليغطي رقبتي الى كتفي وهو مبلول .. وبمجرد ما يجف يعود يتكور من الأطراف

بعد الإستحمام أعطتني سروال جديد ثم خَرجْت من الحمام وأغلقت الباب .. لبست وخرجت .. ثم قامت والبستني لبس جديد .. قميص أزرق بخطوط بيضاء عريضة .. وبنطلون قصير إلى الركبة بني فاتح .. ثم وضعت نصف كيلو كريم أبيض على رأسي .. ماركة مشهورة أيضاً .. ثم مشطت شعري ( موضي ) تسريحة مشهورة في ذلك الوقت .. تشبه تسريحة شعر عبدالحليم حافظ او الفيس بريسلي

عندما خرجت للشارع كان الوقت عصرية وفيه ( شوية هوى ) .. الشمس كانت مازالت قوية .. طبعاً تسريحة شعري ( تفركشت ) بسبب الهوى .. مِنك لله يا هوى ( خربت تسريحة شعري ) .. كان منظري جديد وكنت ( ألمع ) .. بسبب الكريم .. رآني والدي وكان يجلس على الرصيف على كُرسي أمام المكتبة ومنظري يشّع نظافة وبهجة .. فهشّ وبشّ .. ورغبةً منه في إستمرار هذا المنظر لأطول فترة ممكنة .. أعطاني ريال جديد جداً .. مسكت الريال بطريقة وكأني متقزز من منظره .. أمسكته من الطرف بالسبابة والإبهام .. ولأنه جديد .. ولأن الهوا شديد .. فأصبح يرفرف وكأني ممسك بعلم صغير

فجأةً .. رآني طفل – يكبرني قليلاً – من الجهة الأخرى من الشارع .. وصاح بأعلى صوته .. إلحق إلحق فيل .. أنا من الجهة الأخرى .. فيل .. وأرتسمت في مخيلتي صورة فيل كبير .. بخرطوم طويل .. ونابين وأذنين عريضتين .. قال لي تعال .. تعال .. فعبرت الشارع إلى الجهة المقابلة حتى أصبحت بجانبه … قال لي تعال معي .. فتبعته إلى زقاق ضيق .. ثم أنعطف بي يميناً إلى زقاق آخر .. الآن أنا أصبحت خارج نطاق الرؤية .. فلم أعد أرى والدي .. ولا هو بإمكانه أن يراني .. مازلت ممسكاً بالريال بطرفي أصابعي .. ومازال الريال يرفرف كالعلم .. فجأةً .. اوقفني أمام كفر ( عجل) شاحنة واقف ومدفون نصفه وأكثر تحت الأرض .. وكانت هناك فتحة صغيرة او شق في (الكفر) .. سألتُ الصبي : أين الفيل؟! قال لي : هنا بداخل هذا الكفر .. ويمكنك مشاهدته من هذه الفتحة .. فجأةً .. بدأت صورة الفيل الكبير بخرطوم طويل ونابين وأذنين عريضتين الموجودة في مخيلتي .. لا تتطابق مع المنظر الجديد .. منظر الكفر المدفون في الأرض .. فيه حاجة غلط

لكن أمام إصرارالصبي على وجود الفيل بداخل الشق .. بدأت صورة الفيل تهتز في مخيلتي .. وبدأ الفيل ينكمش .. ويصغر .. ويصغر .. ويصغر .. حتى أصبح كحجم الفأر في رأسي !! جثى الصبي على ركبتيه أمامي ومد رقبته نحو الشق .. أخذ ينظر من الفتحة .. وأنا اقف بجانبه فاغر الفم .. ثم دعاني بحماس لمشاهدة الفيل المسكين القابع في الجحر المطاطي .. وكأني أقف منتظراً دوري .. في نفس الوقت .. لا أريد أن أجثوا على الارض وأوسخ يدايا وثيابي .. فرائحة الصابون الأحمر والكريم وحمام زوجة أبي لم يمضي عليهم أقّل من ساعة .. لكن أمام إصرار الصبي .. رضخت للأمر الواقع .. ثم نظرت للريال في يدي .. وفي عقلي سؤال محيّر .. أين سأضعه الآن ؟!! نهض الصبي ووقف بجانبي .. ثم ناولته الريال .. وطلبت منه أن يمسكه .. بينما أنا سأنظر في وضع الفيل المسكين .. ناولته الريال بمحض إرادتي .. وأنا بكامل قوايا العقلية .. لم ينتزعه مني لم يشهر مسدساً او مطوى

ثم جثوتُ على ركبتي .. ومددت رقبتي محاولاً رؤية هذا الفيل من شق الكَفْر .. فأصبح الصبي خلفي قليلاً .. فأخذت أبحث عن الفيل في فتحة الكَفْر .. وأتحدث للصبي خلفي .. أين الفيل ؟ أنا لا اراه .. أين الفيل .. أنا لا اراه .. ولما لم أسمع رده على تساؤلاتي .. نظرت للخلف لأرى ما حدث له .. ؟! لكنه لم يعد واقفاً خلفي .. ولا بجانبي .. ولا أمامي .. راحت عيناي تبحث عنه في كل الإتجاهات .. وكأن الأرض قد أنشقت وأبتلعته

ثم لمحته بعيداً في آخر الزقاق .. وإذا هو يجري يسابق الريح .. ثم يختفي خلف البيوت .. في البداية أعتقدت أنه خائف من الفيل .. او أنه يجري يبغى الحمّام .. وبعد لحظة بدأت ضبابية الموقف تنقشع .. لقد أخذ ريالي وهرب .. لقد سرقني .. ثم أختفى خلف البيوت .. اردت أن أصرخ : أبي .. والدي .. أبتاه .. أين أنت .. نهضت ألملم أشلاء سذاجتي و خيبت أملي في مشاهدة الفيل وأختفاء ريالي الجديد .. كانت اول تجربة أتعرض فيها لعملية نصب

ثم بدأت أخرج للشارع أكثر .. أبحث عن أصدقاء .. طفشت من اللعب مع البنات في البيت .. كان يوسف اول ولد أتعرف عليه في الحارة ويُصبح صديقي .. ولد قصير يبدو كأنه أصغر مني سنّاً .. طيب جداً ولطيف .. بيتهم خلف بيتنا تماماً جهة الغرب .. لا يفصله عن بيتنا سوى زقاق ضيق .. كان منزلهم مازال بيت شعبي .. ثم بنوا عمارتين لاحقاً واحدة لأبي يوسف وعائلته .. والثانية لعائلة جده وجدته .. تلك العائلة تشبهنا كثيراً .. فكلهم يعيشون في نفس المنزل .. الجد كبير العائلة حوات أيضاً .. وله أبن كبير كان يعمل ممرضاً وأخ أصغر منه أصبح طبيباً لاحقاً .. وكذلك إمرأة في سن عمتي زُليخة .. كانت تزورنا كل يوم .. وربما إمرأتين أخريين .. إمرأة مُقعدة لم تزرنا أبداً وإمرأة أخرى أصغر سناً هن عمّات يوسف

والد يوسف متزوج من أخت زوجة والدي الثانية المطلقة .. وله اولاد وبنات ويوسف أكبر الأبناء .. ولأن والد يوسف يعمل في التمريض ولأنه جارنا .. فقد علّم والدي كيف يعطي إبر في العضل .. ومن يومها أصبح والدي ذو مواهب مُتعددة .. فهو مدرس .. وإداري في إدارة التعليم .. وإمام مسجد .. ويدي إبر في العضل .. ” هرانا ” إبر .. أي أحد يمرض في البيت .. إبر المضادات الحيوية جاهزة وتحت الطلب .. مستحيل يأخذك للمستشفى .. في الأول لازم تمر على عيادة الوالد .. تنبطح .. تأخذ إبرة .. وتستمر تأخذ إبر لثلاث أيام متتالية .. اذا لم تُشفى .. يكون الحل الأخير المستشفى .. أما اذا كنت إمرأة .. فلا يوجد خيار آخر سوى إبر الوالد او القبر .. ليس للنساء خيار للذهاب للمستشفى .. والدي هو الشخص الوحيد الذي كشف عورات كل من في البيت .. يعرف إستهاتنا جميعاً .. من جدي الى أصغر فرد .. وكل مرة أمرض يعطيني إبرة .. كنتُ أكره خيزرانة أبي .. جزمته .. خرطوم الماء .. يده اليمين .. وأخيراً إبر المضادات الحيوية

ذات يوم خرجت الى الشارع في العصر .. وصادف أن رأيت يوسف يلعب لوحده .. كنّا في سن بداية إستكشاف الأشياء .. يجمعنا الفضول والبراءة .. كثير كثير من الفضول .. كما ذكرت سابقاً بأن بيتنا لا يبعد عن الكورنيش والبحر كثيراً .. على ناصية الشارع في التقاطع مع طريق الكورنيش يوجد كشك صغير لرجل يعمل ممرضاً في الصباح ويبيع سندوتشات جبنة .. طماطم .. بيض مسلوق .. مشروبات غازية بعد المغرب الى بعد العشاء .. كان والدي ينهرني عن شراء السندوتشات من عنده .. كان يقول هذا الرجل يُعالج الجروح في النهار .. ثم يصنع سندوتشات بعد المغرب بنفس اليدين

كان للكشك حائط من الخشب يرتفع عن الأرض بقدر شبر .. وكانت الفتحة كبيرة نوعاً ما تسمح لطفل مثلي من النفاذ خلالها .. بالرغم من أن الكشك مغلق بالقفل .. الا أن صناديق الميرندا والبيبسي البلاستيكية الصفراء يمكن رؤيتها بسهولة من أسفل الفتحة .. كنت أنا ويوسف نمشي بجانب الكشك ثم رأينا منظر القوارير .. نظر اليّ يوسف .. ونظرت اليه نفس النظرة .. كأنه قرأ أفكاري .. لمحت في عينيه بريق السعادة .. دون أن نقول كلمة .. فهمنا ما يدور في رأسينا

نظرنا للخلف .. لليمين .. لليسار .. الشارع فاضي .. يبدو أن الناس يصّلون العصر .. أنحنيت ثم جثوت على الأرض .. ثم سألته .. أش تشرب .. قال بيبسي .. فأخذت قارورة بيسبي وناولته .. ثم أخذت لنفسي قارورة ميرندا .. ولففنا القوارير تحت ملابسنا .. ثم جري نسابق الريح .. دخلنا زقاق خلف بيت يوسف .. توقفّنا وإختبأنا خلف البيت من الجهة الغربية .. ثم عندما تأكدنا من خلو المكان من المارة أردنا أن نشرب القوارير .. لكن لم نستطع فتحها .. اقترح يوسف أن أنتظر هنا مع القوارير .. وسيذهب هو الى البيت لاحضار فتّاحة عِلب من مطبخهم .. عاد وفتحنا القارورتين وشربنا .. كانت تلك اول سرقة في حياتي .. بالطبع لن تكون الأخيرة .. شعرت بنشوة وإثارة غير طبيعية .. كانت مغامرة لذيذة .. خاصةً أننا لم ننكشف .. كانت لسعة غازات الميرندا لذيذة في اللسان .. بالإضافة الى الإثارة التي شعرنا بها في المغامرة .. السرقة .. الخوف .. جعلتنا نفكر نعملها مرة أخرى .. غاب عن بالنا أن هذه القوارير لا يمكن أن تأخذها معاك .. بل يجب إعادتها فارغة .. فأصبح الصندوق ناقص قارورتين .. عندما عدنا وجدنا أن الشارع قد امتلئ بالناس .. فخفنا أن نصنع ما صنعنا سابقاً

عندما غربت شمس ذاك اليوم وذهب الناس للصلاة ثم عادوا .. رأيت الرجل صاحب الكشك يقف أمام مكتبة والدي يتحدث اليه .. بلعتُ ريقي من الخوف .. أخ .. رحُنا فيها .. يبدو أن أحدهم قد رآنا وبلغ الرجل .. عدت للبيت أحاول أبحث عن مخبئ .. ميت ميت أنا هذه الليلة .. لا يوجد حل ثاني او حتى ثالث .. إنتظرت في المخبئ لساعة .. لم أسمع والدي يبحث عني او يناديني .. خرجت من المخبأ ورميت جسدي على الفراش متعباً لم أستيقظ إلا في صباح اليوم التالي .. في اليوم الثاني كنت أشاهد الرجل وأحاول أن أتفاداه .. حتى لا تلتقي عيني بعينه .. ذهبت لشراء سندوتش فلم يقل لي اي شيئ حمدت الله أنني نجوت وقررت أن لا أعود لسرقة قوارير الميرندا بعد ذلك اليوم

المكتبة

(14)

المكتبة

Sept 2006

سيدتي

في البيت مكان مهجور لا يدخله أحد سوى والدي والغُبار .. يدخل والدي من الباب ويتسلل الغُبار من تحت الباب ومن الشقوق .. يخرج والدي من المكتبة ويبقى الغُبار شاهد على أهمّية الكتاب في بيتنا .. الكتاب مُهم لذلك يجب أن تُغلق الغرفة بالقفل
غرفة صغيرة زائدة عن حاجة البيت مثلثة الشكل او على شكل شبه منحرف .. هذه هي المكتبة .. يوجد للغرفة باب يأخذك للبلكونة .. وكذلك الباب الرئيسي .. توجد خزائن مرصوصة مقابل الحائط برفوف حديد وأبواب من زُجاج للكتب .. هناك فوق ذاك الخزينة على اليمين .. يوجد بُندقية صيد .. والدي كان يذهب للصيد في شبابه عندما كان هناك غزلان وأرانب في براري جيزان .. هذه البندقية القديمة كانت متعتي الوحيدة في هذه الغرفة .. كم من مرة فككت هذه البندقية قطعة قطعة وركّبتها من جديد

هناك على اليمين فوق الخزانة يوجد عشر خيزرانات .. خيزرانة طويلة ومذببة الرأس .. خيزرانة طويلة بدون رأس .. خيزرانة سميكة .. خيزرانة قصيرة .. جميع المقاسات هنا .. وأيضاً يوجد مطرقة .. مِنشار .. ماصورة صغيرة .. لا أعلم ماذا تفعل هنا في المكتبة ؟

كُتب صفراء كثيرة .. مجلات قديمة .. جرائد قديمة مصفرة أيضاً .. هل تُصّدي الأوراق ؟!! نعم .. يُوجد في هذه المكتبة اوراق قد أصابها الصدأ ..!! .. كتاب ” سلاح التلميذ ” يساعدك على حل الواجبات المدرسية .. من أيام جمال عبدالناصر .. كُتب على الغلاف الجمهورية العربية المتحدة .. كتاب المعلم رياضيات السادس ابتدائي 1402 هجرية .. كنت أغش منه طريقة الحل .. وهذه كراسة أختي سهام عندما كانت في الصف الخامس ابتدائي 1400 هجرية

كتب لمصطفى محمود .. أنيس منصور .. محمد متولي الشعراوي .. طه حسين .. العقاد .. في البداية كانت أكثر الكتب هنا مراجع وكتب الأدب العربي .. ثم تم اضافة العديد من كتب التفاسير والأحاديث والفتاوي والتأريخ .. كُتب بداخل هذه الخزائن الحديدية .. كُتب فوق االخزائن .. كُتب على الأرض مرصوصة

اذا أردت أن تتناول كتاباً .. فعليك أن تنفض عنه الغبار اولاً .. واذا كُنت مثلي مُصاب بحساسية الأنف المزمنة .. فستعطس بمجرد فتح باب المكتبة .. وستعطس في كل مرة تفتح فيها كتاب .. فوق تلك الخزانة على اليسار يوجد شنطة سامسونايت مليئة بالأوراق ومفتوحة أيضاً .. يوجد أيضاً البوم صور .. صور كثيرة جداً .. وصور بمقاسات مُختلفة محشورة داخل ظروف رسائل ..
بالأبيض والأسود .. أكثرها لوالدي وهو في العشرينات من عمره .. ربما في الخمسينات الميلادية .. كثير منها رحلات مع الكشافة .. أنشطة مدرسية .. مسابقات ثقافية .. صور لوالدي وهو مبتسم ولابس بنطلون وقميص .. مع أنه منعني من لبس البنطلون من الصف الثالث متوسط

هذا هو في الصورة لابس بنطلون واسع من الأعلى ضيق من الأسفل ومرتفع الى فوق الصرة .. و قميص أبيض و نظارات سوداء وحركات حلوة .. أناقة ولا أناقة رشدي أباضة وأحمد رمزي في الخمسينات .. طيب يابوية .. طيب يا عم الحج .. كاتم على أنفاسي لأكثر من ثلاثين سنة .. قوانيين صارمة كأني في العسكرية إلبس هذا وأخلع ذاك .. هذا لا يليق .. وأنت ماذا كنت وماذا عملت في الماضي ؟ حتى أن جميع الصور التي فيها الوالد .. جميعها .. كل من في الصورة متجهم عدا والدي دائماً مُبتسم .. وحركات كوميدية وجو .. عجيب مع أن والدي نادراً ما يبتسم في البيت .. يبدو حتى أبي كان فال أمّها وهو صغير

ذكريات قديمة داخل هذه المكتبة .. هنا حفظت قصيدة ” العيد ” لشاعر جيزان الراحل محمد علي السنوسي .. وهنا أيضاً حفّظني والدي قصيدة الشاعر غازي القصيبي ” رسالة المتنبي لسيف الدولة ” بيني وبينك ألف واش ينعب … فعلام أسهب بالغناء وأطنب .. صوتي يضيع ولا تحس برجعه … ولقد عهدتك حين أنشد تطرب .. لكن السر الخطير الذي وجدته في هذه المكتبة هو في مفكرة الجيب القديمة التي وجدتها هنا وأنا أنفض الغبار وأعيد ترتيب بعض الكتب .. سأقرأ ما هو مكتوب كما جاء بخط والدي

الصفحة الأولى

مقاضي الدكان
٢ كيس سكر
٢ كيس رز
١ كرتون حليب
================
الصفحة الثانية

في يوم السبت الموافق 1378/3/13 هجري
بدأت في عمارة بيت في جهة الساحل
يتكون من غرفة سفلية وبرندة ومنافع
ارجو من الله تسهيله والعون فيه
وأن يكون مسكن خير وبركة
في 1378/3/14

١٤٠ ريال معادي
٥٥٠ ريال عبدالله عقيل
٢٠٠ ريال محمد عقيل
٣٥ ريال ردمان
٢٠ ريال علي حيدر
١٠٥ ريال الحربي
٦٠ ريال الطبيقي
١٠ ريال حيدر ثابت
٢٠ ريال يوسف خميس
==================
الصفحة الثالثة

سأطلع اليوم الجبل لمقابلة الحبيبة

هكذا إذاً .. نفاق الكبار لا ينتهي .. يطلبون منّا النوم مبكراً .. ثم يسهرون .. يقولون لنا أن التدخين مُضر بصحّتنا .. ثم يُدخنون .. يمنعون عنّا الحياة .. ثم فيها يُعربدون .. كل شيئ حرام .. وكل شيئ عيب .. لكن لا يقولون لك أنهم قد فعلوا تلك الأشياء التي منعوها عنك .. تبقى سراً من أسرار الكون .. كم سئمت هذا النفاق .. إكتشفت في المكتبة ذلك اليوم أن حتى لوالدي قلبٌ قد خفق ذات يوم .. والدي كان ينتظر اليوم الذي يصعد فيه للجبل ليقابل أمي .. ما شاء الله تبارك الله يا ( سي بابا ) .. والله وطلعت حبّيب .. ربما كانت فترة الملكة او الخطوبة .. كان هائماً .. عاشقاً .. ثم ماذا حدث ؟!! ماذا حدث للحب … ؟

يتبع

فيل .. هاه

 

في مكتب الدكتورة لويس

(13)

في مكتب الدكتورة لويس

June 2007

جلستُ في الجهة المُقابلة للسيدة لويس أجهش بالبكاء .. وهي تنظر اليّ بصمت وألم .. أشعر بالذنب لأنها رحلت .. رحلت ولم أبكي على رحيلها .. كأن الدموع وقفت عند محاجرها .. بل أكثر من ذلك .. كُنتُ أشعر وهي تغادر البيت وتركب السيارة بطعم الانتصار .. كأن تلك الليلة كانت الليلة التي انتصر فيها الحق على بطشها بي .. كانت تقسو عليّ كثيراً .. فلم أعرف أبدا طعم الحب من أمي .. وكم حاولت وحاولت أن أحبها فلم أستطع .. و أشعر بالذنب أيضاً لأني لم أدافع عنها ذاك الصباح .. لم أنتصر لها .. وقفتُ هكذا مُستسلماً .. ربما لو كُنتُ فعلتُ أي شيئ .. لو كنتُ غيرت أي شئ .. ربما .. لو كنتُ صرخت .. ربما لو كنت نطقت بكلمة .. ربما لكان تغّير مجرى حياتي تماماً .. ربما لكانت تلك اللحظة هي الجسر بين أن أعيش طوال حياتي جباناً .. وبين أن أقف وأنتصر للحق .. وأن أقف مع الشُجعان .. لم أتصالح أبداً مع نفسي منذُ ذاك اليوم .. أنا جبان .. جبان .. كل موقف تطلب مني الشجاعة بعد ذلك اليوم كنت أختفي .. أتراجع للمقاعد الخلفية .. أتوارا عن الأنظار .. أتوارا خلف جدران من الخوف .. لا أفهم لماذا يستبد الرجل بالمرأة .. هل لأنها مخلوق أضعف جسدياً ؟ الرجل الذي يضرب المرأة جبان .. لا تظهر شجاعته الا في البيت عند الحريم

السيدة لويس : خليل .. لا تلم نفسك .. كنت طفلاً في السادسة .. ماذا كنت ستفعل أمام هذا الوحش .. لو عاش أبوك في أميركا لكان مكانه الطبيعي السجن
سيدتي أنا لستُ هنا لاصدار أحكاماً على قوانين أميركا او السعودية .. لو طُبقت قوانين السعودية على الأميركان لكان أكثرهم في السجن .. ليست القوانين فقط من يمنع الظلم والتعسف .. الضرب لا يجب أن يكون طريقة لعلاج المشاكل بين الرجل والمرأة .. ويجب أن يبقى ذلك في ضمير كل إنسان .. الطفل لا يجب أن يتعرض للضرب بتاتاً .. سيدتي أنا متزوج .. ولي طفل وطفلة من زوجتي .. لم أشأ أبداً أن يكون لي أطفالاً .. لأني أخشى عليهم مني .. أخشى أن أكون في يوم من الأيام مثل أبي .. أنا لم أتربى على التسامح .. على التحاور .. على المناقشة .. على الاقناع .. تربيت على طريقة واحدة .. وهي أن هناك شخص أكبر منك يقوم مقام الوصي عليك .. هو يعرف الصح من الخطأ .. وأنت عليك التنفيذ .. كان الكبار من يقررون ونحن الصغار علينا التنفيذ .. لقد ورثت هذه اللعنة من والدي .. يمكنني أن أدعّي كما أشاء أنني متفتح الذهن .. مُتحرر .. لكن في لحظة الحقيقة .. ستكتشفين أن بداخلي ” صدام ” صغير .. دكتاتور .. هكذا هو والدي .. وهكذا كان جدي .. وهكذا سأكون

السيدة لويس : خليل .. أنت مُتزوج ولك أبناء ..!!!! لم تخبرني بذلك !! حدثتني في البداية عن مشكلتك مع الدراسة .. ومشكلتك الأخرى مع النساء ؟ يبدو أني أجلس أمام صندوق من الألغاز والمفاجآت

بل أخبرتك .. ربما مررنا بذلك سريعاً .. لا أحبذ الحديث عنهم كثيراً .. نعم لي ولد عمره اربع سنوات .. وبنت عمرها سنتين .. لقد انفصلت عن أمهما من أيام قليلة بعد سبع سنوات من الزواج .. وقررت أن أبدأ حياة جديدة ليس لأحد فيها قرار سواي .. لقد أعتبرت زواجي من الماضي الذي لم يكن لي فيه يد او قرار

ثم بدأتُ أبكي من جديد .. إني أفتقدهما كثيراً … كانت مفاجأة لي أن رُزقت بطفل جميل وطفلة جميلة .. وأنا الذي كُنت دائم الأعتقاد بأني قبيح .. ثم بدأت أضحك .. يقولون أن ولدي يشبهني كثيراً .. اذا كان يشبهني حقاً .. فأنا اذاً وسيم .. هههههههه .. على عكس ما كنتُ أظن طوال كل تلك السنين .. لقد أسميته الهيصر .. والهيصر إسم من أسماء الأسد .. يقولون أن للأسد سبع مئة إسم في اللغة العربية .. والهيصر أحد تلك الأسماء .. أسميته الهيصر فلربما يكبر يوماً ويكون أشجع من أبيه .. أما البنت فهي تشبه أمها .. وأسمها على إسم أمي

السيدة لويس : هل أحببت زوجتك ؟

لا ادري .. ربما كنت أظن أني أحببتها .. هل يوجد شيئ أسمه الحب أصلاً

السيدة لويس : لأنني أعتقد أنك تكرر ما فعله أبيك .. هو هجر أمك بعد ولادتك لثلاث سنين .. وأنت تفعل الشيئ نفسه مع أبناءك

لا … أنا هجرت أبنائي لأحميهم مني .. سأخبرك بقصة عن أبي .. عن هذا الذي سميته بالوحش .. لوالدي مكتبة في شقتنا تلك في الطابق العلوي .. وهي غرفة كأنها زائدة عن حاجة البيت .. فهي لا تصلح غرفة نوم .. لأنها صغيرة ومثلثة الشكل او شبه مُنحرف .. ولا تصلح للضيوف او لأي شيئ .. فكان أن جعلها والدي للكتب .. وهي تطل على بلكونة او شرفة تطل على الشارع .. بعد رحيل أمي .. أغلقها والدي بالقفل .. فوالدي يخاف على الكتب كثيراً .. فلا يسمح لأحد بدخول تلك الغرفة سواه والغبار .. فجيزان تتعرض كثيراً لعواصف رملية خاصة في الصيف .. في زيارتي الأخيرة لجيزان ٢٠٠٦ .. دخلت للمكتبة بعد أن ذبحني الملل .. وقررت أن أقوم بتنظيف الكتب وترتيبها .. لن تُصّدقي ماذا وجدت

يتبع

المكتبة

فرحة الرحيل المر

(12)

فرحة الرحيل المر

1977

سيدتي

هكذا إنتقلتُ للصف الثاني ابتدائي بالواسطة بتدخل والدي .. لم تكن تنقصني القدرات الذهنية .. بقدر ما كان إتبّاع النظام هو المُشكلة .. لا أعلم لماذا إستعجل والدي على إدخالي المدرسة .. حيث لم أكن قد بلغت السن القانونية عندما كُنت في الصف الأول .. فكنت دائماً للأثنى عشر سنة القادمة أصغر زملائي في الفصل .. أثناء الدراسة سمعنا عن سقوط جدار في مدرسة مجاورة على أحد الطلبة .. مما ادى الى وفاة الطالب .. وكان الطالب في الصف الثاني او الثالث ابتدائي .. نتيجة هذا الحادث قرر المسؤلين عن مدرستنا الإنتقال مؤقتاً من هذا المبنى القديم المُستأجر خوفاً أن يقع على رؤوسنا هو أيضاً .. فكان الإنتقال إلى المدرسة الشامية ذو المبنى الحكومي  .. وكانت الدراسة بعد الظهر إلى أن يتم العثور على مبنى أفضل وأستئجاره للمدرسة العزيزية

مكثنا شهر او أثنين على تلك الحال .. اذهب مشياً إلى المدرسة الشامية التي تقع شرقاً على طريق الكورنيش كل يوم بعد الظهر .. وأعود للبيت قبل المغرب .. كان الوضع غير مُريح لأني موجود في البيت إلى الظهر .. ثم اذهب للمدرسة .. وكان يفوتني وقت الغذاء في البيت .. والذي هو وقت إجتماع كل العائلة .. ثم أنتقلت المدرسة العزيزية الى مكان أبعد .. فقرر والدي أن ينقلني نهائياً إلى المدرسة الشامية وأن أعود للدراسة صباحاً .. ففقدت كل أصحابي الذين زاملوني في الصف الأول والثاني لكن بقيت صورهم عالقة في ذهني لم تُمحى .. ثم بدأت رحلة جديدة من التعرف على زملاء جدد .. في البداية شعرت برهبة لكن ما هوّن الأمر أن أكثر طلاب المدرسة الشامية هم من نفس حارتنا وفيها أيضاً اولاد عمتي المتزوجة بعكس المدرسة العزيزية

في تلك الأثناء كان منزلنا فوق صفيح ساخن .. والأحداث تتسارع كل يوم .. أمي تحت الحصار والقصف المستمر من جدتي وعمتي زُليخة وزوجة والدي .. وتنتهي المُشكلة كل مرة بتعرضها للضرب من والدي .. كنت كل يوم أعود من المدرسة وهناك معركة في البيت .. بل معارك .. وأذكر جيداً بالرغم من أنني في سن صغيرة في الصف الثاني إبتدائي .. إلا أنني كُنت أتمنى من الله أن آتي للبيت يوماً ولا تكون هناك معركة بين أمي والبقية

كان لوالدي العديد من الأصدقاء المصريين الذين يعملون معه في إدارة التعليم كمشرفين تربويين .. وكانوا قد حضروا لجيزان بصحبة زوجاتهم .. إحدى تلك النسوة وأسمها علياء .. وكانت جميلة جداً .. حضرت لزيارة أمي ذات مرة .. وشاهدت أختي الصغيرة وكانت أختي شديدة البياض فتعلقت بها كثيراً .. إستمرت هذه المرأة المصرية في التردد على أمي .. وذات يوم وكان والدي موجود في البيت .. طلبت هذه المرأة أن تأخذ معها أختي الصغيرة الى بيتها في مدينة أبي عريش .. ربما كان عمر أختي ثمانية أشهر في ذلك الوقت .. فوافق الوالد .. وأخذت أختي عندها لمدة أسبوع .. فجنّ جنون أمي .. كانت أمي تبكي كل يوم .. ووالدي يعتقد أنها مجنونة .. ويخبرها بأن أبنتها ستعود ولا يوجد اي مبرر للقلق .. لكنّها لم تكن تعبئ بما يقول .. وتستمر في البكاء ولطم نفسها ونتف شعرها في منظر مُرعب لي جداً كطفل .. إلى أن عادت أختي .. ومن سوء الحظ أنها عادت ومعها إلتهاب وحساسية في الجلد .. فزاد الطين بلة .. وسكب المزيد من الزيت على أعصاب أمي المُشتعلة أصلاً

ذات مساء كنت أشاهد التلفزيون في الغرفة عند عمتي زُليخة .. كنت ممدد على الأرض .. رأسي على مخدة .. ثم نمت .. وبعد ساعة او يزيد استيقظت وأنا أشعر ببلل ووأشُّم رائحة كريهة .. بلعت ريقي من الخوف والخجل .. ثم تسمّرت في مكاني .. كان باب الغرفة مفتوح .. ويطل على صالة صغيرة جداً ليس بها اي آثاث .. لكن لأنها مُربّعة الشكل .. فكان المكان الذي يجلس فيه أفراد العائلة لتناول الغداء او العشاء على الأرض .. كان الكل يتناول العشاء في تلك اللحظة .. والدي .. عمي حُّمد .. عمي عبدالغفور .. عمتي زُليخة .. جدتي .. زوجة أبي .. كُلهم عدا أمي التي كانت بالطابق العلوي

فجأة عمتي زُليخة شمت الرائحة .. وبدأ الكل يتلفت من أين أتت .. ظن البعض أنه ربما أنا ضرطت .. ومش عارفين أن المصيبة أكبر .. قامت عمتي زُليخة تتفقدني .. عندما وصلت اليّ إكتشفت ما حدث .. كان عندي إسهال .. فبدأت أبكي وأترجاها أن لا تأخذني لأمي .. سوف تقتلني .. لم تعبئ لتوسلي .. كم كرهتها تلك اللحظة .. سحبتني وجرجرتني لأمي ورمتني عند باب الشقة بالطابق العلوي .. ربما لأن جميع ملابسي عند أمي لا أعلم لماذا فعلت عمتي ذلك .. فتحت أمي باب الشقة وبمجرد رؤية أمي لي .. ضربتني كف إرتطمت على أثره بالباب و سقطت على الأرض .. ثم أخذت تضربني بكلتا يديها وبكل وحشية على جانبا يطني .. على ظهري  .. رأسي .. أين ما وقعت يداها .. دون رحمة او شفقة

تمر في عمر الإنسان ثواني تأبى أن ترحل عن ذاكرته .. كأن الزمن يتوقف عند تلك الثواني لسنوات وسنوات .. لم أفهم أبداً ما الذي جنته يداي تلك الليلة .. ما الخطأ الذي أذنبته .. ما الذنب الذي أقترفته كي أستحق كل تلك القسوة .. كُنت نائم عندما حدث ما حدث .. لم أفهم أبداً كيف يمكن للأم .. صاحبة القلب الحنون .. أن تتحول في لحظة الى وحش كاسر .. وكيف لهذا الطفل الذي لا يعرف أحد في هذا العالم كي يحميه سوى والديه .. فيكون هو الضحية .. لم تكن تلك الليلة المُّرة .. المرة الأولى التي أكون فيها ضحية .. الضحية الذي رماه حظه العاثر بين منطقة تراشق بالنيران العائلية .. كنت أنا الضحية او أخواتي البنات في كل مرة تحدث مشكلة بين أمنّا وبين والدنا وعائلته .. كانت أمي تضربنا وكأنها تنتقم من والدي .. وهكذا كل واحد يستقوي على الأنسان الاضعف منه .. والدي يضرب أمي لأنه يستطيع .. ووالدتي تضربنا نحن أطفالها لأنها فقط تستطيع

رُزقت أمي بمولود ذكر هذه المرة .. لكن لم يفرح أحد .. كانت ما تزال في خصام مع جدتي .. وفي معارك شبه يومية مع زوجة أبي .. حضرت جدتي الأخرى وأبنتها وهي الأخت الوحيدة لجدي كي تُبارك لأمي .. وهي تسكن بجانب بيتنا في الجهة المُقابلة من الشارع .. وكذلك إمرأة مصرية زوجها يعمل مع والدي .. كانت تُحضر لأمي بعض الأكل لأنها في حالة ولادة .. أمي كما أسلفت كانت تقوم من الفراش في نفس اليوم .. وتبدأ في عمل ما تحتاج عمله من طبخ وتنظيف البيت

كانت تطبخ الأكل لها وحدها .. والدي كان يتغذى أكثر الوقت عند جدتي وأخواتي البنات كذلك .. أحياناً كنت أشاركها الأكل عندما تكون في مزاج مُعتدل .. وكذلك أختي التي رافقتني مع أمي زمان للجبل .. كانت أمي تُجيد طبخ الرز الأحمر بصلصة الطماطم .. بالدجاج مرات وبالحوت مرات أخرى .. وكنت أحب طريقتها في طبخ الرز .. لأنه يكون رطب ومبلول أكثر .. بينما رُز عمتي زُليخة يأتي ناشف أكثر .. ولم يكن يعجبني بنفس القدر

بدأتُ أميل أكثر وأكثر للنوم عند جدتي وعماتي في الطابق السفلي .. كان في الشقة ثلاثة غُرف .. غرفة بها كنب للضيوف .. غرفة بها قعائد .. وغرفة جدي وهي بعيدة ومُنعزلة في أقصى الشقة .. وبها قعادة للنوم .. وكذلك كل ادوات الصيد من شبك وسنارات .. وغرفة القعائد هذه هي غرفة التلفزيون والجلوس .. فُكنت عادةً ما أشاهد التلفزيون ثم أغفو وأنا أشاهده .. مرات كنت أنام على الأرض .. ومرات أجد نفسي نائم على القعادة .. وهي مُرتفعة كما أسلفت عن السرير العادي

ذات ليلة إستيقظت في منتصف الليل على أصوات صُراخ .. كانت الغرفة مظُلمة وزوجة أبي الثالثة في حالة هيجان .. كانت تسب وتلعن في أمي .. بينما أمي كانت في الدور الثاني .. وكانت جدتي تُحاول تهدأتها .. ثم دخل والدي الغرفة فغطيت وجهي بشرشف كُنتُ أتغطى به .. بدأ يهددها بأن تخفض صوتها حتى لا تفضحنا عند الجيران في هذه الساعة المتأخرة من الليل .. لكنها لم تستمع لوالدي ولم تخفض صوتها او تسكت .. فضربها كف بشكل سريع وحازم .. فخرست ولم تنطق بكلمة

ثم عاد يجري للطابق الثاني لكي يُرّبي المرأة الثانية .. أمي إمرأة قوية .. وربما تكون مُصارعة من الدرجة الأولى .. لو تدربت جيداً وكان في البيت صالة حديد .. تملك قوة غير طبيعية .. فقد تحتاج زوجة أبي الثالثة لكف واحد كي ينتهي الموضوع معها .. أما أمي فتلك قصة أخرى .. عاد والدي للطابق العلوي يجري للدرج .. لم أشاهد ما حدث .. لكنني كنت أسمع أصوات إرتطام بالأرض لأكثر من مرة .. وصوت خبط قوي على الباب .. وأشياء تتكسر .. أنزويت أنا تحت الغطاء أرتجف من الخوف .. حتى أن ظهري إلتصق أكثر بالجدار والسرير وأنا أسمع و أشاهد بعض ما جرى

في أحد الأيام وكان يوم جُمعة .. كان يفترض أن والدي في ذلك اليوم من نصيب زوجته الثالثة .. هذا يعني أنه ينام معها .. وأيضاً هي المسؤلة عن إعداد ملابسه وأكله .. كان من المفترض أيضاً أنه سيخطب الجمعة ذلك اليوم .. فكان يغتسل ثم تقوم زوجة أبي بأعداد ملابسه المكوية كي يرتديها .. بحثت عن كبك الأكمام والصدر للثوب ” إزرار” فلم تجدهم .. ظنت أن أمي قد أخفتها .. والدي مُستعجل ويريد أن يذهب للصلاة .. ذهب لأمي في شقتها وكنت أنا موجود هناك .. سألها أين الكبك يريد أن يلبس ويلحق الصلاة .. أمي لم تعره اي اهتمام وأنكرت معرفتها .. كلمة بعد أخرى .. تطور الأمر الى الضرب .. ارادت أن تعترض طريقه للخروج .. فأصبح يدفعها وهي تسحبه .. أخذ خيزرانة وبدأ يضربها بالخيزرانة .. وهي تُقاوم بشراسة .. تبكي وتصرخ في نفس الوقت .. كان هناك كرسي حديد قذفته به .. فألتقط الكرسي وأخذ يضربها به .. ويضربها .. ويضربها بعُنف وكان ظهرها مُلتصق بالجدار .. حتى سقطت على الأرض منهارة .. ثم ذهب للمسجد ليخطب في الناس خطبة الجمعة  .. يذكرهم بتقوى الله

كنت أقف هناك بجانب الباب .. أُشاهد كل شيئ .. لم ينتبه أحد لوجودي .. كُنتُ مُتسمر في مكاني لم أعد أقوى على الحركة .. لا ادري ما الذي يجب عليّ عمله .. وأنا واقف هناك وأمي ساقطة على الأرض .. جاءت المرأة المصرية وفي يدها صحن به أكل .. سألت ما الذي حدث ؟!! وبدت تقول .. ياخرابي .. ياخرابي .. يالهوي .. ثم قامت تتفقد أمي .. ثم ذهبت للثلاجة .. وأحضرت ماء وثلج .. وأخذت تفّوق أمي وتسقيها

لأمي أخ من أمها يعمل في حرس الضيافة عند الأمير السديري .. كان يزورنا في الأعياد .. أحضره والدي ذلك اليوم بعد صلاة العصر .. وبدأ يشكو له أفعال أمي .. فكان خالي يرفع حذاءه ويريد أن يضرب أمي .. توقعت أنه سيضرب أبي لأنه ضرب أخته .. إستغربت كثيراً .. دنيا عجيبة .. المرأة في بلادنا ملعون أبو جدفها من كل الأتجاهات .. من كل الأطراف .. بإختصار وبدون أي تزويق في الكلمات .. يعني تلاقيها من زوجها والا من أخوها .. والا من مين ؟!! والا من مين ؟

تم إتخاذ القرار بأن ترحل أمي الى الجبل مرة أخرى .. بعد مغرب ذلك اليوم ضفت عفشها في ” بُقشة “ قطعة قُماش .. ولفت وليدها الصغير في قطعة قُماش أخرى وضمته الى صدرها وهي تبكي .. وأخبرت والدي أنها حامل .. رحلت هذه المرة وتركتني .. وتركت خلفها أيضاً خمس بنات .. تركتنا لجدتي وعماتي وزوجة أبي .. كُنت أقف في الشارع عند الباب العمارة أشاهدها وهي ترحل .. كانت تمشي وهي تبكي .. ثم صعدت الجيب وهي تحمل أخي الرضيع في حُضنها .. كنت أقف بصمت وذهول .. لم أودعها .. كُنت أرمق أمي وأنا أحمل مشاعر مُختلفة .. لا ادري إن كانت تشّفي أم أسى أم سعادة أم غضب .. من جهة أسف وحزن .. من جهة أخرى شعور بالراحة أنها سترحل .. شاهدت السيارة تبتعد بينما كانت أختي الأكبر مني تبكي عليها بُحرقة .. تُطارد السيارة تريد أن تلحق بها

يتبع

في مكتب الدكتورة لويس

الحصار

(11)

الحصار

1976

سيدّتي

في بيتنا شخصيات عجيبة حقاً .. عمّتان غير متزوجتان .. الأكبر سناً أسميها العمة المنسية .. هي امرأة نحيفة وطويلة .. سمراء ذات ملامح جميلة .. عظمة خدودها بارزة وعيونها واسعة .. خجولة جداً .. نادراً ما تلاحظ وجودها في البيت .. بالرغم أنها لا تخرج منه إطلاقاً .. لا تتحدث اذا تحدثت أصلاً إلا همساً .. عندما يجلس الجميع للحديث وتكون عمتي زُليخة كالعادة مُتصّدرة المجلس .. تبحث بناظريك في ارجاء البيت فتجد عمتي المنسية تصنع شيئاً ما حتماً .. ربما تُعد الشاي .. ربما تكنس المطبخ .. ربما تغسل الصحون .. تفعل كل شيئ عدا الحديث .. هذا هو دورها في البيت .. هي الجندي المجهول او كأنها الخادمة التي تعمل كل شيئ في البيت .. لكنها لا تتحدث كثيراً ولا تجلس للحديث مع البقية .. وكأنها لا تتكلم نفس اللغة التي يتحدث بها أهل البيت .. ليس لها رأي أبداً .. ليس لها حس او خبر .. هي أيضاً لا تقرأ او تكتب

أمّا عمّتي زُليخة .. يا إلهي .. من أين أبدء الحديث عن هذه المرأة ؟! .. عكس عمّتي المنسية تماماً .. هي أقصر وممتلئة قليلاً .. وجهها بيضاوي الشكل .. شعرها اسود تفرقه من المنتصف .. لكنه ضئيل جداً وكأنه لا يوجد شعر حقيقي .. ولولا لمعان الزيت في شعرها لظننت أنه مرسوم بقلم الوان اسود .. لها أسنان كبيرة وطويلة و بارزة للأمام كأسنان حصان .. وبين الأسنان لون غامق ربما بقايا وريقات الشاهي .. تبدو أسنانها كمن يُدّخن .. لكنّها لا تدخن أبداً .. في الواقع في بيتنا ممنوع التدخين .. لها عينان تشبه عيون السحلية .. صغيرة لكنها متوّرمة و خارجة للأمام .. وعندما تحدّق بك لأمرٍ جاد .. تقفل عيناها قليلاً .. فتشعر كأن شعاع ينطلق من عينيها ليخترق عظامك .. فينتابك شعور بالخوف وكأن عقلها يُخطط لأمرٍ ما

هي إمرأة تهتم كثيراً بالنظافة حد الوسوسة .. تمسح وجهها بالصابون كل يوم ثلاث مرات .. على أمل أن يُزيدها الصابون بياضاً .. أنا أقول أنها سمراء .. هي تقول أنها خضراء .. لو كانت إمرأة خلف نشوب حرب داحس والغبراء .. فصدقيني لو أخبرتك إنها عمّتي زُليخة .. إمرأة تتحدث همساً .. لكنها عندما تتحدث الكل ينصت إليها … قوة شخصية تصلح لقيادة جيوش .. دهاء ومنطق وغموض .. تجد كُل الرجال من أقاربنا في مجلسها .. أعمامي .. أبناء عمتي الشباب .. عدا والدي لم يكن يجلس مع الحريم أبداً

الكل يهاب لِسان هذه المرأة … لها قُدرة غير طبيعية في الحط من منزلة الناس وأنتقاء العيوب .. إمرأة قلبها أسود .. ترى فقط النصف الخالي من الكوب .. وتملك أسلوب غير عادي في الاقناع .. لا يمكن لأحد أن يدخل معها في نقاش وينتصر .. الكل خسران أمام هذه المرأة .. هي درست في الكتاتيب .. وكانت تفتخر دائماً بأن نظام الدراسة في عصرها كان مُختلطاً .. فتذكر أن الشيخ فلان مثلاً .. كان زميلها في الحوش .. حوش الدراسة طبعاً .. وفلان وفلان وفلانة والدكتور فلان .. كلهم كانوا زملاء الدراسة .. لكن جدي سامحه الله منعها من الدخول للمدارس النظامية .. مع أنها وأمي ذهبت للمدارس العصرية لاحقاً للتعلم .. الا أن أمي لم تُكمل فبقيت على جهلها .. بينما عمتي زُليخة تستطيع قراءة القرآن والجرائد

عندما أنظر اليوم للماضي .. وأقوم بتحليل تصرفاتها باحثاً عن الدوافع .. أجد أنه وكأنها كانت تنتقم من الجميع بسبب أنها حُرمت من حقها المشروع في الزواج وحقها المشروع في إكمال تعليمها مثل بقية البشر .. نعم فاتها القطار وفات عمّتي المنسية كذلك .. في كل مرة يتقدم عريس .. يجب أن تتم الموافقة من جدي .. من والدي .. من أعمامي .. أحياناً يوافق جدي على عريس .. فيرفض والدي .. طار العريس .. يوافق والدي على عريس آخر .. يرفض جدي .. طار عريس ثاني .. يوافق جدي ثم يوافق والدي .. فيجيئ الرفض من عمي عبدالغفور .. الموافقة على زواج عمتي مثل المُعاملة التي يجب أن تمّر على اربع وزارات مُختلفة من أجل الختم بالموافقة .. هي لم تُقصر أيضاً .. إنتقمت لعمرها الذي ضاع هدراً بطريقتها الخاصة .. جعلت حياة الجميع جحيماً لا يُطاق .. وهي تبتسم بهدوء

لا أتذكر التفاصيل الدقيقة لأسباب المعارك التي تدور في منزلنا .. لكنني كُنت أشاهد الأحداث الساخنة كُلّها .. وأعرف تماماً أطراف المعركة .. دائماً أمي من جهة .. وهذه الجهة دائماً محجوزة لأمي .. لا يُنافسها أحد .. والطرف الآخر للمعركة هم كل نساء العائلة .. جدتي .. عمتي زُليخة .. زوجة أبي الثالثة .. وأحياناً يُشارك جدي أيضاً .. كانت أمي تسكن في شقتها في الطابق العلوي .. وجميع العائلة في الطابق السفلي .. حتى زوجة أبي تقفل غرفتها في شقة أبي وأمي وتنزل تقضي معظم الوقت مع العائلة أسفل العمارة .. أُمي غريبة أصلاً عن المدينة .. لا تخرج من البيت مطلقاً .. لدرجة أنها لو تخرج للشارع فستضل الطريق ولن تعرف طريق العودة للبيت أبداً .. في الواقع جدي وأبي لا يسمحان للنساء بالخروج إطلاقاً .. الا للضرورة القصوى .. كموت او مرض قريبة من الأقارب .. لكن على الأقل هُناك من يزور عماتي وجدتي من الجيران والأقارب .. أما أمي فلا يزورها أحد .. وعندما يقاطعها جميع من في البيت .. تُصبح معزولة ووحيدة لشهور عديدة .. وليس يوم او أثنين .. شيئ يُشبه الحصار .. وأحياناً يشترك والدي في فرض هذا الحصار .. لأن مُشكلة ما حدثت بين أمي وجدتي .. فينتصر والدي لأمه طبعاً .. ويبقى غاضباً على أمي .. وتبقى أمي سجينة الطابق العلوي .. لا يُكلمها أحد إطلاقاً .. ستقولين .. طيب .. كيف تأكل .. كيف تشرب ؟

والدي يعطيني المقاضي .. فأصعد بها للأعلى .. في الواقع .. أنا كُنت نافذتها على العالم .. اذا ارادت شيئ ترسلني لأحضاره من الميدان .. والدي لا يُعطي النساء نقوداً أبداً .. فكانت أمي تُعطيني خمسة ريالات فقط لأذهب الى الميدان وأشتري لها حوت .. وكنت أذهب .. وعندما أعطي الرجل الذي يبيع الحوت خمسة ريال ينظر إلي بتعجب .. لأن الخمسة ريال لا تُعطيك اي شيئ .. فكان الرجل يسألني … ولد من أنت ؟! فكنت أقول أنا ولد الأستاذ فلان الفلاني .. فيتعجب أكثر .. ثم يعطيني حوت بما يساوي عشرون ريالاً بالخمسة ريال التي أعطيته إكراماً لأسم الوالد

أمي رُزقت بمولودة أنثى مرة أخرى .. بعد أن عُدنا للبيت الجديد ، العمارة .. هكذا أصبح لأمي خمس بنات وولد .. كانت لنا غُرفة ولزوجة أبي غرفة أخرى .. وكان هناك في الشقة غُرفة ثالثة .. لكنها طويلة ضيقة .. تطل على بلكونة .. أتخذها والدي مكتبة لكتبه .. ومكان لأخذ قيلولة بعد الظهر

كان له فيها قعادة ( سرير خشبي مُرتفع مصنوع من سعف النخل ) ينام عليها .. ولأن تلك القعادة مُرتفعة القوائم .. كانت أمي تربط في جهة منها فوطة ( خرقة قُماش يلبسها الرجال كإزار) للرضيع لينام فيها نُسميها هاندووول

ويصبح هذا الهندول مكان نوم الرضيع .. تقوم أمي بهز الهندول وتغني .. ( هيييي وااااااه .. هييييي وااااااه .. هيييي وااااااه .. هييييي وااااااه .. مينو على حبيبي .. هييييوااااااه .. هيييييوااااااه .. وأبني فديتوو ) وكل ما كانت الأغنية والصوت جميل .. كّل ما نام الطفل بسرعة

