سهام في قلبي

(18)

سهام في قلبي

1979

سيدتي

في البداية كان معنا في البيت تلفون أسود بذراع صغيرة بجانب الهاتف .. وكان والدي يُدير تلك الذراع عدة مرات .. ثم أسمعه يصرخ .. المركز المركز .. ثم بعد ذلك أصبح معنا تلفون أسود بقرص دائري في المنتصف .. بداخله دوائر صغيرة .. وبداخل كل دائرة رقم من الصفر إلى تسعة .. ينقلب البيت فرح وسعادة عندما يتصل عمي حُّمد من أميركا .. كنت عندما أسمع أنه أتصل أشعر بفرحة غامرة .. كنت أجري نحو الهاتف .. وكأن روحي تُريد أن تسبق جسدي .. تُريد أن تخرج من جسدي لتلثم سّماعة الهاتف .. حتى أني كنت أشعر أن رجلي لم تعد تُلامس الأرض .. ثم عندما أصل لمكان الهاتف في تلك الصالة الصغيرة .. أجد الكل مجتمع حوله ينتظر دوره كي يتحدث .. كان والدي يسبق الجميع .. ثم يعطي السماعة لجدي ثم لجدتي .. وهكذا حتى تصل السماعة إليّ .. كنت أتكلم بسرعة كبيرة من الفرحة واللخبطة … كأن الحروف تصعد فوق ظهر بعض .. فتتكون كلمات جديدة من الفرح والإستعجال .. عم حُّمد عم حُمّد عم حُمّد .. .. أنا خليل خليل خليللل .. كيف حالك .. كككيف حالك عمي حُمّد .. متى ترجع .. ممتى ترجع .. وكنت أسمع عمتي من خلفي تستعجلني .. خلاص خليل .. اللي بعدك .. كنت أنهرها .. طيب .. عم حُمّد عم حُمّد عم حُمّد .. مع السلامة مع السلامة معاك أختي سهام .. ثم عندما تنتهي المُكالمة يخيم الحزن على البيت .. جدتي تبكي .. جدي يحاول أن يُخفي دموعه بطرف الغترة ثم يتجه صوب غرفته .. والدي مُبتسم يشعر بالفخر أن عمي يدرس في أميركا .. عشان يرفع رأسنا قُدام الناس .. ثم يردد الحمد لله.. الحمد لله .. سمعنا صوته .. المهم إنه بخير .. ثم نجتمع نتحدث عن ذكرياتنا مع عمي حّمد لمدة ساعة .. حتى ينّفض المجلس .. مرات كانت تأتي عمتي الكبيرة المتزوجة من بيتها لتشاركنا الفرحة وتطمئن على أخيها حُمّد .. هي أيضاً لها إبن تم إبتعاثه بعد ثالثة متوسط إلى بريطانيا لأخذ دبلوم في الأرصاد الجوية .. كان يُعاني من مرض الكلى .. وكانت تعيش في قلق عظيم بين نار ولوعة الفراق ومعاناة إبنها من إلتهاب الكلية

كان لعمي عبدالغفور كثير من المعجبات .. طبعاً لم أفهم ذلك في ذاك الوقت .. بل لاحقاً .. والسبب أن كثير من الفتيات من الحارة كانوا يزورون بيتنا بشكل إعتيادي بعد كل مغرب .. ويقعدن مع عمتي زُليخة وزوجة أبي وجدتي .. ثم لم نعد نشاهدهن بعد زواج عمّي عبدالغفور .. في أحد الأيام كان عمي عبدالغفور يجلس في المكتبة مكان الوالد .. والمكتبة عبارة عن رفوف مربعة تلتصق بالجدران الثلاثة .. تصطف عليها كل أنواع القُرطاسيات .. والواجهة زجاجية .. لم نكن نبيع الكتب بل فقط الأدوات المدرسية .. وكان يفصل بين الزبون والبائع دولاب من الزجاج والألمنيوم لعرض الأقلام والبرايات والمحايات .. وللدولاب رف علوي .. ورف في المنتصف .. كان عمي يبيع لفتاة .. وأخذ راحته في الحديث معها .. فوضع رجله اليمين على الرف الزجاج .. فأنكسر الرف وقُطعت رجله .. تم نقله للمستشفى .. وتم شك رجله بالعديد من الغُرز و لفها بالشاش .. وأعطوه عُكّازات لكي تساعده على المشي

 

في اليوم التالي كانت الأمطار تتساقط بغزارة .. خرج عمي وأحضر كُرسي .. وجلس أمام المنزل عند المدخل يشاهد الشارع ويستمتع بالجو الماطر الجميل .. طبعاً دون أن يبتل لأن سقف البيت أمام المدخل يمنع المطر من الوصول إليه .. كانت تلك فرصتي التي إنتظرتها طويلاً كي أضحك عليه وهو بعكازين لا يستطيع الحركة .. فكنت أجري وألعب في المطر وأشير إليه وأضحك .. وكان يحذرني من الشماتة به .. لكني لم أكن أعبه .. فيمكنني الجري والهرب منه ولن يستطيع اللحاق بي هذه المرة .. ههههههههههه

جاء ولد عمتي وطلب مني أن أذهب معه للميدان .. كان المطر ينقطع ثم يعود .. وقد إمتلئ الشارع بالماء وأصبح كالبحيرة .. رافقته للسوق وكان يكبرني بسبع سنوات .. كانت فيه حركات من الميوعة و كان يحرجني .. لأنه يمشي ويغني أغاني أم كلثوم في وسط الشارع وبصوت مرتفع .. ثم يحرك يديه بنفس طريقة أم كلثوم  .. هكذا ولم يكن يعبه بنظرات الناس .. أنا كنت أكره أم كلثوم أصلاً .. وذلك لسببين .. الأول أن صوتها غليظ ورجولي وهي إمرأة يُفترض أن يكون صوتها ناعم .. والثاني كنت عندما أنتظر مشاهدة فيلم السهرة لعادل إمام ليلة الخميس على ما أظن .. كانوا يعرضون أغنية طويلة جداً لأم كلثوم قبل الفيلم .. فأتسمر أمام التلفاز أحاول أن أبقي على عيوني مفتوحة .. حتى يغلبني النوم ويفوتني الفيلم بسبب أم كلثوم .. وعندما أستيقظ في الصباح .. تذكرني أختي سهام بقصة الفيلم وأكون في غاية الغيظ والقهر .. المهم .. ونحن عائدون من الميدان كان هناك مجموعة من اولاد الحارة في نفس عمري وبعضهم اكبر قليلاً .. صرخوا فينا وكانوا يكذبون .. أن لا نمشي خلال الماء من جهة اليمين وأن علينا أن نتجه لليسار لأن هناك علبة زيت نُحاسية مقطوعة ويمكن نتعور ونتأذى منها .. ولد عمتي لم يصدقهم لأنهم جيرانه ويعرفهم  .. أما أنا فصدقتهم ..  فأتجهت نحو اليسار .. ثم شعرت بألم حاد في رجلي اليسار .. عندما رفعت قدمي من الماء .. فإذا أصبع رجلي الكبير مقطوع إلى المنتصف والدم يسيل .. إنفجعت من كبر القطع وغزارة الدم .. حملني ولد عمتي بسرعة إلى البيت .. والمصيبة أن الاولاد كانوا يضحكون بهستيريا .. لأنهم اوقعوني في الفخ الذي نصبوه للمارة

أخذني ولد عمتي الكبير عبدالكريم إلى المستشفى .. وكان مدرساً للعلوم في متوسطة إبن سيناء .. كنت أبكي وأعتقد أنني ربما سأموت من كمية الدم التي سالت مني .. وصلنا المستشفى .. وقاموا بشك ثلاث غرز تحت أصبعي .. وكنت أبكي بصورة جنونية من ألم الغرز ثم لفوا الشاش حول أصبعي وباقي رجلي .. لكن لم يعطوني عُكّاز .. في اليوم التالي كان المنظر هكذا أمام عمارتنا .. أمطار مازالت تتساقط .. عمي يجلس على كرسي وبيده عكّاز وملفوف الشاش على كل قدمه .. وأنا أقف بجانبه أتكي على عُكازه الآخر .. ورجلي ملفوفة بالشاش .. ننظر بحزن للشارع .. والمطر ينهمر بغزارة .. نتنفس تلك الرائحة الفريدة التي يحملها المطر معه .. نستمع لصوت الرعد .. ونشاهد السيارات تمر من أمام المنزل ومافيش حد أحسن من حد

