أسرار

(5)

أسرار

Feb 1998

في مدينة صغيرة هادئة تقع في الجنوب الغربي للمملكة العربية السعودية ولدت لعائلة من الطبقة المتوسطة عام 1971 كنت الطفل الثالث لوالداي ، عشنا في منزل كبير مع جدي ، جدتي ، عمتان ، وعمّان .. جدي كان الكبير الذي يحظى بإحترام الجميع .. بالرغم من أنّه والدي من كان يُنفق على العائلة .. كان والدي يعمل مع الحكومة في إدارة التعليم .. وفي نفس الوقت كان لديه متجراً صغير بإسم جدي .. نسيت أن أخبركم .. كان لوالدي ثلاث زوجات .. لم أفهم لماذا ؟! ما السر وراء ذلك ؟

في منزلنا الكبير لعبت كما لم يلعب أحد .. كنُتُ في الرابعة من عُمري عندما بدأتُ أدرك الأشياء من حولي .. كُنت المفضّل لجميع أفراد العائلة .. جدي جدتي أعمامي وعماتي والدي .. كان لدي أربع أخوات مع ذلك كُنتُ أنا من يحظى بأكبر قدر من الاهتمام ..! كل شخص كان يحاول إسعادي .. لم أكن أدري لماذا ؟ ما السر وراء ذلك ؟! ربما لأني كُنتُ حينها الولد الوحيد حيث لي أربعة أخوات بنات !! لا ادري .. على كل حال .. كنت سعيداً بتلك الرعاية الخاصة .. لم أفهم ايضاً لماذا لم تكن أمي راضيةً عن ذلك ؟ لم أعرف السر وراء ذلك

بعد سنوات ذهبتُ للمدرسة .. كُنتُ ذكياً جداً لكني ولدٌ شقي .. كان يتملكني شعور بأنني أفضل من بقية الطلبة .. مُدرسي أحبني كثيراً لأنه لاحظ مدى التقدم السريع الذي كُنتُ أحرزه مقارنةً ببقية زملائي في الفصل .. بدأتُ لعب كرة القدم .. أتذكر جيداً عندما حضر المدرس ذات يوم وسأل الفصل .. اي الفرق المحلية نُشّجع .. لم يعطنا سوى خياران لأشهر فريقين محليين في السعودية لكي نختار ..! نصف الفصل رفع يده للفريق الأول .. والبقية رفعوا أيديهم للفريق الثاني .. لم أرفع يدي مع أي الطرفين .. سألني الأستاذ .. ماذا عنك ياخليل ..؟! لماذا لم ترفع يدك مع اي المجموعتين .. ؟!! أجبت بصوتٍ مرتفع .. لدي فريقي الخاص .. بالإضافة إلى أنني لا أحب كلا الفريقين المذكورين !! أنا أعشقُ المنتخب الايطالي !! تفاجأ المدرس بردي .. باختلافي عن البقية .. ! السبب الذي جعلني أعشق المنتخب الايطالي .. لأني كُنتُ أحب لون القمصان التي يرتدونها .. اللون الأزرق ! ولأني أيضاً أردتُ أن أكون مُختلفاً عن البقية .. كوني .. ورغبتي أن أكون مُختلفاً جر عليّ الكثير من المتاعب .. كُنتُ يومها في السابعة من عُمري .. وكُنتُ في الصف الثاني ابتدائي .. لاحقاً حبي للمنتخب الايطالي نما أكثر .. وبعد سنوات قليلة في أسبانيا .. حقق فريقي المُفضّل كأس العالم .. مع ذلك لم أعرف لماذا تحديداً عشقت إيطاليا ؟ ما السر وراء ذلك ؟

في غُرفتي جمعت العديد من الصور للمنتخب الإيطالي .. خريطة إيطاليا .. وايضاً صور بنات ايطاليات .. كذلك أحب كل شيء صُنع في إيطاليا كملابسي .. وأخيراً أحبُ أكل السباغيتي .. عندما كُنت في الرابعة والعشرين من عمري .. سافرت لفلوريدا لدراسة اللغة الانجليزية .. لم تكن الدراسة السبب الرئيسي لتلك الرحلة .. بقدر ما كان حاجتي لتغيير الجو .. وفرصة كي أُشاهد ناس وعادات مُختلفة .. أفضل شيء عجبني في فلوريدا البنات .. وكان من الغريب جداً أنه كلما أعجبت بفتاة اكتشفت لاحقاً أنها من أصول إيطالية !! حتى مُدرستي الأميركية التي أحببتها كثيراً .. أخبرتني أنّ جذور عائلتها تعود لإيطاليا .. هنا بالفعل بدأتُ أتعجب وأتساءل عن السر

عندما عدتُ الى وطني بعد شهرين .. وجدتُ وكأن شيئاً ما قد تغير في البيت .. شيئاً ما حدث أثناء غيابي .. كأن عاصفة هبّت .. البيت لم يعد يبدو كما كان .. بدا وكأن مُصيبة حلت .. لكني لم أكن أتخيل للحظة أنني كنت جزءاً من تلك المشكلة .. بكلمات أخرى .. لم أكن أعلم أنه أنا سبب هذه المشكلة .. في أثناء محاولتي فهم ما حدث .. سألت ُ أمي .. ما الخطب ؟ كانت في قمة الانفعال عندما أجابت .. أنا لستُ أمك ! أنا فقط ربيتك مع أبيك .. لكني لستُ أمك الحقيقية .. أذهب لوالدك وأسأله أين هي أمك الحقيقية ؟! وأنا أستمع الى كلماتها دخلت في

حالة صدمة .. العالم بدأ يضيق من حولي .. لم يكن باستطاعتي تصديق ما تقول .. شعرت كأن العالم يتصاغر .. شعرت كأنني لم أعد أقوى على التنفس .. ما الذي تقوله هذه المرأة ؟ هل هذا ممكن ؟! هل هذا صحيح ؟! أم أنها فقط مُنّفعلة ؟ لم أذهب لوالدي .. بل ذهبتُ لعمتي التي كانت أكثر قُرباً مني .. وقبل أن تخرج كلمة واحدة .. بدأتُ في البكاء بحرقة .. آاااااه .. عمتي .. لا أُصدق ما سمعت .. أمي تُنكر أنني ابنها .. قالت عمتي .. لا … أمك فقط غاضبة من أبيك .. أنت ابنها .. وستبقى كذلك .. لم أصدق عمتي .. لأنني شعرت أنها هي ايضاً تريد أن تبكي .. لكنها تُمسك بدموعها

عدتُ مرة أخرى لأمي لأسألها لما هي غاضبة مني ؟! قالت أنا لست غاضبة منك .. أنا غاضبة من أبيك الذي أخفى عنك الحقيقة كل تلك السنين ..! حبيبي .. يجب أن تعرف الحقيقة .. لا يمكننا الكذب عليك أكثر .. منذ خمسة وعشرون سنة ذهب أبوك لأثيوبيا للتجارة .. ثم أُصيب هناك بالملاريا .. في المستشفى كانت هناك ممرضة إيطالية .. إعتنت بأبيك حتى تعافى .. لكن أبوك وقع في حب تلك المرأة .. هي أحبته ايضاً .. غاب والدك لستة أشهر .. تزوجّها دون أن يخبر جدّك .. ثم عاد وأخبر الجميع أنه تزوج امرأة نصرانية .. جدك غضب من أبيك وطرده من البيت .. عندما رد أبوك بأن المرأة حامل .. غيّر جدك رأيه .. وأمر أبوك أن يحضرها من أثيوبيا .. عندما حضرت مع أبيك .. لم تكن موضع ترحيب من أحد .. وهي لم تستطع أن تكون واحدةً منّا .. بسبب الدين والتقاليد المختلفة

بعد ولادتك أرادت أن تعود بك إيطاليا لزيارة عائلتها … لكن جدك رفض .. المشكلة تعقدت أكثر عندما طلبت أمك الطلاق .. خمسة أشهر بعد ولادتك وافق ابوك على الطلاق شرط أن تتخلى عنك .. لأن أباك أراد لك أن تنشأ مُسلماً لا نصرانياً

أخيراً … وافقت أمك ورحلت إلى وطنها … ثم قمت أنا برعايتك مع أبيك .. وكل هذا الحب والاهتمام الذي تجده لأننا لم نشأ أن تشعر بأي فرق .. وهي تخبرني بالقصة .. لم أكن هناك .. لم أكن معها .. كُنتُ أُحلق في عالم من الخيال أحاول أجمع أشلائي .. شعرت أنها مزّقتني لمليون قطعة .. ونثرتها في الفضاء .. يا الهي .. الآن بدأت أفهم .. الآن أستطيع أن أجد إجابات لمئات الأسئلة التي أحملها معي طول حياتي .. يا الهي .. أين أمي ؟! كيف لها أن تتركني هكذا ؟ كيف لها أن تتركني وأنا خمسة أشهر فقط ؟ أين هي الآن ؟! هل هي على قيد الحياة ؟! لا أحد يدري ! مازلتُ أحمل في جُعبتي الكثير من الأسئلة بلا إجابات … و الكثير سيبقى أسرار

أخيراً .. إستيقظت من النوم … لأكتشف أن كل تلك القصة كانت مجرد حُلم مُزعج

————————

* هذا النص كُتب باللغة الإنجليزية وقدمته للمدرسّة عندما كنت في معهد اللغة عام 1998*

 .. يتبع

آمال