كلمات الأغنية تتغير … بعض الأطفال يحصل لديهم مثل الادمان على النوم في الهاندوول .. فيستمر في النوم فيه حتى يبلغ سن الرشد .. أنا كان لي مزاجي الخاص .. كانت هناك إمرأة من جماعتنا تحضر لزيارة عمتي زُليخة .. وكنت عندما أبكي بعد المغرب بقليل في شقة جدي .. كانت هي تقوم بربط هاندوول في القعادة .. وتضعني فيه ثم تبدأ بالغناء .. هيييي واااااه .. هييييي وااااه .. كان صوتها جميل جداً .. وتنشد كلمات أكثر .. وكأنها تحكي قصة من التُراث .. كُنتُ أشعر بالكثير من الحُب والطمائنينة عندما تُغني تلك المرأة .. فأنام براحة وسكينة

اذكر أنه في اليوم الثاني كُنتُ أبكي في نفس الموعد .. ولم تكن تلك المرأة الجارة موجودة في البيت .. فقامت عمّتي زُليخة بربط الهاندوول .. ووضعتني فيه ثم بدأت ( تُرجّح) اي تهُز الهاندوول وتغني .. لم يأتني النوم .. لم يُعجبني صوتها كان فيه بحّة .. فطلبت أن تحضر تلك المرأة .. فأرسلوا في طلبها وحضرت .. ثم بدأت في الغناء بصوتها الجميل والقوي .. حتى نُمت

كنتُ أنام أحياناً عند جدتي وعمتي زُليخة … وأحياناً أنام عند أمي .. ومرات كنت أنام عند جدتي في الليل في الطابق السفلي .. ثم أستيقظ في الصبح في الطابق العلوي عند أمي .. كُنت أستغرب حدوث ذلك .. وأحاول أن أتذكر .. هممممم .. أين نُمتُ ليلة البارحة

مرات أتذكر ومرات لا أتذكر أين نُمت .. ومرات أتذكر أنني نمت في الطابق السفلي .. وعندما أصحوا في الطابق العلوي أحاول اقناع نفسي بأنني فعلاً وأكيد مئة بالمئة نمتُ عند أمي .. أخيراً إكتشفت أنني عندما أنام عند جدتي يقوم والدي ويحملني وأنا نائم لشقة أمي .. بيت كُله الغاز .. أخيراً فهمت الموضوع

ذات ليلة إستيقظت في منتصف الليل على بكاء أختي الرضيعة التي وُلدت في حارة الجبل .. كان عمرها سنتين ربما .. لم يكن معنا في الغرفة أحد .. الغرفة كانت مُظلمة .. شعرتُ بالخوف لدرجة أنني لم أستطع أن أُحرك عيناي بأتجاهها .. خشيت أن أرى عفريت او وحش مخيف

كنا ننام على الأرض عند أمي .. لكن أمي لم تكن موجودة في الغرفة .. ربما كانت تنام مع أختي الرضيعة في الغرفة الأخرى .. أختي هناك في جهة من الغرفة تبكي .. وأنا في الجهة الأخرى أرتجف من الخوف .. كُنتُ أتمتم في صدري كمن يتلو صلواته أن يُنجيه الله من ظلام هذه الليلة

أخيراً جمعتُ كل ما لدي من شجاعة .. وأخذت أجر صوتي .. بالكاد أستطعت أن أكّون جُملة .. أخرجتها من بين أسناني ..اسكتي اسكتي .. الوحش سيسمع بكائكي .. وسيأتي ويأخذنا جميعاً

لكنها لم تُسكت .. وأستمرت في البكاء .. فبدأت أزحف بأتجاهها .. إستغرق زحفي مدة طويلة حتى وصلت إليها .. وضعت عليها غطاء .. وأخذت أهدهدها كي تهدأ وتنام .. كنت وحيداً جداً تلك الليلة .. وخائف لدرجة أنني كرهت أمي .. كيف تتركنا هكذا .. كنّا أصغر من أن ننام بمفردنا

في النهار إستمر ذهابي للمدرسة كل يوم .. في اول أسبوع كان والدي يعطيني عشرة ريال كل يوم .. حتى اطمأنت نفسي للمدرسة .. فأصبح يُعطيني ريالين .. وكُنتُ أحمل معي شنطتي فقط في البداية .. وكان بعض الطلبة يحضر زمزمية ماء أيضاً .. وكنتُ عندما أضمأ وأسألهم أن يسقوني بعض الماء .. كانوا يرفضون ذلك .. عليهم النعلة أنذال من الصغر .. فحدثتُ أبي بأني أريد زمزمية .. فأصبحت أحضر للمدرسة بشنطة وزمزمية .. ولم أكن أرضى أخلي أحد يشرب معي .. وحدة بوحدة ياولاد الكلب

سهله المدرسة .. ” الله في عُلاهُ يحرس كل الناسِ … لا يُرتجى سواه في شدةٍ او بأسِ ” .. ” كوكو كوكو .. صاح الديك فوق السور .. هيّا أصحوا يا أطفال .. جاء الصبح بالأقبال ” .. ثم تأتي الفُسحة … يييييييه فُسحة ييييييييه .. صراخ وجري لا ينقطع حتى نسمع صوت الجرس مرة أخرى .. ثم نعود مرة أخرى للفصل .. في العادة يدرسنا مدرس واحد للقراءة والكتابة والأناشيد والقرآن

كُنتُ أعود للبيت فتقوم عمتي زُليخة بمراجعة دروسي وتحفيظي القرآن والأناشيد .. كنت أحبها أكثر من والدي .. والدي كان يضربني عندما لا أتذكر آية .. فكنت أخاف منه جداً .. وقد كنت لم أكن لأعبه بضربه لي .. لو لم يكن في ضربه بعض الإهانة .. كأنه كان يضربني بحقد .. يجلس بعد المغرب يعلمني القرآن .. يُمسك بخيزرانة وهو مُستلقي على السرير وأمامه طاولة صغيرة وُضعت عليها دلة قهوة وفناجيل .. وأنا أجلس القرفصاء أمامه على الأرض أقرأ القرآن

أعوذ بالله من الشيطانِ الرجيم .. بسم الله الرحمن الرحيم .. قل أعوذ برب الفلق … من شرِ ما خرق .. وفجأةً .. بووووف .. خبطة على رأسي بالخيزرانة .. هي لم تكن بتلك القوة .. لكن لأن الضربة على الهامة .. تشعر بصوت الضربة يرتج لها رأسك من الداخل .. وتشعر بكثير من الغيظ والحنق والإهانة

يرد والدي .. من شرِ ما خلق .. فأردد خلفه .. من شرِ ما خلق .. من شرِ ما خلق .. ثم أستمر في قراءة السورة .. ومن شر غاسقٍ اذا قبب .. وفجأةً .. بووووف .. ضربة أخرى بالخيزرانة على رأسي .. هذه المرة .. شعرت بالإحتقان .. قطّبت حاجبي ونظرت إليه بغضب لا أريد إكمال القراءة .. نظر اليّ بعيون يتطاير منها الشرر وصرخ أكمل .. من شر غاسقٍ إذا وقب .. ومن شر غاسقٍ إذا قبب .. بوففف .. ضربة أخرى بالخيزرانة على رأسي .. من شر غاسقٍ إذا وقب .. أعاد .. نظرت إليه أحاول أن أركز في مخرج الحروف .. وفي نفس الوقت بدأت أخطط لتفادي الضربة القادمة .. من شر غاسقٍ اذا وقب .. من شر غاسقٍ إذا وقب .. ومن شر النفاثاتِ في العقد .. ومن شر حاسدٍ اذا حسد .. صدق الله العظييييييييم .. الحمد لله خلصت السورة على خير .. ولم أفقد حياتي او أحد أطرافي .. الحمد لله أيضاً أنها سورة قصيرة و لم تكن سورة البقرة والا لكان قد أصابني إرتجاج في المخ بكل بساطة

هكذا مرت الأيام .. المدرسة سهلة .. لكن مذاكرة القرآن مع والدي كانت تعذيب نفسي وجسدي لا يُطاق .. حتى وصلنا لنهاية العام الدراسي .. وكانت المفاجأة في انتظاري يوم الأختبار .. كنت جاهز ومُستعد .. أحفظ كل السور المطلوب حفظها عن ظهر قلب .. أحفظ كل الأناشيد .. كنت فقط أنتظر وصول الدور علي لكي أجلس أمام المعّلم على كُرسي قريب من السبورة .. وهو يجلس على كُرسيه وبيننا طاولة يضع عليها ملفات خضراء

إنتهى من أختبار جميع الطلبة ما عدا أنا .. سألته يا أستاذ الم يحن دوري كي تختبرني .. قال .. لا يا خليل .. الأختبار فقط للطلاب المُسّجلين الذين معهم ملفّات مثل هذه .. وأنت طالب مُستمع .. لا ينطبق عليك النظام .. ليس لديك ملف مثل هذا .. وأشار الى ملف أخضر “علاقي” .. كانت مفاجأة غير متوقعة .. كُنت على نياتي ومخدوع طوال السنة .. بكيت ساعتها بحُرقة .. وأنا ارى كل زملائي يختبرون وينجحون .. وأنا هنا جاهز ومُستعد .. لكن لا أستطيع أخذ الامتحان

عدتُ للبيت حزين ومنكسر النفس .. وكان والدي لم يعد بعد من العمل .. إنتظرته لكنه تأخر .. فنمتُ قبل العصر من كثرة البكاء والتعب .. وعندما إستيقظت ذهبت أبحث عن والدي وكان يجلس في المكتبة في الشارع .. ذهبت إليه وبدأتُ أجهش بالبكاء …. المدرس أختبر كل الطلاب ما عدا أنا .. رفض أن يختبرني …. يقووو وول .. ليس معي ملف أخضر علااا ..ااقي .. إبتسم والدي وقال .. بس كذا بسيطة .. ثم تناول ملف أخضر علاقي وكنّا نبيعها في المكتبة .. ثم أخذ فرخ ورق وتناول قلم وبدأ يكتب رسالة .. ثم قام بخرم الورقة ثم وضعها بداخل الملف الأخضر .. ثم قال وهو يبتسم خذ هذا الملف .. أعطه غداً للمدرس .. وقل له والدي يسلم عليك .. ويقول هذا ملفي الأخضر .. فرحت جداً

في اليوم التالي ذهبت للمدرسة وأنا أحمل ملفي الأخضر .. قابلت المدرس في الفصل .. أعطيته الملف وقلت له .. والدي يُسلم عليك .. ويقول لك هذا هو الملف الأخضر .. ابتسم الأستاذ .. أخذ الملف مني .. ثم بدأ يختبرني .. بدّعت في الإختبار .. ثم أنتظرنا الى الظهر لمعرفة النتائج .. أعطونا شهادات بعد الظهر .. وعدت للبيت أجري فرحان بأول شهادة أحصل عليها .. شهادة سنة اولى إبتدائي

يتبع

فرحة الرحيل المر

العمارة

(10)

العمارة

1976

سيدتي

هو الحُبُ إذاً .. نبحثُ عنه في كل الأمكنة .. المكان هو الجسد .. والُحب هو الروح .. عندما يذهب الحب عن المكان .. يصبح المكان ميت .. جسد بلا روح .. لا أحد يُريدُ أن يسكن المقابر .. ثم ننتقل من بيت لبيت لبيت لبيت آخر .. نبحث عن مكان أفضل .. وننسى الحب .. ننسى أهم شيئ .. روح المكان .. الحُب

عشتُ مع عائلتي عدة شهور في بيتنا القديم .. بيتنا الشعبي القديم ببساطته بغرفه بساحته وجدرانه البيضاء المتقشرة المالحة .. بسوره وبابه الأخضر .. بشجرة الفُل .. برائحة البحر والملح .. بصوره المحفورة في ذاكرتي .. ثم بين عشيةً وضحاها بدأ تخطيط المدينة وشق شوارع وسفلتتها وأنشاء أرصفة .. قطع الشارع الجديد جزءاً من بيتنا .. فلم يعد يصلح للسكنى .. قرر الأهل بناء عمارة في الجزء المُتبقي من قطعة الأرض بالتعويض الذي حصلوا عليه .. ثم بإقتراض مبلغ من الصندوق — البنك — العقاري .. ثم رحلنا الى حارة الجبل وسكننا في بيت إيجار .. مكثنا في حارة الجبل من ستة شهور الى سنة فترة بناء العمارة .. كانت تلك نهاية السبعينات بداية الطفرة

جيزان هضبة مرتفعة عن سطح البحر .. لكنها هضبة رخوة .. وحارة الجبل كما الأسم مرتفعة أكثر عن سطح البحر … لكن أكثر البيوت بيوت شعبية .. مرة أخرى البيت غرفتان ومطبخ وحمام .. سكنا بالقرب من قلعة قديمة تطل على مدينة جيزان وكان يفصل بين بيتنا والقلعة حفرة عميقة او شق كبير .. كانت تلك الحفرة مليئة بالنفايات

في بيتنا القديم في الحافة كانوا ينادونني بثالث خواته .. عليهم اللعنة .. ثم أمي رُزقت ببنت .. وعندما حضرنا لحارة الجبل رزقت ببنت أخرى .. أمي تلد كل سنة .. كل سنة يتدحرج من بطنها مولود .. وأقول يتدحرج .. لأنه أحياناً والدي يلحق يُحضر الدادة التي تقوم بالتوليد وأحياناً لا يلحق

أمي قوية جداً بقوة أهل الجبال .. في فيفا كانت تصعد الجبل وتنزل الوادي للبئر جرياً لملئ قربة الماء .. أغلب النساء يتوجعنا لأسابيع قبل الولادة .. وربما لا يقوين على الحركة .. بينما أمي تُزاول أنشطتها المعتادة بكل راحة .. تطبخ .. تكنس .. تغسل .. تمسح الأرض .. وفجأة في ظرف ساعة فقط تدخل في حالة الولادة .. وتنجب وتخلص الموضوع في دقائق .. الولادة عند أمي مثل الهواية تزاولها .. ولد لها تسعة عشر طفلاً .. مات منهم الأول والأخير .. هكذا أصبح لوالدي اربعة بنات وولد من أمي .. بنتان من زوجته الثانية المُطّلقة .. ولم يُرزق بشيئ من الثالثة لعشر سنين .. فأصبح والدي أبو البنات

أتذكر حارة الجبل وأتذكر البيت .. أتذكر جدتي تُصلي .. وكُنتُ أسمعها تهمس في الصلاة .. بس بس بس بس بس بس .. بسرعة تبس بس .. فكنت أقف بجانبها أُصلي .. أتلو صلواتي بالبس بسة .. حتى تبتسم جدتي وهي تُصلي .. ثم أنتظر حتى تسجد لأصعد على ظهرها .. ثم أتدحرج عندما تقوم من السجود .. طبعاً تذكرين جدي عندما ضربني وضرب أمي بعود المكنسة .. حدث ذلك في هذا البيت

عمي حُمّد كان مُختفي عن البيت .. كان يدرس في الرياض .. عمي عبدالغفور كان يدرس في معهد التربية الرياضية بالرياض أيضاً وعندما يعود كان يحملني بذراعيه ثم يريميني لأعلى في الهواء .. كنت أشعر كأني طائر في السماء لثواني ثم أعود ليديه .. كان يُعيد الكَرَّة المرة بعد المرة وكنت أستطيع رؤية البحر بعيداً في الأفق

في ذلك البيت شهدت أول عيد .. أتذكر بعض مراجيح في الحارة .. وأطفال اولاد وبنات نلعب … وطراطيع .. ثم أنتقلنا مرة أخرى الى عمارتنا الجديدة .. عمارة كذاك الطراز المشهور في السبعينات .. كانت دور ارضي .. ودور اول وبلكونة .. وسطوح .. الدور الأرضي مكون من شقة سكن فيها جدي وجدتي وعماتي .. وكانت هي مكان الأجتماع .. ثم يوجد شقتين في الدور الأول .. شقة لوالدي مع أمي وزوجة أبي .. والشقة الأخرى لعمي عبدالغفور الذي سيتزوج فيها عام 79 .. وكان هناك دُكانان في الخارج .. بقالة .. ومكتبة

جيزان بدأت تتغيّر .. تم شق الشوارع .. وتغيرت المُسّميات .. فحارتنا لم تعد “أمحافة ” بل أصبحت الشامية .. والزقاق أمام باب بيتنا الذي كان يفصلنا عن الجيران أصبح شارع القادسية .. والشارع الآخر خلفنا بستة بيوت سُمي شارع اليرموك .. والحارة التي كان أسمها ” أمسطح ” أصبحت حي الشاطئ .. وبجوار البحر شُق طريق طويل سُمي الكورنيش .. العجيب أنه كانت هناك أسماء للشوارع لكن لم تكن هناك لوحات بأسماء الشوارع .. لا أعلم لماذا ؟

عمارتنا لم تكن جميلة الشكل .. لكن كانت تفي بالغرض .. كانت هناك بلكونة في الدور الأول لكل شقة .. ونُقشت كلمة الله أكبر في المنتصف بين البلكونتين .. كان ما زال خلف بيتنا غرباً بيت شعبي .. وجنوباً بيت شعبي آخر .. لم يرتح الجيران لهذه العمارة الجديدة .. لأنها تكشف الكثير من منازلهم .. أمّا الوالد فأصبح له بقالة .. وجميع تجارته مكتوبة بإسم جدّي لأنه موظف حكومي .. ولا يحق له التجارة وفتح سجل تجاري حسب قانون البلدية .. غريب ..!!! .. وله كذلك مكتبة قُرطاسية لا تبيع الكتب بل فقط الادوات المدرسية .. وكان يُشاركه فيها أثنين من زملائه في ادارة التعليم .. وأصبح شارعنا القادسية يأخذك جنوباً الى الميدان ويتقاطع مع شارع فيصل

والميدان مجموعة من الدكاكين تقع على تخوم شارع فيصل .. مخبز مشهور .. فوال .. كان هناك أيضاً محلات فواكة وخضار .. وفي فترة نقلوا سوق السمك الى الميدان .. ويوجد أيضاً مبنى للبلدية .. وكان بداخل هذا المبنى مجزرة .. ثم أنتقلت المجزرة من هناك لاحقاً .. وخلف مبنى البلدية ساحة القصاص .. كانوا يقطعون رأس القتلة هنا في وسط شارع فيصل .. إلا أن ساحة القصاص كانت مُتحركة .. مرات هنا .. ومرات هناك بجانب جامع في حارة الساحل قريب من الميناء .. كان هناك في الميدان أيضاً يمنيون يفترشون الأرض يببعون بعض لعب الاطفال

عندما كُنتُ طفلاً كنت نحيفاً جداً .. ورأسي كبير .. كان وزني 20 كيلو جراما .. رأسي لوحده 15 كيلو جرام .. والخمسة الأخرى للبطن والصدر والظهر والأكتاف والأطراف .. كُنت ُ دائم الشكوى من اللِّوز والحلق .. ذات يوم أحضر والدي طبيباً مصرياً الى البيت للكشف عليّ .. سأل الطبيب عن وزني ؟! أجاب والدي .. عشرون كيلوجرام .. أجاب الطبيب بإستغراب .. عشرين ..!! .. ذي الفرخة عندنا في مصر وزنها عشرين كيلو

كُنت نحيف ورأسي كبير .. وشعري طويل إلى أن دخلت المدرسة .. وكان البعض عندما يقابلني في الشارع يعتقد أني مصري .. وكنت أنقهر .. كل الحكاية أن أمي من جبال فيفا .. وأهل الجبال يمتازون بأن بشرتهم أكثر بياضاً من أهل الساحل الذين أحرقتهم أشعة الشمس بحرارتها .. وكنت كلما تقدم بي العمر أزداد أغمقاقاً

إشترى لي والدي دراجة ابو ثلاث عجلات لألعب بها فوق السطوح .. فقررت أن أُجربّها عملياً وأنزل بها الى الشارع .. قررت أن أركب دراجتي ذاك الصباح وأذهب لزيارة والدي في أدارة التعليم .. كانت ادارة التعليم في حارة الجبل .. حارة الجبل التي سكنّا فيها لفترة وكانت قريبة نوعاً ما من الأدارة في ذلك الوقت .. أمّا الآن .. فالمسافة ثلاثة الى اربع كيلو

فاكرة الجزمة القديمة التي حدثتكي عنها ؟ .. لا تنسي هذه الجزمة أبداً .. إنها رفيقتي في مشوار عمري .. كُنت مصمم على الذهاب لزيارة والدي في العمل .. كان شارع القادسية مسفلت .. لكن بقية الطريق ما زال تُرابي .. توكلت على الله ذلك الصباح وكنت في بداية السنة الخامسة من عمري .. وحتى أصل الى الأدارة يجب أن أقطع شارع القادسية تجاه الميدان .. ثم الى حارة المضريبة .. مروراً بحارة الكواكية .. ثم التف حول المقبرة وأصل لحارة الجبل .. عرفت هذه الخريطة لأني مررت بنفس الطريق عدة مرات مع والدي بالسيارة فحفظته

بدأت الرحلة على بركة الله .. راكب درّاجة بثلاث عجلات .. وماشي في سبيل حالي .. لا أعبئ بأحد .. سيارات تعبر بجانبي .. لا يهم .. حمير تعدّي من أمامي .. لا أُبالي .. بالرغم من أنني حاولت مُسابقة عربة يجرّها حمار .. لكن الحمار سبقني .. ناس تمشي ولا أضرب لهم حساب .. شُرطي مرور يقف في تقاطع تحت مظلة .. لا عليّ من أحد .. مواصل طريقي بتصميم وتفاني وعزم

بعد خمسة عشر دقيقة تقريباً وصلت الميدان .. ثم رآني صبي من اولاد الجيران إسمه عبدالله .. وكان يكبرني بسبع سنين ربما .. صرخ من بعيد .. الي أين تذهب يا خليل ؟ … الأودارة ” هكذا كُنتُ أنطقها ” .. قال : الأدارة بعيدة جداً .. قلت : والدي هناك .. أنا رايح الأوودارة .. طيب .. خليني آجي معاك .. ومشى عبدالله بجانبي .. كان يحرسني من السيارات وعربات الحمير

إلا أن الأمر لم يتوقف عند ذلك .. عندما وصلنا لشارع تُرابي ورمل .. أخذ المسكين يدفعني من الخلف .. فدراجتي غرّزت في الرمال ولم تعد رجلي تقوى على الدفع .. والمسكين يدُف من الخلف .. و يدُف .. و يدُف .. و يدُف مسافة ربما ثلاث كيلو في الرمل وتحت لهيب الشمس الحارقة .. ثم يقف يلتقط أنفاسه .. ثم يعود للدفع .. مسكين عبدالله .. كان يوم قاسي في حياته .. المضحك أن عبدالله والى يومنا هذا عندما أقابله في اي مكان يبادرني بهذا السؤل .. هاه خليل فين رايح .. الأووودارة

وصلنا الأدارة .. وبمجرد أن رآني الفّراش عرفني .. فجرى الى مكتب والدي .. وقف عبدالله أمام البوابة .. عبدالله البطل .. فلولاه لكنت ما زلت الى الآن أسير بدراجتي الى الادارة .. فجأة جاء بعض الموظفين المصريين يجرون نحوي .. وأحضروا لي معهم قطع من الكيك وعصير بُرتقال .. وحملوني الى مكتب والدي كأني أنا البطل .. وأنا التفتُ للخلف .. أبحث عن عبدالله الذي كان مُحرجاً .. ويقف أمام البوابة .. فهو لا يعرف أحداً هنا .. عبدالله أخذ التعب والشقاء .. وأنا الذي أخذت العصير والكيك والرفع فوق الأعناق

ربما الموظفون المصريون ارادوا أن يُظهروا لأبي حُبهم ورعايتهم لي ونسوا عبدالله .. او أنهم لا يعرفونه ولم يلحظوه .. عندما دخلنا المكتب .. والدي لم يُصّدق أنه أنا هنا .. جئتُ لزيارته .. ضحك مندهشاً بصوتٍ عالي .. فقلت له .. أبي .. عبدالله ولد الجيران جاء معي .. لكنه لم يحصل على عصير برتقال او كيك .. فقام والدي وارسل الفراش ليدخله الى المكتب .. ثم أعطوه كيك وعصير برتقال .. فرِح هو أخيراً .. وفرحتُ أنا

في مدينتي نسمع عن فصول السنة الأربعة .. لكن لا نرى سوى فصل الصيف طوال السنة .. عرفت تحديداً أننا كُنّا في فصل الصيف لأن والدي كان رئيساً للمركز الصيفي ذلك العام .. والمركز الصيفي لا يكون الا في الاجازة الصيفية .. كان والدي يصحبنا معه كل يوم .. وكان المركز يعجُ بالأطفال والشباب .. والمرح والسرور .. والغناء والموسيقى .. والأغاني الوطنية .. خالد خالد خالد خالد .. أنت ملكنا وأنت الوالد … صُنتوا العهد أنت وفهد .. صُنتواالعهد أنت وفهد

كان المبنى عبارة عن مدرسة حكومية تشبه مدارس الثانوية .. بملعب لكرة اليد .. إلا أن ذاك المبنى تحديداً كان أسمه معهد المعلمين .. أكاد أجزم أن كُل شباب مدينة جيزان كانوا هُناك ذلك الصيف .. فكثير من الوجوه التي رأيتها هناك علقت صورهم بالذاكرة لسنين طويلة .. بعضهم قابلتهم لاحقاً كمدرسين .. البعض أصبح موظفاً في الخطوط السعودية .. كثير منهم رأيتهم في المدرسة لاحقاً .. كأن يكون أحدهم قد أصبح في الصف السادس .. بينما كُنت أنا في الاول إبتدائي .. او بعضهم كان في المتوسطة والثانوية بالرغم من كوني صغير ذلك الوقت الا أن صورهم ظلت محفورة لسنين طويلة .. فكنت عندما أُقابلهم أتذكر أني رأيتهم في المركز الصيفي ذاك الصيف

لا شيئ في المركز الصيفي سوى الجري واللعب .. والمُسابقات والمباريات .. والرسم والرحلات .. لا يوجد واجبات مدرسية .. لا يوجد ضرب بالخيزرانة .. لا يوجد فصول دراسية .. لا يوجد مواد علمية .. كان كُلّه فن وثقافة لعب وغناء لا قيود او درجات .. لا يوجد رسوب او نجاح .. تلك الصورة التي أملكها من طفولتي ألتقطت هناك في المركز الصيفي بكامير كوداك .. كنت أجلس بجانب الأستاذ علي بكري وأرتمي برأسي على جانبه وكان يُحيطني بذارعه

فجأة إنتهت الإجازة الصيفية .. عرفتُ ذلك تلك الليلة .. كُنتُ الهو في منزلنا في السطوح .. ثم نزلت بعد المغرب الى الشارع لألتقط من البقالة عصير بُرتقال .. كان والدي يجلس على كُرسي على الرصيف أمام المكتبة .. وكان يجلس معه رجلٌ يبدو أنه أكبر من والدي قليلاً .. يلبس غُترة بيضاء .. بشنب لكن بدون لحية .. وكان بكرشة كبيرة تمتد أمامه وكأنه حامل في الشهر التاسع

قال والدي تعال ياخليل .. إقتربت أكثر منهما .. قال هذا إبني خليل ولدي الوحيد .. ولي أيضاً ابنتان أكبر منه .. واحدة في ثانية ابتدائي .. والثانية في ثالثة ابتدائي .. ونريد أن نسجل خليل إن شاء الله في المدرسة غداً .. ضحك الرجل .. هههههههه ههههههه ههههه .. ثم قال .. خليل .. تراني أنا درسّت أبوك .. هههههه .. هههههه .. وغداً تأتي الى مدرستي العزيزية اذا رغبت .. أنا المدير .. او تذهب الى المدرسة الشامية وهي أقرب الى البيت

نظرت لوالدي دون أن أقول شيئاً وقد تُهتُ قليلاً .. بدت الدهشة على محياي و علامة أستفهام كبيرة بكبر رأسي بدأت ترتسم على وجهي .. ما الذي يجري هُنا ؟! قال والدي هاه خليل .. تحب تدرس في المدرسة الشامية وهي قريبة من الحارة تروح تمشي .. أم تحب تدرس في المدرسة العزيزية عند الأستاذ فلان .. نظرت للمُدير بتردد .. وقلت أدرس في العزيزية .. قال الرجل .. خلاص يا بوخليل .. توكلنا على الله أحضره غداً .. وسآخذه أنا للفصل

إستيقضت ذاك الصباح بحماس .. أمي جهزت لي كل شيئ .. والدي أحضر لي شنطة ودفتر وقلم وبراية ومحّاية من المكتبة .. وأمي أعدت فطور بسيط .. تمر مهروس بالدقيق والسمن .. وبيضة مسلوقة وقطعة خبز .. أكلت ولبست .. يالله يا جماعة .. أنا جاهز للمدرسة .. نزلت اول واحد للسيارة .. وأنتظرت .. وأنتظرت .. وأنتظرت .. أفففففف .. منتظرين البنات يجهزون .. أنا طبعاً نقزت للمقعد الأول جنب والدي .. والبنات صعدن للخلف .. وكان هناك مفاجأة

لي أختان فقط .. لكني نظرت للخلف ورأيت أربع بنات .. هممممم .. الأولى والثانية أخواتي .. الثالثة زوجتي أبي كانت أيضاً في ثالثة ابتدائي .. والرابعة بنت الجيران .. قال والدي سأوصل البنات اولاً ثم أخذك للمدرسة .. قلت .. طيب .. وصلنا بعد قليل لمدرسة البنات .. ثم نزلن من السيارة .. عند مدرسة البنات كان المدخل مُزدحم بكثير من السيارات .. وباصات صُفر .. وطاط طيط .. بواري من الصبح .. ولخبطة

كانت مدرسة البنات مجمع حكومي يقع بجانب مصلى العيد .. ومصلى العيد يبعد قليلاً عن قصر الامارة .. وقريب منهما المقبرة التي تقع بقرب ” أممعش ” سابقاً .. عدنا من نفس الشارع الذي جئنا منه .. وهو شارع يمر بمحاذات المقبرة .. ويمتد حتى يصبح شارع فيصل .. وفي الجهة المُقابلة للمقبرة كان هناك حارة مليئة بالبيوت القديمة والشبه آيلة للسقوط .. كانت العمائر من دور او دورين .. وكل عمارة مُتكئة على العمارة التي بجانبها حتى لا تسقط .. منظر غريب حقاً .. يعني لو نسحب عمارة واحدة .. تسقط جميع العمائر التي في تلك الحارة .. وأحد تلك العمائر كانت المدرسة العزيزية .. مدرستي الجديدة

وصلنا أمام المدرسة .. وسمعتُ والدي يقول .. يالله يا بطل وصلنا .. وكأنني كُنتُ نائم أحلم .. وفجأة أستيقضت من النوم لأواجه حقيقة جديدة ماثلة أمام عيني .. ما هذا ؟! والدي يطلب مني أن أغادر السيارة .. ما أتفقناش على كذا .. ويريد أن يتركني هنا .. في هذا المكان .. لوحدي ..!! لوحدي مع كل هؤلاء الغُرباء ؟!! وجووه كُلّها جديدة .. لا .. وبعدين من السيارة رأيت المدير وكل المدرّسين ماسكين خيزرانات يستعدون لأستقبال الطلبة في العام الجديد

وااااااااااااااااا .. وبدأت أجهش بالبكاء .. أريد أمي .. أرجوك لا تتركني هنا .. وااااااااااااا .. أرجوك يا أبي خذني معاك .. لا .. لا .. لا .. لا أريد المدرسة .. أريد أن أعود للبيت .. أريد أن أعود لأمي ولجدتي .. صرخت بأعلى صوتي .. وبكيت ذاك اليوم بكاء .. يمكن سمعوا صراخي من اميركا .. ووالدي يقول .. أفااااااا .. وأنا أقول إنك رجّال .. ” يا عمي غوووور بلا رجّال بلا بطيخ ” .. طيب يا إبني خذ هذا ريال .. وأنا برضه أبكي .. ويزود ريالين .. وأنا مازلت أبكي .. ويعطيني خمسة ريالات .. وأنا مازلت مُصرّ .. وأبكي .. الى أن أخرج من جيبه عشرة ريال .. ساعتها مسحت دموعي وأخذت ورقة العشرة ريال ووضعتها في جيبي .. وسألت أين مكان الفصل ؟

يتبع

الحصار

عائلة أبو نظّارة

(9)

عائلة أبو نظّارة

1975

سيدتي

أشعر بالذنب لأنني سأتحدث بهذه الطريقة عن عائلتي .. عن أمي .. أبي .. جدي .. البقية .. ربما عذري أنني هاهنا أجلس أمامك لأبوح لكِ بخلجاتَ نفسي .. ربما تضعين أصبعك يوماً ما على موطئ الجرح .. ربما تجدي إجابة ما .. العائلة في ثقافتنا تابو لا يمكن المساسُ به .. الأب .. الأم .. الجد والجدة .. مهما فعلوا معنا يضل لهما الفضل والعرفان بالجميل .. ويبقى الاحترام والتقدير لهما طول العمر .. الجد هو كبير العائلة ووالد الجميع .. والوالدين من المُقدسات لدينا .. ولا يمكن لأحد المساس بتلك القدسية .. التهديد والوعيد بالحرق بنارِ جهنم إن نحن عصينا أمرهما

لكل إنسان في هذه الدنيا مُخ .. عدا أنا .. بدل المخ في رأسي جزمة قديمة .. ورثتُ هذه الجزمة عن جدي … جدي حوّات مُتقاعد .. كان يذهب للبحر يبحث عن الرزق .. ثم يعود من البحر ويذهب للمخماس لبيع الحوت  بعد أن أشتغل والدي في التدريس توقف جدي عن العمل .. لكنه يذهب للبحر للتسلية خاصة ليلة الخميس

لجدي ثلاثةُ روائح .. رائحة البخور والعود .. وهذه أشّمُها كل يوم حين يغدو ويجيئ من المسجد .. ورائحة الحوت والبحر .. أشّمُها عندما يعود من البحر أيام الخميس .. وأشُمّها أيضاً في شبكة الصيد الرمادية المكومّة في ركن غرفته المثلثة الشكل .. والثالثة راحة العرق .. ورائحة العرق تبقى فقط في طاقيته .. اذكر عندما كنُت أجد طاقية جدي على قعادته وأنا صغير ثم أحاول لبسها .. أشُم رائحة صلعة جدي .. لصلعة جدي رائحة مميزة .. رائحة مميزة بكبار السن

بالرغم أن أهل جيزان و أمحافة خاصة من كبار السن لا يرتدون الا وزرة بلون أبيض يسموّنها “حوك ” وفلينة ابو بقرة بيضاء كلبس شعبي .. الا أن جدي لا يلبس شيئاَ سوى الثوب السعودي وغُترة بلون أبيض او أحمر كعمامة .. وعندما يذهب لصلاة الجمعة كان يلبس غترة بيضاء .. بصراحة .. عجيب جداً .. جدي مُهتم بأناقته بدرجة كبيرة

لجدي لحية بُرتقالية كثّة وشنب بُرتقالي مُحفف من الأطراف .. يصبغهما بالحنّاء صباح كل يوم جمعة .. وهو حنطي يميل للبياض .. يلبس نظارة سميكة إطارها أسود .. عيناه واسعتان لوزية الشكل تقدح بالشرار عندما يغضب .. فكّه الأمامي كبير ومُتقّدم للأمام .. إذا أطبق فمه إعتقدت أنه حزين .. وعندما يبتسم او يضحك تظهر جميع أسنانه .. أصلع إلا من شعر أبيض وبرتقالي ناعم على الجانبين

جدّي طويل القامة .. لكن جدتي قصيرة وتلبس نظارة طبيّة .. فالنتيجة كانت أن والدي قصير .. وعمي عبدالغفور قصير ويشبه والدي وهو أصغر أعمامي .. كان عمي عبدالغفور صايعاً حفظه الله وفال أُمها و يلبس نظارة طبّية .. سفريات لمصر .. أصحاب كثير .. أجتماعي ومحبوب جداً .. وكان يحبني جداً ويشتري لي العاب في كل مرة يعود فيها من السفر .. ثم يكّسرها اذا غضب مني .. وعمي حُمّد طويل وأكثر وسامة و يلبس نظارة طبّية .. سافر إلى امريكا لنيل درجة الماجستير في علم النفس عام 1977 .. كان طيب جداً حتى عاد من أمريكا .. تغيّر كثيراً

كان جدي عابداً بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. يذهب للمسجد الساعة الثانية صباحاً لقيام الليل حتى تحين صلاة الفجر .. ثم يمكث في المسجد حتى تشرق الشمس .. يعود الى غرفته المنزوية بعيداً .. يتناول الفطور ثم يذهب للقيلولة .. يستيقض ساعة قبل الصلاة ويذهب للمسجد لصلاة الظهر .. ثم يعود يتناول الغذاء ويأخذ قيلولة .. يعود للمسجد لصلاة العصر .. يقضي وقت أطول في المسجد اذا كان هناك حلقة قرآن .. ثم يعود للبيت لتجديد الوضوء او يبقى في المسجد لصلاة المغرب .. يعود للبيت يتناول القهوة ويقضي بعض الوقت مع جدتي .. كان يشرب الكثير من القهوة .. ثم يذهب لصلاة العشاء وينتظر في المسجد يستمع اذا كان هناك حلقة قرآن

لا يقرأ او يكتب لكنه كان حريصاً جداً على الأستماع لقراءة القرآن .. محبوب من الناس وخاصة جماعة المسجد .. خاصة طلاب تحفيظ القرآن .. وكان في الغالب عندما يعود تجد الراديو في غرفته يشتغل اربع وعشرين ساعة على اذاعة القرآن .. كان يشتري كيس من حلاوى النعناع حبات بيضاء مثل حبوب الأسبرين لكن أكبر حجماً .. كان يملئ جيبه بهذه الحلوى ، وكلما مر بأطفال ناولهم منها ، خاصة الأطفال الذي يحرصون على قراءة القرآن في المسجد .. لكن .. كان لجدي شخصيتان .. تلك الشخصية .. الرجل الورع الطيب المحبوب من الناس خارج البيت .. وشخصية أخرى داخل البيت فيها الكثير من القسوة .. كان لا يطيق أمي كثيراً وكُنتُ سأسامحه على ذلك فلا أحد يحب أمي على أي حال .. لكنه كان أيضاً لا يحبنا نحن أبناء الجبلية .. بان ذلك جلياً عندما أصبح لزوجة أبي الثالثة أبناء وكذلك عندما أصبح لعمي عبدالغفور أبناء  لذلك أنا لا أطيقه .. لا أطيقه

أحضرت عمتي المكاوية جهاز تلفزيون صغير من مكة بشاشة أبيض وأسود .. اراد جدي أن يُكّسره .. ثم عندما أشترينا تلفزيون ملون وركبنا أيضاً آريل .. أخبره إمام الجامع أن التلفزيون منكر عظيم وكذلك الآريل ” أنتانا ” فحضر من المسجد غاضباً وأصرّ علينا أن نختار بين التلفزيون او الآريل .. لابد أن نختار إمّا التلفزيون او الآريال في البيت .. حاول معه عمي عبدالغفور .. لكن لا فائدة .. جدي مصمم .. تذكرين الجزمة القديمة التي حدثتك عنها .. المهم .. كنا نشاهد التلفزيون بعد الظهر .. وفجأة .. تششششششششش .. الصورة إختفت .. صعدنا للسطح كي نعّدل الآريال وجدناه يا حبة عيني مفتفت

وأنا صغير وعمري خمس سنوات او أقل قليلاً نقلنا لحارة الجبل وكانت قريبة من مقر عمل والدي .. كنتُ أحب والدي كثيراً .. وكنتُ أريد الذهاب معه للعمل .. فأخذني معه ذات يوم .. ثم لسبب لا أتذكره الآن — يمكن جزمتي ضيقة — .. كنت أبكي ولا شيئ يرضيني .. طلب والدي من الفرّاش وهو رجل عجوز بلحية بيضاء أن يذهب لمخزن ادارة التعليم ويعطيني كرة .. إلا أن لون الكورة لم يعجبني فأستمر بكائي .. عدت غاضباً للبيت مشياً ولم يكن البيت بعيداً .. وكان العجوز يسير ورائي بالكرة .. ثم عندما وصلت للبيت .. أخذ الرجل العجوز ينادي من بالداخل فخرج جدي إليه .. فهِمَ جدي الحكاية .. وغضب مني كثيراً لأنني تركت الرجل العجوز يمشي ورائي كل تلك المسافة فأراد جدّي أن يُؤدبني

أخذ عصا مكنسة وأراد أن يضربني بها -المفتري – ماذا أفعل الآن .. ركضتُ أختبئُ خلف أمي في المطبخ .. أتذكر كل التفاصيل .. جدي يقف على باب المطبخ يحاول الدخول وعصا المكنسة في يده يتوعدني بها .. وأمي تعترض دخوله وتحاول أفهامه أنني صغير و”جاهل” ولا أفهم .. كلمة بعد الأخرى .. اراد جدي أن يضربني بالعصا فهوت على ذراع أمي .. فجأةً أصبحت المعركة بين جدي وأمي .. أمي تصيح وتبكي وأنا أختبئ خلفها .. عملتها على نفسي من الخوف .. تعالت الأصوات بصورة مُخيفة .. والموضوع كبر للغاية عندما جاء والدي من العمل وظن أن أمي تتعارك مع جدي .. غضب أكثر من أمي كيف تجرأت للوقوف أمام جدي .. أمي ضُربت مرتين بعصى المكنسة .. من جدي وبصندل شرقي من والدي .. وأنا كنت أتفرج لا أستطيع الدفاع عنها ولا حتى باللسان .. إنقهرت وحزنت لأنه لم يكن لأمي اي ذنب .. او لأنها ضُربت من جدي ووالدي بسببي .. أمي تُضرب أمامي منظر سيتكرر كثيراً في السنوات القادمة

كانت عائلة والدي فقيرة ولم يكن جدي مُقتنعاً بتعليم أبي .. فكان عليه أن يوفق بين الذهاب للمدرسة للدراسة وبين الذهاب للممخماس لبيع الحوت لجدي في الصباح الباكر كي يُرضيه .. بعد نهاية سادسة أبتدائي لم يكن يوجد مدرسة متوسطة او ثانوية في جيزان فكان عليه البحث عن وظيفة .. فكان أن أصبح مُدرساً في المدرسة السعودية .. وهي أول مدرسة حكومية تم أنشائها في جيزان .. أصبح والدي مُدرساً وقاموا بإضافة ثلاث سنوات على عمره حتى يصبح أهلاً للوظيفة .. ثم انتقل للعمل الإداري في إدارة تعليم جيزان وأصبح موظفاً ومشرفاً على النشاطات المدرسية

يقول والدي أنه مشى هو ومدير تعليم جيزان بين قرى المنطقة ووديانها وجبالها حتى يضعان مخطط اللبنة الأولى لمواقع المدارس التي تم إعتمادها لاحقاً من الدولة .. ثم بعد ذلك أصبحت زياراته دورية للمدارس .. في تلك الايام تعرف على رجل من مدينة صبيا يعمل معه في ادارة التعليم وأصبحا صديقين .. لم يكن والدي قد تزوج بعد .. فعرض عليه هذا الصديق أن يأخذ أُخت زوجته الأصغر والتي هي من جبل فيفا .. تزوج والدي هذه المرأة التي هي أمي .. أهل الجبال يمتازون بأن لون بشرتهم أفتح من أهل الساحل .. لذلك أكتسبت أنا هذا اللون من أمي .. وكذلك لون العيون العسلية

تقول أمي .. عندما تزوجت أبوك لم أكن قد بلغت سن الزواج وكُنتُ في سن التاسعة .. وتقول أنها عاشت مع والدي لمدة ستة أشهر على الأقل قبل أن تُصبح بالغة .. عمتي زُليخة .. تقول أن أمي لم تكن في سن التاسعة .. بل ربما كانت في سن الثانية عشرة .. بينما كان والدي يقترب من الخامسة والثلاثيين .. عاش والدي مع أمي في ذلك البيت الشعبي مع جميع أفراد العائلة .. فكان يُشاركهما جدي وجدتي وعمتان وعمان .. بيت مُزدحم .. لكن تلك كانت حياة الناس في ذلك الزمن

أنجبت أمي ولد فأسموه محمد .. مات محمد بعد شهر او إثنين .. ربما لصغر سن أمي .. ثم حملت مرة أخرى .. وأنجبت بنتاً .. ثم أنجبت بعدها بعام بنتاً أيضاً .. وفي السنة الرابعة حضرتُ أنا .. وليتني لم آتي .. ليس لديكِ إدنى فكرة يا سيدتي عن كُرهي لهذا اليوم .. آااااه .. ليتهم رقدوا .. ياليتني لحقت بمحمد .. ياليتني كنت شيئاً آخر .. كُرسي او جزمة او حتى طبشوره .. قال والدي نسميه بأسم العائلة .. رد عمي عبدالغفور أصغر أعمامي بأن الإسم قديم وحرام نحطم مستقبل الولد .. فلنبحث عن إسم مودرن .. شوفي اللقافة .. فسمّاني عمي عبدالغفور بإسم خليل .. بعد شهور قليلة .. طلّق والدي أمي .. فعادت أمي للحياة في جبل فيفا .. وأخذتني معها .. وأخذت أختي الأخرى .. لكنها تركت أختي الكبرى أمانة في عُنق عمتي زُليخة .. يبدو أن أهل الساحل وأهل الجبل لم يتفقوا على التعايش المُشترك ونحن الأبناء دفعنا الثمن

ويبدو أيضاً والله أعلم .. أن حضوري لهذا العالم لم يكن فال خير على أُمي .. يكفي أنها تطلقت بعد حضوري .. ربما كُنت شؤوم عليها .. عرفت ذلك لاحقاً من الطريقة التي عاملتني بها .. ووالدي إبن الكلب طلق أمي بعد وصولي مباشرةً .. طيب يا أخي أنتظر شوية على الأقل حتى أنشأ وأترعرع مثل بقية الناس وأتعرف على الجيران

تزوج والدي أمرأة أخرى من الحارة .. كانت تهيمُ به عشقاً وترسل له المراسيل من قبل الزواج .. فأنجب منها ابنتان .. في الجهة الأخرى من جيزان … هناك بعيداً جداً ناحية الشرق .. في جبل يُسمى فيفا .. عشتُ أنا مع أمي وأختي مثل بيتر وهايدي في جبال الالب بعاعععع .. وكان لأمي أخت أصغر وأب عجوز وأم عمياء لا تُبصر .. أنا لا اذكر أي شيئ في تلك الفترة الجبلية .. الا أن أمي تصر على تذكيري بأشياء حدثت هناك وعمري سنتين .. كالطريقة التي أنادي بها جدي .. لكن .. يا أمي .. صعب أذكر أشياء حصلت وعمري سنتان .. كان إسم جدي يحيى .. وكنت أناديه ” وايحح ” .. واضح إني كُنت مُتخّلف عقلياً من صغري .. الحمد لله لم يلحظ ذلك أحد

مكثنا في الجبل ثلاث سنوات حتى مات جدي .. ذهب صديق والدي راعي صبيا الى والدي .. وأخبره أن الرجل العجوز ورب الأسرة الوحيد قد أنتقل الى رحمة الله .. فأستحي على وجهك ورجع عيالك وأمهم .. وأخبره أيضاً أن جدتي أيضاً ستعود الى بني مالك الى حيث تقطن قبيلتها .. فقرر والدي أن تعود الأسرة الى حضنه من جديد

الزوجة الثانية رفضت عودتنا .. رفضت أن تعيش مع زوجها وضرتها وحماها واولاده في نفس البيت .. لا أعلم لماذا ؟! يمكن زحمة .. في الواقع لم يكن ذلك السبب .. بل رفضت وأصرت اصراراً لأن ضرتها أم العيون الخضراء العسلية جبلية .. فتركت منزل الزوجية و ذهبت الى بيت أبيها وأخذت أبنتاها .. والدي قال أن لم تعودي .. فأنت طالق .. قررت هي أن لا تعود .. أحسن .. لا أعتقد إن أحداَ سيفتقد هذه المرأة الشريرة سأخبرك لاحقاً لمِا

عادت ريمة لعادتها القديمة .. مشاكل كل يوم بين أمي وجدتي وعمتي زيزي .. ما الحل اذاً ؟!! الحل في الزوجة الثالثة .. لي عمة متزوجة من رجل هاجر الى مكة من اليمن .. التقاه جدي في مكة وكان للرجل ولد عمره عشر سنوات وابنة عمرها تسع سنوات .. وحتى يتخلصوا من هذه البنت الصغيرة ويريحوا عمتي زوجوها لأبي

كان لجدي اربع بنات .. عمتي المنسية .. عمتي زُليخة .. وعمة ماتت في حادث سيارة .. وعمتي الُصغرى متزوجة في مكة .. جدي رجلٌ كريم .. قفز على ثلاث بنات وزوج هذا الغريب ابنته الصغرى .. وترك لنا زيزي في البيت .. الله يسامحك يا جدي .. ودتنا في ستين داهية .. وعمتي الخامسة وهي الكبرى متزوجة من أبن شيخ في جيزان ولها كثير من الأبناء .. هذه عائلتي بإختصار

سأخبرك المزيد عن والدي .. عندما أتحدث عن والدي أشعر كأن عليّ الآن أن أقف .. سمعتُ الكثير من القصص المُخيفة عنه من عمتي زُليخة ومن عمي عبدالغفور .. كلاهما أتفق على نُقطة واحدة .. وهي أن أبي الذي أعرفه الآن رغم كل تلك القسوة .. هو ليس أبي الذي عرفوه في صغرهم .. كان أشّد

كنتُ يا سيدتي عندما أتعرض للضرب من عمي عبدالغفور تأذيباً لي لمخالفةٍ أقترفتها .. كان لا يفتأ في تذكيري بأن هذا لا شيئ مما تعرض له هو من ضرب وتعذيب وإهانة من والدي .. تقول عمتي زُليخة أن والدي كان يطلب من عمي عبدالغفور في طابور المدرسة الخروج ثم يُعاقبه على شيئ فعله في البيت .. وكان يتلو أمام مسامع الجميع ما قام به من جُرم .. فيتعرض عمي لأحراج شديد أمام الطلبة والمدير والمدرسين و الفراش .. ثم يأمر والدي الفراش بربط عمي من رجله .. ويتم فرشه وضربه بسعف النخل او الخيزران