عدنا للمدارس .. المدرسة ظريفة .. وتحدث فيها أشياء غبية ومُضحكة ولا يُمكن تصديقها .. لم أكن متأكد هل الغباء في الكتب أم في المعلمين أم في طريقة التعليم أم فيّ أنا .. مثل أنهم كأنوا يضربوننا بالعصي في المدرسة .. ثم يطلبون مّنا أن نحبها .. ونحب المجيئ إليها ..! لابد أنهم مجانيين

المدرسة الشامية مبنى حكومي مكّون من دور ارضي ودور اول وسطوح .. وملعب كرة يد كنا نلعب فيه كرة قدم في حصص الرياضة ومباريات بين الفصول في الفسحة .. المبنى رمادي اللون من الخارج .. وحوافه مطلية بلون رمادي أغمق .. وهناك سور خارجي أقرب للشارع .. ثم مساحة تُرابية خالية .. ثم سور أخر ببوابة أقرب لمبنى المدرسة .. واضح أن الحراسة كانت مُشددة حتى لا يهرب الطلاب .. السور الداخلي يحيط بالملعب من الشرق .. ثم يلتف إلى جهة الغرب عند مدخل المدرسة .. الفراش يجلس طول الوقت أمام البوابة .. يوجد بوابة أخرى للمبنى يأخذك لغرفة المدير وغرف المدرسين .. ثم فصول الطلبة موزعة بين الدور الأرضي والدور الأول .. والملعب يقع شرق المدرسة .. ملعب أسمنتي الارضية طبعاً .. ربما كانت الشامية ومدرسة خالد بن الوليد هي المدرستين الوحيدتين الحكومية في المدينة .. وبقية المدارس الإبتدائية مباني مُستأجرة .. لذلك كُنا نشعر بالفخر كطلبة بمدرستنا

المدرسة تقع إلى الشرق من بيتنا على طريق الكورنيش .. خمسة دقائق مشياً على الأقدام .. وكنا نستمتع بمنظر البحر من الفصل في الدور الأول .. كنت أحب الجلوس قريباً من النافذة .. لم تكن الفصول مُكّيفة في ذلك الوقت .. دخل المُدرس ذات يوم وسأل .. من يعرف منكم اسماء البحار السبعة ..؟ أنا كنت جالس أستمع لما يقول ومُستغرب أنَّ هناك بحار سبعة .. كنت أظن أنه لا يوجد سوى بحر واحد فقط .. وهو هذا البحر الذي يقع على يساري .. وأستطيع رؤيته من النافذة التي تمتد إلى منتصف الفصل .. نافذة ثم عمود أسمنتي .. ثم نافذه أخرى تمتد إلى السبورة .. رفع بعض الطلبة أيديهم .. وبدأ المُدرس ينتقي الطلبة كي يقولوا ما عندهم … أنا أنا يا أستاذ .. تفضل يا بدر .. البحر الأحمر .. الأستاذ صح هذا واحد .. مين يعطيني إسم آخر ؟!! يالله يااولاد من يعرف ؟!! أنا كنت أفكر .. معقولة فيه بحر أحمر !!! قام طالب يقول البحر الميت .. درجة إندهاشي تزداد أكثر .. طالب آخر يقول أنا أنا يا أستاذ .. البحر الأسود .. وآخر يقول بحر العرب .. ورابع يقول بحر الصين … ثم توقفوا عن ذكر المزيد .. كنت مندهشاً للغاية .. ونفسي أرفع يدي وأشارك في حفلة البحار السبعة .. نظرت لجهة البحر للمرة الأخيرة لأتأكد من لونه .. ثم قفزت من الكرسي ورفعت يدي وصرخت بأعلى صوتي .. أننننننااااااا .. أنااااا يا أستاذ .. قال الأستاذ وهو يحاول إسكاتي .. خلاص يا خليل .. خلاص يا إبني الطلبة ذكروا جميع أسماء البحار السبعة .. صرخت بحماس وإستهجان وأنا أشير بيدي وذارعي جهة النافذة وبأعلى صوتي .. البحر الأزرق يا أستااااذ .. البحر الأزرق يا أستاذ .. لا .. يا خليل .. هذا هو البحر الأحمر .. شكراً يا خليل .. أقعد يا إبني .. وأنا غير مُصدّق ومغتاظ قعدت .. معقولة البحر أمام عيني أزرق والمُعلم يقول إنه أحمر .. أصدق المدرس وأكذب عيني .. مُستحيل أكذب عيني

