عائلة أبو نظّارة

(9)

عائلة أبو نظّارة

1975

سيدتي

أشعر بالذنب لأنني سأتحدث بهذه الطريقة عن عائلتي .. عن أمي .. أبي .. جدي .. البقية .. ربما عذري أنني هاهنا أجلس أمامك لأبوح لكِ بخلجاتَ نفسي .. ربما تضعين أصبعك يوماً ما على موطئ الجرح .. ربما تجدي إجابة ما .. العائلة في ثقافتنا تابو لا يمكن المساسُ به .. الأب .. الأم .. الجد والجدة .. مهما فعلوا معنا يضل لهما الفضل والعرفان بالجميل .. ويبقى الاحترام والتقدير لهما طول العمر .. الجد هو كبير العائلة ووالد الجميع .. والوالدين من المُقدسات لدينا .. ولا يمكن لأحد المساس بتلك القدسية .. التهديد والوعيد بالحرق بنارِ جهنم إن نحن عصينا أمرهما

لكل إنسان في هذه الدنيا مُخ .. عدا أنا .. بدل المخ في رأسي جزمة قديمة .. ورثتُ هذه الجزمة عن جدي … جدي حوّات مُتقاعد .. كان يذهب للبحر يبحث عن الرزق .. ثم يعود من البحر ويذهب للمخماس لبيع الحوت  بعد أن أشتغل والدي في التدريس توقف جدي عن العمل .. لكنه يذهب للبحر للتسلية خاصة ليلة الخميس

لجدي ثلاثةُ روائح .. رائحة البخور والعود .. وهذه أشّمُها كل يوم حين يغدو ويجيئ من المسجد .. ورائحة الحوت والبحر .. أشّمُها عندما يعود من البحر أيام الخميس .. وأشُمّها أيضاً في شبكة الصيد الرمادية المكومّة في ركن غرفته المثلثة الشكل .. والثالثة راحة العرق .. ورائحة العرق تبقى فقط في طاقيته .. اذكر عندما كنُت أجد طاقية جدي على قعادته وأنا صغير ثم أحاول لبسها .. أشُم رائحة صلعة جدي .. لصلعة جدي رائحة مميزة .. رائحة مميزة بكبار السن

بالرغم أن أهل جيزان و أمحافة خاصة من كبار السن لا يرتدون الا وزرة بلون أبيض يسموّنها “حوك ” وفلينة ابو بقرة بيضاء كلبس شعبي .. الا أن جدي لا يلبس شيئاَ سوى الثوب السعودي وغُترة بلون أبيض او أحمر كعمامة .. وعندما يذهب لصلاة الجمعة كان يلبس غترة بيضاء .. بصراحة .. عجيب جداً .. جدي مُهتم بأناقته بدرجة كبيرة

لجدي لحية بُرتقالية كثّة وشنب بُرتقالي مُحفف من الأطراف .. يصبغهما بالحنّاء صباح كل يوم جمعة .. وهو حنطي يميل للبياض .. يلبس نظارة سميكة إطارها أسود .. عيناه واسعتان لوزية الشكل تقدح بالشرار عندما يغضب .. فكّه الأمامي كبير ومُتقّدم للأمام .. إذا أطبق فمه إعتقدت أنه حزين .. وعندما يبتسم او يضحك تظهر جميع أسنانه .. أصلع إلا من شعر أبيض وبرتقالي ناعم على الجانبين

جدّي طويل القامة .. لكن جدتي قصيرة وتلبس نظارة طبيّة .. فالنتيجة كانت أن والدي قصير .. وعمي عبدالغفور قصير ويشبه والدي وهو أصغر أعمامي .. كان عمي عبدالغفور صايعاً حفظه الله وفال أُمها و يلبس نظارة طبّية .. سفريات لمصر .. أصحاب كثير .. أجتماعي ومحبوب جداً .. وكان يحبني جداً ويشتري لي العاب في كل مرة يعود فيها من السفر .. ثم يكّسرها اذا غضب مني .. وعمي حُمّد طويل وأكثر وسامة و يلبس نظارة طبّية .. سافر إلى امريكا لنيل درجة الماجستير في علم النفس عام 1977 .. كان طيب جداً حتى عاد من أمريكا .. تغيّر كثيراً

