عشرون عاماً في المنفى

(1)

عشرون عاماً في المنفى

بالكتابة هنا سأوفر مبلغ قدره 120 دولاراً في الساعة .. ثلاث جلسات في الأسبوع بــ 360 دولار .. وسأوفر ربع ساعة بحثاً عن موقف للسيارة .. وكذلك دولارين عٌملة معدنية لعداد موقف السيارة في الشارع .. بالإضافة لـإحتمال الحصول على مخالفة بقيمة خمسين دولاراً إذا ما تأخرت عن الرجوع للسيارة

لست مولعاً بالحساب .. ولا أنا بالبخيل .. وليس هناك من ضغينة ضد الدكتورة لويس طبيبتي النفسية .. لكن بالعقل .. كل ما أفعله عندما التقي بها .. هو الجلوس على مقعد فاخر .. ثم أبدأ في سرد حكايتي
هي في الجهة المقابلة .. تجلس تتأمل قسمات وجهي .. تقيس المسافة بين أنفي وفمي .. تلاحظ ارتعاشة يدي .. وبجانبها دفتر .. تلتقط قلمها أحياناً لتسجيل بعض الملاحظات .. ثم تناولني علبة مناديل لتجفيف دموعي عندما تستبد بي العواطف .. ثم عندما تحين الساعة تشكرني

( oops time’s up, I’ll see you on Wednesday )

 ثم تقودني للباب كأنها تدحرجني ” تصريف يعني ” .. لكن .. ل .. ل .. لم أكمل الحكاية بعد .. فترد بابتسامة مُصطنعة ونظرة مُشفقة وهي تهّز رأسها من الأعلى للأسفل

( It’s O.K we will finish on Wednesday)

ثم تنادي مريضتها المنتظرة في غرفة الإنتظار

 

حسناً .. أنا الآن موجود في البيت .. وهذا مقعد فاخر .. وهاهنا مكتب أنيق وجهاز كومبيوتر .. ونافذة زجاجية أمامي بعرض حائط تطل على منظر المدينة .. وهاهنا بجانبي علبة مناديل فيما لو احتجت … سأسرد كل الحكاية .. لن التزم بالتوقيت .. لن التزم بساعة أو اثنتين .. لن التزم بأي شيء .. سأكتب إن شئت في الصباح او المساء .. سأقول كل شيء .. لا .. و مشغل أم كلثوم وأغنية فكّروني .. السيدة لويس ليس لديها أم كلثوم

وأنتم أيها القُراء .. خذوا راحتكم .. التقطوا قلماً ودفتر .. أكتبوا كل ملاحظاتكم عني … قولوا .. أحسنت .. او قولوا مجنون .. لم أكن أهتم لنصائح الدكتورة لويس على أي حال .. لكن إنتبهوا .. أنا يا سادة يا كرام مثل كأس الويسكي .. لن يستسيغ طعمي البعض .. والبعض الآخر ربما يعتبرني رجساً من عملِ الشيطان .. وبعضكم لن يصبر على فراقي

أحداث هذه القصة حقيقية .. كل الوقائع حدثت فعلاً .. سأرويها بطريقتي أنا .. سأنقل ما كنت أعتقد في تلك اللحظة .. بغض النظر عن الخطأ والصواب او الشك واليقين .. بعض الأحداث قد تدخل ضمن الأوهام التي تمر بأي إنسان .. ويتم بناء أحداث لاحقة على تصّور باطل .. كأن تعتقد أن شخصاً ما يكرهك .. ثم تتصرف كردّة فعل على هذا الأساس .. بينما حقيقة موقف ذلك الإنسان غير ذلك

قضيت من عمري سبع عشرة عاماً من مولدي إلى أن أنهيت الثانوية في مدينة جيزان على ساحل البحر الأحمر جنوب غرب المملكة العربية السعودية .. ثم قضيت ثلاث سنوات في مدينة الظهران أدرس في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في نفس الفترة التي شهدت غزو العراق للكويت ووصول القوات الأمريكية للمنطقة الشرقية من السعودية .. تم طردي من جامعة البترول .. ” جامعة لا تُقدر المواهب ” .. ثم ختمتها ست سنوات في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة .. تخرّجت بعدها من كُلية الهندسة