كُنت أعود للبيت ولأني كُنت نحيف جداً كان والدي دائماً في صراع معي .. كان يُريدني أن آكل حتى أصبح قوي البنية .. وكنت آكل بكل ما أستطيع من جهد .. إلا أن والدي لم يكن راضيا عن صحتي .. فقررت أن أستعين بخبرة عمي عبدالغفور .. طلبت منه أن يخبرني عن ما يجب أن أفعل حتى أصبح قوي البنية ؟!! قال لي كُل وستصبح قوي البنية .. قلت له أكلت لكن لا فائدة .. قال راقب أختك سهام على الغدا وكُل كما تأكل هي وتوقف عندما تتوقف ..! قلت بس كذا .. بسيطة .. سأراقب سهام وهي تأكل .. يخرب بيت أهل سهام لما تاكل .. لم أكن أعلم أن المهمة ستكون بتلك الصعوبة وبتلك الدرجة من التعقيد .. إكتشفت في ذاك اليوم لماذا أنا بهذا النحف ؟!! بالرغم أن سهام ليست نُفيخة المنافيخي .. ولا تشبه نعمان في إفتح يا سمسم .. بل كانت ممتلئة قليلاً ولا تشاهد عظامها مثل أكثر البنات بينما بسهولة يمكنك رؤية عظامي

كان الغدا في العادة رز .. مرات يكون أبيض .. ومرات يكون أحمر .. أنا كنت أفضل الأبيض .. عمتي زُليخة تضع قطعة بلاستك على الارض ومرات جرائد .. ثم تضع صينية كبيرة مليئة بالرز .. ثم تضع في المنتصف فوق الرز طبق اليوم .. مرات سمك .. مرات دجاج .. وأحياناً لحم .. السمك هو الأكثر تردداً على السفرة .. لأنه الأكل المُفضل لوالدي وعمي عبدالغفور .. وكانت تصنع إدام .. وهو عبارة عن صلصة طماطم مع حبات طمامطم ثم تضيف إليها مرات بامية .. ومرات ملوخية .. وأحياناً خضار مشكل باذنجان .. كوسة .. ثم يكون هناك بالإضافة إلى ذلك بقول خضراء .. جرجير ولم أكن أحبه إطلاقاً .. فجل .. أحياناً كراث .. وأخيراً فواكه بعد الأكل .. برتقال موز تُفاح كل يوم .. بالإضافة إلى فاكهة الموسم .. وأحياناً مشمش مرات كميثرى .. بطيخ وهكذا