كنت أقول لعمتي أحسن .. خليه يستاهل عمي المجنون يضربني بكلتا يديه ثم يشوتني كالكرة .. كانت تقول أن والدي في أحد المرات ربط عمي عبدالغفور وعمي حُمّد في ساحة البيت في عز الحر والشمس المحرقة ليوم كامل .. لأن جدتي طلبت منهما أحضار بعض المقاضي من السوق .. الا أنهما التهيا في اللعب .. وكان ذلك جزاءهما

والدي قصير لكنه رجل يملك حضور طاغي وهيبة وكاريزما .. سليط اللسان ذو صوتٍ جهوري .. و كان يلبس نظارة طبّية .. له سلطة غير طبيعية على الناس .. بالرغم أنه مجرد مدرس .. ثم موظف بإدارة التعليم .. فكم من مرة قد رأيت الرجال تنحني له أجلالاً وتقديراً .. إذا أردتي أن تشاهدي والدي .. فليس عليكي الا البحث عن جميع مُقابلات الرئيس المصري أنور السادات في موقع اليوتيوب .. هو.. هو .. نفس الحركات .. نفس الصوت .. نفس الكاريزما .. نفس الشعر والصلعة .. نفس النظرات والنظّارة .. نفس خفة الدم وروح الدُعابة .. نفس سلاطة اللسان .. الفرق بين والدي والسادات .. أن السادات أسمر .. بينما والدي كما هو مكتوب في حفيظة النفوس قمحي .. والفرق الآخر أن والدي قصير .. والسادات رئيس جمهورية مصر العربية

والدي مُحافظ جداً ومُتدّين .. ضليع في الثقافة والأدب العربي .. كان له عمود أسبوعي في جريدة عكاظ اوائل الثمانينات .. ترأس نادي التُهامي بجيزان في أحد الفترات .. كان إمام لعدة مساجد .. ثم أصبح خطيب جمعة .. وفي اوئل الثمانينات الميلادي ايضاً دخل في خلاف مع أمير منطقة جيزان الأمير محمد بن تركي السديري .. وكان بداية الخلاف أن الأمير أراد أنشاء مشروع معين على الشاطئ .. لكن الصيادون كانوا سيتضررون من هذا المشروع .. فوقف والدي مدافعاً عن حقوق هؤلاء .. وكان هناك ايضاً خلافاً على اراضي لهم مع الدولة .. يقول والدي أجتمعنا نحن المتضررون وقررنا أن نذهب للملك فهد نبارك له بتوليه العرش ثم نعرض عليه شكوانا .. وأتفقنا أن نتحدث جميعاً .. عندما وصلنا لمقابلة الملك كان هناك مُفاجأتان .. الأولى جميع من معي في الوفد جبنوا عن الحديث وتقديم الشكوى .. فلم يتقدم أحدٌ سواي .. والثانية وجدنا أمير منطقة جيزان ينتظرنا ويجلس بجنب الملك .. يبدُ والله أعلم أن والدي لا يعلم شيئاً عن البروتوكول .. الملك سيستقبل وفد من منطقة معينة للشكوى .. بالتأكيد سيتم إستدعاء أمير المنطقة للحضور لأنه الطرف الآخر في القضية

بعد ذلك تم ترشيح والدي ليصبح رئيساً لبلدية جيزان .. إلا إنه رفض خوفاً وإعتقاداً مِنه أن الأمير يسعى للإيقاع به وتوريطه .. بعدها تم إقالته من إمامة الجامع لأنه إبتدع في الصلاة .. حسب التُهمة التي وجّهت إليه من إدارة الأوقاف بجيزان .. حيث أنه صلى بالناس صلاة ” التسبيح ” وهي شيئٌ معروف عند أهل المذهب الشافعي .. بينما حنابلة نجد يُبّدعون كل من خالفهم حتى لو كان مُتبعاً لمذهب سُني آخر .. مع ذلك فإن والدي يعُتبر رجل الحكومة .. لم أسمعه يوماً يقول كلمة سوء في البلد او في الدولة .. وكان يردد دائماً أن الملك فهد من دُهاة العرب

تم إسناد مشروع كتابة كتاب صغير إليه يُعّرف بجيزان ضمن سلسلة تصدرها رعاية الشباب بعنوان ” هذه بلادنا ” .. رأيت بعض هذه الكتب عنده في المكتبة .. لكل مدينة كتاب .. وهي متوسطة الحجم .. إلا أن والدي ربما قد تأخر في المشروع .. فتم سحب المهمة منه بعد أن كتب الكثير من فصول الكتاب .. حتى أني رأيت حجم الاوراق التي طبعها يدوياً تنبئ بكتاب من الف صفحة .. لم يرى النور أبداً

أخيراً حدثني عُثمان .. وهو رجل في الخمسين .. وجار يعمل في صيد الأسماك .. مهنة جدي .. يقول .. أن أبي هو من أسباب ضياع مستقبله .. قاطعته .. تقصد سبب ضياع ماضيك فلم يعد لك مُستقبل .. كان يذهب للمدرسة عندما كان أبي مُدرساً .. ثم لم يحتمل الضرب والقسوة .. فهرب من المدرسة ولم يعد لها بسبب قسوة أبي

يتبع

العمارة

أمحافة

(8)

أمحافة

سيدتي

 جيزان حرف من حروف إسمي .. وجيزان ذرات في جسدي ودمي وروحي وأنفاسي .. أليس الإنسان خُلق من طين ؟ أنا من طين وسبخ ووسخ ورطوبة وبحر جيزان خُلقت .. لا أعلم سبب التسمية بجيزان .. ولا أريدُ أن أعلم .. أحبها هكذا كما هي .. ولا يهمني أن وجدوا السبب وراء هذا الأسم او لا .. ما الذي سيقدم او يؤخر لو عرفنا سبب التسمية او جهلناه ؟ .. أحياناً أضحك على سخافة البعض عندما يحاول ايجاد سبب لهذا الأسم .. اي سبب والسلام .. حتى لو كان خُرافة .. وحتى لو كان لا يتسق مع العقل والمنطق .. فيقولون لك مثلاً .. وسميت جازان بهذا الأسم لأن نبي الله سُليمان كان له عفريتٌ من الجن إسمه زان .. فكان الملك والنبي سليمان يقول أين عفريت الجن زان .. فيرد عليه بقية العفاريت ذهب زان او جاء زان .. ثم حورت الكلمة الى أن أصبحت جازان .. من جدكم بالله ..؟!! طيب لماذا لم تُسمى ذهب زان .. او راحزان هههههههههههههههه

ثم هل نبي الله سليمان والجن الذين معه كانوا يرطنون بالجيزانية الحميرية العربية .. ؟!! لاحظي كلمة “جاء” هي كلمة عربية .. مع العلم أن سُليمان هو من بني اسرائيل .. لا أظنه كان يتكلم بغير العبرية .. ثم .. تخيلي أنه وكل العفاريت الذين معه تركوا كل الدنيا .. والقُدس .. وجاؤ للعيش في حّر جيزان .. جيزان الحارة والرطبة طوال السنة .. حرارة الطقس والرطوبة تجعلها صعبة إلا على أبنائها المولدون فيها .. كم من المرات كنت أسمع اولاد عمتي وكل من زارنا من مكّة وهم يشتكون من رطوبتها .. يقولون ” اوف جيزان عرق ورطوبة ” وكنت أرد حتى مكّة عَرق وسوبيا

ثم أن البحر يُحيطُ بها من الشمال والغرب والجنوب .. وحارتنا تُسمى ” امحافة “ .. أمّ هي أمّ التعريف كما نستخدمها في لهجتنا المحلية .. يُقال أنها إمتداد للهجة الحميرية .. امحافة تعني الحافة .. وسميت حارتنا بهذا الإسم ربما لأنها الأقرب الى حافة البحر .. وقريب منّا أممخماس وهو سوق السمك .. ولأن حارتنا تقع على حافة البحر بجوار امخماس .. ولأن الرطوبة عالية .. فالرائحة في حارتنا لا تشبه رائحة الزهور والحدائق أبداً .. بل هي رائحة البحر المالحة وأعشابه وطحالبه .. بالإضافة لرائحة الحوت الحي والميت .. وأخيراً رائحة القاذورات التي تتجه من بيوت الناس للبحر وهي أبعد للشرق قليلاً .. كل هذه الروائح مُجتمعة تُشكل الهواء الذي نتنفسه كل يوم .. وتكون هذه الروائح في أشدّها عند الصباح .. لكن لأننا نعيش في امحافة منذ أن ولدنا .. فقد تعّودنا وفقدنا الإحساس .. ولم تعد تلك الروائح بالشيء الكريه كمن يشُّمها للمرةِ الأولى .. لذلك أجد تقدير شخصي كبير لروائح الزهور .. حتى أن رائحة وردة حمراء طبيعية او زهرة فُل قد تُسكرني

ثم عندما تتجه شرقاً توجد تلة صغيرة تُسمى أممعشّ .. وكانت حارة أممعّش مليئة بالعشش والسكان الأفارقة .. وخلف أمعش جنوباً توجد مقبرة .. ثم أمُطّلع . . وبعد أمُطّلع تذهب الى أمسبخة .. السبخة .. ومنها الى المطار او الطريق الى مخرج جيزان .. أما اذا أتجهت من حارتنا غرباً تجد أمسطاح .. ثم حارة أمساحل .. ثم الميناء .. و اذا أتجهت من حارتنا جنوباً .. يقابلك ” أمـميدان ” .. الميدان .. ثم حارة الجمالة ثم .. أمسوق أمداخلي .. ثم تمشي أكثر فتجد أممضريبة ..أمضريبة هناك سوق الأغنام والماشية .. ثم ” أمعُشيما ” وبين أمضرية وأمعُشيما حارة ” أمجبل ” .. وتوجد مقبرة أخرى بين أممضريبة وحارة أمجبل

أغلب البيوت شعبية بمعنى .. بيت من غرفتين او ثلاث وجدار السور وباب .. وكانت الناس تضع قوارير مكسورة من الزجاج على إمتداد السور المبني من الطوب للحماية من السرقات .. وهناك ايضاً العشش .. ثم مباني قديمة من دور او إثنين بالمشربيات العربية .. أتذكر في حارتنا عمارة أعمام ولد عمّتي موسى كانت بمشربيات رائعة الحُسن .. وبيوت أخرى في حارة الجمالة كذلك بمشربيات بلون أخضر .. ثم أخيراً بيت حجري ضخم بلون البُن في حارة امجبل قريب من امسوق امداخلي كانوا يقولون أنه للأدارسة .. تم هدمه لاحقاً

يتبع

عائلة أبو نظّارة

العُرس

(7)

العُرس

1975

سيدتي

 

تمر بذاكرة الإنسان صور ومواقف لا حصر لها .. في اليوم .. في الشهر .. في السنة .. بل في الحياة .. ثم تبقى صورةٌ ما محفورة في ذاكرتنا للأبد .. بينما تتلاشى أخرى .. ما السبب يا تُرى ؟ أظن أن المشاعر التي تُرافق الصورة هي السبب .. الأحاسيس التي تتولد بسبب تلك الصورة أو ذلك الموقف هي التي تجعلنا نتذكر موقف ما حدث منذ ثلاثين سنة .. نوع الإحساس لا يهم .. قد يكون فرح او حُزن .. دهشة اوغضب

أنا شخصياً لا أُصدق أنني مازلت أذكر هذه الصورة العالقة في ذاكرتي .. إنها أول صورة أذكرها على الاطلاق .. عندما أبحث في ذاكرتي عن شيء قبل هذه الصورة .. لا أجد شيئاً .. هي ليست صورة جامدة .. بل مقطع سينمائي مُتحرك .. يبدأ بتسارع وحركة غير اعتيادية في ساحة بيتنا الشعبي .. أصوات كثيرة مُتشابكة … يالله .. المطار .. بسرعة .. مكّة .. العروسة .. تأخرنا .. يوصلون .. دحين .. فُل .. بكاء اطفال .. صُراخ .. أصوات شُحّات .. أصوات غطاريف .. رائحة فُل وكادي وبارود .. ثم تبدأ الصورة تتباطأ .. وتتباطأ .. وتتباطأ .. حتى كأني وأنا أقف بجانب السرير أُشاهد حركة الأجسام أمامي وكأنها أخذت نسق بطيء .. نساء يرقصن بحركة بطيئة .. أطفال يلتقطون الحلوى من الأرض .. أيضا بحركة بطيئة .. ثم أشاهد النساء يغطرفون وأصواتهم وكأنها تبتعد قليلاً .. قليلاً .. حتى تختفي .. وأنا التفتُ لليسار بحركة بطيئة .. وأُغمض عيني ثم أفتحها بحركة بطيئة ثم التفت لليمين ببطء .. عمي حُمّد يرمي بالشُحّات على الأرض .. أطفال يبتعدون ببطئ وخوف لكن بفرح أيضاً

أتدرين لم الحركة بطيئة .. لأنني كُنت أقف بجانب السرير وكأنني سرحت … فأصبحت رؤيتي للأشياء ضبابية والأصوات غير واضحة كأنها تختفي وتتلاشى .. هل كنت حزين في ذلك اليوم ؟ ربما .. ربما لم أحظى بالاهتمام الكافي .. الكُل كان مشغولاً بالعروس .. كُنا ما زلنا نسكن في بيت شعبي لا يبعد عن شاطئ البحر سوى بيت واحد فقط .. ربما عشرون متراً او يزيد قليلاً .. كان البيت كبير .. عبارة عن ثلاث غرف كبيرة جهة الجنوب وأبوابها للشمال جهة البحر .. غرفة تُسمى المجلس .. وبها قعايد ” مقاعد على شكل أسّرة ” .. كانت القعادة للنوم في الليل كالسرير .. وفي النهار للجلوس والسمر .. وهي مصنوعة من الخشب والحبال وسعف النخل

وكان هناك غُرفة أخرى أصغر حجماً بجانب المجلس .. لكنها كبيرة أيضاً تُسمى بَرَنّدة باللهجة المحلية .. بصراحة أنا لا أعرف الفرق بين المجلس والبَرَنّدة .. ربما المجلس للضيوف فقط .. والبّرندة للمعيشة او العكس .. كانت أبواب المجلس والبّرندة تواجه البحر ومفتوحة أكثر الوقت .. والغرفة الثالثة هي المطبخ وهي أصغر حجماً أقرب للسور للغرب .. وخارج المطبخ كان هناك فرن من الطين .. ثم ساحة كبيرة تفصل المجلس عن السور شمالاً .. والسور يحُيط بالمنزل .. وجدار في المنتصف يقسم الساحة إلى جزأين وهو قصير .. أتذكر أني كنت أمشي عليه أحياناً

باب خشبي أخضر جهة الشرق يطل على الشارع .. والشارع عبارة عن زقاق صغير تُرابي .. وبجانب السور في الجهة الشمالية الاقرب للبحر توجد شجرة فُل ” رديمة ” .. وعلى يسار تلك الشجرة كان هناك غرفة لها بابان .. باب للشارع وباب للبيت .. ذاك دُكان أبي .. لكن عمي حُمّد من يقعد فيه أكثر الوقت .. وأسم حُمّد هو نفسه اسم حمد في مناطق أخرى على ما أظن

ذاك الصباح كانت الحركة ذؤوبة .. أظن أن الساعة لم تتجاوز التاسعة صباحاً لأن الشمس لم تكن بتلك الحرارة .. كانت الرطوبة عالية .. وكنت أشّم رائحة البحر .. هناك بعض السرر متوزعة بمحاذاة السور من الداخل خارج المجلس يجلس عليهن بعض النسوة في الهواء الطلق تُحيط بالمنتصف .. ثم بدأ المزيد من الجيران يتوافدون نساءاً وأطفالاً .. عمي حُمّد يغدو ويجيء .. ثم خرج إلى الشارع .. كُنا نحن مازلنا بالداخل نسمع أصوات بواري السيارات تتعالى وتقترب من المنزل .. بدأت الأصوات تتعالى .. وتتعالى .. وخاصةً أصوات الشُّحات .. العروس وصلت من المطار للتو

ثم بدأ ما يُشبه الزفة .. العروس تمشي ببطئ .. وهي ترتدي فستان أبيض وطرحة .. والنساء يمشين خلفها ومن حولها ينثرون الفُل عليها .. كُنت أقف بجانب السرير بشيء من الذهول .. أشعر بشيء من الخجل .. حافي القدمين .. ألبس سروال قصير بيج وقميص أبيض بأزرار .. ثم بدأت الأحداث تتباطئ أكثر .. وأكثر … والأصوات تختفي .. وتتلاشى .. حتى انتهت الزفة .. العريس والدي … يييييييييه .. باركوا لي .. لُحسن الحظ أن العروس لم تكن أمّي .. في الواقع أين هي أمي .. أنا لا أراها في الصورة اطلاقاً .. لا أعلم أين هي … أما العروس فهي زوجة أبي الثالثة

بعد ذلك .. لا أعلم ماذا حدث ..؟ مجرد قصاصات من الصور المتحركة .. مثل شريط سينمائي قديم يمر بسرعة بأحداث قصيرة متسارعة .. الصور باللون الأبيض و الأغبر .. بيتنا الشعبي .. قوارير مكسورة ومغروسة على امتداد سور البيت .. صورة أمكالية التي نشرب منها الماء .. وهي جّرة كبيرة مصنوعة من الطين ولها غطاء تقف في زاوية في البيت بها ظل ولا يصلها ضوء الشمس .. قد أغرق لو سقطت داخلها .. كنا نغمس كأس فضي اللون بمقبض داخلها ثم نشرب .. وكان الماء بارد .. يا للمفاجأة .. وطحالب خضراء

في القاع .. ثم ماء مندلق من هذه الكالية يشّكل مستنقع صغير .. أتذكر ولد عمتي جابر يتعارك مع أخاه عبدالعظيم الذي يكبره ..ثم يقوم عبدالعظيم بطرح جابر على الأرض فيسقط في مستنقع الماء وسط طُرّاحة “ساحة” البيت

صورة جابر تتكرر في بيتنا القديم .. كُلها مشاهد سيئة .. هناك شيء غريب في جابر .. إنه صاحب حظ سيء .. يجاهد دائماً كي يظهر بمظهر طيب .. لكن ينتهي به الأمر كولد شرير .. مشهد آخر لجابر في ذاكرة شريط الصور السينمائية القصير .. جابر يحاول تشغيل مروحة طويلة تقف في المجلس على الأرض .. في وسط عمود المروحة قطعة معدنية فضية اللون .. أعتقد أن المروحة كانت معطلة ولا تعمل او أن بها ماس كهربائي .. لكن اللقافة أعيت من يداويها .. جابر يشبك الفيش الكهربائي .. ثم قمت بإمساك عمود المروحة الفضي فانتقل التيار الكهربائي لجسدي .. بدأت في الصراخ والاستغاثة .. لا أعلم لماذا التصق عمود المروحة بيدي لثواني والتيار الكهربائي ينفضني .. شاهدت أمي تجري باتجاه سلك المروحة لتفصله عن الجدار .. جابر يقف مندهشاً وخائفاً .. ثم صراخ أمي في وجهه ولومه على ما حدث لي

نعم تذكرت الآن ما حدث بالضبط ذلك اليوم .. خالتي كانت ستأتي لزيارتنا من مدينة صبيا .. أخذتني أمي للسُندّاس “حمام” و روشتني .. ثم لفتني في منشفة كبيرة ثم إختفت .. عندما قام جابر بتشغيل المروحة كنتُ أنا مازلتُ مُبتلاً .. ربما لذلك أصبت بصعقة كهربائية عندما لمست عمود المروحة .. مع أني بكيت بشدة .. إلا أنني حزنت على جابر في نفس الوقت لأن أمي لم تتوقف عن الصراخ في وجهه .. ثم استلقيت على إحدى القعائد وأنا مازلت ملفوف بالمنشفة الكبيرة .. ثم نمت .. وعندما إستيقظت .. أخبروني أن خالتي قد جاءت لزيارتنا ثم غادرت .. شعرت بالحزن .. لأني لم أرها في حياتي وقد كنت أتطلع لرؤيتها .. ولأني أيضاً كنت إستحمّيت ومستعد لمقابلتها .. منذ أن صحوت من النوم في الصباح الباكر وأنا أسأل متى ستأتي خالتي ؟

ثم المشهد الثالث لجابر يوم العيد .. أهداني صديق والدي نظّارة زرقاء مثل نظّارات الرجال .. كانت أول هدّية أتلقاها .. كنت في غاية الفرح .. يا سلام .. كل الأشياء أصبحت تبدو لي زرقاء بلون السماء والبحر .. ثم قابلني جابر أمام البيت وعجبته النظارة .. اخذها مني على أن يعيدها لي قبل المغرب كما قال .. ثم أعادها لي لكن مكسورة .. أعتقد أنها كانت أول مرة أجرب فيها طعم الحقد .. أول شعور بالتمّلك .. ثم يأتي جابر يأخذها ثم يعيدها مكسورة

عمي عبدالغفور يرفعني من الأرض ثم يرميني في السماء .. ثم أعود إلى يديه فيلتقطني .. ثم يرميني للسماء مرةً أخرى .. ما أجمل هذا الشعور وأنا طائر .. ثم يتظاهر أنه سيتركني أسقط على الأرض .. شعر رأسي يقف من الخوف .. فمي مفتوح وعيوني كذلك وريقي يسيل .. لكنه يلتقطني مرة ثانية .. عمي عبد الغفور مرح جداً .. ثم يستلقي على ظهره على السرير ويرفع ساقيه ويحملني على قدميه .. ثم يطلب مني أن أفرد ذراعي مثل جناح طائرة .. للحظات .. ثم يلتقطني بيديه قبل أن أسقط على بطنه .. ثم في المساء كان يشير بأصبعه جهة القمر ثم يقول ” عباس .. شوف عباس .. ” إذاً القمر إسمه عباس .. لكن للأطفال فقط .. لماذا ؟ لا أعلم ..

ليس لدي أدنى فكرة عن الزمن .. او كيف كانت تمضي الأيام والشهور ؟ او كم كان عُمري ؟ الذي أعرفه أنني حين التحقت بالمدرسة كنت في الخامسة .. كل هذه الصور سبقت السنة الأولى في المدرسة .. بيتنا الشعبي القديم ثم انتقلنا لحارة الجبل أثناء بناء العمارة ثم عودتنا للعمارة .. كذلك هناك طريقة أخرى للحساب .. لي ثلاث شقيقات أصغر مني أكبرهن أصغر مني بأربع سنوات .. واحدة ولُدت في هذا البيت القديم .. والثانية ولُدت في حارة أمجبل .. والثالثة بمجرد عودتنا للعمارة .. كل ذلك حدث قبل دخولي للمدرسة
——————-
قعائد : مقاعد على شكل سرر
شُحّات : مفرقعات نارية
غطارف : زغاريد النساء

يتبع

أمحافة

آمال

(6)

آمال

May 2007

إبتسمتُ بخبث .. ثم قلت هذه القصة ” أسرار ” حقيقية بكل تفاصيلها .. عدا الجزء المُتعّلق بأُمي الإيطالية .. أريدُ أن أعرف منك لاحقاً إذا كان هناك من تفسير نفسي لما كتبت ..؟! .. ثم ناولتها الورقة التي رسمتُ فيها الصورة .. صورتي وأنا طفل .. أخذتها مني .. قُلتُ ما رأيك في رسمي .. قالت .. وااو .. جميلة .. لكن .. القصة أعجبتني أكثر .. قلت الصورة او القصة .. هي مجرد مُحاولات .. ما زلت أبحث عن ما بداخلي ؟

قالت .. بالتأكيد هناك شيئٌ ما في الكتابة .. عندها وقفت .. ثم رفعت ذراعي كما فعل “جاك” في فيلم تايتنك عندما صرخ ..” أنا ملك العالم .. أنا ملك العالم ” رفعت ذراعي ثم استدرت .. وقلت .. ما رأيك ؟ ما رأيك فيما ترين ؟!! ابتسمت وقالت .. أرى شاباً وسيماً أمامي .. صرخت بعفوية .. وهذه هي المُشكلة .. أنني وسيم .. ويقولون أيضاً أنني مرح .. لو لم أكن وسيماً .. لهان الأمر .. لكن وسيم وخفيف دم .. ومع ذلك لا أستطيع الحصول على النساء اللاتي أرغب بهن ؟!! شيئ لا يُصّدق

سيدتي .. عندي لك سؤالين أرّقاني كثيراً .. الأول : إذا كنتُ ذكياً .. فلماذا فشلتُ في دراستي ..؟! الثاني : إذا كُنتُ وسيماً .. فلماذا لا أحصل على النساء الجميلات ؟!! ثم قلت .. السؤال الأول ليس بتلك الأهمية الآن .. لأني توقفت تماماً عن الدراسة .. لكني مازلت أرغب في معرفة السر .. لقد عانيت سنوات طويلة ومازلت أشعر  بمرارة …! إلا أن قضية البنات هي القضية الطازجة الآن .. أريدُ حلحلته بأسرع وقت

قالت .. عندما تُقابل النساء .. هل تبتسم ؟ … قلت .. لا أدري .. عادةً ما أكون متوتر وخائف .. لا أظن أن هناك مجال للتبسم !! قالت هذه نقطة مهمة .. عندما تُقابل فتاة غريبة عنك .. أنت غريبٌ عنها أيضاً .. البسمة تعطي طُمأنينة للشخص المُقابل ..  رددتُ بدهشة .. هااااه .. ثم قلت .. أريدك أيضاً أن تُساعديني كي أستعيد ثقتي في نفسي .. لقد قضيت سنين طويلة مع الفشل لدرجة أنني لم أعد أتذكر طعم النجاح .. ولدرجة أن ثقتي في نفسي أصبحت في الحضيض

قالت .. خليل .. لدي على الأقل ثلاثة أشخاص يحضرون إلى مكتبي هنا وهم رؤساء شركات .. يريدون أن تعود ثقتهم الى أنفسهم .. الثقة في النفس شيء متحرك غير ثابت .. تزيد وتنقص .. لا يهم من تكون او من أنت ؟ او ماذا تعمل ؟ .. النجاحات الصغيرة تتراكم .. معها ثقتك في نفسك تزداد .. التعثر او الفشل قد يُعيد الانسان لنفس النقطة ونفس الشعور .. نقطة الصفر .. مهما بلغت الإنجازات .. أنت لست فاشلاً يا خليل .. لقد حققت في حياتك أشياء عظيمة .. وحان الوقت أن تُعطي نفسك التقدير الذي تستحقه

قلت .. يا سلااااااااااااااااااااااااااااااااام .. فينك من زمان .. شكلي رايح أحبك .. من زمان لم أسمع عن نفسي مثل هذا الكلام

خليل .. أنت أنسانٌ رائع حقاً والشركة الصغيرة التي بنيتها تكبر كل يوم .. سمعت عنك كلام رائع جداً من صوفيا .. أنت شابٌ عُصامي .. تخطو خطواتك الأولى نحو النجاح .. أريدك أن تنظر لنصف الكوب الممتلئ .. وأترك الحديث عن الجزء الفاضي .. خليل الوقت يُداهمنا الآن .. لكن يجب أن تحضر هنا ثلاث مرات في الاسبوع .. أريد أن أعرف عنك كل شيء..  .. لقد ساعدتُ الكثير من الناس .. وأنا على ثقة أني سأنجح معك

 .. يتبع

العُرس

أسرار

(5)

أسرار

في مدينة صغيرة هادئة تقع في الجنوب الغربي للمملكة العربية السعودية ولدت لعائلة من الطبقة المتوسطة عام 1971 كنت الطفل الثالث لوالداي ، عشنا في منزل كبير مع جدي ، جدتي ، عمتان ، وعمّان .. جدي كان الكبير الذي يحظى بإحترام الجميع .. بالرغم من أنّه والدي من كان يُنفق على العائلة .. كان والدي يعمل مع الحكومة في إدارة التعليم .. وفي نفس الوقت كان لديه متجراً صغير بإسم جدي .. نسيت أن أخبركم .. كان لوالدي ثلاث زوجات .. لم أفهم لماذا ؟! ما السر وراء ذلك ؟

في منزلنا الكبير لعبت كما لم يلعب أحد .. كنُتُ في الرابعة من عُمري عندما بدأتُ أدرك الأشياء من حولي .. كُنت المفضّل لجميع أفراد العائلة .. جدي جدتي أعمامي وعماتي والدي .. كان لدي أربع أخوات مع ذلك كُنتُ أنا من يحظى بأكبر قدر من الاهتمام ..! كل شخص كان يحاول إسعادي .. لم أكن أدري لماذا ؟ ما السر وراء ذلك ؟! ربما لأني كُنتُ حينها الولد الوحيد حيث لي أربعة أخوات بنات !! لا ادري .. على كل حال .. كنت سعيداً بتلك الرعاية الخاصة .. لم أفهم ايضاً لماذا لم تكن أمي راضيةً عن ذلك ؟ لم أعرف السر وراء ذلك

بعد سنوات ذهبتُ للمدرسة .. كُنتُ ذكياً جداً لكني ولدٌ شقي .. كان يتملكني شعور بأنني أفضل من بقية الطلبة .. مُدرسي أحبني كثيراً لأنه لاحظ مدى التقدم السريع الذي كُنتُ أحرزه مقارنةً ببقية زملائي في الفصل .. بدأتُ لعب كرة القدم .. أتذكر جيداً عندما حضر المدرس ذات يوم وسأل الفصل .. اي الفرق المحلية نُشّجع .. لم يعطنا سوى خياران لأشهر فريقين محليين في السعودية لكي نختار ..! نصف الفصل رفع يده للفريق الأول .. والبقية رفعوا أيديهم للفريق الثاني .. لم أرفع يدي مع أي الطرفين .. سألني الأستاذ .. ماذا عنك ياخليل ..؟! لماذا لم ترفع يدك مع اي المجموعتين .. ؟!! أجبت بصوتٍ مرتفع .. لدي فريقي الخاص .. بالإضافة إلى أنني لا أحب كلا الفريقين المذكورين !! أنا أعشقُ المنتخب الايطالي !! تفاجأ المدرس بردي .. باختلافي عن البقية .. ! السبب الذي جعلني أعشق المنتخب الايطالي .. لأني كُنتُ أحب لون القمصان التي يرتدونها .. اللون الأزرق ! ولأني أيضاً أردتُ أن أكون مُختلفاً عن البقية .. كوني .. ورغبتي أن أكون مُختلفاً جر عليّ الكثير من المتاعب .. كُنتُ يومها في السابعة من عُمري .. وكُنتُ في الصف الثاني ابتدائي .. لاحقاً حبي للمنتخب الايطالي نما أكثر .. وبعد سنوات قليلة في أسبانيا .. حقق فريقي المُفضّل كأس العالم .. مع ذلك لم أعرف لماذا تحديداً عشقت إيطاليا ؟ ما السر وراء ذلك ؟

في غُرفتي جمعت العديد من الصور للمنتخب الإيطالي .. خريطة إيطاليا .. وايضاً صور بنات ايطاليات .. كذلك أحب كل شيء صُنع في إيطاليا كملابسي .. وأخيراً أحبُ أكل السباغيتي .. عندما كُنت في الرابعة والعشرين من عمري .. سافرت لفلوريدا لدراسة اللغة الانجليزية .. لم تكن الدراسة السبب الرئيسي لتلك الرحلة .. بقدر ما كان حاجتي لتغيير الجو .. وفرصة كي أُشاهد ناس وعادات مُختلفة .. أفضل شيء عجبني في فلوريدا البنات .. وكان من الغريب جداً أنه كلما أعجبت بفتاة اكتشفت لاحقاً أنها من أصول إيطالية !! حتى مُدرستي الأميركية التي أحببتها كثيراً .. أخبرتني أنّ جذور عائلتها تعود لإيطاليا .. هنا بالفعل بدأتُ أتعجب وأتساءل عن السر

عندما عدتُ الى وطني بعد شهرين .. وجدتُ وكأن شيئاً ما قد تغير في البيت .. شيئاً ما حدث أثناء غيابي .. كأن عاصفة هبّت .. البيت لم يعد يبدُ كما كان .. بدا وكأن مُصيبة حلت .. لكني لم أكن أتخيل للحظة أنني كنت جزءاً من تلك المشكلة .. بكلمات أخرى .. لم أكن أعلم أنه أنا سبب هذه المشكلة .. في أثناء محاولتي فهم ما حدث .. سألت ُ أمي .. ما الخطب ؟ كانت في قمة الانفعال عندما أجابت .. أنا لستُ أمك ! أنا فقط ربيتك مع أبيك .. لكني لستُ أمك الحقيقية .. أذهب لوالدك وأسأله أين هي أمك الحقيقية ؟! وأنا أستمع الى كلماتها دخلت في

حالة صدمة .. العالم بدأ يضيق من حولي .. لم يكن باستطاعتي تصديق ما تقول .. شعرت كأن العالم يتصاغر .. شعرت كأنني لم أعد أقوى على التنفس .. ما الذي تقوله هذه المرأة ؟ هل هذا ممكن ؟! هل هذا صحيح ؟! أم أنها فقط مُنّفعلة ؟ لم أذهب لوالدي .. بل ذهبتُ لعمتي التي كانت أكثر قُرباً مني .. وقبل أن تخرج كلمة واحدة .. بدأتُ في البكاء بحرقة .. آاااااه .. عمتي .. لا أُصدق ما سمعت .. أمي تُنكر أنني ابنها .. قالت عمتي .. لا … أمك فقط غاضبة من أبيك .. أنت ابنها .. وستبقى كذلك .. لم أصدق عمتي .. لأنني شعرت أنها هي ايضاً تريد أن تبكي .. لكنها تُمسك بدموعها

عدتُ مرة أخرى لأمي لأسألها لما هي غاضبة مني ؟! قالت أنا لست غاضبة منك .. أنا غاضبة من أبيك الذي أخفى عنك الحقيقة كل تلك السنين ..! حبيبي .. يجب أن تعرف الحقيقة .. لا يمكننا الكذب عليك أكثر .. منذ خمسة وعشرون سنة ذهب أبوك لأثيوبيا للتجارة .. ثم أُصيب هناك بالملاريا .. في المستشفى كانت هناك ممرضة إيطالية .. إعتنت بأبيك حتى تعافى .. لكن أبوك وقع في حب تلك المرأة .. هي أحبته ايضاً .. غاب والدك لستة أشهر .. تزوجّها دون أن يخبر جدّك .. ثم عاد وأخبر الجميع أنه تزوج امرأة نصرانية .. جدك غضب من أبيك وطرده من البيت .. عندما رد أبوك بأن المرأة حامل .. غيّر جدك رأيه .. وأمر أبوك أن يحضرها من أثيوبيا .. عندما حضرت مع أبيك .. لم تكن موضع ترحيب من أحد .. وهي لم تستطع أن تكون واحدةً منّا .. بسبب الدين والتقاليد المختلفة

بعد ولادتك أرادت أن تعود بك إيطاليا لزيارة عائلتها … لكن جدك رفض .. المشكلة تعقدت أكثر عندما طلبت أمك الطلاق .. خمسة أشهر بعد ولادتك وافق ابوك على الطلاق شرط أن تتخلى عنك .. لأن أباك أراد لك أن تنشأ مُسلماً لا نصرانياً

أخيراً … وافقت أمك ورحلت إلى وطنها … ثم قمت أنا برعايتك مع أبيك .. وكل هذا الحب والاهتمام الذي تجده لأننا لم نشأ أن تشعر بأي فرق .. وهي تخبرني بالقصة .. لم أكن هناك .. لم أكن معها .. كُنتُ أُحلق في عالم من الخيال أحاول أجمع أشلائي .. شعرت أنها مزّقتني لمليون قطعة .. ونثرتها في الفضاء .. يا الهي .. الآن بدأت أفهم .. الآن أستطيع أن أجد إجابات لمئات الأسئلة التي أحملها معي طول حياتي .. يا الهي .. أين أمي ؟! كيف لها أن تتركني هكذا ؟ كيف لها أن تتركني وأنا خمسة أشهر فقط ؟ أين هي الآن ؟! هل هي على قيد الحياة ؟! لا أحد يدري ! مازلتُ أحمل في جُعبتي الكثير من الأسئلة بلا إجابات … و الكثير سيبقى أسرار

أخيراً .. إستيقظت من النوم … لأكتشف أن كل تلك القصة كانت مجرد حُلم مُزعج

————————

* هذا النص كُتب باللغة الإنجليزية وقدمته للمدرسّة عندما كنت في معهد اللغة عام 1998*

 

 .. يتبع

آمال

 

 

دزموند

(4)

دزموند

May 2007

ارجوكِ سيدتي لا تفزعي .. أنا لستُ مجنوناً .. قد أكون أعقل من جلس على هذا الكرسي .. ارجوك ساعديني .. فأنا أعقد عليكِ آمالاً كبيرة .. منذُ أن وعت عيني الأشياء .. وأنا الإنسان المُطيع .. المؤدب .. المنفذ لجميع الأوامر .. لم أكن أسأل لماذا ؟! ولأني كُنتُ أكبر إخوتي .. ولأن الآمال معقودة عليّ .. فقد تحملت الكثير من الضغوط المعنوية والنفسية .. وبالرغم أنني لم أجد الكثير من الاحترام والتقدير من والدي .. إلا أنني عزمتُ الا أُخيب ظنه .. لكن ذلك حدث على أي حال .. وكان يحدث كل مرة .. دون أن أعلم لماذا .. وكنت أقف على قدماي مرةً أخرى .. وأحاول بدل المزيد من الجهد .. لكنني كنت أقع في كل مرة

إكتشفت لاحقاً أن لا شيء يمكن أن يُرضي والدي .. لا شيء أبداً .. لكنني إكتشفتُ ذلك متأخراً جداً .. وأكتشفتُ أيضاً أن المشكلة لم تكن أنا بل هو .. هو لا يستطيع رؤية سوى الجزء الفارغ من الكأس .. لا شيء يُرضيه أبداً .. فإن أحضرتُ له القمر بيميني .. لقال : كان بإمكانك أن تُحضِر الشمس .. لماذا لم تُحضر الشمس ..؟ وإن أحضرتُ له الشمس .. قال لماذا لم تُحضر زُحل  .. وهكذا .. لا شيء يرضيه .. وقد كُنتُ أفعل كُل شيء من أجله .. من أجل أن يكون فخوراً بأكبر أبنائه .. أضعتُ زهرة شبابي من أجله … من أجل لا شيء .. تسعُ سنوات في جامعات السعودية .. عانيت فيها الأمرين .. الغُربة والفشل .. فقدت الثقة في نفسي .. فقدت الثقة في قدراتي .. عانيت من الاكتئاب ولم أكن أدري .. وبعد أن ظفرت بشهادة الجامعة هناك .. كُنت ما أزال أشعر بالعار .. فشهادة الخمس سنوات أخذتها في تسع سنين .. حضرت هنا لأميركا أبحث لوالدي عن شهادة أخرى من جامعة أخرى .. وشهادة أخرى بأني سأبذل الغالي والنفيس من أجل أن يرضى عني .. لكن .. لا يهم أبداً .. لا شئ يرضيه

فجأةً .. وفي عام 2005 إكتشفتُ أمراً خطيراً للغاية .. أمراً مهولاً هّز وجداني .. إكتشفت أنني كُنتُ مُبرمج بطريقة خاطئة .. وأن كل ما عملت في تلك السنين لم يكن سوى ضياع .. وأن كل ما ذهب من عمري ربما ذهب هباءاً .. وأن كل ما ترتب على ذلك من نتائج لم يعد له قيمة .. وهذا تماماً ما حدث لدزموند يا سيدتي .. دزموند الشخصية الموجودة في الجزء الثاني من مسلسل ” ضياع/ لوست ” .. سأختصر لكِ قصته في سطور قليلة ..  لقد وجد دزموند نفسه مرمياً على شاطىء جزيرة بعد أن اصطدم قاربه بالصخور .. ثم أخذه رجل موجود في الجزيرة إلى غرفة مُحصّنة تحت الأرض .. وكان الرجل يلبس بدلة مُحصنة ضد الأوبئة

بعد أن إستيقظ دزموند .. أخبره ذاك الرجل بأن الجزيرة موبوءة ..  وأن عليه أن يمكث داخل مبنى مُحصن تحت الأرض .. وأنه لا يمكن له الخروج للخارج إلا إذا لبس ملابس خاصة وجهاز اوكسجين للتنفس .. حتى لا تنتقل تلك الفيروسات إليه .. ثم أخذ يُحقنه بحُقنة كل يوم ضد الوباء .. أخبره ايضاً عن جهاز الكومبيوتر .. وأن عليه أن يدُخل كود من الارقام الى جهاز الكومبيوتر كل 108 دقيقة ..

ثم يبدأ العداد بالتناقص كل دقيقة ..  كتكات الساعة .. تك .. تك .. تك .. تك 108 107 106 105 .. دقيقة بعد دقيقة حتى يصل إلى آخر خمسة دقائق ..  يبدأ عندها جهاز الإنذار بإصدار أصواتاً تحذيرية بأن الوقت قد حان لإدخال أرقام الكود من جديد .. وضغط الزر من جديد

قال دزموند .. وماذا سيحدث يا سيدي إذا لم أُدخل الكود ؟! قال له الرجل الغريب .. سيحدث إنفجار كبير سيُدمر الجزيرة .. إن مُستقبل الجزيرة يعتمد عليك .. أمكث أنت هنا وقم بواجبك حتى يأتي شخص بديل يحمل عنك الراية .. ويقوم بأداء المُهمة .. ستعرفه عندما يخبرك بكلمة السر .. كل ما تحتاجه موجود هنا في هذه المحطة .. أكل .. شراب .. موسيقى .. ولا تنسى أن تأخذ الحُقنة ضد الأوبئة كل يوم .. لا تنسى مهمتك الأساسية تدخل هذا الكود في جهاز الكومبيوتر كل 108 دقيقة .. وتضغط على الزر .. ” تنفيذ ” … فيقوم العداد بالعودة من جديد الى الدقيقة 108 .. ويبدأ من جديد في العد التنازلي 108 107 106 105 وهكذا

لم يسأل دزموند الأسئلة الكافية .. واستمر في عمل ما طُلب منه بتفاني .. يُدخل الأرقام .. ثم يضغط على ذاك الزر كل 108 دقيقة مدة ثلاث سنوات .. ولم ينسى كذلك أخذ الحُقنة كل يوم .. حتى وجده بالصدفة الضائعون في الجزيرة عندما سقطت طائرتهم على الشاطئ  .. كانوا يبحثون عن مخرج من ورطتهم وظنوا عندما وجدوا دزموند أنه من سينقذهم .. عندما أخبرهم أن الحياة على الجزيرة مستحيلة بسبب الفيروسات والأوبئة .. أخبروه أن الحياة طبيعية خارج المحطة .. وأنه لا يوجد أوبئة ولا يحزنون .. صَعُقَ دزموند .. وحزن على تلك الأيام التي أضاعها من عمره يُدخل تلك الأرقام إلى ذلك الجهاز اللعين .. ثلاث سنوات مرت عليه بكل يوم وكل ساعة وكل دقيقة يُدخل تلك الأرقام في جهاز الكومبيوتر يريد أن ينقذ الجزيرة من الكارثة

سيدتي .. أنا خليل .. وهذه حياتي .. أُدخل الأرقام واضغط الزر منذ ثلاثين سنة

بُهتت السيدة لويس .. كأنني ألقيت عليها بحِمل ثقيل .. أثقل مما كانت تتصور .. أتذكر عندما قابلتني اول مره في العمل ورأت وجهي المُشرق وتلك الابتسامة العريضة .. ربما لم تلاحظ في تلك اللحظة سوى الابتسامة وادبي الجم .. يا للعجب .. كيف يستطيع الإنسان أن يخفي الكثير خلف إبتسامة صادقة .. وياللعجب ايضاً .. كيف وصلتُ أنا إلى هنا ..؟

كيف وصلت الى هنا .. مكتب أخصائية نفسية ..؟!! وكيف وصلت أيضاً الى هذا المكان .. أميركا .. ؟ لم أكن أحلم او أتصور في يوم من الأيام أن أذهب لأمريكا .. فكيف بالعيش فيها ..؟! لم أتخّيل ذلك ولا حتى عندما كان يستبد بي الخيال ..  أذهب لأمريكا .. مستحيل .. والدي لا يتركني أذهب ألهو مع اصدقائي في الحارة .. أنا لا أُغادر البيت معظم الوقت .. أنا نصفي رجل ونصفي الآخر إمرأة من كثر قعودي في البيت .. حتى أنّ المرأة اللازبين التي أحبتني هنا في أميركا .. أخبرتني أنها أحبت مني الجزء الناعم

عندما كُنتُ أحضر لمجلس والدي وأنا طفل صغير أتلمس خطواتي الأولى نحو الرجولة .. كان يقوم بذكر اي قصة مُخجلة عني فيتسبب في إحراجي ..  ومن ثّمَ أصبح مثار سخرية الكبار ..  كنت أهرب ولا أعود للمجلس حتى أصبحت أكره مجالسة الكبار وأشعر بعدم الراحة في وجودهم حتى أصبح هذا الشعور مُلاصقاً لي ..  لم أفهم أبداً دوافعه في تلك اللحظة ..؟! هل هو يُرّبيني بإحراجي بتلك الطريقة المُهينة ..؟

وعندما أصبحتُ في سن الشباب كان يمنعني من السهر خارج المنزل.. و يمنعني من السفر لوحدي .. وعندما تجرأتُ للمرة الأولى وكُنتُ في الرابعة والعشرين من عمري .. وأخبرته أنني أريد السفر لبريطانيا لأخذ كورس صيفي في اللغة الإنجليزية يساعدني في دراستي في كلية الهندسة .. ضحك بُسخرية .. وقال .. أخاف عليك وأنت هنا أمام ناظري .. فكيف أُرسلك الى بلاد الكفرة

عُدتُ على صوت السيدة لويس وهي تقول : حسناً .. تلك كانت قصة دزموند .. فما هي قصة الجزيرة والآخرين .. وهل ترى أن لها علاقة بك ..؟! أجبتها .. نعم بكل تأكيد .. قِصّة ” ضياع ” كالتالي … كان ركاب الرحلة 815  متجهون من سيدني الى لوس انجلوس على خطوط الطيران أوشيانيك عندما سقطت طائرتهم قرب جزيرة في عرض المحيط  .. مات بعضهم ونجا البعض ووجدوا أنفسهم على الشاطئ .. من الطبيعي أن يشعروا في الجزيرة بالضياع .. فهم لا يعرفون أين هم ؟  او أين تقع هذه الجزيرة .. ؟ ومن الطبيعي أيضاٌ أن يبذلوا كل ما في وسعهم كي يُنقذُوا أنفسهم من هذه الورطة لكي يعودوا بسلام الى ارض الوطن

إلا أنه وأثناء محاولاتهم المستميتة للخروج من هذه الجزيرة والعودة إلى الوطن .. يمرون بالعديد من المواقف والأحداث التي تختبر مدى إيمانهم وإصرارهم على العودة .. تلك المواقف التي جعلت فريقاً منهم يُحب تلك الجزيرة ويطمئن للعيش فيها .. ويتساءل .. ربما سقوط الطائرة هو القدر الذي أوصلنا إلى هنا  ..  ثم يقرر هذا الفريق العيش في الجزيرة .. خاصة عندما يتذكرون أن حياتهم في الوطن الأم  لم تكن بالصورة الوردية على اي حال .. وأن الإحساس بالضياع هنا في هذه الجزيرة .. كان يُقابله إحساس بالضياع هناك في الوطن

الا ان هذا الفريق الذي قرر أن يستقر في الجزيرة يصطدم بفريق آخر يُريد العودة للوطن بكل إصرار .. ويعتقد أن العيش في هذه الجزيرة أمر مؤقت .. وأن حياتهم في الوطن هي الأصل  .. سيدتي .. الطائرة التي ألقت بهم إلى هذه الجزيرة هي القدر 
 .. الوطن جيزان
 والجزيرة سان فرانسيسكو

ظلت تنظر إلي في صمتٍ وذهول .. وأنا أترقب أن تُلقي اليّ بسؤال … كسر الصمت سؤالي لها .. هل يمكنك مساعدتي ؟ أشعر بالضياع .. أشعر بغضبٍ عارم .. لقد أضعت أحلى سنين عمري بالجري وراء سراب .. أريد أن أسترجع ما فات .. والأدهى والأمَّر بعد كل تلك السنون لم أعد أعرف من أنا .. ماذا أريد .. كل الاتجاهات بالنسبة لي شمال .. أشعر أنني سأنفجر .. وأخشى أن يتأذى أحدٌ لو انفجرت ..

أريد أن أطوي هذا الفصل من حياتي وللأبد .. أريد أن أبدأ من جديد .. أُريد أن أتعلم أن أكون رجُلاً .. فأنا غير مُكتمل الرجولة .. كُنتُ أعيش تحت حماية أبي وكأنني امرأة .. أنا أكره خليل .. أكره خليل .. وأكره كل شيء يتعلق به .. وأكره أبي .. وأكره زوجتي .. أبنائي .. كل شيء .. وكل قرار اتخذته في حياتي لم يكن قراري .. لم يكن بملء إرادتي .. أنا فاشل ..  جبان .. غبي ..  قبيح

فجأة قالت .. اهدأ قليلاً … أرجوك .. أُريدك أن تهدأ قليلاً .. هل فكرت في الإنتحار ؟ هل فكّرت أن تضع حداً لحياتك ؟ تفاجأتُ بالسؤال .. قُلت باستغراب .. أنا ..!! لا .. لا أستطيع .. هناك في ثقافتنا ما يمنعني من عمل ذلك .. لكن أصدقك القول .. أتمنى عندما أذهب للنوم مساءاَ أن لا أستيقظ في الصباح .. أشعر أنني عالق في هذه اللحظة .. لا أستطيع أن أتزحزح .. لا أستطيع العودة للخلف .. لا أستطيع التقدم للأمام .. أشعر أنني مُنهك .. أشعر أنني ميت بداخلي ..  وأني ميت المشاعر .. نعم أتمنى أن أموت .. أتمنى أن أموت ولكن بطريقة أخرى .. كأن تصدمني شاحنة .. او تسقط على رأسي عمارة

ابتسمت ثم قالت .. جيد .. طالما أنك على الأقل لا تفكر بالانتحار فهذا جيد .. هذا يجعلنا نعمل على بعض النقاط براحة أكبر .. وسنحاول إصلاحها .. ولكن أريد أن أعرف القصة من البداية .. أريدك أن تُخبرني عن كُل شيء من البداية .. سنحتاج على الأقل لثلاثِ جلسات

أسبوعياً .. أريدك أن تكون قوياً ورابط الجأش .. وأريدك أن لا تفقد الأمل في الحياة

.. قلت لها .. لقد أحضرتُ لك حكايتي مكتوبة باختصار .. لقد كتبتها عندما كُنت طالباً في مدرسة اللغة الانجليزية عندما جئت لأمريكا للمرة الثانية عام 1998 وهي بعنوان ” أسرار ” .. وكانت قد حازت على إعجاب مُدرّستي .. نظرت اليّ بفضول .. حسناً ناولني الكراسة

ثم بدأت .. تقرأ في صمت .. وأنا أراقب عينيها .. تقرأ ببطء .. وأنا أنظر إليها بتوتر .. أشبك بين أصابع يداي الأثنتين .. وهي تقرأ .. ثم بدأت عينيها تتسارع أكثر كأنها تلتهم الكلمات في نهم .. وأنا أعصابي تزدادُ توتراً .. حتى أصبحتُ أجلس على حافة المقعد .. وهي مازالت تقرأ .. ثم رفعت حاجبها الأيمن باستغراب .. ثم قلبت الصفحة .. وبدأت هي تتوتر أكثر .. ثم قطبت حاجبيها .. كأنها شعرت بالغضب .. ثم فجأة صرخت بصوت عالي … ياااااا إلهي … هل وجدت أمك ؟

أجبتها .. بعد أن ارتخت أعصابي قليلاً .. لا يا سيدتي .. مازلتُ أبحثُ عنها

 .. يتبع

أسرار

 

الصعود للهاوية

(3)

الصعود للهاوية

May 2007

(*)

كُنتُ قد خططت لكل شيء .. لم أدع شيئاً للصدفة .. ستغادر زوجتي إلى ولاية ميريلاند صباح الغد لزيارة أمها وقضاء الصيف بصحبة ابني الأكبر 4 سنوات وطفلتي الصغيرة سنتان .. لكنها لن تعود .. هي مازالت لا تعلم بما أضمرتُ لها من شر .. أنا لا أصلح أن أكون أباً .. لا أصلح أن أكون أباً .. هذه حقيقة مُسّلمة .. ولو لا الضغط الذي مُورس علي من أبي .. منها .. لكُّنا ما نزال نعيش أسعد أيام حياتنا .. مرت الثلاث سنوات الأولى بسرعة .. كُّنا سعداء جداً .. نخرج للعشاء كل ليلتين .. نسافر .. نقضي نهاية الأسبوع في بُحيرة تاهو .. نخرج للتخييم .. نذهب للتزلج .. نذهب للمشيئ في الغابات .. نسبح في النهر .. جربت كل الأشياء التي شاهدتها يوماً في التلفزيون .. وكُنت محروماً منها في جيزان

ذهبنا لمدينة سانتا كروز .. لمونتراي .. لكارمل .. علمتُها شوارع سان فرانسيسكو .. حدائقها .. متاحفها .. هنا تقاطع شارعي هيت آشبري الشهير .. كان البداية لثورة الهيّبز في الستينات .. وتلك حديقة البوابة الذهبية حيث كان يتجمع الهيّبز في صيف الحب الشهير عام ١٩٦٧ .. اذكر اول لقاء رسمي بيننا .. وكنت أضم يداها بين يدي ونحن نجلس سوياً على الرصيف في النورثبييتش الحي الإيطالي .. مّر رجل بجانبنا وهو يرمقنا بنظراته الباسمة وقال .. أرى الحُب في ذرات الهواء .. ضحكنا سوياً .. وأحمّر خديها

تزوجنا .. وأتفقنا أن نمنح أنفسنا المزيد من الوقت حتى نتأكد أن زواجنا يسير في الطريق الصحيح قبل أن نفكر في إنجاب الأطفال .. وحتى نتغلب على كل تلك الاختلافات .. فالمسافة بين جيزان وسان فرنسيسكو لا تُقاس بالأميال .. اقترحت أنا ثلاث إلى خمس سنوات .. هي إختارت أن تكون ثلاث سنوات .. والدي يحدثني بالهاتف .. يا ابني لو أنك خلّفت بعد زواجك مباشرة .. بدل كل هذا الانتظار .. لكان أبنك يتحدث معي الآن على الهاتف .. قلت في نفسي .. بالعربي أم بالإنجليزي .. ما فائدة أن نحضر أطفالاً لهذا العالم التعيس .. لنزيد أطفالنا تعاسة .. كيف لي أن أكون أباً .. وأنا مازلت أشعر بأني طفلاً صغير لم يكبر بعد ؟ ما زلت أشعر أني ممزق بين حضارتين .. لا أعرف من أنا .. من أكون .. ماذا أريد ؟

وللحق أقول بعد سبع سنوات من هذا الزواج لم نتعارك او نتخاصم ولو لمرة واحدة .. كنتُ أنا متفتح الذهن .. وكانت هي العاشق المُتّيم .. ولكن أخيراً تحت كل هذه الضغوط رضخت .. وليتني لم أرضخ .. عندما أخبرتني أنها حامل .. كانت ردت فعلي مزيج من الفرحة والحيرة .. فرحة بتلك التجربة الجديدة .. وحيرة من المستقبل المجهول .. وعندما عرفت انه ولد .. قلت في نفسي .. ياااااااه .. جت سليمة .. بعدها اختلف نظام حياتنا تماماً وللأبد .. بدل الخروج والاستمتاع بالوقت والحب .. مطاعم .. شواطئ .. منتجعات .. أصبح رضاعة طبيعية .. ورضاعة صناعية .. وتغيير حفاضات ومواعيد مستشفيات

مرت كل تلك الأحداث في ذهني كشريط سينمائي ونحن نجلس على الأريكة في صالة البيت نشاهد سوياً مسلسل ” لوست ” للمرة الأخيرة .. وذراعي تلتف حول ذراعيها وعنقها .. كانت الإضاءة خافتة كما تحب هي .. رائحة الشموع الموجودة في الغرفة تزيد المكان سكينة ووقار .. همستُ في اذنها .. ما أكثر ما يعجبك فيّ .. ؟ نظرت الى عيني بعمق .. لبرهة تفكر .. ثم قالت : جنونك ! قلتُ : جنوني !!! أنا

لا أسكر .. لا أشرب مخدرات .. لا أدخن الماريجوانا .. أنا ممل بصورة غير طبيعية .. فأين جنوني ؟

نظرت اليّ .. ثم سكتت برهة .. وقالت : اووه .. وبراءتك

(**)

عندما وصلت لمكتب السيدة لويس صباح يوم السبت حوالي عشر دقائق قبل العاشرة .. كان عليّ أن أنتظر في الشارع حتى تصل هي .. كان الجو شديد البرودة .. والضباب لم ينقشع بعد .. وكنت ما أزال أرتدي ملابس السهرة من الليلة السابقة .. ملابس ضيقة وغير دافئة .. قميص ضيق وبنطلون جينز ضيق ايضاً .. الملابس الضيقة غير محبب ارتداؤها في النهار .. لكني تعّمدتُ أن أحضر هكذا حتى تراني بهذا الشكل .. ملابس سهرة ضيقة في الليل .. لا شيء في ذلك .. لكن في النهار .. تصبح عرضة لنظرات الناس .. لاحظتُ ذلك في عيون بعض المارة .. كُنتُ مرتبكاً بعض الشيئ .. أُفكر بما أريدُ قوله .. هذا المزاج في تلك اللحظة .. وبرودة الجو .. جعلني أشعر برعشة خفيفة .. تمنيت لو كُنت توقفت في الطريق بمقهى ستار بكس الذي لم يكن يبعد كثيراً عن هنا .. كُنت التقطت كوب قهوة ساخن لاتيه بالفانيلا ليمنحني بعض الدفء

أحضرت معي دفتر لكتابة الملاحظات .. وورقة من كراسة رسم رسمت فيها صورة بورتريه لصورة شخصية لي وأنا في سن الخامسة .. احتفظ بها طول الوقت .. ومجلة دورية من مدرسة اللغة الانجليزية التي درست بها عام 1998 .. كتبتُ فيها اول موضوع إنشائي حقيقي بدون غش او مساعدة من أبي موضوع بعنوان ” أسرار ” .. ذكرت أبي هنا .. نعم .. الى أن وصلت للمرحلة الثانوية .. ووالدي من كان يكتب لي مواضيع التعبير .. كنت أذهب إليه في ساعة مبكرة من الصباح .. وهو يجلس القرفصاء يقرأ القرآن .. أخبره بأني انشغلت بحل واجب الفيزياء والرياضيات .. ولم أجد الوقت الكافي لكتابة موضوع مادة التعبير .. فكان يكتب لي موضوع التعبير في خمس دقائق .. وينصحني بأن أعتمد على نفسي .. كنت آخذ الورقات منه لأنسخها بخط يدي وأقدمها للمدرس المصري .. وأحياناً لا أجد الوقت الكافي للنسخ .. فأقدمهم للمدرس كما هي بخط والدي

لسنوات عديدة لم أكن أعرف من أنا ؟ كنتُ في جيزان أعرف من أنا بعض الشيئ .. او كُنتُ أتصور أنني أعرف .. كنتُ هناك ظل أبي في الأرض .. او صورة محددة أرادها لي أبي .. وشارك المجتمع في رسم تلك الصورة .. أما في سان فرانسيسكو .. فجأًةً .. تجد نفسك أمام لا نهاية من الخيارات .. صدقوني اذا قلت لكم أن الحرية مخيفة جداً أحياناً .. وخاصةً إذا جاءت بعد ثلاثين سنة من الأغلال

أحضرت معي الصورة التي رسمتها .. وأيضاً الموضوع الذي كتبته .. لأني كُنت أشعر بأن هناك فناناً خجولاً بداخلي .. لكني لم أكن أعرف من هو ؟ وكيف لي أن أخرجه إلى النور .. ربما تساعدني الأخصائية النفسية على تحديد ملامح ذلك الإنسان الساكن داخلي .. كُنت سأسألها عن رأيها في رسمي وايضاً فيما كتبته .. هل أنا فنان وموسيقار ..؟!! مع أني لم أعزف على آلة موسيقية حقيقية في حياتي .. هل أنا رسام ؟! لي بعض محاولات الرسم .. هل أنا ملاك ؟ هل أنا شيطان؟ كثيرة هي الأسئلة التي تدورُ في رأسي .. هل أنا كاتب ؟! .. لم يعد يهم  ..  بغض النظر عن الإجابة .. ماذا كُنتُ أفعل في كلية الهندسة لتسع سنوات

كل تلك الأفكار كانت تدور في رأسي .. لم يقطعها إلا وصول السيدة لويس .. بابتسامة عريضة أقبلت .. وكانت تحمل بعض الأوراق ..

إمرأة في الستين ربما .. جميلة الملامح .. قصيرة الشعر .. نحيفة كأنها عارضة ازياء … عيناها تنبض بالحياة والحيوية .. تلبس معطفاً بُنياً .. يغطي إلى تحت الركبة .. لكنه لا يُخفي ساقيها الجميلتين .. اتجهنا للباب .. فتحته بادخال ارقام سرية .. وصعدنا سوياً لمكتبها في الطابق الثاني

(***)

في حياتي لم أذهب إلى أخصائي نفساني الا ثلاث مرات .. وفي كل مرة كان السبب واحد .. الدراسة .. كُنت أذهب للأخصائي وفي جُعبتي نفس السؤال .. لماذا أمكث في غرفتي لعشر ساعات كي اُذاكر .. لكنني لا أستطيع أكمال صفحة واحدة ..؟!! مع العلم أنني أرغب في النجاح .. أرغب في التفوق .. وحتى إذا أكملت الصفحة .. لم أكن أفهم أي نقطة .. دائماً أنا شارد الذهن .. في الفصل في المعمل .. في الفصل اسأل المدرس أي سؤال فقط لكي أخرجه عن جو الموضوع .. ! في الغرفة عندما أحاول القراءة تجدني أعبث بأي شيء .. أرسم .. اشخبط .. أُقّلب قنوات التلفزيون .. أنقّب عن البترول داخل أنفي .. أقرأ جرائد .. أبحث عن حل لمشكلة فلسطين .. أصنع كل شيء في الغرفة عدا شيء واحد .. المُذاكرة ..! أخيراً وصلت إلى نتيجة وهي أنني ربما أكون مجرد إنسان غبي .. حِمار يريد أن يحصل على شهادة بكالوريوس الهندسة .. وهذا غير ممكن .. وإلى يومنا هذا مازلتُ لا أعرف كيف تخرجت من الجامعة ..؟!! المضحك أنه بعد التخرج .. قررت أن أسعى خلف الماجستير .. بحق الجحيم كيف كُنتُ أفّكر ؟

كُنت ادخل على الأخصائي النفساني بدون مُقدمات وأبادره بسؤال غريب .. هل تعتقد أنني غبي ؟! تتسع عيناه وهو ينظر إلي بدهشة .. ثم يقول .. بما أنك قد حضرت لزيارتي فلا شك عندي أنك رجل ذكي ! كانت زيارتي الأولى أخصائي نفساني عام 1995 عيادة خاصة في شارع فلسطين قريب من سوق الشرق الأوسط في مدينة جدة .. كُنتُ حينها مُحبط حتى الثمالة في الرابعة والعشرين من عُمري  .. وكان الطبيب من بلاد الشام .. وكانت زيارتي الثانية لأخصائي أمريكي من أصل فلسطيني عام 2003 في شارع ” يونيون ” بسان فرانسيسكو بطلب من زوجتي .. أمّا هذه المرة فهي المحاولة الثالثة لزيارة أخصائي .. وهي الدكتورة  لويس .. السيدة لويس زبونة عندي .. تعرفتّ عليّ عن طريق صوفيا وهي زبونة لدي أيضاً .. وصوفيا مهندسة ديكور تسكن حي ” بيرسيديو هايتس ” وهو حي اليهود ارستوقراط في المدينة .. وكانت قد مدحت عملي للسيدة لويس

عندما قابلت السيدة لويس للمرة الأولى سألتها إن كانت مُحامية ؟ قالت : لا .. أنا دكتوراه في الطب النفسي من جامعة بيركلي .. ولدي مكتب خاص لممارسة المهنة .. ابتسمت وقلت لها .. ربما أحتاج لزيارتك في المكتب ذات يوم .. فأعطتني كرت فيه العنوان والهاتف .. وضعته في محفظتي .. كان صعودنا إلى مكتبها في الدور الثاني فرصة لتذكر كيف وصلت إلى هذا المكان ؟

..  وجدتُ نفسي أسير خلفها في بداية ممر طويل ينتهي إلى مطبخ .. على اليمين توجد ثلاثة أبواب تقود إلى مكاتب مختلفة .. انعطفت بي يميناً إلى أول مكتب .. فإذا بي في صالة صغيرة للانتظار .. يوجد بها كنبة خضراء اللون باهتة بعض الشيء .. وكرسي .. وطاولة بالمنتصف .. وكذلك طاولة جانبية مرصوص عليها بعض المجلات بطريقة مرتبة وأنيقة .. لم يكن هناك مكتب سكرتارية .. ثم فتحت باب آخر بالمفتاح .. قادنا ذلك إلى غرفة واسعة بعض الشيء .. توقعت أن تكون هذه الغرفة أكثر تنظيماً وأناقة .. كما نتخيل نحن غرف الأخصائيين النفسانيين .. الوان هادئة .. موسيقى كلاسيكية .. كرسي أسود فخم من الجلد يستلقي عليه المريض باسترخاء .. إلا أنها لم تكن كذلك .. كانت عبارة عن غرفة أشبه بصالونات البيوت الأمريكية .. كتلك التي يجلس فيها الأمريكيون لمشاهدة التلفزيون .. كان هناك أريكة – صوفا – مريحة لجلوس المريض .. تواجهك عندما تدخل الغرفة .. وكرسي الأخصائية  يواجه أريكة المريض على مسافة كافية أقرب الى الباب .. ثم بقية الغرفة عبارة عن نوافذ و ستائر .. وكذلك كتب ومراجع مصفوفة على رفوف خلف مقعد المريض ..

في الجهة الأخرى من الغرفة لليمين طقم صوفا يصلح للاجتماعات .. وكذلك لوحة زيتية معلقة على الحائط

طلبت مني أن أجلس في وضع مريح .. وجلست هي أمامي .. في البداية ساد صمتٌ لبعض ثواني .. وكأنها كانت تنتظر مني البدء بالحديث .. بينما كُنت أنا أيضاً أنتظرها كي تبدأ هي .. ثم سألتني عن حالي .. فقلت بخير .. ثم قالت ماذا يمكنني أن أصنع لك ؟ .. لم ارد .. هل من سبب لمجيئك هنا ؟ .. قلت .. نعم دزموند .. قالت .. عفواً .. لم أفهم ؟ قلت ..  لوست  .. بدأت تعدل جلستها .. وبدأ وجهها يتغير قليلاً .. وكأنها شعرت أني مجنون .. ربما كانت تقول في نفسها كما يقول المصريون .. ياذي النيلة على اليوم اللي باين من اوله

 .. يتبع

دزموند

رقصة الموت

 

(2)

رقصة الموت

June 2007

(*)

هذا هو ليل شتائك في المنفى

توقد كل براكين الأرض السبعة

لكنك لن تدفا

تهرب من مرفا

وإلى مرفا

وتغور بعيداً في احلامك

عل
 هنالك امرأة تسخن ليلك

عل هنالك ارضا تدفن ويلك

عل هنالك شمساً توسع ظلك

لكنك لن تدفا

ما دام شتاؤك في قلبك

والمنفى فيك

فلن تهرب الا من منفى إلى منفى

====> بلند الحيدري

يُقال أن الكاتب الأمريكي مارك توين قال هذه العبارة عن سان فرانسيسكو ” أبرد شتاء مر عليّ .. صيف قضيته في سان فرانسيسكو ” .. إنها المدينة الباردة في عز الصيف .. مرت خمسة أسابيع منذ زيارتي الأولى الأخصائية النفسانية السيدة لويس .. الليلة أنا على موعد إنتظرته ثلاث عقود بصبرٍ وجلد .. الليلة سأشرب نخب أبي على جثة خليل .. او نخب خليل على جثة أبي .. وتلك اليد اليمنى التي أنهكها الإستمناء .. ستذهب مع الجثة بغير رجعة .. وستُدفن غير مأسوف عليها .. الليلة سأرتدي أحلى حُلة .. سأرقص على تلك الجثة .. الليلة سيتم دفن خليل ومعه ستة وثلاثون سنة من البؤس .. ستة وثلاثون سنة من الطاعة العمياء .. ستة وثلاثون سنة من ظل أبي … الليلة

سأكون أنا أنا .. أنا .. أنا .. وأنا فقط .. لا شريك لي

دخلت الحمام حلقت رأسي بالموس .. دقني .. نظرت في المرآة .. نعم هكذا أجمل .. قفزت الى البانيو لأخذ دش سريع .. خرجت وبدأتُ  في ارتداء ملابسي الداخلية .. تناولت قارورة عطري .. فيرزاتشي الزرقاء   .. بخة في الهواء .. مرور سريع خلال بخة العطر ثم بخة صغيرة تحت السروال الداخلي بجانب عضو الذكورة ..  من يدري إلى أين ستنتهي هذه الليلة ؟

لا تريد أن تسكب كل العطر على جسدك .. فأنت لست في جيزان .. الرجل الأمريكي لا يهتم كثيراً بالعطور .. إلا إذا كنت مثلياً .. لا تنسى كذلك أنك في سان فرانسيسكو .. ولا تريد إرسال الرسالة الخطأ .. فتحت دولاب الملابس .. هاهنا قميص ازرق سماوي مقلم بخطوط بنية منقّطة  لبن شيرمن  مقاس سمول  .. سيُظهر رشاقة جسمي واعتدال قامتي .. وتبرز معه اكتافي .. إلتقطته .. وهاهنا بنطلون جينز ازرق غامق لجين بول دامج ضيق من الأعلى ويتسع في الأسفل .. سيُظهر طول سيقاني .. وهاهنا جزمتي بو كابوتشي السوداء  .. جميل جداً .. اكتملت الأناقة الإيطالية .. نظرت في المرآة .. فبدا وكأني أقف أمام  آندريا آغاسي لاعب التنس الشهير

حفظت كل الجُمل التي أحتاج قولها بمجرد مشاهدة اول فتاة .. كل التكتيكات .. حسبت كل حركة وحركة مُضادة لردّة فعل الضحية .. الليلة معركتي المصيرية .. لا مجال للخسارة اليوم .. أحرقت كل سفني الشراعية قبل وصولي الى شارع فالنسيا الشهير بحي ميشن .. وصلت الى البار وأسمه ” البو رووم ” .. طلب السيكورتي بطاقتي الشخصية .. أخرجتها له بسرور .. كأنه لم يلاحظ أني أكبر من السن القانونية بخمسة عشرة سنة .. هذا جيد

البو رووم بار من دورين .. دخول الدور الأول بالمجان .. كان المكان شبه مُظلم .. عند الدخول يوجد على اليسار طاولات للجلوس مرصوصة وممتدة بجانب الحائط ” للمجموعات ” … وعلى اليمين يقف النادل خلف طاولة البار ويقابله كراسي فردية للزبائن  .. ومن خلف النادل ترتص قوارير الخمر بجميع الأنواع والألوان  .. ثمّة ممر في الوسط يفصل بين طاولة البار الطويلة والطاولات المقابلة الممتدة بجانب الحائط .. وفي نهاية الممر هناك غرفة البلياردو .. إضاءة مسلطة على طاولة البلياردو .. ومجموعة من الشباب تلتف حول الطاولة .. أمّا الدور الثاني فهو مكان للرقص .. وعادة ما يوجد فرقة تعزف موسيقى .. الدخول للأعلى برسوم .. بالرغم من أن الوقت مازال مبكراً نسبياً .. إلا أن البار في الدور الأرضي كان ممتلئاً

الإبتسامة أهم شيء عند الدخول الى البار .. فهي تضفي سحر خاص على هيئة الشخص .. وتُظهره واثقاً من نفسه .. تحركت في البار بطريقة ميكانيكية .. أبحث عن هدف .. وكأني الرجل الترمنيتر .. حدقتي تضيق وتتسع .. بعد معاينة المكان بدا لي شديد الإزدحام .. قررت الصعود إلى الأعلى .. بمجرد الصعود إلى الدور الثاني ناولت معطفي الصوف لفتاة تجلس خلف طاولة صغيرة وخلفها معاطف صوف معلقة .. اعطيتها دولارين وأعطتني تذكرة .. لفت نظري أنها تقرأ كتاب .. مع أن المكان مُعتم وقليل الإضاءة .. ربما تكون طالبة في الجامعة .. إستدرت لليسار لأشاهد المكان .. على اليمين مسرح صغير مرتفع قليلاً للفرقة الموسيقية .. كانت هناك آلات عزف ولا يوجد عازفون .. في الوسط ساحة صغيرة للرقص .. وفي أقصى اليسار بار مستدير .. وبعيداً هناك طاولة بلياردو .. المكان شبه مُظلم إلا من إضاءة مسلطة على المسرح وكذلك على البار وعلى طاولة البلياردو .. الموسيقى مُسجلّة صاخبة لكنها ناعمة في نفس الوقت .. هذا المكان مشهور بعزف موسيقى الجاز والفنك .. وأغلب الفرق الموسيقية التي تعزف هنا محلّية مكونة من اثنين او أربعة عازفين بالكثير

فتاة وحيدة ترقص في المنتصف على أنغام الموسيقى .. تُحرك يديها بتموج للأمام مرة وللجانب مرةً أخرى .. ثم تستدير وترفع ساقها برشاقة كأنها ترقص الباليه .. بدا لي وكأنها فراشة تُحلق في عالمها الخاص .. المكان شبه خالي إلا من مجموعة تلعب البلياردو وثلاثة او أربعة أشخاص يلتفون حول البار .. زوج من الشباب يستند إلى الجدار يشاهد الفتاة وهي ترقص .. ثم أقترب من تلك الفتاة شاب بلحية برتقالية ناعمة يحمل كأسين من البيرة .. أعطاها كأس .. ارتشفته بنشوة .. ثم أخذت ترقص من حوله وتدور

عبرت من جانبهما متجهاً إلى البار .. طلبت كوكاكولا مع الثلج وأخبرت النادل أن يسكبها في كأس كذاك الذي يشرب فيه الناس الويسكي .. استجاب بسرور وطلب دولارين ثمن الكوكا .. ناولته خمسة وطلبت منه أن يحتفظ بالباقي .. إستدرت جهة الشاب الذي بجانبي وبدأت معه حوار عادي لكنه مهم .. من المهم جداً الظهور أمام النساء في مثل هذه الأمكنة وكأنك معروف من الجميع .. لا تريد أن تظهر كشخص وحيد .. بل كشخص إجتماعي .. فالناس تطمئن أكثر للشخص المعروف .. وتخاف من الشخص الغريب .. والنساء خاصة في أمريكا كانوا عرضة للاختطاف والقتل بمجرد التعرف على شخص غريب في بار والخروج معه .. تحادثت قليلاً مع المجموعة التي تلتف حول البار .. ثم عرجت على طاولة البلياردو أشجع أحد اللاعبين .. بعد زهاء نصف ساعة إستدرت بدورة كاملة وأتجهت الى ساحة الرقص

كانت الفتاة ما زالت تحلق في عالمها الخاص وترمي بنظرات خاطفة هنا وهناك لكل الرجال الموجودون في الصالة .. أسندت جسدي إلى عمود في المنتصف أراقبها .. وابتسامة عريضة ترتسم على وجهي .. نحن السعوديون عجيبون حقاً .. لا أعلم من ضحك علينا منذ الأزل وقال أن الإبتسام يقل من هيبة الرجل .. وأن الناس لن يأخذوك بجدية إلا إذا بانت التكشيرة .. فحتى تكون رجل ذو شخصية  قوية يجب أن تتجهم .. وتعبس .. وتظل مكفهر الوجه .. أنا كُنت شخصية في السعودية طوال الوقت

لسنوات طويلة كنت أظن أن الناس تكرهني .. فلا أحد يبتسم هناك في  جيزان  .. وكنت أظن أن الحّر هو السبب ..  الناس ماهي طايقه نفسها … الكل يتأفف … أف .. أف .. أف في كل مكان .. في وجوه المارة .. خلف مقود السيارة .. في الشوارع .. في الأزقة .. في الدوائر الحكومية .. في الميادين .. في الأسواق .. في المدارس .. في المعابد .. في القهاوي .. كنت أظن أن الناس تكرهني .. حتى حضرت لأمريكا .. شعرت بحب الناس لمجرد أنهم يبتسمون في وجهك .. مع أني غريب .. وملون .. وابن كلب

الإبتسامة مهمة .. لكن الأهم أن تكون الابتسامة صادقة .. وليس أصدق من ابتسامة العيون .. أطلقت نظرتي الأولى صوبها كرصاصة إخترقت كل المسافات والأزمنة السحيقة .. نظرة حملت معها رغبة جامحة .. اخترقت كل الجدران الفاصلة بيني وبينها .. صمتها .. كبرياءها .. ملابسها .. رغبتها المترددة .. لتستقر في عظمها .. حتى بدت كأنها عارية تتراقص أمامي .. ثم بدت كمن شعر بتلك الرصاصة القاتلة .. بتلك الرغبة المتوحشة .. ثم أخذت تتباطئ .. وتتباطأ أكثر في الرقص .. بدت كأنها .. كأنها تنزف .. رمقتني هي بنظرة فاحصة من طرف عينها وتظاهرت أنها لم تلحظني .. اتبعتها أنا بنظرة أخرى تقيس حجم الخصر والارداف والسيقان

جميلة هي هذه الفراشة .. كانت ترقص وهي تنزف .. كانت تراقص صديقها .. لكنه بدا لي وكأنه مجرد صديق لا عشيق .. أدرت وجهي عنها ولاحظت أن المكان بدأ يمتلئ بالناس .. أخذت هي تقترب مني أكثر لكن ببطء .. تتظاهر بالرقص مع صديقها .. لكنها تخطو بخطوات نحوي .. ثم تتبع الخطوة بنظرة جانبية من طرف عينها .. بدأت تقترب بجسدها أكثر وأكثر .. تلتفت اليّ .. وأنا أتجاهلها أكثر .. للحظات بدت وكأنها تترجاني أن أنظر إليها من جديد .. أن أمنحها ذلك الشعور اللذيذ بأنوثتها

عندما تقترب أكثر من المرأة .. يجب أن تمنح نفسك – دائماً – مسافة كافية ومخرج للانسحاب والتراجع .. حتى لا تشعر هي بأنك شخص رخيص يحاول بذل الغالي والنفيس من أجلها .. تداعبها مثل قطة .. ترخي لها الحبل ثم تشد .. ثم ترخي .. ثم تشد .. لو أرخيت

 

كثيراً ستمل منك وتتركك .. لابد من خلق هذا الجو المشحون من الشد والجذب والرغبة والممانعة .. يجب أن تتصرف دائماً كأنك أنت الجائزة .. لا هي .. هي من يجب أن يتعب حتى يصل اليك .. وهذه النظرية تطبق حتى مع الزوجة .. لو أعطيتها كل شيء ستمل وستبحث عن آخر ! وذهني شارد خلف تلك الأفكار الإجرامية و لسبب ٍ لا أعلمه .. تذكرت الشيطان .. وكيف أنه في جيزان كان يُجهد نفسه كثيراً بالوسوسة لي .. أما الآن فقد أصبح قليلُ الحيلة .. وأصبحت أنا من يوسوس له .. شعرت عليه بالأسف .. تذكرت أيضاً خليل .. خليل الذي ألقيت جثته الى مزبلة التأريخ قبل دخول هذا المكان … خليل الطيب .. خليل الساذج الذي كان يتمنى عطف إمرأة .. كان يتمنى ولو نظرة .. ليعود بعدها إلى غرفته خلف جدرانه الأربعة يضاجع يمناه بغضب

فجأةً مدت يدها إلى يدي وهي تبتسم .. نظرت إلى يدها تمتد إليّ وإلى تلك الأنامل الناعمة تقترب مني ببطئ  .. ثم سحبتني إليها بلطف وهي تتراقص أمامي .. نظرت في عينيها وأنا أبادلها إبتسامة عريضة لكن دون رقص .. كانت تميل بظهرها ورأسها للخلف .. وتعود تقترب من صدري بطريقة متموجة مضحكة قليلاً .. وجهها جميل جداً كالمرآة البيضاوية المستديرة .. وشعرها المفروق من المنتصف ينسدل على جانبي وجهها  .. تشبه الممثلة المصرية نجلاء فتحي عندما كانت في العشرين ! عدتُ للوراء استند إلى العمود .. وكأني أعتذر لها عن الرقص دون أن أبوح بكلمة .. إقتربت بجسدها من جسدي .. والتصقت به تدفعني بلطف تجاه العمود خلفي .. وعيناها الزرقاء تعانق عيناي .. وابتسامة لا تفارق شفتانا .. ثم مدت يدها اليمنى خلف عنقي تمررها بلطف لأعلى إلى رأسي وخلف اذني .. ثم إقتربت أكثر بفمها من أذني تهمس بجملة تعلن فيها رغبتها بكل جرأة لم أكن أتوقّعها .. قالت : أنت مُثير جداً وأريد أن آخذك معي للبيت الليلة

ضحكتُ ضحكة مدوية .. وسمعت صوت داخل رأسي يصرخ ” الله أكبر سقطت كابل ” .. لم أقل شيئاً .. ابتسمت وأنا ما زلت أنظر في عينيها .. ثم نظرت لشفتيها ثم إقتربت أكثر وطبعتُ قُبلة على شفتيها .. أمسكت هي بشفتى العليا تمتصها وكأنها تقول أنت لي الليلة أنت ملكي .. ونصبت أنا خيمة على شفتها السفلى

وااااااااو … لم يحدث لي مثل هذا الشيئ من قبل .. وأنا في تلك اللحظة المجنونة عادت ذاكرتي تسخر من خليل الميت .. ضحكتُ عليه من كل قلبي .. وكأني أتشفى فيه .. من يصدق أن هذا الفتى اليعربي هو نفسه كان في نفس الشهر من العام 1989 يجثو على رُكبتيه على الرصيف أمام أبيه .. والدي يجلس على كرسي يضع رجلاً على رجل أمام المكتبة .. كنت للتو قد عدت من جامعة البترول .. وكانت مهمتي الصعبة أن أُقنع أبي برغبتي للسفر إلى أفغانستان للجهاد في سبيله

(**)

ما حدث تلك الليلة لم يكن قضاءاً وقدر كما ننظر نحن للأشياء .. او كما نفسر نحن الاشياء .. نحن ” كأمة عربية وثقافة ” لا نفعل اي شيء .. لا نبذل أي جهد … وعندما تكون النتيجة الطبيعة الفشل .. نلوم القضاء والقدر .. خلاص يا عمي هذا رزقك .. الحمد لله على كل حال .. قدر ومكتوب .. كلها كانت أعذار نخفي خلفها عيوبنا وخوفنا وكسلنا .. لسنوات لم أكن أجرؤ على التحدّث إلى إمرأة .. حتى هنا في امريكا .. وكانت الحجة التي أحاول إقناع نفسي بها هي الحياء والخجل والخوف .. استسلمت لتلك النتيجة .. وأصبحت قدري الذي لا مناص منه .. يجب أن أعترف أنه ليس لي في البنات ناقة او جمل .. في البيت وفي المدرسة نتعلم كل شيء عن الحياة .. عدا أهم شيئين .. الحب .. والمال .. هل منكم من تعلم الحب في البيت او في المدرسة ؟! أتذكر مئات النساء الجميلات يعبرن أمامي .. لم أكن أجرؤ على التحدث إليهن .. فكيف سأجد المرأة التي ستصبح زوجتي في المستقبل .. صحيح بعض الرجال يملكون تلك الخصلة بالفطرة .. البعض مثلي لا يملكها .. هل أستسلم لقدري ؟! .. لا .. سأتعلم الحب .. حتى أصبح مكينة حب متحركة .. سأبحث عن طريقة .. سأجدها

لم أكن أعلم أنه يمكن للإنسان أن يتحدى الخوف .. الخجل .. او أي شيء آخر .. يستطيع الإنسان أن يتحدى أي شيء .. اي شيئ .. متى ما أراد … لم أكن أحلم أبداً أن أكون هذا الإنسان الذي يستطيع أخذ أي إمرأة معه للبيت مهما كانت في غاية الجمال .. زمن الاستسلام للقدر ولى بغير رجعة .. ذهب مع خليل الطيب .. الله يذكره بالخير .. كان حمار يمشي على الأرض .. وكان فاهم انه فاهم

كانت الأسابيع التي سبقت تلك الليلة المجنونة مليئة بالعمل المضني .. كان الهدف محدد .. أريد أن أكون دون وان .. او .. كازانوفا الجيزاني .. كنت أريد أن أكون مثل ما كان محمد علي كلاي في الملاكمة .. بطل واسطورة … كنت أريد أن أكون البطل لكن في الحب .. من أين أبدأ يا ترى ؟!! نعم .. من قوقل … البداية دائماً من قوقل .. البحث .. بحثت عن كيف لي أن أصبح السيد كازانوفا الجيزاني .. ووصلت إلى الكتاب المقدس .. بايبل العشاق .. كتاب اللعبة – لنيل استراوس

تعلمت من هذا الكتاب كل شيء .. كيف تقضي على الخجل .. أخرج للشارع وقابل مئة امرأة يومياً .. فقط سلم وقل اي شيء .. وهكذا كل يوم .. مع الاسبوع الثالث بدت تلك الرهبة التي أشعر بها تتلاشى .. كل يوم اتمرن كأني الكابتن ماجد .. حتى وصلت لتلك الليلة .. أصدقكم القول تلك الليلة كانت النتيجة فوق ما تصورت .. لكن كله بالعمل الجاد المُتدرج ووجود هدف وخطة وموعد نهائي .. والأحلام بإذن الله تتحقق

 .. يتبع

الصعود للهاوية

عشرون عاماً في المنفى

(1)

عشرون عاماً في المنفى

بالكتابة هنا سأوفر مبلغ قدره 120 دولاراً في الساعة .. ثلاث جلسات في الأسبوع بــ 360 دولار .. وسأوفر ربع ساعة بحثاً عن موقف للسيارة .. وكذلك دولارين عٌملة معدنية لعداد موقف السيارة في الشارع .. بالإضافة لـإحتمال الحصول على مخالفة بقيمة خمسين دولاراً إذا ما تأخرت عن الرجوع للسيارة

لست مولعاً بالحساب .. ولا أنا بالبخيل .. وليس هناك من ضغينة ضد الدكتورة لويس طبيبتي النفسية .. لكن بالعقل .. كل ما أفعله عندما التقي بها .. هو الجلوس على مقعد فاخر .. ثم أبدأ في سرد حكايتي
هي في الجهة المقابلة .. تجلس تتأمل قسمات وجهي .. تقيس المسافة بين أنفي وفمي .. تلاحظ ارتعاشة يدي .. وبجانبها دفتر .. تلتقط قلمها أحياناً لتسجيل بعض الملاحظات .. ثم تناولني علبة مناديل لتجفيف دموعي عندما تستبد بي العواطف .. ثم عندما تحين الساعة تشكرني

( oops time’s up, I’ll see you on Wednesday )

 ثم تقودني للباب كأنها تدحرجني ” تصريف يعني ” .. لكن .. ل .. ل .. لم أكمل الحكاية بعد .. فترد بابتسامة مُصطنعة ونظرة مُشفقة وهي تهّز رأسها من الأعلى للأسفل

( It’s O.K we will finish on Wednesday)

ثم تنادي مريضتها المنتظرة في غرفة الإنتظار

 

حسناً .. أنا الآن موجود في البيت .. وهذا مقعد فاخر .. وهاهنا مكتب أنيق وجهاز كومبيوتر .. ونافذة زجاجية أمامي بعرض حائط تطل على منظر المدينة .. وهاهنا بجانبي علبة مناديل فيما لو احتجت … سأسرد كل الحكاية .. لن التزم بالتوقيت .. لن التزم بساعة أو اثنتين .. لن التزم بأي شيء .. سأكتب إن شئت في الصباح او المساء .. سأقول كل شيء .. لا .. و مشغل أم كلثوم وأغنية فكّروني .. السيدة لويس ليس لديها أم كلثوم

وأنتم أيها القُراء .. خذوا راحتكم .. التقطوا قلماً ودفتر .. أكتبوا كل ملاحظاتكم عني … قولوا .. أحسنت .. او قولوا مجنون .. لم أكن أهتم لنصائح الدكتورة لويس على أي حال .. لكن إنتبهوا .. أنا يا سادة يا كرام مثل كأس الويسكي .. لن يستسيغ طعمي البعض .. والبعض الآخر ربما يعتبرني رجساً من عملِ الشيطان .. وبعضكم لن يصبر على فراقي

أحداث هذه القصة حقيقية .. كل الوقائع حدثت فعلاً .. سأرويها بطريقتي أنا .. سأنقل ما كنت أعتقد في تلك اللحظة .. بغض النظر عن الخطأ والصواب او الشك واليقين .. بعض الأحداث قد تدخل ضمن الأوهام التي تمر بأي إنسان .. ويتم بناء أحداث لاحقة على تصّور باطل .. كأن تعتقد أن شخصاً ما يكرهك .. ثم تتصرف كردّة فعل على هذا الأساس .. بينما حقيقة موقف ذلك الإنسان غير ذلك

قضيت من عمري سبع عشرة عاماً من مولدي إلى أن أنهيت الثانوية في مدينة جيزان على ساحل البحر الأحمر جنوب غرب المملكة العربية السعودية .. ثم قضيت ثلاث سنوات في مدينة الظهران أدرس في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في نفس الفترة التي شهدت غزو العراق للكويت ووصول القوات الأمريكية للمنطقة الشرقية من السعودية .. تم طردي من جامعة البترول .. ” جامعة لا تُقدر المواهب ” .. ثم ختمتها ست سنوات في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة .. تخرّجت بعدها من كُلية الهندسة

عندما غادرت السعودية كنت لم أزل لم أستلم وثيقة التخّرج .. بل لم أكن أعلم بعد أن كنت قد نجحت في جميع مواد ذلك الترم .. ثم أخيراً إحدى عشرة سنة في سان فرانسيسكو عاصمة الحُب في العالم
حياتي عبارة عن نكتة .. فيلم مجنون لكن بلا موسيقى تصويرية خلف المشاهد والأحداث .. البداية .. لا يهم .. ممكن نبدأ من أي تاريخ .. والنهاية نفسها .. ستكون هي البداية .. إنسان ساذج .. إبن ساذج .. وأمي ساذجة .. كان حلمي كطفل أن أصبح طياراً .. وانتهى بي المقام خلف المقود .. لكن كسواق تاكسي في سان فرانسيسكو  يالله في الأخير كُله سواقة .. كُله توصيل رُكاب

لم أُقبّلُ إمرأة سعودية في حياتي .. في الواقع لم أتحدث إلى إمرأة سعودية خلال السبعة وعشرين سنة الأولى إلا إلى أمي وقريباتي .. عمّتي خالتي جدّتي .. كُنتُ شديد الحياء أيضاً .. وكُنت ” فيرجن” سبعة وعشرون سنة .. ” يااااا لهووووووي على قدرة التحمل ” .. سبعة وعشرون سنة .. وعندما ابتسم لي الحظ أخيراً .. أخيراً إبتسم .. ييييييييييييييه … إكتشفت أن عشيقتي الأمريكية لازبين .. !! بعد سبعة وعشرين سنة صيام طحت في لازبين

هل سمعتم عن الحسد ؟! لا أعتقد ذلك … أنتم السعوديون شعب منغلق على نفسه .. كيف بالله ستعرفون أن هناك شيء اسمه حسد .. ؟ أنا فاشل بمرتبة الشرف الأولى .. متشرد .. طفران .. و مُتخلف عقلياً .. يعني .. لا يوجد أمل أن يحسدني أحد .. على ايش يا حسرة .. ومع ذلك .. قابلت امرأة ذات يوم في الطريق تقرأ المُستقبل .. قالت .. يا ولدي .. ستعيشُ طويلاً .. وستركب أحصنةً وحميراً .. لكنك يا ولدي .. محسودٌ .. محسودٌ .. محسودٌ

****

ستقرؤون قصتي و ستقولون … يا إلهي قصة مُثيرة .. أتمنى أن أصل إلى النهاية بسرعة .. حسناً .. سأحقق لكم هذه الأمنية .. هذه هي النهاية .. هنا .. هذه الصفحة .. أنا هنا في المدينة الأكثر ليبرالية في أميركا .. سان فرانسيسكو .. لكنني أعيشُ سجين .. سجين تلك الجدران الساكنة بداخلي .. ومن هُناك .. جيزان .. إلى هنا .. سان فرانسيسكو .. مررت بالكثير والكثير من المواقف .. عندما أتذكر شريط حياتي السينمائي .. من اول صورة أتذكرها .. العُرس .. الى كل الصور التي يحملها شريط ذكرياتي .. أشعر أنني محظوظ جداً .. محظوظ لأنني مازلت أتنفس الهواء … محظوظ أنني مازلتُ على قيد الحياة .. صحيح أنني لم أجد إجابات لكل تلك الأسئلة التي أحملها معي .. وهل يهم ؟

قضيت في جيزان أجمل أيام الطفولة .. كُنت أنتظر قدوم الصيف رغم حرارته اللاهبة .. لأن أبناء عمتي يأتون لزيارتنا من مكة .. كُنّا نقضي الصيف نلعب في سطح منزلنا .. نشاهد أفلام الرسوم المتحركة سندباد .. جزيرة الكنز .. عدنان ولينا .. أو نذهب للبحر والحديقة .. ثم عندما ينتهي الصيف .. تنطفى أنوار السعادة فجأة .. هم يعودون إلى مكة .. وأنا أتدثر بلحاف من الليل و الحزن العميق .. كانوا يُغادرون في الصباح الباكر .. وكنت أسمع ضجيج حركاتهم فأستيقظ .. لكنني أتظاهر بالنوم .. لأنني أكره الوداع .. أتذكر هشام يطبع قبلة الوداع على جبيني وأنا أتظاهر بالنوم .. هاها .. كُنا في العاشرة من العمر .. كنت أكره الوداع ولازلت .. وأكره الدراسة التي كانت تأخذ مني أعز أصدقائي .. عندما نلتقي أنا و هشام المكاوي نصبح كتوأم روح .. و عندما نتورط في بعض الشقاوة .. كان يكذب كي ينقذني من التعرض للضرب من والدي .. للأسف أنا وهشام افترقنا للابد .. هو اختار أفغانستان والحرب والموت عام 1989 .. وأنا أخترت أمريكا والسلام والحياة عام 1998

أنا اليوم هنا .. ليس لدي صديق واحد حقيقي .. لم أجد الإنسان الوفي الذي يفهمني .. وكل الأصدقاء الذين جربتهم … لم يمحو ذكرى هشام .. الأسوأ أن أكثر هؤلاء الذين تصورت أنهم أصدقاء .. أكتشف لاحقاً أنهم مجرد حسّاد أو يبحثون عن مصلحة ما

سبعة عشر عاماً قضيتها في جيزان مرت كألف عام .. قضيتها في سجن مفتوح الأبواب .. سجن بلا جدران .. الإمام الذي يعظ الناس في خطبة الجمعة ظهراً يوصي الناس بالتقوى .. يُداعب أعضائي التناسلية بعد صلاة العصر من نفس اليوم وأنا في العاشرة من عمري

في مكة المكرمة قضيت أجمل الأيام خاصة في شهر رمضان .. .. في المدينة تعرضت لحادث دهس وأنا أعبر الشارع إلى مسجد العنبرية .. في الرياض في صيف 1987 تعرضت لمحاولة اختطاف في شارع الخزان قريب من معهد الرياض للغات .. في الظهران 1991 سقطت على رأسي وفقدتُ الذاكرة لثمانية وأربعين ساعة .. في جدة عشقت الشوارع والمٌجسمات وأبحر والتسكع بالسيارة في شوارع البلد بعد الثانية عشرة ليلاً .. وفي جدة وصلت لطريق مسدود .. وكُنت أتمنى الموت

في روما تمنيت أن لم تلدني أمي .. في سانت بيترسبرغ فلوريدا تعلمت حُب الحياة من جديد .. في اركيتا كاليفورنيا عدتُ للحياة وفقدت عذريتي .. في تيخوانا المكسيك كانت اول قُبلة .. أخيراً … عندما أضعت الطريق .. ولم أعد أعرف من أنا .. وماذا أريد .. وبعد تفكير عميق .. حددت لنفسي هدف لم يخطر في بالي من قبل اطلاقاً .. قررتُ أن أكون مليونيراً .. يالله يا عمي .. أيش ممكن الواحد يخسر ؟!! ثم بدأتُ رحلة المليون .. الدكتورة لويس توقفت عن زيارتها بنهاية 2007 وخليل الطيب أصبح تأريخ .. مجرد ذكرى .. أما الحبُ .. الحبُ لا يمكن أن تجده إن لم يكن موجوداً بداخلك أصلاً .. الحب يبدأ حينما يتعلم الإنسان كيف يُحب نفسه .. مرحبا .. أنا خليل .. دزموند خليل

 

 .. يتبع

رقصة الموت

حكايات جيزاني من سان فرانسيسكو

(500)

المقّدمة 

“It is all in your head!”

مساء الخير سان فرانسيسكو .. صباح الخير جيزان .. أهلي قرأوا جزء من القصة .. يقولون أني مسحور .. فلا يمكن لشخص عاقل إن يكتب مثل هذا الكلام .. والدي يقول أن الدكتورة لويس اليهودية الخبيثة أفسدتني .. ويقول إن مُنافسي اليهودي في العمل سحّرني .. عمي عبدالغفور يلوذ بالصمت .. عمي حُّمد يحُضر قصاصات القصة لوالدي كي يقرأها بعد أن يطبعها ويخفي منها بعض الأشياء التي لا يُريد أن يراها أبي .. عمّي حمد يقول .. واضح أن خليل سكّير .. ومن رواد البارات .. كأس الويسكي لا يُفارق يده

القصة ستجيب على أهم سؤال ظهر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر  .. لماذا خمسة عشر شاباً من السعودية كانوا ضمن التسعة عشر إنتحارياً ؟ وثَمّة سؤال آخر من بين عشرات الأسئلة التي أبحث لها عن إجابة  .. ماذا سيحدث عندما يُقرر شخص نكرة التحدث بكل صراحة وصدق عن كل شيء يعرفه عن نفسه وعن الآخرين من حوله ؟

سيقرأ القصة البعض ويقولون .. مؤامرة صهيونية تستهدف مُقّدساتنا وثوابتنا الدينية .. ويقرأها أهل جيزان ويقولون .. أبااااااه فضحنا وفضح أهله .. ما هبوله .. غسلوا مُخّه ..

سيقرأ كل قارئ هذه القصة من زاويته الخاصة .. من تجربته الشخصية الفريدة .. من بيئته .. من نظرته الفريدة للحياة .. وسيخرج انطباعه وحكمه الخاص .. ولو قرأ هذه القصة الدكتور سيجموند فرويد لربما قال إنه الكبت ياغبي

أمّا القصة فهي قصتي أنا .. سأرويها بطريقتي أنا .. من عنده قصة مختلفة ورؤية مُختلفة للأحداث .. فليكتب ما يشاء .. أكتب وألّف عشرات الكتب والمقالات .. أمّا تاريخي أنا .. فأنا من سيكتبه .. حتى لو كنت المنهزم .. أنا من سيكتبه .. لن أدع المنتصرين يكتبون ويزّورون تاريخي

سندخل مستويات من العُتمة في حياتي .. ومن هنا من هذه المدّونة سيتسرب وميض ضوء إلى تلك الأماكن المُعتمة من الماضي .. ربما سيصيب هذا الوميض البعض بالعمى ..  فالقصة مليئة بالمفاجئات والمنعطفات الخطرة .. كل ما اطلبه منك أيها القارئ ربط الحزام  .. أستعد لرحلة العمر .. رولر كوستر العواطف والمشاعر الجياشة .. ستصعد معي لأعلى حتى لربما تلامس السحاب .. وستهبط معي إلى قاع وادٍ سحيق حتى لتظن أنه تلطخت ثيابك بالوحل .. ستضحك ملء شدقيك .. ستصرخ .. ربما تقع من فوق الكرسي .. ستغمرك السعاده للحظات .. ثم من حيث لا تعلم .. ستبتل خدودك بالدموع .. ربما ستكرهني حتى الموت  .. وربما ستعشق تلك الحروف التي ستحملك دون أن تدري إلى أين

.. يتبع

عشرون عاماً في المنفى