ذئاب في المدينة

(17)

ذئاب في المدينة

1978

سيدتي

سافرت حبيبتي إبتهال … وبالرغم من أنها سافرت .. إلا أن الحياة أصبحت بطعم أحلى .. أصبحتُ أحلم في عز النهار .. أحلام اليقظة كانت لذيذة ومُمتعة .. كُنت أتخيلها على كيفي وبالطريقة التي أُريد .. أشُكّلها كما أشاء .. ألبسها الفساتين التي تعجبني .. وكنت مرات أعلّق عقد من الفل حول عنقها .. كنت أقبلها على خدها الأيمن مرات .. ثم أهرب .. وكانت تُطاردني وكنت أهرب منها وأختبئ .. او أقّبلها على خدّها الأيسر ثم أهرب .. وكانت تلاحقني كي تخطف مني قُبلة على خدي .. مرات كُنت أدعها تُقّبلني .. ومرات كنت أستحي  وفجأة .. كنت أستيقظ على صُراخ المدرس .. خليل أصحى معانا .. وأنتبه للدرس

سافر كذلك هشام وعدت لجدولي المُعتاد .. وحيد أبحث عن جديد .. كان يوم الخميس يومي المفُضّل .. كنت أخرج من البيت في الصباح الباكر .. فإذا قابلت ولد الجيران يوسف .. كُنت أتجه معه شمالاً إلى البحر .. كان يأخذني إلى قارب جده في البحر .. نشاهد السمك الصغير ونحاول إصطياده .. نرمي قطعة خبز وفجأة تجتمع أسماك صغيرة بشكلٍ مهول .. كُنّا نحاول أن نُمسكها بأيدينا .. لكن محاولاتنا لم تنجح ولا مرة .. لم يكن البحر بتلك النظافة .. لكن لم نكن لنهتم .. يكفي أن تلمس الماء بجلدك .. ثم تلفحك نسمة هواء .. فتشعر بالكثير من الإنتعاش والبهجة

البحر مليئ بقوارب الصيادين .. والقوارب محلية الصنع .. يوسف يجيد السباحة لأن جده كان يأخذه معه للبحر .. فتعلم السباحة .. أما أنا فلا أعرف السباحة .. في كل مرة أُخبر أحداً بأني أسكن على بعد عشرين متر من البحر .. وأن جدي بحار .. وأنني لا أُجيد السباحة .. يستغرب .. نعم سيدتي .. لم أتعلم السباحة .. لأن والدي كان يمنعي من الذهاب للبحر بحجة أن عندي مدرسة في اليوم الثاني ويجب أن أستيقظ باكراً .. وعندما يرغب جدي في أخذي معه للبحر نهاية الأسبوع .. كان والدي يرفض ذلك ويعطي جدي أي عُذر .. جدي يذهب للبحر الساعة التاسعة مساءاً ولا يعود إلا السابعة صباحاً .. ربما والدي يخاف أن أغرق في البحر .. لا أدري .. لماذا لا يخاف أبو يوسف عليه أيضاً ؟

كنت أخرج وحيداً بعض المرات .. وعندما لا أجد يوسف .. أتجه جنوباً إلى الميدان .. البداية كانت هكذا .. كنت وحيداً أخرج لإكتشاف العالم من حولي والتعرف عليه .. والنهاية نفسها .. مازلت وحيداً .. أُحاول إكتشاف العالم من حولي والتعرف عليه .. كأن الطفل لم يكبر ولم يتغير .. شيئ مُثير للدهشة .. كأن البدايات تُشبه النهايات .. او كأننا ندور حول أنفسنا ونعود لنفس اللحظة .. أحياناً تمر بموقف غير طبيعي لا يُصدّق .. فتتمنى أن لو كان بجانبك صديق .. او حبيبة .. شاهد عيان .. يشاهد ما تُشاهد .. ويشعر بما تشعر .. ويتنفس ما تتنفس .. ويشّمُ ما تشّم .. ويسمع ما تسمع .. أحياناً لا تفي الكلمات بنقل الصورة .. ومهما حاولت في وصف الأحداث تبقى تلك اللحظة خاصة جداً .. بأبعاد وزوايا رؤية لا يُمكن أن تتكرر .. ذاك الصباح تمنيت أن لو كان معي رفيق .. ليُشاهد ما شاهدت