جلسنا حول السفرة جميعنا عدى جدي الذي يأكل لوحده في غرفته .. وكذلك والدي الذي يتأخر في العمل .. فتُبقي له زوجته بعض الأكل .. فيأكل لوحده أيضاً .. كُنا نجتمع حول السفرة عمي عبدالغفور .. عمتي المنسية .. جدتي .. عمتي زُليخة .. زوجة أبي .. أنا بجانب سهام هذه المرة .. وبقية أخواتي البنات .. وكذلك أختي الكبيرة .. بدأ السباق .. على بركة الله .. في العادة كنت آكل شوية رز شوية سمك .. وأتجاوز الفاكهة وأقوم أجري و ألعب مباشرة .. اليوم سأقوم فقط عندما تقوم سهام .. سأكل رز عندما تأكل رز .. سأكل سمك عندما تأكل سمك  .. كنت أقلدها .. هي لاحظت ما أفعل من تقليدي لها .. فلم تلتفت إليّ ولم تُبالي .. كانت كأنها في مهمة رسمية .. تركيز عالي ما شاء الله .. وتصميم وعزيمة وإخلاص في العمل .. في ربع الطريق بدأت أشعر بإجهاد .. وبدأت أشعر أن بطني قد إمتلأت .. فأصبحت أقلدها في الأكل لكن بكمية أقل .. وهي مستمرة لم تتوقف حتى أصبحت السفرة نظيفة تماماً .. إلى هنا لم أستطع الحركة .. وكنت أنوي أن أنام على ظهري من الشبع والتعب .. وظننت أنها إنتهت وستتوقف .. لكن كنت على نياتي

عمي عبدالغفور يرمقني بنظرة عتاب .. خليل إذا أردت أن تصبح قوياً فيجب أن تأكل .. وسهام مثال حي .. لا تقف حتى تتوقف هي .. بس ياعمي خلاص .. لا أستطيع .. أشعر أنني سأنفجر .. قال لا .. لازم تواصل .. وما نيل المطالب بالتمني .. ولكن تُؤخذ الدنيا غلابا .. أخذت سهام موزة .. أخذت موزة على مضض .. لم أستطع إكمالها .. سهام رمت قشرة الموزة الأولى .. وبدأت في تقشير الموزة الثانية .. عمري ما لاحظت أن سهام تأكل بهذه الطريقة إلا ذلك اليوم .. لأني كنت أخلص بدري اول واحد .. وأمشي .. فلم أعد أعرف إن كانت تتعمد تعقيدي .. أم تلك فعلاً طريقتها في الأكل .. وأنا أفكر .. رمت قشرة الموزة الثانية وأخذت موزة ثالثة تقشرها .. المصيبة إنها كانت تعمل ذلك بصمت وتركيز غير عادي .. ولا عليها في أحد .. يمكن سهام تحب الموز

سهام كانت أقرب أخواتي إليّ .. ذكية جداً وشاطرة في المدرسة .. كان والدي يُعّول عليها كثيراً أن تصبح طبيبة .. كانت بيضاء وجميلة .. وعنيدة .. عندها كبرياء وأنفة .. كانت رفيقة دربي عندما رحلنا مع أمنا للجبل .. كانت تتذكر الجبل ولم أكن أنا أذكره .. سهام التي كانت تبكي بحرقة عندما رحلت أمي .. وكانت تريد مطاردة الجيب .. بينما كنت أنا أقف أتفرج .. سهام التي شاركتني نفس الأحداث .. نفس الظروف .. لكن لم تُشاركني نفس حجم المعدة

أخبرني والدي أنه سيذهب للجبل ليطمئن على أحوال أمي .. وسألني إن كنت أود مُرافقته ورؤية أمي وأخي الصغير .. وأيضاً مولودها الرضيع الذي لم يسبق لي أن رأيته .. رددت عليه بلا مبالاة .. لا .. لا أريد زيارة أمي في الجبل .. بل أفضل اللعب هنا .. والإستمتاع بالإجازة الصيفية .. ذهب والدي وحده صباح الخميس ثم عاد مساء الجمعة .. في البيت سمعت أن عمّي حُمد سيعود من اميركا لحضور زواج عمي عبدالغفور .. من المضحك أن عمي عبدالغفور هو الأصغر سناً .. ومع ذلك تزوج قبل عمي حُمد .. كنت في غاية السعادة أنتظر يوم وصول عمي من اميركا .. يُفترض أن طائرته ستصل في وقت مُتأخر بعد منتصف الليل .. برغم حبي لعمي وشوقي للقاءه إلا أن النوم غلبني كالعادة .. وعندما إستيقضت في الصباح الباكر لرؤيته كان نائماً .. والله قهر .. أختي سهام إنتظرت قدومه في الليل .. وعندما إستيقظت في الصباح .. أخبرتني أن عمي أحضر لي جزمة على كفرات .. أنا بأعلى صوتي .. جزمة وتمشي على كفرات .. يااااااسلاااام .. معقولة .. لم أشاهد ذلك إلا في أفلام الكرتون .. كدتُ أطير من الفرحة .. وجري لغرفة الضيوف .. غرفة الكنب التي وضع فيها عمي حقائب السفر والهدايا

أريد أن أعترف بتُهمة يحاول الكثير من الناس نفيها عن أنفسهم .. وكأنها خُصلة قبيحة .. ومصيبة عظيمة وجريمة شنعاء .. الكُل ينفيها عن نفسه .. نعم يا سيدتي .. أقر وأعترف وأنا بكامل قوايا العقلية بأني مُذنب .. أعترف بأني أحب الهدايا .. وكلما زادت قيمتها شعرت بقيمتي أكثر عند الشخص الذي أهداني .. وكلما كانت الهدية فريدة من نوعها .. كلما شعرت أني فريد من نوعي عند الشخص الذي أهداني .. أشعر كأني غير مرئي .. والهدية تخبرني أني موجود .. تشعرني أنني مُهم أخيراً .. وأن هناك من لاحظ وجودي .. فلماذا يحاول الكثير من الناس الإعتذار والتنصل من حُب الهدايا .. بدل ما يفرحوا .. ويحمدوا ربهم أن هناك من تذكرهم وأحضر لهم هدية .. فتحت باب الغرفة .. وكانت مفروشة بسجاد موكيت مُشجّر بثلاث الوان مُتداخلة أخضر زيتوني وبني وأصفر .. والكنب أخضر زيتوني بزوايا وحواف خشبية بلون بني غامق .. ساعة خشبية مُعلقة على الحائط مطلية باللون البني الغامق برقاص ذهبي طويل يمتد لأسفل .. أحضرها ولد عمتي هدية من لندن .. وتوجد أبجورة ومزهرية بلا أزهار .. تلك هي غرفة إستقبال الضيوف .. أنيقة وفي منتهى الروعة .. وأفضل غُرفة في المنزل

كانت الحقائب مفتوحة مُلقاة على الأرض ولها رائحة مختلفة عن رائحة البيت .. رحت أقلب الحقيبة الكبيرة .. وجدت صندوق كرتوني بلون أزرق .. فتحته فوجدت جزمة زرقاء بعنق طويل بخطين أبيضين في المُنتصف .. وخيط أبيض وكفرات حمراء ورائحة الاشياء الجديدة .. الرائحة المُفضلة عندي .. أخذت فردة وحدة فقط .. وبدأت البسها لأتأكد أنها مقاسي .. وليست كجزمة عمي عبدالغفور المقلب .. السوداء المُنقطة أحمر .. او الحمراء المنقطة أسود .. ماعلينا .. لا يوجد مُقارنة .. اولاً هذه الجزمة من اميركا .. وثانياً لونها أزرق .. وثالثاً لها كفرات .. وأخيراً والحمد لله مقاسي مضبوط .. لبست فردة وحدة .. وحاولت أقف على رجلي .. فوقعت على مؤخرتي ..الله الله الله .. أش لزوم البهذلة والتهزيئ من الصبح كذا

نظرت للجزمة وأنا خايف .. لبست الفردة الأخرى وربطت الخيط .. وصرت لابس الفردتين .. لكن فيه مُشكلة عويصة الآن .. لا أعرف كيف أقف الآن .. وبعدييييين .. خطرت في بالي فكرة .. حبوت على ركبي من منتصف الغرفة إلى الكنبة .. وأستخدمت يدي ووقفت .. الآن الخطوة الأهم .. أريد أن أقف على الجزمة ابو كفرات بدون ما ألمس بيدي الكنب .. او اي شيئ آخر .. نجحت .. لثلاث ثواني فقط .. ثم وقعت بقوة هذه المرة على مؤخرتي .. وشعرت بألم .. وبعديييين مع الجزمة بنت الكلب ذي .. والله يا أنا .. يا أنتِ .. شيئ لا يُصّدق جزمة سريعة جداً .. كنت أقع حتى وأنا واقف على سجاد .. ماذا سأعمل على البلاط ؟

عمّي أحضر لي أيضاً بدلة بلون ازرق غامق مكونة من ثلاث قطع .. جاكيت .. بنطلون .. سديرية .. وكذلك كرفتة بيج بخطوط بنية ناعمة .. بس نسي يحضر القميص الأبيض الذي يُلبس تحت السديرية .. أخبرني أنه لم يجد قميص مقاسي .. صدقته وسامحته على تلك الغلطة التي لا تُغتفر .. كُله من أجل الجزمة الزرقاء .. لكن المهم لا يكررها .. تزوج عمّي عبدالغفور فتاة جميلة من حارة الجبل .. لا أعرف كيف تّعرف على عائلتها .. اذكر أن عمتي زُليخة كانت تحضر له صور لفتيات وهو يرفض هذه ويضحك من منظر تلك لأنها طويلة .. كان يبحث عن مقاسه .. بلا إحراج .. ربما يكون عمي قد تعّرف على تلك العائلة عن طريق صديق من أصدقاءه الذين يملؤن المدينة .. حضرت عمتي التي تسكن مكة لكن بدون إبتهال او هشام .. حزنت كثيراً .. وفي تلك الليلة أيضاً ليلة العرس كنت غاضباً جداً .. لأني كنت أريد لبس البدلة التي أحضرها عمي من أميركا .. كنت أبغى أكشخ على بقية العيال اللي لابسين أثواب .. وأدخل أنا بالبدلة والكرفتة وأحطم قلوب العذارى .. بس مالقيت قميص أبيض او حتى أزرق فاتح يُناسب البدلة النيفي

لفيت جيزان .. كل القمصان رجالية .. لا يوجد ولّادي .. عمي قال إلبس فلينة بيضاء .. قلت طيب والكرفتة أربطها على رقبتي وأعلقها هكذا دون ياقة .. رفضت الفكرة وحزنت .. تقريباً كنت ناوي أضحي بالعرس .. إلى أن جاء والدي ونهرني .. فلبست فلينة بيضاء .. وفوقها سديرية وجاكيت وتركت الكرفتة .. منظر غبي .. لكن ماذا أفعل ؟ حكم القوي على الضعيف

في طقوس الزواج في ذلك الوقت كان أهل العريس يأخذونه في السيارة .. ثم على مسافة معينة من البيت ينزل .. ثم يمشي في منتصف الشارع في موكب من أهله ومرافقيه .. طبعاً يتقدم العريس أثنين يحملان مجمرة البخور .. وناس ترمي مفرقعات نارية .. أنا كنت أمشي معهم في الموكب .. وكان العريس يلبس مشلح ويرافقه والدي ويلبس مشلح أيضاً .. حتى وصلنا لمنزل العروس .. كانت العروس تنتظر بالداخل وصول عمي على مسرح تم تركيبه على السطوح .. ويضعون عليه كنبتين للعريس والعروسة .. لم أدخل أنا وأنتظرت مع من إنتظر في الشارع

دخل العريس ووالدي .. وكان عمي حُمد يقوم بالتصوير .. المكان مُقتض بالنساء والعبايات السود ورائحة الُفل .. والطراطيع .. ثم يصعد العريس على المسرح .. ثم يضع يده اليمين على جبهة العروس ويرتل بعض التراتيل .. ربما يقرأ الفاتحة او يدعو .. ثم يجلس بجانب العروس ويضع في يدها الشبكة .. وينتظر بضع دقائق يرقص فيها أقارب العريس والعروسة .. ثم يُغادر العريس الفرح .. لكنه يقضي الليلة في بيت أهل العروس .. بل سبعة أيام في بيت العروس .. ونعود نحن أهله إلى بيتنا .. ثم نذهب صباح اليوم التالي بهدايا دهب .. نبارك للعروسين ونقدم الهدايا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *