الصعود للهاوية

(3)

الصعود للهاوية

May 2007

(*)

كُنتُ قد خططت لكل شيء .. لم أدع شيئاً للصدفة .. ستغادر زوجتي إلى ولاية ميريلاند صباح الغد لزيارة أمها وقضاء الصيف بصحبة ابني الأكبر 4 سنوات وطفلتي الصغيرة سنتان .. لكنها لن تعود .. هي مازالت لا تعلم بما أضمرتُ لها من شر .. أنا لا أصلح أن أكون أباً .. لا أصلح أن أكون أباً .. هذه حقيقة مُسّلمة .. ولو لا الضغط الذي مُورس علي من أبي .. منها .. لكُّنا ما نزال نعيش أسعد أيام حياتنا .. مرت الثلاث سنوات الأولى بسرعة .. كُّنا سعداء جداً .. نخرج للعشاء كل ليلتين .. نسافر .. نقضي نهاية الأسبوع في بُحيرة تاهو .. نخرج للتخييم .. نذهب للتزلج .. نذهب للمشيئ في الغابات .. نسبح في النهر .. جربت كل الأشياء التي شاهدتها يوماً في التلفزيون .. وكُنت محروماً منها في جيزان

ذهبنا لمدينة سانتا كروز .. لمونتراي .. لكارمل .. علمتُها شوارع سان فرانسيسكو .. حدائقها .. متاحفها .. هنا تقاطع شارعي هيت آشبري الشهير .. كان البداية لثورة الهيّبز في الستينات .. وتلك حديقة البوابة الذهبية حيث كان يتجمع الهيّبز في صيف الحب الشهير عام ١٩٦٧ .. اذكر اول لقاء رسمي بيننا .. وكنت أضم يداها بين يدي ونحن نجلس سوياً على الرصيف في النورثبييتش الحي الإيطالي .. مّر رجل بجانبنا وهو يرمقنا بنظراته الباسمة وقال .. أرى الحُب في ذرات الهواء .. ضحكنا سوياً .. وأحمّر خديها

تزوجنا .. وأتفقنا أن نمنح أنفسنا المزيد من الوقت حتى نتأكد أن زواجنا يسير في الطريق الصحيح قبل أن نفكر في إنجاب الأطفال .. وحتى نتغلب على كل تلك الاختلافات .. فالمسافة بين جيزان وسان فرنسيسكو لا تُقاس بالأميال .. اقترحت أنا ثلاث إلى خمس سنوات .. هي إختارت أن تكون ثلاث سنوات .. والدي يحدثني بالهاتف .. يا ابني لو أنك خلّفت بعد زواجك مباشرة .. بدل كل هذا الانتظار .. لكان أبنك يتحدث معي الآن على الهاتف .. قلت في نفسي .. بالعربي أم بالإنجليزي .. ما فائدة أن نحضر أطفالاً لهذا العالم التعيس .. لنزيد أطفالنا تعاسة .. كيف لي أن أكون أباً .. وأنا مازلت أشعر بأني طفلاً صغير لم يكبر بعد ؟ ما زلت أشعر أني ممزق بين حضارتين .. لا أعرف من أنا .. من أكون .. ماذا أريد ؟

وللحق أقول بعد سبع سنوات من هذا الزواج لم نتعارك او نتخاصم ولو لمرة واحدة .. كنتُ أنا متفتح الذهن .. وكانت هي العاشق المُتّيم .. ولكن أخيراً تحت كل هذه الضغوط رضخت .. وليتني لم أرضخ .. عندما أخبرتني أنها حامل .. كانت ردت فعلي مزيج من الفرحة والحيرة .. فرحة بتلك التجربة الجديدة .. وحيرة من المستقبل المجهول .. وعندما عرفت انه ولد .. قلت في نفسي .. ياااااااه .. جت سليمة .. بعدها اختلف نظام حياتنا تماماً وللأبد .. بدل الخروج والاستمتاع بالوقت والحب .. مطاعم .. شواطئ .. منتجعات .. أصبح رضاعة طبيعية .. ورضاعة صناعية .. وتغيير حفاضات ومواعيد مستشفيات

مرت كل تلك الأحداث في ذهني كشريط سينمائي ونحن نجلس على الأريكة في صالة البيت نشاهد سوياً مسلسل ” لوست ” للمرة الأخيرة .. وذراعي تلتف حول ذراعيها وعنقها .. كانت الإضاءة خافتة كما تحب هي .. رائحة الشموع الموجودة في الغرفة تزيد المكان سكينة ووقار .. همستُ في اذنها .. ما أكثر ما يعجبك فيّ .. ؟ نظرت الى عيني بعمق .. لبرهة تفكر .. ثم قالت : جنونك ! قلتُ : جنوني !!! أنا

لا أسكر .. لا أشرب مخدرات .. لا أدخن الماريجوانا .. أنا ممل بصورة غير طبيعية .. فأين جنوني ؟

نظرت اليّ .. ثم سكتت برهة .. وقالت : اووه .. وبراءتك

(**)

عندما وصلت لمكتب السيدة لويس صباح يوم السبت حوالي عشر دقائق قبل العاشرة .. كان عليّ أن أنتظر في الشارع حتى تصل هي .. كان الجو شديد البرودة .. والضباب لم ينقشع بعد .. وكنت ما أزال أرتدي ملابس السهرة من الليلة السابقة .. ملابس ضيقة وغير دافئة .. قميص ضيق وبنطلون جينز ضيق ايضاً .. الملابس الضيقة غير محبب ارتداؤها في النهار .. لكني تعّمدتُ أن أحضر هكذا حتى تراني بهذا الشكل .. ملابس سهرة ضيقة في الليل .. لا شيء في ذلك .. لكن في النهار .. تصبح عرضة لنظرات الناس .. لاحظتُ ذلك في عيون بعض المارة .. كُنتُ مرتبكاً بعض الشيئ .. أُفكر بما أريدُ قوله .. هذا المزاج في تلك اللحظة .. وبرودة الجو .. جعلني أشعر برعشة خفيفة .. تمنيت لو كُنت توقفت في الطريق بمقهى ستار بكس الذي لم يكن يبعد كثيراً عن هنا .. كُنت التقطت كوب قهوة ساخن لاتيه بالفانيلا ليمنحني بعض الدفء

أحضرت معي دفتر لكتابة الملاحظات .. وورقة من كراسة رسم رسمت فيها صورة بورتريه لصورة شخصية لي وأنا في سن الخامسة .. احتفظ بها طول الوقت .. ومجلة دورية من مدرسة اللغة الانجليزية التي درست بها عام 1998 .. كتبتُ فيها اول موضوع إنشائي حقيقي بدون غش او مساعدة من أبي موضوع بعنوان ” أسرار ” .. ذكرت أبي هنا .. نعم .. الى أن وصلت للمرحلة الثانوية .. ووالدي من كان يكتب لي مواضيع التعبير .. كنت أذهب إليه في ساعة مبكرة من الصباح .. وهو يجلس القرفصاء يقرأ القرآن .. أخبره بأني انشغلت بحل واجب الفيزياء والرياضيات .. ولم أجد الوقت الكافي لكتابة موضوع مادة التعبير .. فكان يكتب لي موضوع التعبير في خمس دقائق .. وينصحني بأن أعتمد على نفسي .. كنت آخذ الورقات منه لأنسخها بخط يدي وأقدمها للمدرس المصري .. وأحياناً لا أجد الوقت الكافي للنسخ .. فأقدمهم للمدرس كما هي بخط والدي

لسنوات عديدة لم أكن أعرف من أنا ؟ كنتُ في جيزان أعرف من أنا بعض الشيئ .. او كُنتُ أتصور أنني أعرف .. كنتُ هناك ظل أبي في الأرض .. او صورة محددة أرادها لي أبي .. وشارك المجتمع في رسم تلك الصورة .. أما في سان فرانسيسكو .. فجأًةً .. تجد نفسك أمام لا نهاية من الخيارات .. صدقوني اذا قلت لكم أن الحرية مخيفة جداً أحياناً .. وخاصةً إذا جاءت بعد ثلاثين سنة من الأغلال

أحضرت معي الصورة التي رسمتها .. وأيضاً الموضوع الذي كتبته .. لأني كُنت أشعر بأن هناك فناناً خجولاً بداخلي .. لكني لم أكن أعرف من هو ؟ وكيف لي أن أخرجه إلى النور .. ربما تساعدني الأخصائية النفسية على تحديد ملامح ذلك الإنسان الساكن داخلي .. كُنت سأسألها عن رأيها في رسمي وايضاً فيما كتبته .. هل أنا فنان وموسيقار ..؟!! مع أني لم أعزف على آلة موسيقية حقيقية في حياتي .. هل أنا رسام ؟! لي بعض محاولات الرسم .. هل أنا ملاك ؟ هل أنا شيطان؟ كثيرة هي الأسئلة التي تدورُ في رأسي .. هل أنا كاتب ؟! .. لم يعد يهم  ..  بغض النظر عن الإجابة .. ماذا كُنتُ أفعل في كلية الهندسة لتسع سنوات

كل تلك الأفكار كانت تدور في رأسي .. لم يقطعها إلا وصول السيدة لويس .. بابتسامة عريضة أقبلت .. وكانت تحمل بعض الأوراق ..

إمرأة في الستين ربما .. جميلة الملامح .. قصيرة الشعر .. نحيفة كأنها عارضة ازياء … عيناها تنبض بالحياة والحيوية .. تلبس معطفاً بُنياً .. يغطي إلى تحت الركبة .. لكنه لا يُخفي ساقيها الجميلتين .. اتجهنا للباب .. فتحته بادخال ارقام سرية .. وصعدنا سوياً لمكتبها في الطابق الثاني

(***)

في حياتي لم أذهب إلى أخصائي نفساني الا ثلاث مرات .. وفي كل مرة كان السبب واحد .. الدراسة .. كُنت أذهب للأخصائي وفي جُعبتي نفس السؤال .. لماذا أمكث في غرفتي لعشر ساعات كي اُذاكر .. لكنني لا أستطيع أكمال صفحة واحدة ..؟!! مع العلم أنني أرغب في النجاح .. أرغب في التفوق .. وحتى إذا أكملت الصفحة .. لم أكن أفهم أي نقطة .. دائماً أنا شارد الذهن .. في الفصل في المعمل .. في الفصل اسأل المدرس أي سؤال فقط لكي أخرجه عن جو الموضوع .. ! في الغرفة عندما أحاول القراءة تجدني أعبث بأي شيء .. أرسم .. اشخبط .. أُقّلب قنوات التلفزيون .. أنقّب عن البترول داخل أنفي .. أقرأ جرائد .. أبحث عن حل لمشكلة فلسطين .. أصنع كل شيء في الغرفة عدا شيء واحد .. المُذاكرة ..! أخيراً وصلت إلى نتيجة وهي أنني ربما أكون مجرد إنسان غبي .. حِمار يريد أن يحصل على شهادة بكالوريوس الهندسة .. وهذا غير ممكن .. وإلى يومنا هذا مازلتُ لا أعرف كيف تخرجت من الجامعة ..؟!! المضحك أنه بعد التخرج .. قررت أن أسعى خلف الماجستير .. بحق الجحيم كيف كُنتُ أفّكر ؟

كُنت ادخل على الأخصائي النفساني بدون مُقدمات وأبادره بسؤال غريب .. هل تعتقد أنني غبي ؟! تتسع عيناه وهو ينظر إلي بدهشة .. ثم يقول .. بما أنك قد حضرت لزيارتي فلا شك عندي أنك رجل ذكي ! كانت زيارتي الأولى أخصائي نفساني عام 1995 عيادة خاصة في شارع فلسطين قريب من سوق الشرق الأوسط في مدينة جدة .. كُنتُ حينها مُحبط حتى الثمالة في الرابعة والعشرين من عُمري  .. وكان الطبيب من بلاد الشام .. وكانت زيارتي الثانية لأخصائي أمريكي من أصل فلسطيني عام 2003 في شارع ” يونيون ” بسان فرانسيسكو بطلب من زوجتي .. أمّا هذه المرة فهي المحاولة الثالثة لزيارة أخصائي .. وهي الدكتورة  لويس .. السيدة لويس زبونة عندي .. تعرفتّ عليّ عن طريق صوفيا وهي زبونة لدي أيضاً .. وصوفيا مهندسة ديكور تسكن حي ” بيرسيديو هايتس ” وهو حي اليهود ارستوقراط في المدينة .. وكانت قد مدحت عملي للسيدة لويس

عندما قابلت السيدة لويس للمرة الأولى سألتها إن كانت مُحامية ؟ قالت : لا .. أنا دكتوراه في الطب النفسي من جامعة بيركلي .. ولدي مكتب خاص لممارسة المهنة .. ابتسمت وقلت لها .. ربما أحتاج لزيارتك في المكتب ذات يوم .. فأعطتني كرت فيه العنوان والهاتف .. وضعته في محفظتي .. كان صعودنا إلى مكتبها في الدور الثاني فرصة لتذكر كيف وصلت إلى هذا المكان ؟

..  وجدتُ نفسي أسير خلفها في بداية ممر طويل ينتهي إلى مطبخ .. على اليمين توجد ثلاثة أبواب تقود إلى مكاتب مختلفة .. انعطفت بي يميناً إلى أول مكتب .. فإذا بي في صالة صغيرة للانتظار .. يوجد بها كنبة خضراء اللون باهتة بعض الشيء .. وكرسي .. وطاولة بالمنتصف .. وكذلك طاولة جانبية مرصوص عليها بعض المجلات بطريقة مرتبة وأنيقة .. لم يكن هناك مكتب سكرتارية .. ثم فتحت باب آخر بالمفتاح .. قادنا ذلك إلى غرفة واسعة بعض الشيء .. توقعت أن تكون هذه الغرفة أكثر تنظيماً وأناقة .. كما نتخيل نحن غرف الأخصائيين النفسانيين .. الوان هادئة .. موسيقى كلاسيكية .. كرسي أسود فخم من الجلد يستلقي عليه المريض باسترخاء .. إلا أنها لم تكن كذلك .. كانت عبارة عن غرفة أشبه بصالونات البيوت الأمريكية .. كتلك التي يجلس فيها الأمريكيون لمشاهدة التلفزيون .. كان هناك أريكة – صوفا – مريحة لجلوس المريض .. تواجهك عندما تدخل الغرفة .. وكرسي الأخصائية  يواجه أريكة المريض على مسافة كافية أقرب الى الباب .. ثم بقية الغرفة عبارة عن نوافذ و ستائر .. وكذلك كتب ومراجع مصفوفة على رفوف خلف مقعد المريض ..

في الجهة الأخرى من الغرفة لليمين طقم صوفا يصلح للاجتماعات .. وكذلك لوحة زيتية معلقة على الحائط

طلبت مني أن أجلس في وضع مريح .. وجلست هي أمامي .. في البداية ساد صمتٌ لبعض ثواني .. وكأنها كانت تنتظر مني البدء بالحديث .. بينما كُنت أنا أيضاً أنتظرها كي تبدأ هي .. ثم سألتني عن حالي .. فقلت بخير .. ثم قالت ماذا يمكنني أن أصنع لك ؟ .. لم ارد .. هل من سبب لمجيئك هنا ؟ .. قلت .. نعم دزموند .. قالت .. عفواً .. لم أفهم ؟ قلت ..  لوست  .. بدأت تعدل جلستها .. وبدأ وجهها يتغير قليلاً .. وكأنها شعرت أني مجنون .. ربما كانت تقول في نفسها كما يقول المصريون .. ياذي النيلة على اليوم اللي باين من اوله

 .. يتبع

دزموند