كان جدي عابداً بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. يذهب للمسجد الساعة الثانية صباحاً لقيام الليل حتى تحين صلاة الفجر .. ثم يمكث في المسجد حتى تشرق الشمس .. يعود الى غرفته المنزوية بعيداً .. يتناول الفطور ثم يذهب للقيلولة .. يستيقض ساعة قبل الصلاة ويذهب للمسجد لصلاة الظهر .. ثم يعود يتناول الغداء ويأخذ قيلولة .. يعود للمسجد لصلاة العصر .. يقضي وقت أطول في المسجد اذا كان هناك حلقة قرآن .. ثم يعود للبيت لتجديد الوضوء او يبقى في المسجد لصلاة المغرب .. يعود للبيت يتناول القهوة ويقضي بعض الوقت مع جدتي .. كان يشرب الكثير من القهوة .. ثم يذهب لصلاة العشاء وينتظر في المسجد يستمع اذا كان هناك حلقة قرآن

لا يقرأ او يكتب لكنه كان حريصاً جداً على الأستماع لقراءة القرآن .. محبوب من الناس وخاصة جماعة المسجد .. خاصة طلاب تحفيظ القرآن .. وكان في الغالب عندما يعود تجد الراديو في غرفته يشتغل اربع وعشرين ساعة على اذاعة القرآن .. كان يشتري كيس من حلاوى النعناع حبات بيضاء مثل حبوب الأسبرين لكن أكبر حجماً .. كان يملئ جيبه بهذه الحلوى ، وكلما مر بأطفال ناولهم منها ، خاصة الأطفال الذي يحرصون على قراءة القرآن في المسجد .. لكن .. كان لجدي شخصيتان .. تلك الشخصية .. الرجل الورع الطيب المحبوب من الناس خارج البيت .. وشخصية أخرى داخل البيت فيها الكثير من القسوة .. كان لا يطيق أمي كثيراً وكُنتُ سأسامحه على ذلك فلا أحد يحب أمي على أي حال .. لكنه كان أيضاً لا يحبنا نحن أبناء الجبلية .. بان ذلك جلياً عندما أصبح لزوجة أبي الثالثة أبناء وكذلك عندما أصبح لعمي عبدالغفور أبناء  لذلك أنا لا أطيقه لا أطيقه

أحضرت عمتي المكاوية جهاز تلفزيون صغير من مكة بشاشة أبيض وأسود .. اراد جدي أن يُكّسره .. ثم عندما أشترينا تلفزيون ملون وركبنا أيضاً آريل .. أخبره إمام الجامع أن التلفزيون منكر عظيم وكذلك الآريل ” أنتانا ” فحضر من المسجد غاضباً وأصرّ علينا أن نختار بين التلفزيون او الآريل .. لابد أن نختار إمّا التلفزيون او الآريال في البيت .. حاول معه عمي عبدالغفور .. لكن لا فائدة .. جدي مصمم .. تذكرين الجزمة القديمة التي حدثتك عنها .. المهم .. كنا نشاهد التلفزيون بعد الظهر .. وفجأة .. تششششششششش .. الصورة إختفت .. صعدنا للسطح كي نعّدل الآريال وجدناه يا حبة عيني مفتفت

وأنا صغير وعمري خمس سنوات او أقل قليلاً نقلنا لحارة الجبل وكانت قريبة من مقر عمل والدي .. كنتُ أحب والدي كثيراً .. وكنتُ أريد الذهاب معه للعمل .. فأخذني معه ذات يوم .. ثم لسبب لا أتذكره الآن — يمكن جزمتي ضيقة — .. كنت أبكي ولا شيئ يرضيني .. طلب والدي من الفرّاش وهو رجل عجوز بلحية بيضاء أن يذهب لمخزن ادارة التعليم ويعطيني كرة .. إلا أن لون الكورة لم يعجبني فأستمر بكائي .. عدت غاضباً للبيت مشياً ولم يكن البيت بعيداً .. وكان العجوز يسير ورائي بالكرة .. ثم عندما وصلت للبيت .. أخذ الرجل العجوز ينادي من بالداخل فخرج جدي إليه .. فهِمَ جدي الحكاية .. وغضب مني كثيراً لأنني تركت الرجل العجوز يمشي ورائي كل تلك المسافة فأراد جدّي أن يُؤدبني

أخذ عصا مكنسة وأراد أن يضربني بها -المفتري – ماذا أفعل الآن .. ركضتُ أختبئُ خلف أمي في المطبخ .. أتذكر كل التفاصيل .. جدي يقف على باب المطبخ يحاول الدخول وعصا المكنسة في يده يتوعدني بها .. وأمي تعترض دخوله وتحاول أفهامه أنني صغير و”جاهل” ولا أفهم .. كلمة بعد الأخرى .. اراد جدي أن يضربني بالعصا فهوت على ذراع أمي .. فجأةً أصبحت المعركة بين جدي وأمي .. أمي تصيح وتبكي وأنا أختبئ خلفها .. بِلت في سروالي من الخوف .. تعالت الأصوات بصورة مُخيفة .. والموضوع كبر للغاية عندما جاء والدي من العمل وظن أن أمي تتعارك مع جدي .. غضب أكثر من أمي كيف تجرأت للوقوف أمام جدي .. أمي ضُربت مرتين بعصى المكنسة .. من جدي وبصندل شرقي من والدي .. وأنا كنت أتفرج لا أستطيع الدفاع عنها ولا حتى باللسان .. إنقهرت وحزنت لأنه لم يكن لأمي اي ذنب .. او لأنها ضُربت من جدي ووالدي بسببي .. أمي تُضرب أمامي منظر سيتكرر كثيراً في السنوات القادمة

كانت عائلة والدي فقيرة ولم يكن جدي مُقتنعاً بتعليم أبي .. فكان على والدي أن يوفق بين الذهاب للمدرسة للدراسة وبين الذهاب للممخماس لبيع الحوت لجدي في الصباح الباكر كي يُرضيه .. بعد نهاية سادسة أبتدائي لم يكن يوجد مدرسة متوسطة او ثانوية في جيزان فكان عليه البحث عن وظيفة .. فكان أن أصبح مُدرساً في المدرسة السعودية .. وهي أول مدرسة حكومية تم أنشائها في جيزان .. أصبح والدي مُدرساً وقاموا بإضافة ثلاث سنوات على عمره حتى يصبح أهلاً للوظيفة .. ثم انتقل للعمل الإداري في إدارة تعليم جيزان وأصبح موظفاً ومشرفاً على النشاطات المدرسية

يقول والدي أنه مشى هو ومدير تعليم جيزان بين قرى المنطقة ووديانها وجبالها حتى يضعان مخطط اللبنة الأولى لمواقع المدارس التي تم إعتمادها لاحقاً من الدولة .. ثم بعد ذلك أصبحت زياراته دورية للمدارس .. في تلك الايام تعرف على رجل من مدينة صبيا يعمل معه في ادارة التعليم وأصبحا صديقين .. لم يكن والدي قد تزوج بعد .. فعرض عليه هذا الصديق أن يأخذ أُخت زوجته الأصغر والتي هي من جبل فيفا .. تزوج والدي هذه المرأة التي هي أمي

تقول أمي .. عندما تزوجت أبوك لم أكن قد بلغت سن الزواج وكُنتُ في سن التاسعة .. وتقول أنها عاشت مع والدي لمدة ستة أشهر على الأقل قبل أن تُصبح بالغة .. عمتي زُليخة .. تقول أن أمي لم تكن في سن التاسعة .. بل ربما كانت في سن الثانية عشرة .. بينما كان والدي يقترب من الخامسة والثلاثيين .. عاش والدي مع أمي في ذلك البيت الشعبي مع جميع أفراد العائلة .. فكان يُشاركهما جدي وجدتي وعمتان وعمان .. بيت مُزدحم .. لكن تلك كانت حياة الناس في ذلك الزمن

