دزموند

(4)

دزموند

May 2007

ارجوكِ سيدتي لا تفزعي .. أنا لستُ مجنوناً .. قد أكون أعقل من جلس على هذا الكرسي .. ارجوك ساعديني .. فأنا أعقد عليكِ آمالاً كبيرة .. منذُ أن وعت عيني الأشياء .. وأنا الإنسان المُطيع .. المؤدب .. المنفذ لجميع الأوامر .. لم أكن أسأل لماذا ؟! ولأني كُنتُ أكبر إخوتي .. ولأن الآمال معقودة عليّ .. فقد تحملت الكثير من الضغوط المعنوية والنفسية .. وبالرغم أنني لم أجد الكثير من الاحترام والتقدير من والدي .. إلا أنني عزمتُ الا أُخيب ظنه .. لكن ذلك حدث على أي حال .. وكان يحدث كل مرة .. دون أن أعلم لماذا .. وكنت أقف على قدماي مرةً أخرى .. وأحاول بدل المزيد من الجهد .. لكنني كنت أقع في كل مرة

إكتشفت لاحقاً أن لا شيء يمكن أن يُرضي والدي .. لا شيء أبداً .. لكنني إكتشفتُ ذلك متأخراً جداً .. وأكتشفتُ أيضاً أن المشكلة لم تكن أنا بل هو .. هو لا يستطيع رؤية سوى الجزء الفارغ من الكأس .. لا شيء يُرضيه أبداً .. فإن أحضرتُ له القمر بيميني .. لقال : كان بإمكانك أن تُحضِر الشمس .. لماذا لم تُحضر الشمس ..؟ وإن أحضرتُ له الشمس .. قال لماذا لم تُحضر زُحل  .. وهكذا .. لا شيء يرضيه .. وقد كُنتُ أفعل كُل شيء من أجله .. من أجل أن يكون فخوراً بأكبر أبنائه .. أضعتُ زهرة شبابي من أجله … من أجل لا شيء .. تسعُ سنوات في جامعات السعودية .. عانيت فيها الأمرين .. الغُربة والفشل .. فقدت الثقة في نفسي .. فقدت الثقة في قدراتي .. عانيت من الاكتئاب ولم أكن أدري .. وبعد أن ظفرت بشهادة الجامعة هناك .. كُنت ما أزال أشعر بالعار .. فشهادة الخمس سنوات أخذتها في تسع سنين .. حضرت هنا لأميركا أبحث لوالدي عن شهادة أخرى من جامعة أخرى .. وشهادة أخرى بأني سأبذل الغالي والنفيس من أجل أن يرضى عني .. لكن .. لا يهم أبداً .. لا شئ يرضيه

فجأةً .. وفي عام 2005 إكتشفتُ أمراً خطيراً للغاية .. أمراً مهولاً هّز وجداني .. إكتشفت أنني كُنتُ مُبرمج بطريقة خاطئة .. وأن كل ما عملت في تلك السنين لم يكن سوى ضياع .. وأن كل ما ذهب من عمري ربما ذهب هباءاً .. وأن كل ما ترتب على ذلك من نتائج لم يعد له قيمة .. وهذا تماماً ما حدث لدزموند يا سيدتي .. دزموند الشخصية الموجودة في الجزء الثاني من مسلسل ” ضياع/ لوست ” .. سأختصر لكِ قصته في سطور قليلة ..  لقد وجد دزموند نفسه مرمياً على شاطىء جزيرة بعد أن اصطدم قاربه بالصخور .. ثم أخذه رجل موجود في الجزيرة إلى غرفة مُحصّنة تحت الأرض .. وكان الرجل يلبس بدلة مُحصنة ضد الأوبئة

بعد أن إستيقظ دزموند .. أخبره ذاك الرجل بأن الجزيرة موبوءة ..  وأن عليه أن يمكث داخل مبنى مُحصن تحت الأرض .. وأنه لا يمكن له الخروج للخارج إلا إذا لبس ملابس خاصة وجهاز اوكسجين للتنفس .. حتى لا تنتقل تلك الفيروسات إليه .. ثم أخذ يُحقنه بحُقنة كل يوم ضد الوباء .. أخبره ايضاً عن جهاز الكومبيوتر .. وأن عليه أن يدُخل كود من الارقام الى جهاز الكومبيوتر كل 108 دقيقة ..

ثم يبدأ العداد بالتناقص كل دقيقة ..  كتكات الساعة .. تك .. تك .. تك .. تك 108 107 106 105 .. دقيقة بعد دقيقة حتى يصل إلى آخر خمسة دقائق ..  يبدأ عندها جهاز الإنذار بإصدار أصواتاً تحذيرية بأن الوقت قد حان لإدخال أرقام الكود من جديد .. وضغط الزر من جديد

قال دزموند .. وماذا سيحدث يا سيدي إذا لم أُدخل الكود ؟! قال له الرجل الغريب .. سيحدث إنفجار كبير سيُدمر الجزيرة .. إن مُستقبل الجزيرة يعتمد عليك .. أمكث أنت هنا وقم بواجبك حتى يأتي شخص بديل يحمل عنك الراية .. ويقوم بأداء المُهمة .. ستعرفه عندما يخبرك بكلمة السر .. كل ما تحتاجه موجود هنا في هذه المحطة .. أكل .. شراب .. موسيقى .. ولا تنسى أن تأخذ الحُقنة ضد الأوبئة كل يوم .. لا تنسى مهمتك الأساسية تدخل هذا الكود في جهاز الكومبيوتر كل 108 دقيقة .. وتضغط على الزر .. ” تنفيذ ” … فيقوم العداد بالعودة من جديد الى الدقيقة 108 .. ويبدأ من جديد في العد التنازلي 108 107 106 105 وهكذا

لم يسأل دزموند الأسئلة الكافية .. واستمر في عمل ما طُلب منه بتفاني .. يُدخل الأرقام .. ثم يضغط على ذاك الزر كل 108 دقيقة مدة ثلاث سنوات .. ولم ينسى كذلك أخذ الحُقنة كل يوم .. حتى وجده بالصدفة الضائعون في الجزيرة عندما سقطت طائرتهم على الشاطئ  .. كانوا يبحثون عن مخرج من ورطتهم وظنوا عندما وجدوا دزموند أنه من سينقذهم .. عندما أخبرهم أن الحياة على الجزيرة مستحيلة بسبب الفيروسات والأوبئة .. أخبروه أن الحياة طبيعية خارج المحطة .. وأنه لا يوجد أوبئة ولا يحزنون .. صَعُقَ دزموند .. وحزن على تلك الأيام التي أضاعها من عمره يُدخل تلك الأرقام إلى ذلك الجهاز اللعين .. ثلاث سنوات مرت عليه بكل يوم وكل ساعة وكل دقيقة يُدخل تلك الأرقام في جهاز الكومبيوتر يريد أن ينقذ الجزيرة من الكارثة

سيدتي .. أنا خليل .. وهذه حياتي .. أُدخل الأرقام واضغط الزر منذ ثلاثين سنة

بُهتت السيدة لويس .. كأنني ألقيت عليها بحِمل ثقيل .. أثقل مما كانت تتصور .. أتذكر عندما قابلتني اول مره في العمل ورأت وجهي المُشرق وتلك الابتسامة العريضة .. ربما لم تلاحظ في تلك اللحظة سوى الابتسامة وادبي الجم .. يا للعجب .. كيف يستطيع الإنسان أن يخفي الكثير خلف إبتسامة صادقة .. وياللعجب ايضاً .. كيف وصلتُ أنا إلى هنا ..؟

كيف وصلت الى هنا .. مكتب أخصائية نفسية ..؟!! وكيف وصلت أيضاً الى هذا المكان .. أميركا .. ؟ لم أكن أحلم او أتصور في يوم من الأيام أن أذهب لأمريكا .. فكيف بالعيش فيها ..؟! لم أتخّيل ذلك ولا حتى عندما كان يستبد بي الخيال ..  أذهب لأمريكا .. مستحيل .. والدي لا يتركني أذهب ألهو مع اصدقائي في الحارة .. أنا لا أُغادر البيت معظم الوقت .. أنا نصفي رجل ونصفي الآخر إمرأة من كثر قعودي في البيت .. حتى أنّ المرأة اللازبين التي أحبتني هنا في أميركا .. أخبرتني أنها أحبت مني الجزء الناعم

عندما كُنتُ أحضر لمجلس والدي وأنا طفل صغير أتلمس خطواتي الأولى نحو الرجولة .. كان يقوم بذكر اي قصة مُخجلة عني فيتسبب في إحراجي ..  ومن ثّمَ أصبح مثار سخرية الكبار ..  كنت أهرب ولا أعود للمجلس حتى أصبحت أكره مجالسة الكبار وأشعر بعدم الراحة في وجودهم حتى أصبح هذا الشعور مُلاصقاً لي ..  لم أفهم أبداً دوافعه في تلك اللحظة ..؟! هل هو يُرّبيني بإحراجي بتلك الطريقة المُهينة ..؟

وعندما أصبحتُ في سن الشباب كان يمنعني من السهر خارج المنزل.. و يمنعني من السفر لوحدي .. وعندما تجرأتُ للمرة الأولى وكُنتُ في الرابعة والعشرين من عمري .. وأخبرته أنني أريد السفر لبريطانيا لأخذ كورس صيفي في اللغة الإنجليزية يساعدني في دراستي في كلية الهندسة .. ضحك بُسخرية .. وقال .. أخاف عليك وأنت هنا أمام ناظري .. فكيف أُرسلك الى بلاد الكفرة

عُدتُ على صوت السيدة لويس وهي تقول : حسناً .. تلك كانت قصة دزموند .. فما هي قصة الجزيرة والآخرين .. وهل ترى أن لها علاقة بك ..؟! أجبتها .. نعم بكل تأكيد .. قِصّة ” ضياع ” كالتالي … كان ركاب الرحلة 815  متجهون من سيدني الى لوس انجلوس على خطوط الطيران أوشيانيك عندما سقطت طائرتهم قرب جزيرة في عرض المحيط  .. مات بعضهم ونجا البعض ووجدوا أنفسهم على الشاطئ .. من الطبيعي أن يشعروا في الجزيرة بالضياع .. فهم لا يعرفون أين هم ؟  او أين تقع هذه الجزيرة .. ؟ ومن الطبيعي أيضاٌ أن يبذلوا كل ما في وسعهم كي يُنقذُوا أنفسهم من هذه الورطة لكي يعودوا بسلام الى ارض الوطن

إلا أنه وأثناء محاولاتهم المستميتة للخروج من هذه الجزيرة والعودة إلى الوطن .. يمرون بالعديد من المواقف والأحداث التي تختبر مدى إيمانهم وإصرارهم على العودة .. تلك المواقف التي جعلت فريقاً منهم يُحب تلك الجزيرة ويطمئن للعيش فيها .. ويتساءل .. ربما سقوط الطائرة هو القدر الذي أوصلنا إلى هنا  ..  ثم يقرر هذا الفريق العيش في الجزيرة .. خاصة عندما يتذكرون أن حياتهم في الوطن الأم  لم تكن بالصورة الوردية على اي حال .. وأن الإحساس بالضياع هنا في هذه الجزيرة .. كان يُقابله إحساس بالضياع هناك في الوطن

الا ان هذا الفريق الذي قرر أن يستقر في الجزيرة يصطدم بفريق آخر يُريد العودة للوطن بكل إصرار .. ويعتقد أن العيش في هذه الجزيرة أمر مؤقت .. وأن حياتهم في الوطن هي الأصل  .. سيدتي .. الطائرة التي ألقت بهم إلى هذه الجزيرة هي القدر 
 .. الوطن جيزان
 والجزيرة سان فرانسيسكو

ظلت تنظر إلي في صمتٍ وذهول .. وأنا أترقب أن تُلقي اليّ بسؤال … كسر الصمت سؤالي لها .. هل يمكنك مساعدتي ؟ أشعر بالضياع .. أشعر بغضبٍ عارم .. لقد أضعت أحلى سنين عمري بالجري وراء سراب .. أريد أن أسترجع ما فات .. والأدهى والأمَّر بعد كل تلك السنون لم أعد أعرف من أنا .. ماذا أريد .. كل الاتجاهات بالنسبة لي شمال .. أشعر أنني سأنفجر .. وأخشى أن يتأذى أحدٌ لو انفجرت ..

أريد أن أطوي هذا الفصل من حياتي وللأبد .. أريد أن أبدأ من جديد .. أُريد أن أتعلم أن أكون رجُلاً .. فأنا غير مُكتمل الرجولة .. كُنتُ أعيش تحت حماية أبي وكأنني امرأة .. أنا أكره خليل .. أكره خليل .. وأكره كل شيء يتعلق به .. وأكره أبي .. وأكره زوجتي .. أبنائي .. كل شيء .. وكل قرار اتخذته في حياتي لم يكن قراري .. لم يكن بملء إرادتي .. أنا فاشل ..  جبان .. غبي ..  قبيح

فجأة قالت .. اهدأ قليلاً … أرجوك .. أُريدك أن تهدأ قليلاً .. هل فكرت في الإنتحار ؟ هل فكّرت أن تضع حداً لحياتك ؟ تفاجأتُ بالسؤال .. قُلت باستغراب .. أنا ..!! لا .. لا أستطيع .. هناك في ثقافتنا ما يمنعني من عمل ذلك .. لكن أصدقك القول .. أتمنى عندما أذهب للنوم مساءاَ أن لا أستيقظ في الصباح .. أشعر أنني عالق في هذه اللحظة .. لا أستطيع أن أتزحزح .. لا أستطيع العودة للخلف .. لا أستطيع التقدم للأمام .. أشعر أنني مُنهك .. أشعر أنني ميت بداخلي ..  وأني ميت المشاعر .. نعم أتمنى أن أموت .. أتمنى أن أموت ولكن بطريقة أخرى .. كأن تصدمني شاحنة .. او تسقط على رأسي عمارة

ابتسمت ثم قالت .. جيد .. طالما أنك على الأقل لا تفكر بالانتحار فهذا جيد .. هذا يجعلنا نعمل على بعض النقاط براحة أكبر .. وسنحاول إصلاحها .. ولكن أريد أن أعرف القصة من البداية .. أريدك أن تُخبرني عن كُل شيء من البداية .. سنحتاج على الأقل لثلاثِ جلسات أسبوعياً .. أريدك أن تكون قوياً ورابط الجأش .. وأريدك أن لا تفقد الأمل في الحياة

.. قلت لها .. لقد أحضرتُ لك حكايتي مكتوبة باختصار .. لقد كتبتها عندما كُنت طالباً في مدرسة اللغة الانجليزية عندما جئت لأمريكا للمرة الثانية عام 1998 وهي بعنوان ” أسرار ” .. وكانت قد حازت على إعجاب مُدرّستي .. نظرت اليّ بفضول .. حسناً ناولني الكراسة

ثم بدأت .. تقرأ في صمت .. وأنا أراقب عينيها .. تقرأ ببطء .. وأنا أنظر إليها بتوتر .. أشبك بين أصابع يداي الأثنتين .. وهي تقرأ .. ثم بدأت عينيها تتسارع أكثر كأنها تلتهم الكلمات في نهم .. وأنا أعصابي تزدادُ توتراً .. حتى أصبحتُ أجلس على حافة المقعد .. وهي مازالت تقرأ .. ثم رفعت حاجبها الأيمن باستغراب .. ثم قلبت الصفحة .. وبدأت هي تتوتر أكثر .. ثم قطبت حاجبيها .. كأنها شعرت بالغضب .. ثم فجأة صرخت بصوت عالي … ياااااا إلهي … هل وجدت أمك ؟

أجبتها .. بعد أن ارتخت أعصابي قليلاً .. لا يا سيدتي .. مازلتُ أبحثُ عنها

 .. يتبع

أسرار