عندما غادرت السعودية كنت لم أزل لم أستلم وثيقة التخّرج .. بل لم أكن أعلم بعد أن كنت قد نجحت في جميع مواد ذلك الترم .. ثم أخيراً إحدى عشرة سنة في سان فرانسيسكو عاصمة الحُب في العالم
حياتي عبارة عن نكتة .. فيلم مجنون لكن بلا موسيقى تصويرية خلف المشاهد والأحداث .. البداية .. لا يهم .. ممكن نبدأ من أي تاريخ .. والنهاية نفسها .. ستكون هي البداية .. إنسان ساذج .. إبن ساذج .. وأمي ساذجة .. كان حلمي كطفل أن أصبح طياراً .. وانتهى بي المقام خلف المقود .. لكن كسواق تاكسي في سان فرانسيسكو  يالله في الأخير كُله سواقة .. كُله توصيل رُكاب

لم أُقبّلُ إمرأة سعودية في حياتي .. في الواقع لم أتحدث إلى إمرأة سعودية خلال السبعة وعشرين سنة الأولى إلا إلى أمي وقريباتي .. عمّتي خالتي جدّتي .. كُنتُ شديد الحياء أيضاً .. وكُنت ” فيرجن” سبعة وعشرون سنة .. ” يااااا لهووووووي على قدرة التحمل ” .. سبعة وعشرون سنة .. وعندما ابتسم لي الحظ أخيراً .. أخيراً إبتسم .. ييييييييييييييه … إكتشفت أن عشيقتي الأمريكية لازبين .. !! بعد سبعة وعشرين سنة صيام طحت في لازبين

هل سمعتم عن الحسد ؟! لا أعتقد ذلك … أنتم السعوديون شعب منغلق على نفسه .. كيف بالله ستعرفون أن هناك شيء اسمه حسد .. ؟ أنا فاشل بمرتبة الشرف الأولى .. متشرد .. طفران .. و مُتخلف عقلياً .. يعني .. لا يوجد أمل أن يحسدني أحد .. على ايش يا حسرة .. ومع ذلك .. قابلت امرأة ذات يوم في الطريق تقرأ المُستقبل .. قالت .. يا ولدي .. ستعيشُ طويلاً .. وستركب أحصنةً وحميراً .. لكنك يا ولدي .. محسودٌ .. محسودٌ .. محسودٌ

****

ستقرؤون قصتي و ستقولون … يا إلهي قصة مُثيرة .. أتمنى أن أصل إلى النهاية بسرعة .. حسناً .. سأحقق لكم هذه الأمنية .. هذه هي النهاية .. هنا .. هذه الصفحة .. أنا هنا في المدينة الأكثر ليبرالية في أميركا .. سان فرانسيسكو .. لكنني أعيشُ سجين .. سجين تلك الجدران الساكنة بداخلي .. ومن هُناك .. جيزان .. إلى هنا .. سان فرانسيسكو .. مررت بالكثير والكثير من المواقف .. عندما أتذكر شريط حياتي السينمائي .. من اول صورة أتذكرها .. العُرس .. الى كل الصور التي يحملها شريط ذكرياتي .. أشعر أنني محظوظ جداً .. محظوظ لأنني مازلت أتنفس الهواء … محظوظ أنني مازلتُ على قيد الحياة .. صحيح أنني لم أجد إجابات لكل تلك الأسئلة التي أحملها معي .. وهل يهم ؟