أنجبت أمي ولد فأسموه محمد .. مات محمد بعد شهر او إثنين .. ربما لصغر سن أمي .. ثم حملت مرة أخرى .. وأنجبت بنتاً .. ثم أنجبت بعدها بعام بنتاً أيضاً .. وفي السنة الرابعة حضرتُ أنا .. وليتني لم آتي .. ليس لديكِ إدنى فكرة يا سيدتي عن كُرهي لهذا اليوم .. آااااه .. ليتهم رقدوا .. ياليتني لحقت بمحمد .. ياليتني كنت شيئاً آخر .. كُرسي او جزمة او حتى طبشوره .. قال والدي نسميه بأسم العائلة .. رد عمي عبدالغفور أصغر أعمامي بأن الإسم قديم وحرام نحطم مستقبل الولد .. فلنبحث عن إسم مودرن .. شوفي اللقافة .. فسمّاني عمي عبدالغفور بإسم خليل .. بعد شهور قليلة .. طلّق والدي أمي .. فعادت أمي للحياة في جبل فيفا .. وأخذتني معها .. وأخذت أختي الأخرى .. لكنها تركت أختي الكبرى أمانة في عُنق عمتي زُليخة .. يبدو أن أهل الساحل وأهل الجبل لم يتفقوا على التعايش المُشترك ونحن الأبناء دفعنا الثمن

ويبدو أيضاً والله أعلم .. أن حضوري لهذا العالم لم يكن فال خير على أُمي .. يكفي أنها تطلقت بعد حضوري .. ربما كُنت شؤوم عليها .. عرفت ذلك لاحقاً من الطريقة التي عاملتني بها .. ووالدي إبن الكلب طلق أمي بعد وصولي مباشرةً .. طيب يا أخي أنتظر شوية على الأقل حتى أنشأ وأترعرع مثل بقية الناس وأتعرف على الجيران

تزوج والدي أمرأة أخرى من الحارة .. كانت تهيمُ به عشقاً وترسل له المراسيل من قبل الزواج .. فأنجب منها ابنتان .. في الجهة الأخرى من جيزان … هناك بعيداً جداً ناحية الشرق .. في جبل يُسمى فيفا .. عشتُ أنا مع أمي وأختي مثل بيتر وهايدي في جبال الالب بعاعععع .. وكان لأمي أخت أصغر وأب عجوز وأم عمياء لا تُبصر .. أنا لا اذكر أي شيئ في تلك الفترة الجبلية .. الا أن أمي تصر على تذكيري بأشياء حدثت هناك وعمري سنتين .. كالطريقة التي أنادي بها جدي .. لكن .. يا أمي .. صعب أذكر أشياء حصلت وعمري سنتان .. كان إسم جدي يحيى .. وكنت أناديه ” وايحح ” .. واضح إني أنطق الأسم من اليسار لليمين ..  واضح إني كُنت مُتخّلف عقلياً من صغري .. الحمد لله لم يلحظ ذلك أحد

مكثنا في الجبل ثلاث سنوات حتى مات جدي .. ذهب صديق والدي راعي صبيا الى والدي .. وأخبره أن الرجل العجوز ورب الأسرة الوحيد قد أنتقل الى رحمة الله .. فأستحي على وجهك ورجع عيالك وأمهم .. وأخبره أيضاً أن جدتي أيضاً ستعود الى بني مالك الى حيث تقطن قبيلتها .. فقرر والدي أن تعود الأسرة الى حضنه من جديد

الزوجة الثانية رفضت عودتنا .. رفضت أن تعيش مع زوجها وضرتها وحماها واولاده في نفس البيت .. لا أعلم لماذا ؟! يمكن زحمة .. في الواقع لم يكن ذلك السبب .. بل رفضت وأصرت اصراراً لأن ضرتها أم العيون الخضراء العسلية جبلية .. فتركت منزل الزوجية و ذهبت الى بيت أبيها وأخذت أبنتاها .. والدي قال أن لم تعودي .. فأنت طالق .. قررت هي أن لا تعود .. أحسن .. لا أعتقد إن أحداَ سيفتقد هذه المرأة الشريرة سأخبرك لاحقاً لمِا

عادت ريمة لعادتها القديمة .. مشاكل كل يوم بين أمي وجدتي وعمتي زيزي .. ما الحل اذاً ؟!! الحل في الزوجة الثالثة .. لي عمة متزوجة من رجل هاجر الى مكة من اليمن .. التقاه جدي في مكة وكان للرجل ولد عمره عشر سنوات وابنة عمرها تسع سنوات .. وحتى يتخلصوا من هذه البنت الصغيرة ويريحوا عمتي زوجوها لأبي

كان لجدي اربع بنات .. عمتي المنسية .. عمتي زُليخة .. وعمة ماتت في حادث سيارة .. وعمتي الُصغرى متزوجة في مكة .. جدي رجلٌ كريم .. قفز على ثلاث بنات وزوج هذا الغريب المتزوج ابنته الصغرى .. وترك لنا زيزي في البيت .. الله يسامحك يا جدي .. ودتنا في ستين داهية .. وعمتي الخامسة وهي الكبرى متزوجة من أبن شيخ في جيزان ولها كثير من الأبناء .. هذه عائلتي بإختصار

سأخبرك المزيد عن والدي .. عندما أتحدث عن والدي أشعر كأن عليّ الآن أن أقف .. سمعتُ الكثير من القصص المُخيفة عنه من عمتي زُليخة ومن عمي عبدالغفور .. كلاهما أتفق على نُقطة واحدة .. وهي أن أبي الذي أعرفه الآن رغم كل تلك القسوة .. هو ليس أبي الذي عرفوه في صغرهم .. كان أشّد

كنتُ يا سيدتي عندما أتعرض للضرب من عمي عبدالغفور تأذيباً لي لمخالفةٍ أقترفتها .. كان لا يفتأ في تذكيري بأن هذا لا شيئ مما تعرض له هو من ضرب وتعذيب وإهانة من والدي .. تقول عمتي زُليخة أن والدي كان يطلب من عمي عبدالغفور في طابور المدرسة الخروج ثم يُعاقبه على شيئ فعله في البيت .. وكان يتلو أمام مسامع الجميع ما قام به من جُرم .. فيتعرض عمي لأحراج شديد أمام الطلبة والمدير والمدرسين و الفراش .. ثم يأمر والدي الفراش بربط عمي من رجله .. ويتم فرشه وضربه بسعف النخل او الخيزران

كنت أقول لعمتي أحسن .. خليه يستاهل عمي المجنون يضربني بكلتا يديه ثم يشوتني كالكرة .. كانت تقول أن والدي في أحد المرات ربط عمي عبدالغفور وعمي حُمّد في ساحة البيت في عز الحر والشمس المحرقة ليوم كامل .. لأن جدتي طلبت منهما أحضار بعض المقاضي من السوق .. الا أنهما التهيا في اللعب .. وكان ذلك جزاءهما

والدي قصير لكنه رجل يملك حضور طاغي وهيبة وكاريزما .. سليط اللسان ذو صوتٍ جهوري .. و كان يلبس نظارة طبّية .. له سلطة غير طبيعية على الناس .. بالرغم أنه مجرد مدرس .. ثم موظف بإدارة التعليم .. فكم من مرة قد رأيت الرجال تنحني له أجلالاً وتقديراً .. إذا أردتي أن تشاهدي والدي .. فليس عليكي الا البحث عن جميع مُقابلات الرئيس المصري أنور السادات في موقع اليوتيوب .. هو.. هو .. نفس الحركات .. نفس الصوت .. نفس الكاريزما .. نفس الشعر والصلعة .. نفس النظرات والنظّارة .. نفس خفة الدم وروح الدُعابة .. نفس سلاطة اللسان .. الفرق بين والدي والسادات .. أن السادات أسمر .. بينما والدي كما هو مكتوب في حفيظة النفوس قمحي .. والفرق الآخر أن والدي قصير .. والسادات رئيس جمهورية مصر العربية

والدي مُحافظ جداً ومُتدّين .. ضليع في الثقافة والأدب العربي .. كان له عمود أسبوعي في جريدة عكاظ اوائل الثمانينات .. ترأس نادي التُهامي بجيزان في أحد الفترات .. كان إمام لعدة مساجد .. ثم أصبح خطيب جمعة .. وفي اوئل الثمانينات الميلادي ايضاً دخل في خلاف مع أمير منطقة جيزان الأمير محمد بن تركي السديري .. وكان بداية الخلاف أن الأمير أراد أنشاء مشروع معين على الشاطئ .. لكن الصيادون كانوا سيتضررون من هذا المشروع .. فوقف والدي مدافعاً عن حقوق هؤلاء .. وكان هناك ايضاً خلافاً على اراضي لهم مع الدولة .. يقول والدي أجتمعنا نحن المتضررون وقررنا أن نذهب للملك فهد نبارك له بتوليه العرش ثم نعرض عليه شكوانا .. وأتفقنا أن نتحدث جميعاً .. عندما وصلنا لمقابلة الملك كان هناك مُفاجأتان .. الأولى جميع من معي في الوفد جبنوا عن الحديث وتقديم الشكوى .. فلم يتقدم أحدٌ سواي .. والثانية وجدنا أمير منطقة جيزان ينتظرنا ويجلس بجنب الملك .. يبدُ والله أعلم أن والدي لا يعلم شيئاً عن البروتوكول .. الملك سيستقبل وفد من منطقة معينة للشكوى .. بالتأكيد سيتم إستدعاء أمير المنطقة للحضور لأنه الطرف الآخر في القضية

بعد ذلك تم ترشيح والدي ليصبح رئيساً لبلدية جيزان .. إلا إنه رفض خوفاً وإعتقاداً مِنه أن الأمير يسعى للإيقاع به وتوريطه .. بعدها تم إقالته من إمامة الجامع لأنه إبتدع في الصلاة .. حسب التُهمة التي وجّهت إليه من إدارة الأوقاف بجيزان .. حيث أنه صلى بالناس صلاة ” التسبيح ” وهي شيئٌ معروف عند أهل المذهب الشافعي .. بينما حنابلة نجد يُبّدعون كل من خالفهم حتى لو كان مُتبعاً لمذهب سُني آخر .. مع ذلك فإن والدي يعُتبر رجل الحكومة .. لم أسمعه يوماً يقول كلمة سوء في البلد او في الدولة .. وكان يردد دائماً أن الملك فهد من دُهاة العرب

تم إسناد مشروع كتابة كتاب صغير إليه يُعّرف بجيزان ضمن سلسلة تصدرها رعاية الشباب بعنوان ” هذه بلادنا ” .. رأيت بعض هذه الكتب عنده في المكتبة .. لكل مدينة كتاب .. وهي متوسطة الحجم .. إلا أن والدي ربما قد تأخر في المشروع .. فتم سحب المهمة منه بعد أن كتب الكثير من فصول الكتاب .. حتى أني رأيت حجم الاوراق التي طبعها يدوياً تنبئ بكتاب من الف صفحة .. لم يرى النور أبداً

أخيراً حدثني عُثمان .. وهو رجل في الخمسين .. وجار يعمل في صيد الأسماك .. مهنة جدي .. يقول .. أن أبي هو من أسباب ضياع مستقبله .. قاطعته .. تقصد سبب ضياع ماضيك فلم يعد لك مُستقبل .. كان يذهب للمدرسة عندما كان أبي مُدرساً .. ثم لم يحتمل الضرب والقسوة .. فهرب من المدرسة ولم يعد لها بسبب قسوة أبي

يتبع

العمارة