ذاك الصباح إتجهت جنوباً للميدان .. والميدان يقع قريب من تقاطع شارع القادسية وشارع فيصل .. يحده من الشرق المقبرة .. وجنوباً للشرق كان موقف التكاسي التي تذهب لصبياء وأبوعريش وحتى أبها وجدة .. ومن الشمال حارة المعّش .. كانت هناك مجموعة من الدكاكين لبيع الخضروات والفواكة .. مجزرة البلدية .. وكان هناك ساحة واسعة تُرابية .. تُربة صلبة قليلاً وليست رملية .. على أطراف تلك الساحة يجلس باعة يمنيون يفترشون الأرض .. يبيعون لعب رخيصة للأطفال .. اللعبة بخمسة ريال .. سيارة شرطة .. طائرة هيلكبتر .. سيارة حمراء .. سيارة زرقاء .. عرائس للبنات .. كان ذلك المكان هو مكاني المفّضل في كل السوق .. كنت أذهب صباح كل خميس لأشاهد اللعب .. أسأل عن السعر ثم أعود البيت .. أحاول توفير المبلغ .. او اوفر من فلوس المدرسة .. وأجمعها لنهاية الأسبوع .. ثم أعود يوم الخميس التالي لأجد نفس البائع يجلس في نفس المكان

ذلك اليوم حضرت مُبكراً .. وكانت أشعة الشمس مباشرة في وجوه الناس .. وذرات الرمل في الأنوف .. كان هناك العديد من عمال البلدية يكنسون الأرض .. الأرض أصلاً تُراب .. ماذا يفعلون ؟! لم أفهم .. هل كانوا ينظّفون التُراب ؟!! ربما .. شاهدت على الأقل عشرة عمال .. كل عامل يُمسك مكنسة بعصى طويلة .. منهم اليمني .. ومنهم الأسود .. ومنهم السعودي الكبير في السن .. بدأ المُتسوقون بالتوافد على الميدان .. بعض المتسوقون من الأجانب أيضاً .. كانوا يأتون باكراً لشراء الخضروات او الفواكة .. رأيت إمرأة أجنبية تبدو كأنها من بلد عربي .. ربما كانت مصرية .. او شامية .. كانت بيضاء وشعرها قصير .. وجسمها رشيق .. كانت تغطي جسمها بعباءة شفافة .. من الكتف الى مُنتصف الساق .. و العباءة مفتوحة من المنتصف .. لمحت ذاك المنظر في البداية وأنا أقف أمام الرجل الذي يبيع اللعب .. طبعاً لم أهتم .. فأنا هنا أمام المعبد .. كان ذاك الرجل يضع شرشف على الأرض .. ثم يبدأ بصف اللعب الصغيرة .. صفوف أمامية .. صفوف خلفية .. وصفوف أخرى خلفها .. اربعة صفوف .. كأن تلك اللعب تستعد للصلاة وتتجه للقبلة .. وكأن الشرشف المرسوم عليه اوراق شجر وزهور وردية .. سجادة الصلاة .. وكأن البائع هو الإمام .. لكن الإمام يقف في الخلف يُراقب اللِعَب .. وكأن الزبون هو القبلة .. كانت اللعب مرصوصة في صفوف .. تقف بسكينة وخشوع لا تتحرك .. كان الرجل يضع لعبة .. ثم يضع لعبة أخرى بجانبها .. وأنا أقف أمامه أتأمل منظر اللعب .. وأشعر بسعادة .. يرمقني البائع بنظرات حيرة وتوجس .. ربما كان يعتقد أنني سألتقط لعبة وأهرب بها .. لا أدري

فجأة سمعت صراخ إمرأة يأتي من جهة الشمس .. إلتفت بخوف نحو الصوت .. فإذا بالمرأة الأجنبية وقد إنقض عليها أحد عُمال النظافة .. وكان رجلاً أسود ضخم الجُثة مفتول العضلات .. إنقض على المرأة يعتصرها بين ذراعيه ويضُمها إلى صدره .. ثم يُقبّلها .. ويُقبّلها .. و يُقبّلها .. وهي تصرخ .. وهو بصوتٍ مرتفع يقول .. أحبك .. أحبك .. أحبك .. وهي تصرخ .. ثم أندفع جميع عُمال النظافة نحو الرجل يُحاولون تخليص المرأة من بين يديه .. لكن لا فائدة .. كان متشعبط فيها إبن الذين .. فبدأوا يضربونه بأعواد المكانس .. يحاولون إنقاذ المرأة .. إجتمعوا عليه ستة او سبعة رجال .. لكنهم كلهم يبدون كالأقزام أمام هذا العملاق .. والمرأة التي بين يديه ربما تكسرت ضلوعها .. إنهارت وذابت كالشمعة بين يديه .. او ربما فقدت وعيها .. كان الناس مجتمعين من حوله وهو ملتصق بها .. والصراخ يعلو وفي ثواني وصلت الشرطة ولم يكونوا بعيدين عن المكان .. فضربوه حتى أقعدوه على الأرض .. وسحبوا المرأة من بين يديه .. ثم تزايد عدد الناس ولم أعرف ما حدث بعد ذلك .. ذاك المنظر أصابني بالرعب .. وبقي عالقاً في ذهني لسنيين .. عدت للبيت وقد أصابتني حالة صدمة .. شعرت لأول مرة بالخوف من الشارع  .. ولأول مرة بدأت أفكر بأن الشارع قد يكون مصدر خطر .. وأن عليّ أن أنتبه لما يجري من حولي

قصة الرجل الأسود خلّفت أثر عميق في نفسي .. أصبحت أكثر حذراً وتوجساً من أخطار الشارع .. أهل جيزان أناس طيبون .. لكن الأغراب كثيرون في البلدة في تلك الأيام .. كان الميناء يعجُ بالحركة .. سفن كثيرة ترسوا .. وبضائع كثيرة تستورد .. أسمنت .. خشب .. حديد .. ثم بعد سنوات خفّ ذلك النشاط بشكل ملحوظ

في البداية كنا أطفال نلعب حافيين الأقدام في الأزقة المالحة بين البيوت ذوا الجدران القصيرة .. ثم مع الوقت بدأنا نهتم بلبس الأحذية .. كنا نلعب أيضاً ويشاركنا اللعب بنات في الحارة .. بنات يلعبنا معنا ثم يختفين فجأة عن الأنظار .. ونحن كصبية لم نكن نفهم ما كان يحدث لتلك الفتيات .. عرفنا لاحقاً أن الفتاة تصل لسن مُعينة ثم تكبر فجأة فلا تعود للخروج إلى الشارع .. بكل أمانة سأخبرك يا سيدتي .. كان للعب مع الفتيات نكهة مختلفة .. جو مختلف .. كأن الصبية يتنافسنا على قلوب الفتيات .. البراءة هي العنوان .. والقصة مُجرد لعبة شعبية في زقاق في الحارة .. كنا نلعب العاب مثل ( ساري ) وهي مثل عسكر وحرامية .. او (واحد طش .. ونعد إلى عشرة ) ثم نختفي .. ويقوم شخص بالبحث عنا

أتذكر أني أعجبت بفتاة كانت تلعب معنا .. كنُّا عندما ننتهي من اللعب ونعود للبيوت .. كُنت أنتظر اليوم التالي على أحر من الجمر.. ثم يأتي ذلك اليوم ونلعب مرة أخرى … ثم يأتي يوم آخر .. لكن الفتاة لم تعد للعب معنا في اليوم الذي يليه .. فجأةً .. تتلفت تبحث عنها لكنها لم تعد هنا .. ولا حتى هناك ..!! تريد أن تسأل أين ذهبت ؟ بنت منَ هي ..؟ لكن تخاف أن ينكشف سِرك .. فتقرر الصمت .. وتعود للعب مع بقية الصبية .. بالرغم من أن هناك خلف بيتنا مجموعة من الأطفال تلعب كل يوم .. لكنني لم أكن أفضل اللعب معهم .. بل كنت أذهب ألعب مع أصحاب ولد عمتي موسى في الزقاق أمام منزلهم

في أحد الليالي كان هناك عرض لفيلم سينمائي في حارتنا .. هل يُعقل ذلك ؟ نعم .. سينماء في جيزان في حارة أمحافة .. لا أعرف كل التفاصيل .. لكنني أذكر أن هناك قطعة ارض بين البيوت خلف بيت عمتي .. وضعوا شاشة بيضاء كبيرة على جدار بيت مجاور .. ثم جلس الناس في الظلام في سكون يشاهدون فيلم عربي .. عنتر وعبلة .. او عنتر بن شداد لا اذكر العنوان لكن أتذكر أن الفيلم يحكي قصة عنتر بن شداد وحبيبته عبلة .. كنت أشاهد الفيلم مع اولاد عمتي ومع بقية الناس .. وكان هناك شخص في المقدمة يطلب من الجميع الهدوء حتى يتسنى للجميع الإستمتاع بالفيلم .. كان شيئ مُثير للدهشة

بجوار بيت عمتي بيت يسكنه مُهاجر يمني يعمل في صيد الاسماك .. كان الرجل طويل وعظام وجهه بارزة للأمام وعيناه غائرتان .. كان يشبه المومياء الفرعونية .. كنت أخاف من منظره .. وذات ليلة حلمت بذاك الرجل يُطاردني .. كنت خائف وأركض في زقاق الحارة أبحث عن بيتنا في الظلام ولا أجده .. وكنت أسمع أصوات كلاب لكن لا أراها .. عندما إستيقظت من نومي بعد منتصف الليل .. كانت الغرفة مظلمة .. وكنت مازلت أسمع اصوات كلاب ضالة خارج البيت في الشارع .. كانت الكلاب تأتي من السبخة (منطقة تقع في أطراف جيزان في ذلك الوقت والآن أصبحت وسط المدينة تقريباً ) آخر الليل وتنبح .. خفتُ كثيراً .. وعندما رأيتُ جدتي نائمة إندسيت خلفها مُحاولاً النوم .. في اليوم التالي كنت عندما أشاهد ذلك الرجل .. كنت أخاف من شكله ويتملكني رعب شديد

كان أمام منزلنا في الجهة المُقابلة للشارع ثلاث او اربع محلات تجارية .. إحداها كافتيريا لبيع السندوتشات .. شاب يمني طيب جداً إسمه أحمد يعمل في الكافتيريا .. كان وسيماً يشبه الهنود في شكله ولونه وشعره .. وكانت في وجهه طيبة تشبه الطيبة التي كنت أشاهدها في وجه عمي حُّمد الذي يدرس في اميركا .. كنت أذهب كل ليلة بعد المغرب لشراء سندوتش .. والدي ينهاني عن شراء الأكل من الخارج ويُفضل الأكل من طعام المنزل .. تجتمع العائلة للعشاء كل ليلة عندما تُحين نشرة أخبار التاسعة .. لكنني كُنت أذهب للنوم مبكراً عند السابعة او السابعة والنصف .. فأمسيت متعوداً على شراء السندوتش من عند أحمد اليمني .. ثم أذهب لبقالتنا .. ألتقط عصير سن توب ثم أعود للبيت .. أجلس أمام التلفزيون أتعشى لوحدي .. ثم أُشاهد التلفزيون قليلاً وأنام .. هكذا كل يوم .. إلى أن جاء يوم وذهبت لكافتيريا أحمد اليمني .. لكن أحمد الطيب لم يكن موجوداً .. كان هناك عامل يمني آخر جديد .. لكنه كريه المنظر .. قصير .. شعره أفرو جعد وكثيف .. يفرقه من الجنب .. وله سن ذهبي مُقّزز .. يرتدي بنطلون رمادي وقميص أبيض .. بمجرد أن شاهدني عيونه إتسعت قليلاً .. ثم أخذ يتأملني بنظرات فاحصة سألته أين أحمد .. فرد .. أحمد سافر البلاد .. تشتي شي نخدمك .. لم تعجبني نظراته .. رددت عليه .. نعم سندوتش جبنة وبيض مسلوق لو سمحت .. لم يكن بنفس سرعة وخفة أحمد في إعداد السندوتش .. إنتظرت قليلاً .. ثم ناولني السندوتش .. وأعطيته ريال .. وخرجت من المحل

بعض الناس ترتاح لروحه من اول نظرة واول مُقابلة .. والبعض الآخر يقشّعر جسدك بمجرد رؤيته .. حتى أنك لا تحتاج أن تنتظر حديثه .. وإذا تحدث لم يثبت إلا صدق ذلك الإحساس والإنطباع الأول .. كان أحمد اليمني من النوع الأول .. بينما هذا الرجل من النوع الثاني .. عندما عدت اليوم الثاني ولم أكن بنفس الحماس رمقني بنفس النظرات الفاحصة كأنه يستعد لإلتهامي .. سألني هذه المرة إن كنتُ مصرياً فأجبته بلا .. ثم أخذت السندوتش وغادرت المكان

في اليوم الثالث حضرت لشراء سندوتش آخر .. فقال لي وهو يبتسم وسنه الذهب يلمع .. والله كنت فاكر إنك مصري .. ثم ضاقت إحدى عينيه قليلاً .. وقال .. ( ياخي أنته قمييييل ياخي .. ) شعرت بقشعريرة تسري في كامل جسدي .. إلتفت للخلف أنظر جهة الباب .. لأتأكد إن كان والدي أمام البقالة او عمي .. كان بالإمكان مشاهدة بقالتنا من داخل الكافتيريا .. فلم أرى أحداً .. عدت ألتفت إليه .. وقلت .. بالله بسرعة لو سمحت .. والدي ينتظرني عند المكتبة .. قال .. طيب طيب ولا يهمك .. ناولته ريال .. وناولني السندوتش وهو ينظر إلي بنظرات حيوانية تُقطّر خُبثاً وشهوة .. أخذت السندوتش وخرجت .. ولم أعد لذلك المحل بعد تلك الليلة

مع الوقت تطورت لدي مثل الغريزة .. شيئ يشبه الحاسة السادسة .. كنت أستشعر الخطر من البداية .. في الشارع .. في المدرسة .. أحياناً أفهم مُتأخراً .. لكني أتعلم الدرس .. مع الأيام طورت مثل الرادار .. أمسح الشخص .. وأستشعر الخطر وأطلق أحكاماً مُسبقة بناءاً على مشاعري وأحاسيسي .. حتى أتفادى المتاعب قبل أن تقع الفأس على الرأس .. حدث ذلك في إحدى المرات .. وكان الآخر أيضاً من الوافدين اليمنيين

ليست لدي مشكلة شخصية مع اليمنيين .. فهناك الطيب وهناك الشرير .. هذه وقائع حدثت .. ولو كان الشخص المقابل من الصين لذكرتُ ذلك أيضاً .. تم إفتتاح سوبر ماركت جديد قريب من المقبرة .. وكان صاحب السوبر ماركت صديق لوالدي وشريكه في المكتبة .. وشريكه في مزرعة كبيرة أشتروها لاحقاً .. كل من يدير السوبر ماركت من العمال اليمنيين .. بدأت تظهر منتجات جديدة لم نتعود عليها .. كنت أحب جداً أكل السيريال .. منتج اميركي إسمه كونتري كورن فلكس .. وقد جربته في بيت عمّتي .. في ذلك الزمان كان الإنسان يساوم صاحب المحل في شراء اي شيئ .. طريقة لا أحبها لكن ذاك كان الواقع .. كيلو البرتقال بأربعة ريال .. أعطيك ثلاث ريال .. ينفع .. طيب هات ثلاث ونص .. وهكذا كل شيئ .. الملابس .. الأكل .. حتى جاء السوبرماركت فأصبح السعر ثابت

