المكتبة

(14)

المكتبة

Sept 2006

سيدتي

في البيت مكان مهجور لا يدخله أحد سوى والدي والغُبار .. يدخل والدي من الباب ويتسلل الغُبار من تحت الباب ومن الشقوق .. يخرج والدي من المكتبة ويبقى الغُبار شاهد على أهمّية الكتاب في بيتنا .. الكتاب مُهم لذلك يجب أن تُغلق الغرفة بالقفل
غرفة صغيرة زائدة عن حاجة البيت مثلثة الشكل او على شكل شبه منحرف .. هذه هي المكتبة .. يوجد للغرفة باب يأخذك للبلكونة .. وكذلك الباب الرئيسي .. توجد خزائن مرصوصة مقابل الحائط برفوف حديد وأبواب من زُجاج للكتب .. هناك فوق ذاك الخزينة على اليمين .. يوجد بُندقية صيد .. والدي كان يذهب للصيد في شبابه عندما كان هناك غزلان وأرانب في براري جيزان .. هذه البندقية القديمة كانت متعتي الوحيدة في هذه الغرفة .. كم من مرة فككت هذه البندقية قطعة قطعة وركّبتها من جديد

هناك على اليمين فوق الخزانة يوجد عشر خيزرانات .. خيزرانة طويلة ومذببة الرأس .. خيزرانة طويلة بدون رأس .. خيزرانة سميكة .. خيزرانة قصيرة .. جميع المقاسات هنا .. وأيضاً يوجد مطرقة .. مِنشار .. ماصورة صغيرة .. لا أعلم ماذا تفعل هنا في المكتبة ؟

كُتب صفراء كثيرة .. مجلات قديمة .. جرائد قديمة مصفرة أيضاً .. هل تُصّدي الأوراق ؟!! نعم .. يُوجد في هذه المكتبة اوراق قد أصابها الصدأ ..!! .. كتاب ” سلاح التلميذ ” يساعدك على حل الواجبات المدرسية .. من أيام جمال عبدالناصر .. كُتب على الغلاف الجمهورية العربية المتحدة .. كتاب المعلم رياضيات السادس ابتدائي 1402 هجرية .. كنت أغش منه طريقة الحل .. وهذه كراسة أختي سهام عندما كانت في الصف الخامس ابتدائي 1400 هجرية

كتب لمصطفى محمود .. أنيس منصور .. محمد متولي الشعراوي .. طه حسين .. العقاد .. في البداية كانت أكثر الكتب هنا مراجع وكتب الأدب العربي .. ثم تم اضافة العديد من كتب التفاسير والأحاديث والفتاوي والتأريخ .. كُتب بداخل هذه الخزائن الحديدية .. كُتب فوق االخزائن .. كُتب على الأرض مرصوصة

اذا أردت أن تتناول كتاباً .. فعليك أن تنفض عنه الغبار اولاً .. واذا كُنت مثلي مُصاب بحساسية الأنف المزمنة .. فستعطس بمجرد فتح باب المكتبة .. وستعطس في كل مرة تفتح فيها كتاب .. فوق تلك الخزانة على اليسار يوجد شنطة سامسونايت مليئة بالأوراق ومفتوحة أيضاً .. يوجد أيضاً البوم صور .. صور كثيرة جداً .. وصور بمقاسات مُختلفة محشورة داخل ظروف رسائل ..
بالأبيض والأسود .. أكثرها لوالدي وهو في العشرينات من عمره .. ربما في الخمسينات الميلادية .. كثير منها رحلات مع الكشافة .. أنشطة مدرسية .. مسابقات ثقافية .. صور لوالدي وهو مبتسم ولابس بنطلون وقميص .. مع أنه منعني من لبس البنطلون من الصف الثالث متوسط

هذا هو في الصورة لابس بنطلون واسع من الأعلى ضيق من الأسفل ومرتفع الى فوق الصرة .. و قميص أبيض و نظارات سوداء وحركات حلوة .. أناقة ولا أناقة رشدي أباضة وأحمد رمزي في الخمسينات .. طيب يابوية .. طيب يا عم الحج .. كاتم على أنفاسي لأكثر من ثلاثين سنة .. قوانيين صارمة كأني في العسكرية إلبس هذا وأخلع ذاك .. هذا لا يليق .. وأنت ماذا كنت وماذا عملت في الماضي ؟ حتى أن جميع الصور التي فيها الوالد .. جميعها .. كل من في الصورة متجهم عدا والدي دائماً مُبتسم .. وحركات كوميدية وجو .. عجيب مع أن والدي نادراً ما يبتسم في البيت .. يبدو حتى أبي كان فال أمّها وهو صغير

ذكريات قديمة داخل هذه المكتبة .. هنا حفظت قصيدة ” العيد ” لشاعر جيزان الراحل محمد علي السنوسي .. وهنا أيضاً حفّظني والدي قصيدة الشاعر غازي القصيبي ” رسالة المتنبي لسيف الدولة ” بيني وبينك ألف واش ينعب … فعلام أسهب بالغناء وأطنب .. صوتي يضيع ولا تحس برجعه … ولقد عهدتك حين أنشد تطرب .. لكن السر الخطير الذي وجدته في هذه المكتبة هو في مفكرة الجيب القديمة التي وجدتها هنا وأنا أنفض الغبار وأعيد ترتيب بعض الكتب .. سأقرأ ما هو مكتوب كما جاء بخط والدي

الصفحة الأولى

مقاضي الدكان
٢ كيس سكر
٢ كيس رز
١ كرتون حليب
================
الصفحة الثانية

في يوم السبت الموافق 1378/3/13 هجري
بدأت في عمارة بيت في جهة الساحل
يتكون من غرفة سفلية وبرندة ومنافع
ارجو من الله تسهيله والعون فيه
وأن يكون مسكن خير وبركة
في 1378/3/14

١٤٠ ريال معادي
٥٥٠ ريال عبدالله عقيل
٢٠٠ ريال محمد عقيل
٣٥ ريال ردمان
٢٠ ريال علي حيدر
١٠٥ ريال الحربي
٦٠ ريال الطبيقي
١٠ ريال حيدر ثابت
٢٠ ريال يوسف خميس
==================
الصفحة الثالثة

سأطلع اليوم الجبل لمقابلة الحبيبة

هكذا إذاً .. نفاق الكبار لا ينتهي .. يطلبون منّا النوم مبكراً .. ثم يسهرون .. يقولون لنا أن التدخين مُضر بصحّتنا .. ثم يُدخنون .. يمنعون عنّا الحياة .. ثم فيها يُعربدون .. كل شيئ حرام .. وكل شيئ عيب .. لكن لا يقولون لك أنهم قد فعلوا تلك الأشياء التي منعوها عنك .. تبقى سراً من أسرار الكون .. كم سئمت هذا النفاق .. إكتشفت في المكتبة ذلك اليوم أن حتى لوالدي قلبٌ قد خفق ذات يوم .. والدي كان ينتظر اليوم الذي يصعد فيه للجبل ليقابل أمي .. ما شاء الله تبارك الله يا ( سي بابا ) .. والله وطلعت حبّيب .. ربما كانت فترة الملكة او الخطوبة .. كان هائماً .. عاشقاً .. ثم ماذا حدث ؟!! ماذا حدث للحب … ؟

يتبع

فيل .. هاه

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *