15 May

(44) دجاجة عمّي حُمّد

 

(44)

دجاجة عمّي حُمّد

1984

سيدتي

عمي حُمّد إنسان تعيس وحظه سيئ .. لا أعلم هل حظه سيئ لأنه إنسان تعيس ؟ أم أنه إنسان تعيس لأن حظه سيئ ..!! صدقيني .. أقسم لك .. ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال .. فالإجابة على هذا السؤال مثل الإجابة على سؤال : من أتى اولاً البيضة أم الدجاجة ؟!! طبعاً أنا سألت نفسي هذا السؤال مئات المرات .. من أتى اولاً البيضة أم الدجاجة ؟!! .. وإكتشفت الإجابة بكل بساطة : إنه الديك .. الواقع يقول أن الديك يأتي اولاً وقبل كل شيء .. والديك اللي لازم كلامه يمشي وجزمته فوق رأس الدجاجة وحتى لو تكّسر كل البيض .. وحتى لو تفلفسنا وحسبنا كل الإحتمالات الأخرى وفرضنا أن البيضة أتت اولاً فنحن أمام معضلة .. فالبيضة تحتاج لحماية الأم .. تحتاج دفئ الدجاجة .. ناهيك أن البيضة عندما تفقس ويخرج الكتكوت فلا يجد أحد بإنتظاره .. ماذا تتوقعين أن تكون ردة فعله ؟ بالتأكيد سيحقد على المجتمع .. وعندما يكبر ويصبح ديكاً بدون زوجة فحتماً سينقرض مُباشرة لأنه لا يستطيع التكاثر .. أمّا إذا كانت الدجاجة هي من أتى اولاً فتلك قصة أخرى لن أزعجك بها الآن .. لكن نهايتها لن تبتعد عن نهاية البيضة المأساوية .. حسناً .. يكفي كلاماً لا معنى له .. كل ما أطلبه منكِ الآن أن تتذكري قصة البيضة والدجاجة في كل مرة أتحدث فيها عن عمّي حُمّد .. وتذكري أيضاً هذا السؤال : هل الإنسان سوداوي النظرة نتيجة لإنعكاس أحواله الحياتية أم أن أحواله الحياتية هي إنعكاس لنظرته السوداوية ؟

ما يجعلني أطرح هذه الأسئلة هو الفضول والحُشرية وقليلاً من التأمل لخط سير حياة عمّي حُمد كما مرّت أحداثها أمامي .. بالتأكيد هناك أمور لم أطلّع عليها .. وبالتأكيد هناك أمور ربما أسأتُ فهمها .. وبالتأكيد هناك أمور لم أفهمها أيضاً لصغر سني .. كل ذلك لا يمنع إندهاشي من كل الاشياء التي رأيتها او سمعتها .. عمّي حُمد يملك أشياء تضعه بكل سهولة في مُقدمة شباب جيزان .. شاب وسيم .. متحدث لبق .. إنسان ودوود .. مُتفتح الذهن .. حصل على فرصة إبتعاث إلى امريكا مع بداية الطفرة من مدينة ومنطقة الفرص فيها محدودة جداً .. ثم عاد من امريكا بشهادة ماجستير في ثلاث سنوات تقريباً .. بصراحة كنت أتوقع أن تكون النتيجة شاب سعيد متفائل مُقبل على الحياة .. لكن الأحداث التي سأرويها عنه مُحّيرة وفيها كل شيء إلا السعادة والتفاؤل والأمل

شعره ناعم مثل شعر عبدالحليم حافظ .. عكس شعر عمي عبدالغفور وشعر والدي الجعد .. وحتى طريقة تسريحة شعره مثل عبدالحليم حافظ .. أكيد إنه كان أيضاً مُغرم بالعندليب الأسمر .. يلبس نظارة طبية مستطيلة .. أسنان فكه العلوي مميزة متقدمة قليلاَ للأمام .. وجهه نظيف وخالي من البثور او النذبات والعلامات الفارقة .. حليق اللحية بشنب مرسوم ومُرّتب كشنب فنان مصري إسمه عِزّة العلايلي .. هل الوسامة والدرجة العلمية عبئ أحياناً ؟ ربما .. لأن عماتي تعبن وهنّ يحضرن صور البنات حتى يختار منهن زوجة المستقبل .. معقولة لم يجد إمرأة واحدة تملئ عينه في جيزان ؟ هل كان مُتكبراً ؟ لا أعلم .. على الأقل حتى تلك اللحظة

في مجتمع يحب امكورة .. يحب تخزين امقات .. يحب صيد امحوت وامبحر .. يحب امجهلة .. بالإضافة لهوايات أخرى .. لا أجد عمّي حُمّد بين تلك الهوايات وأصحابها .. وأنا فخور بذلك .. هذا لا يعني أنه لا يعيش بدون هواية .. أبداً .. بل لاحظت بعد عودته من امريكا أن لديه ثلاث هوايات .. الأولى : حُبه للبيع في البقالة او المكتبة بالرغم أن هناك عامل إرتيري في البقالة وعامل باكستاني في المكتبة .. توقعت أنه بعد عودته من امريكا بشهادة عُليا سيكتفي بالوظيفة كأستاذ في الكلية لكنه لم يفعل ذلك .. والهواية الثانية كان يمارسها عندما يجد فراغاً أثناء ممارسته الهواية الاولى .. أسم هذه الهواية ” البصبصة ” .. كان يقف على الرصيف أمام البقالة او المكتبة يبصبص في البنات الغاديات والرايحات من الرابعة عصراً حتى العاشرة مساءاً سبعة أيام في الأسبوع .. فكان – لله دره – يعرف البنت من مشيتها إن كانت ثيب أم عذراء .. !! أخبرني ولد عمّتي بهذه المعلومة .. و يعرف بنت من هي ..!! بالرغم أن البنات متغطيات ومُتشحات بالسواد ..!! أما هوايته الثالثة والأخيرة فكان يمارسها عندما يجد وقتاً وفراغاً أثناء ممارسة هوايته الاولى والثانية .. أُسمّي هذه الهواية ” النقرفة “ .. كان أصبعه الصغير الخنصر لا يُفارق أنفه .. يحفر لدرجة أنني كنت أخشى أن يصل أصبعه للمخيخ .. رأيت أناس كثير تُنّقب داخل أنوفها بالسبابة او الإبهام لكن أن يكون التنقيب بالأصبع الصغير كان الأمر جدُ غريب .. لا أعتقد أنه ينتبه لذلك بل أعتقد أنها حركة او عادة لا إرادية تأتي مع حالة سرحان وتجّلي .. ربما هي عادة تسري في العائلة .. لأنني أتذكر أختي الكبيرة عُمرة أيضاً عندما كانت صغيرة .. فبالرغم أن عادة الناس في جيزان أن تفطر فول وتميس او عيش حامض و حوت باغة .. إلا أن عمرة تصر أن يكون لها فطور مختلف تماماً .. على العموم .. هذا هو عمّي كما عرفته بإختصار بعد عودته من امريكا .. واقف طول اليوم أمام المكتبة يحفر أنفه بأصبعه الصغير إلى أن تمر فتاة .. فيبصبص عليها إلى أن تختفي .. ثم يدخل المكتبة إذا ظهر أحد الزبائن للشراء

الشيء الآخر الذي لاحظته هو إختفاء أصدقائه .. هذه تحديداً لا يمكن قياسها بسهولة لسبب بسيط .. كانت هناك شِلّة كبيرة تجلس أمام الدكان بعد صلاة الجمعة على كراسي خشبية مثل كراسي المقاهي القديمة .. كنت أسميهم شِّلة أعمامي .. لكن في الحقيقة لا أستطيع تحديد إن كانوا أصحاب عمي عبدالغفور أم عمي حُمّد .. الأغلب أنهم أصحاب عمي عبدالغفور لأن شخصية عمي عبدالغفور كانت إجتماعية ضاحكة ساخرة داشرة مندمجة بالناس .. بينما عمي حُمّد أكثر إنطوائية .. ربما أنه كان من النوع المجتهد دراسياً .. هو إما في المدرسة او الجامعة او الكلية او في الدكان يبيع .. الشخص الوحيد الذي كان صاحب عمّي حُّمد قبل امريكا ثم لم يعد كذلك ولا أعرف لماذا هو علي بضاوي .. كان شابا في سن عمي طويل ونحيف .. ثم ظهر بعض زملاء امريكا وكانت لهم زيارات موسمية نادرة .. ولم أكن أعرف إن كانوا من جيزان أم لا .. ثم أخيراً إمرأة شيعية من المنطقة الشرقية إلتقاها في امريكا كانت تتصل عليه كل سنة يوم العيد لتبارك له .. كانت تتصل كل سنة وإستمرت إلى مالا نهاية .. لم تتوقف أبداً.. وكنت أستغرب أن إمرأة غريبة تتصل عليه بدون أن يكون هناك حرج من جدي وجدتي او والدي .. والأكثر غرابة أنه لم يكن هناك بعثات للنساء السعوديات .. فأما أن تكون زوجة لأحد زملائه ؟ وهنا كنت أستغرب لماذا هي من يتصل وليس زوجها ؟ او أنها إمرأة شيعية من خارج السعودية .. لكنني سمعته يقول أنها من الشرقية .. سألته ذات مرة .. ما معنى شيعة ؟ فأجاب .. ناس يعتقدون أن علي بن أبي طالب أحق بالنبوة من الرسول محمد .. شكلها كانت إجابة تصريف للتخلص من لقافتي

كان لعمي حُمد أسلوب مضحك وأسلوب آخر غريب يتبعه معي .. عندما يرسلني لشراء شيئ من الميدان او إحضار شيء من الدكان يقول “ يالله بسرعة خليل أجرَه كنك طير ميت ” فكنت أنطلق بأقصى سرعة وفي منتصف الطريق أستوعب ما قال .. فكيف للطير الميت أن يتحرك أصلاً ..؟!! او أن يكون واقف على الرصيف في عِز الحر ويطلب مني أن أذهب للسوق بسرعة كي أحضر كيلو موز مثلاً .. فيبصق على الأرض ويقول ” بسرعة قبل ما تنشف امتفالة ” ههههههههه .. لازم أكون صاروخ لأن التُفالة في جيزان تنشف أصلاً قبل أن تصل للأرض من شِّدة الحرارة

أمّا أسلوبه الغريب والذي كان يُضايقني كثيراً .. عندما يطلب مني شيء دون أن يترك تفاصيل كافية .. مثل أن يقول .. خليل إذهب إحضر كتابي من الشقة ؟ ثم يقف هنا ولا يعطي تفاصيل أكثر .. فأذهب لإحضار الكتاب .. وأنا في طريقي لإحضاره .. تبدأ الأسئلة المُلِّحة التي لا أعرف لها جواب .. كتاب .. طيب ما عنوان الكتاب ؟ .. الشقة .. طيب أي شقة ؟ واي غرفة في الشقة ؟ وهكذا .. والأسوأ عندما يطلب مني هذا الشيء أمام شخص ثالث .. مثل أحد من اولاد عمّتي الكبار .. ثم يستعجلني .. لا أعلم هل يختبرني عندما يتعمد أن يكون مُبهماً ؟ هل هي تجربة من عالمه ودراسته في علم النفس ؟ وعندما أعود إليه صفر اليدين بعد ربع ساعة بحث في كل مكان .. يبدأ بشتمي والتشنيع بي .. مثل أن يقول أنني غبي .. او يقول حمار لا أفهم .. أنا برضه الحمار ؟ مع الوقت بدأت أتضايق منه .. ثم كان هناك شيء آخر .. أنا لا أحترم أحد لكنني أخاف من الذي يُخيفني .. فكنت على سبيل المثال أسمع كلام والدي لأني أخاف منه وكذلك أسمع كلام عمّي عبدالغفور لأنه يضربني .. أمّا عمي حُمّد فكنت لا أخاف منه لأنه لم يضربني أبداً ولا أحترمه لأنني لم أتعلم من صغري كيف أحترم الآخرين .. فإذا طلب مني عمي عبدالغفور إحضار شيء ما أطيعه مباشرة .. أمّا عمّي حُّمد فكنت أفحس في بطنه ولا أسمع كلامه كثيراً إلى أن جاء ذلك اليوم الذي تغّير فيه كل شيء .. تغّير كل شيء والسبب الدجاج الفرنجي

قبل الطفرة كُنا لا نعرف الدجاج بهذا الشكل الموجود الآن .. كان أغلب الأكل حوت وبُر .. كان هناك الدجاج البلدي بشكل محدود يُباع في امضريبة او اميدان عند السيد بابوري .. يتم شراء الحبّة من اميدان بثلاثين ريال في العادة من أجل البيض على ما أظن .. ثم ظهر الدجاج المُجمد مع ظهور السوبرماركت .. وكان أشهرهم سوبر ماركت زيدان في شارع فيصل تقاطع شارع اليرموك .. ثم فجأة ظهر الدجاج الفرنجي الذي يُذبح أمامك ولا يتم تجميده .. وكان يُطلق عليه دجاج فرنجي بدون ال التعريف .. يالطيف .. فجأةً أصبح الدجاج الطبق الرئيسي .. وكأن السماء أصبحت تُمطر دجاجاً .. كل يوم دجاج .. على الغذاء خمس حبات .. هلكونا دجاج .. هرونا دجاج .. دجاج مقلي بالزيت .. دجاج مقلي بالصلصة الحمراء .. دجاج بالملوخية .. دجاج كبسة رز .. والى آخره .. الدجاج الفرنجي كان أهم إنجازات الطفرة في جيزان بلا مُنازع .. قد تُجادليني وتقولي : عمارتكم من إنجازات الطفرة أيضاً .. سأقول صحيح ولكن من عشرين بيت او أكثر في شارع القادسية توجد خمسة او ستة عمائر دورين .. بينما البقية بيوت شعبية .. وأكثر البيوت خلف الشوارع بيوت شعبية .. فالقروض العقارية المُيسرة التي أتت مع الطفرة لم تدخل كل بيت .. لكن الدجاج الفرنجي دخل .. كان رخيصاً بخمسة او عشرة ريال للحبة .. صدقيني إنها بداية عصر جديد في جيزان عصر الدجاج

في يوم حار جداً وفي منتصف النهار طلب مني عمي حُمّد أن أذهب للمخماس ( سوق الخضروات والفواكة والحوت ) لشراء خمس دجاجاتٍ سمان .. ناولني ورقة خضراء فئة خمسون ريالاً .. وقال لي إذهب وأشتري خمس دجاجات من السوق .. وقبل أن يبصق على الأرض قلت في نفسي ” مافيش داعي توسّخ البيئة ههههههه ” هات أنا سأذهب بأسرع ما يمكن .. دخلت للبقالة وأخذت عصير سنتوب ثم مضيت للسوق .. كان السوق قريب من البحر .. عبرت طريق الكورنيش ثم إقتربت من محل بيع الدجاج الفرنجي .. كان الدكان في الزاوية عند مدخل السوق .. عامل مصري يقف خلف كاونتر من البلاط الأبيض وبجانبه جهاز مزعج لنتف الريش .. العملية بسيطة ولا تستغرق دقائق .. تمُسك دجاجة من حضيرة الدجاج الموجودة في مؤخرة المحل .. تناولها للعامل .. يسمي الله ويذبحها ثم ينتظر قليلاً ثم يغمس الدجاجة المفصولة الرأس في قدر كبير من الماء الساخن .. ثم يمرر الدجاجة فوق مكينة تدور وتصدر ضوضاء فيتم نتف الريش .. ثم بعد ذلك ينظفها ثم تعطيه الفلوس وتخرج .. كل الدجاج لون واحد أبيض بدقن وبرنيطة حمراء

رائحة الدجاج والحضيرة رائحة نافذة وكريهة جداً .. عندما دخلت للحضيرة أقفلت الباب خلفي .. وأصبحت أقف في الوسط بين الدجاج .. والدجاج يهربن لليمين والشمال .. كنت أنا الذكر الوحيد في تلك الحضيرة .. وياله من شعور .. ” مُنحني القامة أمشي .. مرفوع الهامة أمشي .. أبحث عن دجاجة تملئ كرشي .. وعلى كتفي نعشي .. وأنا أمشي وأنا أمشي ” .. في رأسي فكرة وحيدة أبحث عن الدجاجة الكبيرة .. حتى لا أعطي عمّي حُمّد فرصة للتشنيع بي فيما لو قامت عمتي زُليخة بإنتقاد حجم الدجاج .. ” أفووووه ضحكوا عليك .. غشّوك ” .. خلاص بصراحة مليت من كثر التهزيئ وصرت أكره نفسي .. إستغرقت نصف ساعة تقريباً .. أمسك بدجاجة بعد جُهدٍ جهيد ثم أخرج من الحضيرة .. أناول العامل الدجاجة .. ثم أعود وهكذا خمس مرات .. وبعد أن إنتهى العامل من الذبح والتقطيع .. أدخلت يدي في جيبي حتى أناوله الورقة الخضراء فلم أجدها .. لون جلد وجهي تحّول للون الأصفر .. بلعت ريقي .. شعرت بإحراج من العامل والزبائن .. حاولت أتماسك .. وضعت كفي على رأسي أمّررها على شعري وأنا أمشي .. عدت لحضيرة الدجاج .. يا إلهي أين سأجد ورقة الخمسين ريال بين خمس مئة دجاجة .. لابد أنها لعنة الدجاجات الخمس أصابتني .. ولعنتُ الدجاج الفرنجي حينها .. ولعنت طفرة النفط .. ياخي والله كُنا عايشين مبسوطين قبل أن نعرف الدجاج الفرنجي .. وقبل أن نعرف الطفرة .. كُنا جيران ونحب بعض .. واليوم دخلت الغيرة ودخل الدجاج .. ودخل الحسد .. وصرنا نكره بعض .. أكيد الخمس دجاجات التي إنتقيتهن إنتقمن مني شر إنتقام .. أين سأجد ورقة الخمسين ريال وخاصة أني كنت طاويها و ” مكعوسها ” حتى صارت تشبه النص ريال .. في كل مكان بحثت لم أجد الخمسين ريال .. وبدا خيالي يسرح ويتخيل عمّي حُمد وهو غاضب .. وعيناه يتطاير منها الشرر .. ضيعت الخمسين ريال ؟ أنت حمار وغبي .. لو لم تكن غبياً لما ضاعت منك الخمسون ريال .. وتّخيلت ضحكات عمّتي زُليخة وقهقهة اولاد عمتي .. تخيلت عمّي حُمد يأتي لمحل الدجاج هنا وأمام الزبائن ثم يبدأ في كيل الشتائم .. وقبل أن أفوق من خيالي وجدته فعلاً أمامي يقول .. ” مالك تحيرته ” يعني لماذا تأخرت ؟

أريد أن أعترف لكِ الآن قبل أن يجف القلم وتُرفع الصُحف .. أنا أكذب .. نعم أكذب .. لكنني أكذب في حالتين .. عندما أمزح .. وعندما أخاف بشِدة .. رددت عليه بسرعة بأنني لم أجد الخمسون ريالاً في جيبي وأني مُتأكد أنني أسقطتها داخل ثلاجة العصير في البقالة او بجانب الثلاجة عندما أخذت عصير سن توب وأنا في طريقي إلى هنا .. وأخبرته أن ينتظرني فإذا لم أجدها سآخذ خمسون ريال من مغّل البقالة وسأعود أسرع من “امطير اميت ” .. نظر إليّ بحنق .. لم يكن لديه خيار .. كان يلبس قميص وفوطة بدون جيوب .. يعني لم يكن يحمل مالاً .. ثم أن الإحراج من الموقف إنتقل مني إليه .. فهو الكبير .. وأصبح هو في وجه المدفع .. إنطلقت كالصاروخ من محل الدجاج صوب العمارة وليس في رأسي سوى فِكرة واحدة .. وسؤال يتيم .. أين أفضل مكان في البيت للإختباء ؟ وكانت الإجابة سريعة .. مافيش غيره حمام جدتي ذو الباب الحديدي .. فحمام جدّي بابه خشبي قد يكسره ويُمسك بي .. أما حمام جدتي فلا يمكن كسر بابه الحديدي .. جري على العمارة إلى شقة جدي وعماتي في الدور الأرضي .. ثم إلى حمام جدتي .. دخلت وأنا أجهش من الجري نفسي يكاد ينقطع وكأن عفاريت سيدنا سُليمان تُطاردني .. ثم أقفلت الباب من الداخل .. وأخذت أنتظر .. جدتي تسأل من خارج الحمام .. مالك ؟ ما جرى لك ؟ .. وأنا ساكت لا أرّد .. لم أكن أعرف ما أقول .. كنت فقط خائف وعارف إن عمّي لن يغفر لي تضييع الخمسين ريال .. إنتظرت قرابة الساعة او هكذا بدا لي الوقت

ثم سمعتُ صوت عمّي حُمّد بالخارج .. كان غاضباً ويحكي على عجالة لعمّتي زُليخة ما فعلت .. لم أستطع سماع كل شيء .. ثم أخذ يطرق باب الحمام .. إزدادت دقات قلبي تسارعاً وبدأت أشعر بالحر .. تكلم من خلف الباب بصوت هادئ كمن يحاول إقناعي بشيء : ” إسمع يا خليل .. أنا مش زعلان منك .. بس أشا أفهّمك غلطك .. “ شعرت بقليل من الراحة وأنا أستمع إليه .. أسلوبه أحسن من أسلوب عمي عبدالغفور اللي كان يستخدم رجله مباشرةً عندما يكون غاضباً مني .. أكيد التعليم فاد عمي حُمد .. او هذا هو أسلوب من درس علم نفس .. كان ذلك ما يدور في رأسي .. ثم قال : كان المفروض ترجع للبيت وتقول لي إنك أضعت الفلوس مش تخّليني ملطوع أنتظر عودتك .. رددت عليه : كيف أترك المحل بعد ما طلبت دجاج ..؟ العامل سيظن أنني طلبت خمس دجاجات ثم أريد الهروب … قال : معليش خلاص إعتبر الموضوع إنتهى .. أنا حاسبته خلاص .. شعرت بسعادة إن عمي غير غاضب من ضياع الخمسين كما كنت أعتقد .. الحمد لله .. ثم سمعته يقول : ” تعال معي نبحث عن الخمسين ريال وإذا لقيناها أعطيك خمسة ريال مكافأة .. حرام تضيع كذا فقعة ” .. صدقته وفتحت الباب فهجم عليّ كالوحش وفي يده سلك فرامل سيكل .. عارفة أش يعني سلك فرامل سيكل ؟ سلك أسود من البلاستك لكن بداخله قضيب نُحاسي نحيل .. وأخذ يضربني بالسلك النحاسي على جانب جسمي .. وكنت أتلوى .. وأنقلب للجهة الأخرى من الألم .. فيجلد الجهة الأخرى .. ظهري .. مؤخرتي .. لم يبقى مكان لم يصله السلك النحاسي المغطى بالبلاستيك .. وهو يصرخ بهستيريا .. تخليني ملطوع ساعة .. تكذب عليّ .. تهرب يا حمار .. أقسم لكِ إنها كانت لحظات لا تُنسى .. وألم لا يُطاق .. حاولت إستعطافه بالمبالغة في البكاء المُر .. حاولت إستعطافه بالمبالغة في الصراخ .. توبة خلاص .. والله توبة .. والله توبة خلاص .. خلاص توبة .. كان يجلد بدون رحمة .. وكنت قد دُقتُ الضرب من خيزرانة أبي .. لكن خيزرانة والدي كانت أرحم .. وأبي كان رحيماً فكان يتوقف عندما أزداد صراخاً وبكاءاً .. حتى أنه أخذ يجري لإحضار الماء البارد ذات مرّة عندما فقدت القدرة على التنفس وهو شبه مفزوع .. لكن عمي حُمد لم يفعل ذلك عندما بدأت أفقد القدرة على التنفس .. كانت جدتي تصرخ من خلفه أن يتركني .. وهو يقول خليه يموت .. جدتي أحضرت لي الماء البارد تصبّه على رأسي وتسقيني وأنا أحاول ألتقاط أنفاسي

لعنةُ الله عليك يا عم حُمد يا أبن الكلب .. تضربني بسلك معدني بكل تلك القسوة .. من أجل ماذا ؟ من أجل خمسون ريال ؟ والله عندما أكبر سأعطيك الخمسين ريال وعلى الجزمة القديمة ؟ كان حادث ولم أقصد تضييع الفلوس .. وهربت لأني كنت خائف ولم أتصرف بحصافة .. هل كنت فعلاً أستحق الجلد بسلك معدني ؟ هل كان ذلك جزء من الكورس الذي تعلّمته في امريكا في علم النفس ؟  تلك الحادثة تقريباً كانت بداية فصل جديد في علاقتي به .. لم أعد أتحدث إليه .. وتوقف هو عن التحدث إليّ .. إنتهى عصر عمي حُمد الطيب الحنون المبتسم دائماً .. وبدء فصل جديد وعصر جديد لشخص آخر .. شخص لم أعد أعرفه .. شخص لم يعد يطيق النظر إليّ .. لم يعد يكلمني .. يتحاشاني .. حتى يوم العيد لا يصافحني .. وحتى لو إضطر او إضطريت أنا لمصافحته .. فكان يمّد إليّ أصابعه ببرود ولا ينظر في عيوني مباشرة .. كان ذلك يُثير حنقي أكثر .. يمد يده ليصافحني بطريقة مُهينة وكأنه يتصّدق عليّ .. ” كُـ.. أمّك” بتسلم زي الناس والا خّلي يدّك في مناخيرك كالعادة ” .. لم تكن حادثة الدجاج النهاية الفعلية .. فقد أبقيت شق صغير لباب الود بيني وبينه لكنه أقفله للأبد في موقف بسيط حدث أثناء عقد “مِلكته” قِرانه على فتاة يمنية من مكة .. ثم بدأت أنا ايضاً بالإبتعاد عنه وتحاشيه .. وبدت المسافة بيني وبينه تتسع .. صحراء واسعة بيني وبينه رمالها من الصقيع .. لا أتذكر كم من السنوات مضت ونحن لا نتحدث إلا في أضيق الحدود

مسلسل الأحداث السيئة مع عمّي حُمّد بدء بعد عودته من امريكا وإن كنت لا أعلم تحديداً متى البداية الفعلية .. هل بدأت الأحداث بعد رجوعه مُباشرةً أم قبل زواجه بقليل .. كان هناك ضغطاً عليه ليتزوج .. لا أعلم هل كان يتهرب من الزواج أم أن جدتي وعمّاتي لم يجدوا له الفتاة التي تُناسب ذوقه .. مكث اربع سنوات بعد عودته من امريكا بدون زواج .. في جيزان بعد حصول الرجل على وظيفة تبقى السيارة البيت والزوجة .. السيارة عادة تأتي اولاً في الترتيب حتى يتباهى بها أمام أصحابه ومعارفه .. ثم البيت حتى إذا ما تزوج يكون لديه مكان يسكن فيه .. وأخيراً تأتي الزوجة او الجائزة الكبرى .. لكن في حالة عمي حُمّد بدا وكأنه تزوّج فقط ليخرس الاصوات ويتخلص من ضغوط جدي وبقية العائلة .. خاصة أن عمي عبدالغفور الاصغر سناً تزوج وعمره إثنين وعشرين سنة

سلسلة هذه الأحداث السيئة بدأت وأستمرت لسنوات وكان بعضها مُحزن جداً ومُبكي .. لا أعلم هل أخبرك بها مرة واحدة أم أتركها تظهر حسب تسلسلها الزمني .. البداية كانت حسب ما أذكر عندما قرر شراء سيارة أمريكية بقير اوتوماتيكي من جدة .. لأنه لا يعرف يقود السيارات ذات القير العادي .. سافر عمي عبدالغفور إلى جدة وإشترى له سيارة امريكية إسمها بليموث بثلاثين الف ريال بيضاء قصيرة كانت سيارة لا تشبه السيارات الامريكية الأخرى الطويلة الشكل مثل البيوك والكابريس .. بل كانت بمؤخرة قصيرة جعلها تبدو قبيحة ورخيصة .. ليس هذا المُهم .. المُهم أنها وبالرغم أنها جديدة إلا أن خللاً ما كان في السيارة فكانت تصدر صوت مثل الإنفجار من أنبوب عادم الدخان .. باك فاير .. ممكن الإنسان يشتري سيارة مُستعملّة ثم يكتشف أن بها خلل وأنه إنضحك عليه .. لكن أن تشتري سيارة جديدة وتأتي بخلل .. فهذا كان نادراً .. أهلاً وسهلاً بكِ إلى عالم عمّي حُمّد

إستعداداً للزواج بدء في بناء دور ثاني في العمارة .. دور من شقتين .. ثم ندم لاحقاً أشد الندم .. سمعته بأذني يقول لو صرفت الثلاث مئة الف ريال في بيت جديد وفلة جديدة لكان أفضل بمئة مّرة .. أمُيّ كانت أكبر المستفيدين من بناء الدور الثاني .. أخيراً عادت للعمارة بعد أن إنتقل عمّي عبدالغفور إلى الشقة المقابلة لشقة عمي حُمّد في الطابق الثاني .. وأنتقلت أمي لشقة عمي عبدالغفور .. فأصبح الدور الاول بكامله لوالدي شقة لأمي وشقة أخرى لزوجته الثالثة المرأة التي ربتني ..

في إجازة العيد سافرنا أنا ووالدي وزوجته المكاوية إلى مكة لحضور زواج أخيها محمود .. لم يحضر الكثير من أفراد العائلة من جيزان .. .. العريس محمود والعروسة هيفاء .. الزواج كان في قصر أفراح .. قسم للنساء وقسم للرجال ..لا أتذكر قسم الرجال .. لكنني أتذكر جيداً قسم النساء .. كان هناك مسرح مُرتفع وأمام المسرح كراسي فاخرة نوعاً ما .. أنا وهشام لا همّ لنا سوى أن نكون في قسم النساء .. نُلاحق البنات ونتحدث عن جمال هذه او تلك لا أقل او أكثر .. مازلنا اولاد نستطيع أن ندخل ونخرج بدون اي مُشكلة .. إبتهال أخبرتني في بداية السهرة حوالي العاشرة مساءاً أن أحضر لأشاهدها ترقص رقص تحدّي أمام فتاة أخرى مكاوية .. كنت مُندّهشاً نوعاً ما .. يا سلام سّلم بنت عمتّي طلعت ” رئاصة ” .. حضرت وكانت ترقص مع فتاة أخرى على موسيقى من الأغاني الهندية .. كانت ترقص مثل رقصات الهنود في الأفلام .. في البداية كنت مستنكراً الوضع وغير مرتاح .. بعد ذلك ” بخقت ” وكنت فاغراً لأبعد درجة ممكن يفغرها إنسان .. بنت الذين ترقص والله .. وتجري من اول المسرح لنهايته ثم تعود .. ثم تتقابل مع البنت الأخرى في المنتصف في حركات أقرب للتحدي .. فجأة بدا وكأني واقف وسط فيلم هندي والراقصات يدرن من حولي .. لكن إحداهن إبتهال .. من كانت في يوم من الأيام فتاة أحلامي

تلك الليلة كانت فعلاً فيلم هندي وكانت نهايته حزينة ومُقرفة بالنسبة لي .. إقتربت الليلة من النهاية عند الثانية صباحاً .. بعد أن تم كتابة عقد الزواج في قسم الرجال وبعد العشاء .. إتجه العريس محمود إلى قسم النساء بمرافقة والدي الذي بدا في تلك اللحظة في كامل هندامه .. المشلح والحركات وكأنه هو العريس .. او كأنه هو ولي أمر محمود .. ومحمود العريس طبعاً جد وسيم وشِيك .. بدأت زفة العروسين بالمشي من اول الصالة إلى أن وصلوا للمسرح وجلسوا في الكوشة .. طبعاً دقاقات يمشين خلف العروسين وغطارف وصخب .. ثم بدأ أهل العريس والعروسة يرقصون بإستحياء على وقع الدفوف أمام العروسين ..

ثم رأيت يحيى أخ العروسة يمد يده ثم يسحب أمّه العجوز ليراقصها على المسرح أمام الكوشة وأمام العريس والعروسة .. كان يُمسك بكلتا يديها ويرفعهما لأعلى ويُحرك جسمه مُتراقصاً أمامها وكانت هي أقرب للواقفة أمامه منها للراقصة معه .. الأم بدأت تدرف الدموع ثم تمسحها بشال أسود موضوع حول رأسها .. ثم قام يحيى بإحتضانها برومانسية الإبن البار .. كان منظراً مؤثراً ورائعاً .. أنا مُتأكد أن دموع الأم حقيقية .. وفرحتها حقيقية .. لكنني كنت أشك في تلك اللحظة أن يحيى صنع من هذا الموقف مشهداً إستعراضياً رخيصاً .. حتى يبدو أمام إبتهال على أنه الإنسان الرائع والشاب الحنون والولد البار بأمه .. فهو يُراقصها .. يحضنها .. ثم يمسح دموعها في منظر حقاً أقرب إلى الأفلام الهندية .. عندما إتجهت نظراتي لإبتهال التي تقف بجانب العريس مع جموع الواقفين وتغطي فمها بشال أسود .. وجدتها ترقب المنظر وترمقه بنظرات تقدير وإعجاب .. ولا كأنه رُشدي أباظة .. شيء غريب حقاً .. تصورت ليلتها إن إبتهال إنتهت تماماً بالنسبة لي .. لكنني لم أفهم لماذا شعرت في تلك اللحظة بغيرة وحُرقة .. معقولة عود الكبريت سقط على سطوح بيت عمتي وأحترق لكن مازالت شُعلة الحب لم تنطفئ ؟

 

أخيراً عِملها وقرر أن يتزوج .. يخرب بيت نفوخه .. من غيره .. عمّي حُمّد طبعاً .. كان زواجه في إجازة الربيع وكنتُ حاضراً .. لكن قبل زواجه كان عليه أن يُقفل ذلك الشق الصغير جداً من الود بيني وبينه والذي تركته أنا مفتوحاً .. أنا كنت في الموعد وأعطيته ما يُريد .. أحياناً كنت أظن أن إنقلابه وسلوكه الفض معي لم يكن بسبب موقف سخيف مني .. او حماقة إرتكبتها .. او بسبب خمسين ريال .. او بسبب دجاجة .. بقدر ما هو إستعداد لصفحة جديدة قادمة في حياته … او ربما دجاجة أخرى من نوع آخر .. كان عليه أن يفرض إحترامه عليّ حتى لا أقوم بخدش صورته .. وربما رجولته أمام زوجته القادمة بتصرف أحمق مني وقِلّة أدب .. فتهتز صورته أمامها

كنت في مكة عندما حضر عمي للخطوبة .. كانت زيارة قصيرة لمدة يومين ويعود بعدها لجيزان .. كنُا نجلس على العشاء .. عم خالد بروحه العذبة قال لعمي حُمّد : ” لماذا لا تعقد ملكتك على العروس وتتزوجها وخير البر عاجله ” .. لم يرد .. كان مُطئط الرأس ينظر للأرض او الأكل .. كمن يُفّكر بعمق .. رددت أنا عنه وقلت : ” لم يحضر معه ملابس كافية ” وكنت صادقاً .. فهو لم يحضر لمكة إلا ليومين .. قلتها بتردد .. فقد كنت في حال شبه خصومة معه .. ردّ عليّ بحِّدة وصوت مرتفع .. : ” إسكت أنت .. لا تدخّل رأسك بين الكبار ” كان وقع رده مثل الصفعة .. لم أستطع بلعها خاصة أنه قالها أمام عم خالد وعمتي وهشام والأهم .. إبتهال .. لم أرد بالكلام بل رددت بالصمت .. فكانت بداية قطيعة إستمرت لسنوات

صور كثيرة تزدحم في رأسي لتلك الرحلة .. صور أتذكرها .. صور لا أتذكرها بسهولة .. صور أخرى أحاول أن أطردها من الذاكرة .. حتماً هناك إزدحام .. يا إلهي كل العائلة والأقارب سافر لمكة لحضور الزواج .. سافروا على دفعتين ورحلتين مُختلفتين .. لا أعلم لماذا ؟ ربما لا يوجد حجوزات .. او ربما خوفاً من العين .. او ربما يمكن بسبب الثُقب في طبقة الأوزون .. كل ذلك لا يهم .. المهم أني كنت في الرحلة التي كانت فيها جدّتي عائشة أم أبي .. ورأيت بعيني أظرف موقف في تلك الرحلة

جدتي قصيرة او مثل ما يقولوا ” حبّتها صغيرة ” .. كانت ترتدي كُرتة من القطن بيضاء اللون وبها نقاط سوداء على شكل وروود صغيرة .. وتغطي الكرتة بقماش أسود شفاف مثل “المقلمة” غطاء الرأس .. لكنه ليس كذلك .. وتلبس مشمال للصلاة فوق رأسها أبيض .. أرجلها صغيرة وكانت تلبس نعال أخضر يلبسه الرجال في العادة في جيزان وخاصة أهل البحر .. جلست في الطائرة بجانبي يفصلها عني ممر المُشاة في الوسط .. فجأة وبدون تردد وبدون أن يرف لها جفن بصقت على الأرض .. ثم وضعت رجلها على البصقة تمسحها .. شاهدت مثل هذا المنظر من كبار السن في الشارع عندما يبصق الرجل منهم ثم يمسحها بنعله .. لكن في الطيارة .. فتحتُ عيني وفمي مذهولاً مُندهشاً متفاجئاً مُحرجاً .. لبرهة .. ثم بدأت أضحك بصوت مرتفع لم يسمعه أحد لعلو الطائرة والضغط الجوي المرتفع .. ولم تشاهدني هي وأنا أضحك لأنها كانت مشغولة بإخفاء البصاق .. هكذا وبدون تردد بصقت جدتي وهي في السماء على طائرة الخطوط الجوية العربية السعودية ..

أمي بعد أكثر من سبعة عشر سنة من الزواج ما زالت تبحث لها عن مكان في قلب هذه العائلة .. بدت في مكة وكأنها ما زالت غريبة .. كانت تحمل طفلاً رضيعاً في يديها لا يتوقف عن البُكاء .. وكانت لا تجد مكاناً تجلس فيه من الزحمة .. وعندما تجد .. تجلس وحدها لا يُكلمها أحد تقريباً .. وبالرغم أن عمتي المكاوية أظهرت الكثير من الود وكرم الضيافة إلا أنها كانت كالنحلة في البيت .. ليس لديها الوقت لمجالسة كل فرد على حِدة .. فهي في المطبخ .. وهي في الصالة .. وهي هنا .. وهي هناك .. هذا الرضيع المنحوس والذي لا يتوقف عن البكاء كان طفل أمي رقم 12 ولحسن الحظ وأخيراً كان لأمي بعض الإعتبار والتقدير عندما أطلقت على هذا المولود إسم أبيها .. بينما زوجة أبي الثالثة بنت عم خالد .. أسمت اول اولادها بإسم أبيها خالد الذي وُلد هو الآخر في نفس السنة التي ولد فيها شقيقي هذا..

لا أعلم كيف تم إختيار زوجة عمي حُمّد .. لكن لأنها من مكّة .. فأنا أجزم أن عمتي المكاوية هي من إنتقتها له .. ما أعلمه ايضاً أنها من جبل عبّادي الحارة القديمة التي كانت تسكن فيها عمّتي بجوار الحرم .. والدها صاحب مقهى للشيشة .. ولها أخ كبير ربما في سن ولد عمتي جابر او أصغر .. وأخ آخر في سني وسن هشام .. ولها أختين أصغر مني كأنهما توئم .. العروسة كانت في سن إبتهال على ما أعتقد .. رأيتها لأول مرة وكنت أتفاداها كثيراً لشعوري بالخجل .. كانت شديدة البياض وتلبس نظارة طبية .. وجهها صغير .. فمها صغير .. عيونها صغيرة .. لكنها ليست قصيرة .. حسب مواصفات الجمال في جيزان نجحت في البياض ورسبت في حجم العيون الصغيرة جداً .. لكنها كانت رقيقة .. أرّق وأنعم من عمتي زليخة بالتأكيد ..

أجواء الزواج رائعة جداً .. تكفيني رائحة العطور في كل زاوية .. كل شيء كان يبدو كحلم جميل .. لم يكن يكّدره سوى بكاء أخي الرضيع يأتي صوته المزعج من بعيد .. او كلما أقتربت من أمي .. كثيرة هي المرات التي كنت أسأل فيها نفسي لماذا أحبُ مكّة ؟ بعيداً عن الحرم والأسباب الروحية والدينية .. أنا لم اولد هنا .. هل أحُبُّها بسبب هشام ؟ ربما .. هل أحُبُّها بسببِ إبتهال ؟ ربما .. هل أحُبُّها بسبب الجو والناس ؟ أبداً .. لم أكن أطيق جفاف حرّها .. هل أحُبُّها بسببِ أجواء الحميمية لعائلة عمتي المكاوية والتي لم أشعر بها أبداً في بيتنا ؟ هل أحُبُّها بسبب أنها تأخذني بعيداً عن دكتاتورية أبي وتسلطه ؟ لم أكن حقاً أعلم السبب .

وقفتُ أمام إبتهال ووقف هشام عن يميني .. وكنا نقف جميعاً في الممر في شقة عمتي .. كرسي هزاز عريض يجلس بجوار الجدار يتسع لثلاثة بلون بُرتقالي غامق ينتظرنا للجلوس عليه .. لكن لا وقت للجلوس .. كانت في رأسي فكرة ولعبة وأردت أن ألعبها مع إبتهال .. هي أقرب لمزحة .. لا أحد كان يعلم بما كان يدور في رأسي .. قلت لها .. هناك مشهد يتكرر في جميع أفلام عادل إمام وأريد أن أمُثله معكِ … نظرت إليّ من فوق لتحت وعلى شفايفها نصف ضحكة .. أخذ هشام يتململ .. ثم قال ..” يابوية خلينا نمشي بلا عادل إمام بلا بهللة ” .. ثم إنتقل لوضع المُتحفز .. تجاهلته قليلاً .. وكانت هي تشجعني على مواصلة الحديث .. قلت لها أبغى أمثل معاك الموقف عندما يضع عادل الإمام ذراعه اليمين حول بطلة الفيلم ثم يلفها ويجعلها تنام على ذارعه ثم يُقبّلها .. مدت ذراعها نحوي بثقة وهي تضحك .. وريني كيف ؟ .. كنت مُندهش جداً إنها تتجاوب معي .. ربما كانت جريئة لأنها أكبر مني .. ماذا أقول .. هذه إبتهال .. خفيفة دم .. عسل ولا تتكرر .. وقبل أن أمد يدي إليها شعرت بدفعة قوية من هشام كادت تسقطني أرضاً وهو يصيح .. يا بوية أمشي بلا زناوة .. وأنتهى الموقف هكذا … أنا وإبتهال نضحك .. وهشام مطرطع زي ما يقولوا أهل مكة .. لم أكن أعلم أن هذا الموقف هو الموقف الأخير بيني وبين إبتهال .. لكنه كان كذلك .. لم أشاهدها بعد تلك الإجازة إلى هذا اليوم التي أتحدث فيه إليك .. صحيح لم أُقّبلها ذلك اليوم .. ولم أعتقد للحظة أني كُنت سأقبلها .. لأني ببساطة لم أكن أرضاها لبنت عمتي .. لكنني منذ ذلك الحين قّبلتها في خيالي آلاف المرات

10 Responses to “(44) دجاجة عمّي حُمّد”

  1. 1
    LOVE Says:

    that’s so funny and smart answer

  2. 2
    khalid Says:

    there something strange about the last two episode

    may be you want to end the series like the most of american tv shows or you have a big surprise for us

    nice to know anwar

  3. 3
    Filly Corleone Says:

    أهلاً أهلاً ,

    كل ما تأتي فترة الإختبارات النهائيه للثانويه , أدخل و اقرأ أجزاء القصة ..

    وسبحان الله , غداً .. هو اليوم الأول للإختبارات ,
    شيء طبيعي .. أنت تتذكر تلك الرهبه ..

    و لكن , أنا أبددها بـ كل هدوء , ب قراءة أجزاء روايتك ,

    لا تبخل علي , أريد بعضاً من التركيز في التفاصيل أيضاً ..

    أرجو أن لا تنسى ان هنالك شخص ما “أنا” يذاكر و عندما ينتهي يريد أن يلهو باللابتوب قليلاً علّه ينسى هذا الهم ..

    محبك , إندومي ,
    aka FiLLy ..!

  4. 4
    J.Watson Says:

    ليه كذا
    ليه يا ديزموند

    ورطتني معاك ….

    تخيل امس العصر شفت توقيعك في الدار وفيه الرابط
    ودخلت على المدونه و في خلال يومين قريت كل اللي كتبته !

    واللي صدمني انك باقي ما كملت

    هو انا ناقص انتظار و وسوسه هههههههههه

    المهم انت مبدع ولو ان الحياه قست عليك شويه … بس صدقني
    مافيه أحد مرتاح ..كل واحد معه همه على قده

    سجلني متابع مخلص لك
    والمفروض اكون في لوحة شرف القراء لأني قريت 77 فصل في يومين

    تحياتي
    J.Watson
    دار الليبراليه

  5. 5
    ميسي Says:

    فكرة ساذجة

  6. 6
    ابن الحافة Says:

    واينك عم انور طولت الغيبة نشتاق لحروفك الذهبية لا تطول علينا اخاف تضيع في ثورت نيورك

  7. 7
    Ajajs Says:

    انتهت القصه ؟ الاخ اللي فوق انا انهيت ٧٧ فصلا من الروايه بيوم فلا تستانس.

    خليل كمل واخلص علينا الله يجزاك خير

  8. 8
    Saja Says:

    الله يعينك ويرزقك الراحة

  9. 9
    YASSER Says:

    في انتظار المزيد
    الله يوفقك

  10. 10
    انور واينك Says:

    انور كيف حالك تعبت وانا ادخل اشوف في حلقات جديده سمعت انك تطوعت صدق الخبر

Leave a Reply

جميع الحقوق محفوظة لدزموند خليل© 2010