ذهبت بعد عصر ذلك اليوم لهذا السوبر ماركت الذي يُقابل المقبرة .. لشراء علبة سيريال كونتري كورن فلكس .. وكان معي سبعة ريال فقط .. كان هناك عمال يشتغلون في السوبرماركت وواحد محاسب على الكاش ريجستر .. ذهبت وأحضرت العلبة من الرف .. وكان السيريال داخل المحل بعيد عن المحاسب .. ثم عدت للمحاسب وأعطيته سبعة ريال .. قال المحاسب .. لا .. هذه بثمانية ريال .. قلت .. طيب أعطيني بسبعة .. فرفض وقال ثمانية السعر ثابت .. ” تشتي والا رقع العلبة ” .. كان يقف بجانبه عامل يمني آخر .. يُراقب الموقف .. يبدو أصغر سناً .. لكنه بالطبع يكبرني كثيراً .. عدت لداخل المحل لأرجع العلبة لمكانها .. وكانت تبعد عن المحاسب وعن الباب .. وكنت أشعر بالكثير من الحزن .. ومُستكثر إني أرجع البيت وأخذ ريال ثم أعود .. فتبعني الشاب الواقف .. ثم قال هات السبعة وأنا أزودك ريال .. فأتسعت عيناي غير مصدّق .. ثم نظر جهة المحاسب يتأكد بأن أحد لا يراه .. ثم لمس عضوي الذكري ويتحسس مكانه وكنت لابس بنطلون .. لم أفهم ماذا يريد !! ثم قال كلام لم أفهمه .. كان عقلي في تلك اللحظة مشغول بالكورن فلكس .. ثم لمس مؤخرتي يتحسسها .. لمبة حمراء في رأسي بدأت تضيئ .. إنتبهت وبدأتُ أشعر بالضيق .. أعطاني ريال .. وتمتم بكلمات لم أفهمها .. أتذكر منها كلمة وا حدة .. قابلني .. إعتقدت أنه يقصد أن أقابله عند المُحاسب .. فأسرعت جهة المحاسب وأعطيته ثمانية ريالات .. ثم غادرت المحل متوجهاً للبيت

كان للسوبر ماركت باب خلفي .. وأنا عائد في طريقي للبيت تجاوزت ذلك الباب بعدة أمتار .. فإذا بذاك الشاب يخرج .. ويناديني بأن أتوقف وأعود .. بمجرد أن لمحته ولم أكن حتى تلك اللحظة مستوعباً الموقف .. بمجرد أن لمحته خفت وظننت أنه رجع في كلامه ويريد الريال .. فأطلقت رجلي للريح .. أجري .. وهو يناديني .. وهو ممسك بالباب الخلفي للمحل .. وأنا أجري .. وأجري .. وأتلفت للخلف لأتأكد أنه لا يُلاحقني .. ثم أنعطفت يميناً لشارع القادسية .. الآن شعرت أكثر بالأمان هاهنا شارعنا .. عيال حارتنا هنا .. لن يجرؤ هذا الحيوان على اللحاق بي

عندما أتذكر هذا الموقف الآن .. أعرف ماذا كان يريد ؟ لم يكن يريد الريال بل كان يريد المقابل لذلك الريال .. إبن القحبة شوف الذناءة يبغى ينيكني بريال .. طيب خاف رُبنا يا أخي وأرفع السعر شوية .. بريال يابن اللذين .. طيب بحبحها شوية وخلّيها بعشرة ريال على الأقل .. الواحد وراه مدارس ومصاريف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *