العُرس

(7)

العُرس

1975

سيدتي

تمر بذاكرة الإنسان صور ومواقف لا حصر لها .. في اليوم .. في الشهر .. في السنة .. بل في الحياة .. ثم تبقى صورةٌ ما محفورة في ذاكرتنا للأبد .. بينما تتلاشى أخرى .. ما السبب يا تُرى ؟ أظن أن المشاعر التي تُرافق الصورة هي السبب .. الأحاسيس التي تتولد بسبب تلك الصورة أو ذلك الموقف هي التي تجعلنا نتذكر موقف ما حدث منذ ثلاثين سنة .. نوع الإحساس لا يهم .. قد يكون فرح او حُزن .. دهشة اوغضب

أنا شخصياً لا أُصدق أنني مازلت أذكر هذه الصورة العالقة في ذاكرتي .. إنها أول صورة أذكرها على الاطلاق .. عندما أبحث في ذاكرتي عن شيء قبل هذه الصورة .. لا أجد شيئاً .. هي ليست صورة جامدة .. بل مقطع سينمائي مُتحرك .. يبدأ بتسارع وحركة غير اعتيادية في ساحة بيتنا الشعبي .. أصوات كثيرة مُتشابكة … يالله .. المطار .. بسرعة .. مكّة .. العروسة .. تأخرنا .. يوصلون .. دحين .. فُل .. بكاء اطفال .. صُراخ .. أصوات شُحّات .. أصوات غطاريف .. رائحة فُل وكادي وبارود .. ثم تبدأ الصورة تتباطأ .. وتتباطأ .. وتتباطأ .. حتى كأني وأنا أقف بجانب السرير أُشاهد حركة الأجسام أمامي وكأنها أخذت نسق بطيء .. نساء يرقصن بحركة بطيئة .. أطفال يلتقطون الحلوى من الأرض .. أيضا بحركة بطيئة .. ثم أشاهد النساء يغطرفون وأصواتهم وكأنها تبتعد قليلاً .. قليلاً .. حتى تختفي .. وأنا التفتُ لليسار بحركة بطيئة .. وأُغمض عيني ثم أفتحها بحركة بطيئة ثم التفت لليمين ببطء .. عمي حُمّد يرمي بالشُحّات على الأرض .. أطفال يبتعدون ببطئ وخوف لكن بفرح أيضاً

أتدرين لم الحركة بطيئة .. لأنني كُنت أقف بجانب السرير وكأنني سرحت … فأصبحت رؤيتي للأشياء ضبابية والأصوات غير واضحة كأنها تختفي وتتلاشى .. هل كنت حزين في ذلك اليوم ؟ ربما .. ربما لم أحظى بالاهتمام الكافي .. الكُل كان مشغولاً بالعروس .. كُنا ما زلنا نسكن في بيت شعبي لا يبعد عن شاطئ البحر سوى بيت واحد فقط .. ربما عشرون متراً او يزيد قليلاً .. كان البيت كبير .. عبارة عن ثلاث غرف كبيرة جهة الجنوب وأبوابها للشمال جهة البحر .. غرفة تُسمى المجلس .. وبها قعايد ” مقاعد على شكل أسّرة ” .. كانت القعادة للنوم في الليل كالسرير .. وفي النهار للجلوس والسمر .. وهي مصنوعة من الخشب والحبال وسعف النخل

وكان هناك غُرفة أخرى أصغر حجماً بجانب المجلس .. لكنها كبيرة أيضاً تُسمى بَرَنّدة باللهجة المحلية .. بصراحة أنا لا أعرف الفرق بين المجلس والبَرَنّدة .. ربما المجلس للضيوف فقط .. والبّرندة للمعيشة او العكس .. كانت أبواب المجلس والبّرندة تواجه البحر ومفتوحة أكثر الوقت .. والغرفة الثالثة هي المطبخ وهي أصغر حجماً أقرب للسور للغرب .. وخارج المطبخ كان هناك فرن من الطين .. ثم ساحة كبيرة تفصل المجلس عن السور شمالاً .. والسور يحُيط بالمنزل .. وجدار في المنتصف يقسم الساحة إلى جزأين وهو قصير .. أتذكر أني كنت أمشي عليه أحياناً

باب خشبي أخضر جهة الشرق يطل على الشارع .. والشارع عبارة عن زقاق صغير تُرابي .. وبجانب السور في الجهة الشمالية الاقرب للبحر توجد شجرة فُل ” رديمة ” .. وعلى يسار تلك الشجرة كان هناك غرفة لها بابان .. باب للشارع وباب للبيت .. ذاك دُكان أبي .. لكن عمي حُمّد من يقعد فيه أكثر الوقت .. وأسم حُمّد هو نفسه اسم حمد في مناطق أخرى على ما أظن

ذاك الصباح كانت الحركة ذؤوبة .. أظن أن الساعة لم تتجاوز التاسعة صباحاً لأن الشمس لم تكن بتلك الحرارة .. كانت الرطوبة عالية .. وكنت أشّم رائحة البحر .. هناك بعض السرر متوزعة بمحاذاة السور من الداخل خارج المجلس يجلس عليهن بعض النسوة في الهواء الطلق تُحيط بالمنتصف .. ثم بدأ المزيد من الجيران يتوافدون نساءاً وأطفالاً .. عمي حُمّد يغدو ويجيء .. ثم خرج إلى الشارع .. كُنا نحن مازلنا بالداخل نسمع أصوات بواري السيارات تتعالى وتقترب من المنزل .. بدأت الأصوات تتعالى .. وتتعالى .. وخاصةً أصوات الشُّحات .. العروس وصلت من المطار للتو

ثم بدأ ما يُشبه الزفة .. العروس تمشي ببطئ .. وهي ترتدي فستان أبيض وطرحة .. والنساء يمشين خلفها ومن حولها ينثرون الفُل عليها .. كُنت أقف بجانب السرير بشيء من الذهول .. أشعر بشيء من الخجل .. حافي القدمين .. ألبس سروال قصير بيج وقميص أبيض بأزرار .. ثم بدأت الأحداث تتباطئ أكثر .. وأكثر … والأصوات تختفي .. وتتلاشى .. حتى انتهت الزفة .. العريس والدي … يييييييييه .. باركوا لي .. لُحسن الحظ أن العروس لم تكن أمّي .. في الواقع أين هي أمي .. أنا لا أراها في الصورة اطلاقاً .. لا أعلم أين هي … أما العروس فهي زوجة أبي الثالثة

بعد ذلك .. لا أعلم ماذا حدث ..؟ مجرد قصاصات من الصور المتحركة .. مثل شريط سينمائي قديم يمر بسرعة بأحداث قصيرة متسارعة .. الصور باللون الأبيض و الأغبر .. بيتنا الشعبي .. قوارير مكسورة ومغروسة على امتداد سور البيت .. صورة أمكالية التي نشرب منها الماء .. وهي جّرة كبيرة مصنوعة من الطين ولها غطاء تقف في زاوية في البيت بها ظل ولا يصلها ضوء الشمس .. قد أغرق لو سقطت داخلها .. كنا نغمس كأس فضي اللون بمقبض داخلها ثم نشرب .. وكان الماء بارد .. يا للمفاجأة .. وطحالب خضراء

في القاع .. ثم ماء مندلق من هذه الكالية يشّكل مستنقع صغير .. أتذكر ولد عمتي جابر يتعارك مع أخاه عبدالعظيم الذي يكبره ..ثم يقوم عبدالعظيم بطرح جابر على الأرض فيسقط في مستنقع الماء وسط طُرّاحة “ساحة” البيت

صورة جابر تتكرر في بيتنا القديم .. كُلها مشاهد سيئة .. هناك شيء غريب في جابر .. إنه صاحب حظ سيء .. يجاهد دائماً كي يظهر بمظهر طيب .. لكن ينتهي به الأمر كولد شرير .. مشهد آخر لجابر في ذاكرة شريط الصور السينمائية القصير .. جابر يحاول تشغيل مروحة طويلة تقف في المجلس على الأرض .. في وسط عمود المروحة قطعة معدنية فضية اللون .. أعتقد أن المروحة كانت معطلة ولا تعمل او أن بها ماس كهربائي .. لكن اللقافة أعيت من يداويها .. جابر يشبك الفيش الكهربائي .. ثم قمت بإمساك عمود المروحة الفضي فانتقل التيار الكهربائي لجسدي .. بدأت في الصراخ والاستغاثة .. لا أعلم لماذا التصق عمود المروحة بيدي لثواني والتيار الكهربائي ينفضني .. شاهدت أمي تجري باتجاه سلك المروحة لتفصله عن الجدار .. جابر يقف مندهشاً وخائفاً .. ثم صراخ أمي في وجهه ولومه على ما حدث لي

نعم تذكرت الآن ما حدث بالضبط ذلك اليوم .. خالتي كانت ستأتي لزيارتنا من مدينة صبيا .. أخذتني أمي للسُندّاس “حمام” و روشتني .. ثم لفتني في منشفة كبيرة ثم إختفت .. عندما قام جابر بتشغيل المروحة كنتُ أنا مازلتُ مُبتلاً .. ربما لذلك أصبت بصعقة كهربائية عندما لمست عمود المروحة .. مع أني بكيت بشدة .. إلا أنني حزنت على جابر في نفس الوقت لأن أمي لم تتوقف عن الصراخ في وجهه .. ثم استلقيت على إحدى القعائد وأنا مازلت ملفوف بالمنشفة الكبيرة .. ثم نمت .. وعندما إستيقظت .. أخبروني أن خالتي قد جاءت لزيارتنا ثم غادرت .. شعرت بالحزن .. لأني لم أرها في حياتي وقد كنت أتطلع لرؤيتها .. ولأني أيضاً كنت إستحمّيت ومستعد لمقابلتها .. منذ أن صحوت من النوم في الصباح الباكر وأنا أسأل متى ستأتي خالتي ؟

ثم المشهد الثالث لجابر يوم العيد .. أهداني صديق والدي نظّارة زرقاء مثل نظّارات الرجال .. كانت أول هدّية أتلقاها .. كنت في غاية الفرح .. يا سلام .. كل الأشياء أصبحت تبدو لي زرقاء بلون السماء والبحر .. ثم قابلني جابر أمام البيت وعجبته النظارة .. اخذها مني على أن يعيدها لي قبل المغرب كما قال .. ثم أعادها لي لكن مكسورة .. أعتقد أنها كانت أول مرة أجرب فيها طعم الحقد .. أول شعور بالتمّلك .. ثم يأتي جابر يأخذها ثم يعيدها مكسورة

عمي عبدالغفور يرفعني من الأرض ثم يرميني في السماء .. ثم أعود إلى يديه فيلتقطني .. ثم يرميني للسماء مرةً أخرى .. ما أجمل هذا الشعور وأنا طائر .. ثم يتظاهر أنه سيتركني أسقط على الأرض .. شعر رأسي يقف من الخوف .. فمي مفتوح وعيوني كذلك وريقي يسيل .. لكنه يلتقطني مرة ثانية .. عمي عبد الغفور مرح جداً .. ثم يستلقي على ظهره على السرير ويرفع ساقيه ويحملني على قدميه .. ثم يطلب مني أن أفرد ذراعي مثل جناح طائرة .. للحظات .. ثم يلتقطني بيديه قبل أن أسقط على بطنه .. ثم في المساء كان يشير بأصبعه جهة القمر ثم يقول ” عباس .. شوف عباس .. ” إذاً القمر إسمه عباس .. لكن للأطفال فقط .. لماذا ؟ لا أعلم ..

ليس لدي أدنى فكرة عن الزمن .. او كيف كانت تمضي الأيام والشهور ؟ او كم كان عُمري ؟ الذي أعرفه أنني حين التحقت بالمدرسة كنت في الخامسة .. كل هذه الصور سبقت السنة الأولى في المدرسة .. بيتنا الشعبي القديم ثم انتقلنا لحارة الجبل أثناء بناء العمارة ثم عودتنا للعمارة .. كذلك هناك طريقة أخرى للحساب .. لي ثلاث شقيقات أصغر مني أكبرهن أصغر مني بأربع سنوات .. واحدة ولُدت في هذا البيت القديم .. والثانية ولُدت في حارة أمجبل .. والثالثة بمجرد عودتنا للعمارة .. كل ذلك حدث قبل دخولي للمدرسة
——————-
قعائد : سرر
شُحّات : مفرقعات نارية
غطارف : زغاريد النساء

يتبع

أمحافة