قضيت في جيزان أجمل أيام الطفولة .. كُنت أنتظر قدوم الصيف رغم حرارته اللاهبة .. لأن أبناء عمتي يأتون لزيارتنا من مكة .. كُنّا نقضي الصيف نلعب في سطح منزلنا .. نشاهد أفلام الرسوم المتحركة سندباد .. جزيرة الكنز .. عدنان ولينا .. أو نذهب للبحر والحديقة .. ثم عندما ينتهي الصيف .. تنطفى أنوار السعادة فجأة .. هم يعودون إلى مكة .. وأنا أتدثر بلحاف من الليل و الحزن العميق .. كانوا يُغادرون في الصباح الباكر .. وكنت أسمع ضجيج حركاتهم فأستيقظ .. لكنني أتظاهر بالنوم .. لأنني أكره الوداع .. أتذكر هشام يطبع قبلة الوداع على جبيني وأنا أتظاهر بالنوم .. هاها .. كُنا في العاشرة من العمر .. كنت أكره الوداع ولازلت .. وأكره الدراسة التي كانت تأخذ مني أعز أصدقائي .. عندما نلتقي أنا و هشام المكاوي نصبح كتوأم روح .. و عندما نتورط في بعض الشقاوة .. كان يكذب كي ينقذني من التعرض للضرب من والدي .. للأسف أنا وهشام افترقنا للابد .. هو اختار أفغانستان والحرب والموت عام 1989 .. وأنا أخترت أمريكا والسلام والحياة عام 1998

أنا اليوم هنا .. ليس لدي صديق واحد حقيقي .. لم أجد الإنسان الوفي الذي يفهمني .. وكل الأصدقاء الذين جربتهم … لم يمحو ذكرى هشام .. الأسوأ أن أكثر هؤلاء الذين تصورت أنهم أصدقاء .. أكتشف لاحقاً أنهم مجرد حسّاد أو يبحثون عن مصلحة ما

سبعة عشر عاماً قضيتها في جيزان مرت كألف عام .. قضيتها في سجن مفتوح الأبواب .. سجن بلا جدران .. الإمام الذي يعظ الناس في خطبة الجمعة ظهراً يوصي الناس بالتقوى .. يُداعب أعضائي التناسلية بعد صلاة العصر من نفس اليوم وأنا في العاشرة من عمري

في مكة المكرمة قضيت أجمل الأيام خاصة في شهر رمضان .. .. في المدينة تعرضت لحادث دهس وأنا أعبر الشارع إلى مسجد العنبرية .. في الرياض في صيف 1987 تعرضت لمحاولة اختطاف في شارع الخزان قريب من معهد الرياض للغات .. في الظهران 1991 سقطت على رأسي وفقدتُ الذاكرة لثمانية وأربعين ساعة .. في جدة عشقت الشوارع والمٌجسمات وأبحر والتسكع بالسيارة في شوارع البلد بعد الثانية عشرة ليلاً .. وفي جدة وصلت لطريق مسدود .. وكُنت أتمنى الموت

في روما تمنيت أن لم تلدني أمي .. في سانت بيترسبرغ فلوريدا تعلمت حُب الحياة من جديد .. في اركيتا كاليفورنيا عدتُ للحياة وفقدت عذريتي .. في تيخوانا المكسيك كانت اول قُبلة .. أخيراً … عندما أضعت الطريق .. ولم أعد أعرف من أنا .. وماذا أريد .. وبعد تفكير عميق .. حددت لنفسي هدف لم يخطر في بالي من قبل اطلاقاً .. قررتُ أن أكون مليونيراً .. يالله يا عمي .. أيش ممكن الواحد يخسر ؟!! ثم بدأتُ رحلة المليون .. الدكتورة لويس توقفت عن زيارتها بنهاية 2007 وخليل الطيب أصبح تأريخ .. مجرد ذكرى .. أما الحبُ .. الحبُ لا يمكن أن تجده إن لم يكن موجوداً بداخلك أصلاً .. الحب يبدأ حينما يتعلم الإنسان كيف يُحب نفسه .. مرحبا .. أنا خليل .. دزموند خليل

 

 .. يتبع

رقصة الموت

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *