العمارة

(10)

العمارة

1976

سيدتي

هو الحُبُ إذاً .. نبحثُ عنه في كل الأمكنة .. المكان هو الجسد .. والحُب هو الروح .. عندما يذهب الحب عن المكان .. يصبح المكان ميت .. جسد بلا روح .. لا أحد يُريدُ أن يسكن المقابر .. ثم ننتقل من بيت لبيت لبيت لبيت آخر .. نبحث عن مكان أفضل .. وننسى الحب .. ننسى أهم شيئ .. روح المكان .. الحُب

عشتُ مع عائلتي عدة شهور في بيتنا القديم .. بيتنا الشعبي القديم ببساطته .. بغرفه المشّرعة الابواب للبحر والشمس .. بساحته وجدرانه البيضاء المتقشرة المالحة .. بسوره وبابه الأخضر .. بشجرة الفُل .. برائحة البحر والملح .. بصوره المحفورة في ذاكرتي .. ثم بين عشيةً وضحاها بدأ تخطيط المدينة وشق شوارع وسفلتتها وأنشاء أرصفة .. مثل حلم إستيقظت منه فزعاً ، قطع الشارع الجديد جزءاً من بيتنا .. فلم يعد يصلح للسكنى .. وهدموا معه كل اماكن ذكريات بيتنا الشعبي .. قرر الأهل بناء عمارة في الجزء المُتبقي من قطعة الأرض بالتعويض الذي حصلوا عليه .. ثم بإقتراض مبلغ من الصندوق — البنك — العقاري .. رحلنا بعدها الى حارة الجبل وسكننا في بيت إيجار .. مكثنا في حارة الجبل من ستة شهور الى سنة فترة بناء العمارة .. كانت تلك نهاية السبعينات بداية الطفرة

جيزان هضبة مرتفعة عن سطح البحر .. لكنها هضبة رخوة .. وحارة الجبل كما الأسم مرتفعة أكثر عن سطح البحر … لكن أكثر البيوت بيوت شعبية .. مرة أخرى البيت غرفتان ومطبخ وحمام .. سكنا بالقرب من قلعة قديمة تطل على مدينة جيزان وكان يفصل بين بيتنا والقلعة حفرة عميقة او شق كبير .. كانت تلك الحفرة مليئة بالنفايات

في بيتنا القديم في الحافة كانوا ينادونني بثالث خواته .. عليهم اللعنة .. ثم أمي رُزقت ببنت .. وعندما حضرنا لحارة الجبل رزقت ببنت أخرى .. أمي تلد كل سنة .. كل سنة يتدحرج من بطنها مولود .. وأقول يتدحرج .. لأنه أحياناً والدي يلحق يُحضر الدادة التي تقوم بالتوليد وأحياناً لا يلحق

أمي قوية جداً بقوة أهل الجبال .. في فيفا كانت تصعد الجبل وتنزل الوادي للبئر جرياً لملئ قربة الماء .. أغلب النساء يتوجعنا لأسابيع قبل الولادة .. وربما لا يقوين على الحركة .. بينما أمي تُزاول أنشطتها المعتادة بكل راحة .. تطبخ .. تكنس .. تغسل .. تمسح الأرض .. وفجأة في ظرف ساعة فقط تدخل في حالة الولادة .. وتنجب وتخلص الموضوع في دقائق .. ثم تعود تطبخ .. تكنس .. تغسل .. تمسح الأرض .. الولادة عند أمي مثل الهواية تزاولها .. ولد لها تسعة عشر طفلاً .. مات منهم الأول والأخير .. هكذا أصبح لوالدي اربعة بنات وولد من أمي .. بنتان من زوجته الثانية المُطّلقة .. ولم يُرزق بشيئ من الثالثة لعشر سنين .. فأصبح والدي أبو البنات

أتذكر حارة الجبل وأتذكر البيت الشعبي ذو الثلاث غرف .. وفناء البيت الاسمنتي .. أتذكر جدتي تُصلي .. وكُنتُ أسمعها تهمس في الصلاة .. بس بس بس بس بس بس .. بسرعة تبس بس .. فكنت أقف بجانبها أُصلي أنا ايضاً .. أتلو صلواتي بالبس بسة .. حتى تبتسم جدتي وهي تُصلي .. ثم أنتظر حتى تسجد لأصعد على ظهرها .. ثم أتدحرج عندما تقوم من السجود .. ثم أعود اتسلق ظهرها مرة أخرى وأمُسك برقبتها هذه المرة حتى لا أسقط ..  طبعاً تذكرين جدي عندما ضربني وضرب أمي بعود المكنسة .. حدث ذلك في هذا البيت

عمي حُمّد كان مُختفي عن البيت .. كان يدرس في الرياض .. كنت أسمعهم يرددون سافر الرياض  .. عمي عبدالغفور كان يدرس في معهد التربية الرياضية بالرياض أيضاً .. وعندما يعود كان يحملني بذراعيه ثم يريميني لأعلى في الهواء .. كنت أشعر كأني طائر في السماء لثواني ثم أعود ليديه .. كان يُعيد الكَرَّة المرة بعد المرة .. وكنت أستطيع رؤية البحر بعيداً في الأفق

في ذلك البيت شهدت أول عيد .. أتذكر بعض مراجيح في الحارة .. وأطفال اولاد وبنات نلعب … وطراطيع .. ثم أنتقلنا مرة أخرى الى عمارتنا الجديدة .. عمارة كذاك الطراز المشهور في السبعينات .. كانت دور ارضي .. ودور اول وبلكونة .. وسطوح .. الدور الأرضي مكون من شقة سكن فيها جدي وجدتي وعماتي .. وكانت هي مكان الأجتماع .. ثم يوجد شقتين في الدور الأول .. شقة لوالدي مع أمي وزوجة أبي .. والشقة الأخرى لعمي عبدالغفور الذي سيتزوج فيها عام 79 .. وكان هناك دُكانان في الخارج .. بقالة .. ومكتبة

جيزان بدأت تتغيّر .. تم شق الشوارع .. وتغيرت المُسّميات .. فحارتنا لم تعد “أمحافة ” بل أصبحت الشامية .. والزقاق أمام باب بيتنا الذي كان يفصلنا عن الجيران أصبح شارع القادسية .. والشارع الآخر خلفنا بستة بيوت سُمي شارع اليرموك .. والحارة التي كان أسمها ” أمسطح ” أصبحت حي الشاطئ .. وبجوار البحر شُق طريق طويل سُمي الكورنيش .. العجيب أنه كانت هناك أسماء للشوارع لكن لم تكن هناك لوحات بأسماء الشوارع .. لا أعلم لماذا

عمارتنا لم تكن جميلة الشكل .. لكن كانت تفي بالغرض .. كانت هناك بلكونة في الدور الأول لكل شقة .. ونُقشت كلمة الله أكبر في المنتصف بين البلكونتين .. كان ما زال خلف بيتنا غرباً بيت شعبي .. وجنوباً بيت شعبي آخر .. لم يرتح الجيران لهذه العمارة الجديدة .. لأنها تكشف الكثير من منازلهم .. أمّا الوالد فأصبح له بقالة .. وجميع تجارته مكتوبة بإسم جدّي لأنه موظف حكومي .. ولا يحق له التجارة وفتح سجل تجاري حسب قانون البلدية ..  وله كذلك مكتبة قُرطاسية لا تبيع الكتب بل فقط الادوات المدرسية .. وكان يُشاركه فيها أثنين من زملائه في ادارة التعليم .. وأصبح شارعنا القادسية يأخذك جنوباً الى الميدان ويتقاطع مع شارع فيصل

الميدان ” السوق ” مجموعة من الدكاكين تقع على تخوم شارع فيصل .. مخبز مشهور .. فوال .. كان هناك أيضاً محلات فواكة وخضار .. وفي فترة نقلوا سوق السمك الى الميدان .. ويوجد أيضاً مبنى للبلدية .. وكان بداخل هذا المبنى مجزرة .. ثم أنتقلت المجزرة من هناك لاحقاً .. وخلف مبنى البلدية ساحة القصاص .. كانوا يقطعون رأس القتلة هنا في وسط شارع فيصل .. إلا أن ساحة القصاص كانت مُتحركة .. مرات هنا .. ومرات هناك بجانب جامع في حارة الساحل قريب من الميناء .. كان هناك في الميدان أيضاً يمنيون يفترشون الأرض يببعون بعض لعب الاطفال

عندما كُنتُ طفلاً كنت نحيفاً جداً .. ورأسي كبير .. كان وزني 20 كيلو جراما .. رأسي لوحده 15 كيلو جرام .. والخمسة الأخرى للبطن والصدر والظهر والأكتاف والأطراف .. كُنت ُ دائم الشكوى من اللِّوز والحلق .. ذات يوم أحضر والدي طبيباً مصرياً الى البيت للكشف عليّ .. سأل الطبيب عن وزني ؟! أجاب والدي .. عشرون كيلوجرام .. أجاب الطبيب بإستغراب .. عشرين ..!! .. ذي الفرخة عندنا في مصر وزنها عشرين كيلو

كُنت نحيف ورأسي كبير .. وشعري طويل إلى أن دخلت المدرسة .. وكان البعض عندما يقابلني في الشارع يعتقد أني مصري .. وكنت أنقهر .. كل الحكاية أن أمي من جبال فيفا .. وأهل الجبال يمتازون بأن بشرتهم أكثر بياضاً من أهل الساحل الذين أحرقتهم أشعة الشمس بحرارتها .. وكنت كلما تقدم بي العمر أزداد أغمقاقاً

إشترى لي والدي دراجة ابو ثلاث عجلات لألعب بها فوق السطوح .. فقررت أن أُجربّها عملياً وأنزل بها الى الشارع .. قررت أن أركب دراجتي ذاك الصباح وأذهب لزيارة والدي في إدارة التعليم .. كانت ادارة التعليم في حارة الجبل .. حارة الجبل التي سكنّا فيها لفترة وكانت قريبة نوعاً ما من الأدارة في ذلك الوقت .. أمّا الآن فالمسافة ثلاثة الى اربع كيلو

فاكرة الجزمة القديمة التي حدثتك عنها ؟ .. لا تنسي هذه الجزمة أبداً .. إنها رفيقتي في مشوار عمري .. كُنت مصمم على الذهاب لزيارة والدي في العمل .. كان شارع القادسية مسفلت إلى أن تصل إلى شارع فيصل  .. لكن بقية الطريق ما زال تُرابيا .. توكلت على الله ذلك الصباح وكنت في بداية السنة الخامسة من عمري .. وحتى أصل الى الأدارة يجب أن أقطع شارع القادسية تجاه الميدان .. ثم الى حارة المضريبة .. مروراً بحارة الكواكية .. ثم التف حول المقبرة على تخوم حارة العشيما وأصل لحارة الجبل .. عرفت هذه الخريطة لأني مررت بنفس الطريق عدة مرات مع والدي بالسيارة فحفظته

بدأت الرحلة على بركة الله .. راكب درّاجة حمراء بثلاث عجلات .. وماشي في سبيل حالي .. لا أعبئ بأحد .. سيارات تعبر بجانبي .. لا يهم .. حمير تعدّي من أمامي .. لا أُبالي .. بالرغم من أنني حاولت مُسابقة عربة يجرّها حمار .. لكن الحمار سبقني .. ناس تمشي ولا أضرب لهم حساب .. شُرطي مرور يقف في تقاطع تحت مظلة .. لا عليّ من أحد .. مواصل طريقي بكل تصميم وتفاني وعزم

بعد خمسة عشر دقيقة تقريباً او ربما ساعة ، لا أعلم .. وصلت الميدان .. ثم رآني صبي من اولاد الجيران إسمه عبدالله .. وكان يكبرني بسبع سنين ربما .. صرخ من بعيد .. الي أين تذهب يا خليل ؟ … “الأودارة ” هكذا كُنتُ أنطقها ” .. قال : الأدارة بعيدة جداً .. قلت : والدي هناك .. أنا رايح الأوودارة .. طيب .. خليني آجي معاك .. ومشى عبدالله بجانبي .. كان يحرسني من السيارات وعربات الحمير

إلا أن الأمر لم يتوقف عند ذلك .. عندما وصلنا لشارع تُرابي ورمل .. أخذ المسكين يدفعني من الخلف .. فدراجتي غرّزت في الرمال ولم تعد رجلي تقوى على الدفع .. والمسكين يدُف من الخلف .. و يدُف .. و يدُف .. و يدُف مسافة ربما ثلاث كيلو في الرمل وتحت لهيب الشمس الحارقة .. ثم يقف يلتقط أنفاسه .. ثم يعود للدفع .. مسكين عبدالله .. كان يوم قاسي في حياته .. المضحك أن عبدالله والى يومنا هذا عندما أقابله في اي مكان يبادرني بهذا السؤل .. هاه خليل فين رايح .. الأووودارة ههههههههه

وصلنا الأدارة بعد رحلة شاقة  على عبدالله طبعاً .. وبمجرد أن رآني الفّراش عرفني .. فجرى الى مكتب والدي .. وقف عبدالله أمام البوابة .. عبدالله البطل .. فلولاه لكنت ما زلت الى الآن أسير بدراجتي الى الادارة .. فجأة جاء بعض الموظفين المصريين يجرون نحوي .. وأحضروا لي معهم قطع من الكيك وعصير بُرتقال .. وحملوني الى مكتب والدي كأني أنا البطل .. وأنا التفتُ للخلف .. أبحث عن وجه عبدالله الذي كان يقف أمام البوابة مُحرجاً .. فهو لا يعرف أحداً هنا .. عبدالله أخذ التعب والشقاء .. وأنا الذي أخذت العصير والكيك والرفع فوق الأعناق

ربما الموظفون المصريون ارادوا أن يُظهروا لأبي حُبهم ورعايتهم لي ونسوا عبدالله .. او أنهم لا يعرفونه ولم يلحظوه .. عندما دخلنا المكتب .. والدي لم يُصّدق أنه أنا هنا .. جئتُ لزيارته .. ضحك مندهشاً بصوتٍ عالي .. فقلت له .. أبي .. عبدالله ولد الجيران جاء معي .. لكنه لم يحصل على عصير برتقال او كيك .. فقام والدي وارسل الفراش ليدخله الى المكتب .. ثم أعطوه كيك وعصير برتقال .. فرِح هو أخيراً .. وفرحتُ أنا

في جيزان نسمع عن فصول السنة الأربعة .. لكن لا نرى سوى فصل الصيف طوال السنة .. عرفت تحديداً أننا كُنّا في فصل الصيف لأن والدي كان رئيساً للمركز الصيفي ذلك العام .. والمركز الصيفي لا يكون الا في الاجازة الصيفية .. كان والدي يصحبنا معه كل يوم .. وكان المركز يعجُ بالأطفال والشباب .. والمرح والسرور .. والغناء والموسيقى .. والأغاني الوطنية .. خالد خالد خالد خالد .. أنت ملكنا وأنت الوالد … صُنتوا العهد أنت وفهد .. صُنتواالعهد أنت وفهد

كان المبنى عبارة عن مدرسة حكومية تشبه مدارس الثانوية .. بملعب لكرة اليد .. إلا أن ذاك المبنى تحديداً كان أسمه معهد المعلمين .. أكاد أجزم أن كُل شباب مدينة جيزان كانوا هُناك ذلك الصيف .. فكثير من الوجوه التي رأيتها هناك علقت صورهم بالذاكرة لسنين طويلة .. بعضهم قابلتهم لاحقاً كمدرسين .. البعض أصبح موظفاً في الخطوط السعودية .. كثير منهم رأيتهم في المدرسة لاحقاً .. كأن يكون أحدهم قد أصبح في الصف السادس .. بينما كُنت أنا في الاول إبتدائي .. او بعضهم كان في المتوسطة والثانوية بالرغم من كوني صغير ذلك الوقت الا أن صورهم ظلت محفورة لسنين طويلة .. فكنت عندما أُقابلهم أتذكر أني رأيتهم في المركز الصيفي ذاك الصيف

لا شيئ في المركز الصيفي سوى الجري واللعب .. والمُسابقات والمباريات .. والرسم والرحلات .. لا يوجد واجبات مدرسية .. لا يوجد ضرب بالخيزرانة .. لا يوجد فصول دراسية .. لا يوجد مواد علمية .. كان كُلّه فن وثقافة لعب وغناء لا قيود او درجات .. لا يوجد رسوب او نجاح .. تلك الصورة التي أملكها من طفولتي ألتقطت هناك في المركز الصيفي بكامير كوداك .. كنت أجلس بجانب الأستاذ علي بكري وأرتمي برأسي على جانبه وكان يُحيطني بذارعه

فجأة إنتهت الإجازة الصيفية .. عرفتُ ذلك تلك الليلة .. كُنتُ الهو في منزلنا في السطوح .. ثم نزلت بعد المغرب الى الشارع لألتقط من البقالة عصير بُرتقال .. كان والدي يجلس على كُرسي على الرصيف أمام المكتبة .. وكان يجلس معه رجلٌ يبدو أنه أكبر من والدي قليلاً .. يلبس غُترة بيضاء .. بشنب لكن بدون لحية  وكان بكرشة كبيرة تمتد أمامه

قال والدي تعال ياخليل .. إقتربت أكثر منهما .. قال هذا إبني خليل ولدي الوحيد .. ولي أيضاً ابنتان أكبر منه .. واحدة في ثانية ابتدائي .. والثانية في ثالثة ابتدائي .. ونريد أن نسجل خليل إن شاء الله في المدرسة غداً .. ضحك الرجل .. هههههههه ههههههه ههههه .. ثم قال .. خليل .. تراني أنا درسّت أبوك .. هههههه .. هههههه .. وغداً تأتي الى مدرستي العزيزية اذا رغبت .. أنا المدير .. او تذهب الى المدرسة الشامية وهي أقرب الى البيت

نظرت لوالدي دون أن أقول شيئاً وقد تُهتُ قليلاً .. بدت الدهشة على محياي و علامة أستفهام كبيرة بكبر رأسي بدأت ترتسم على وجهي .. ما الذي يجري هُنا ؟! قال والدي هاه خليل .. تحب تدرس في المدرسة الشامية وهي قريبة من الحارة تروح تمشي .. أم تحب تدرس في المدرسة العزيزية عند الأستاذ فلان .. نظرت للمُدير بتردد .. وقلت أدرس في العزيزية .. قال الرجل .. خلاص يا بوخليل .. توكلنا على الله أحضره غداً .. وسآخذه أنا للفصل

إستيقضت ذاك الصباح بحماس .. أمي جهزت لي كل شيئ .. والدي أحضر لي شنطة ودفتر وقلم وبراية ومحّاية من المكتبة .. وأمي أعدت فطور بسيط .. تمر مهروس بالدقيق والسمن .. وبيضة مسلوقة وقطعة خبز .. أكلت ولبست .. يالله يا جماعة .. أنا جاهز للمدرسة .. نزلت اول واحد للسيارة .. وأنتظرت .. وأنتظرت .. وأنتظرت .. أفففففف .. منتظرين البنات يجهزون .. أنا طبعاً نقزت للمقعد الأول جنب والدي .. والبنات صعدن للخلف .. وكان هناك مفاجأة

لي أختان فقط .. لكني نظرت للخلف ورأيت أربع بنات .. هممممم .. الأولى والثانية أخواتي .. الثالثة زوجتي أبي كانت أيضاً في ثالثة ابتدائي .. والرابعة بنت الجيران .. قال والدي سأوصل البنات اولاً ثم أخذك للمدرسة .. قلت .. طيب .. وصلنا بعد قليل لمدرسة البنات .. ثم نزلن من السيارة .. عند مدرسة البنات كان المدخل مُزدحم بكثير من السيارات .. وباصات صُفر .. وطاط طيط .. بواري من الصبح .. ولخبطة

كانت مدرسة البنات مجمع حكومي يقع بجانب مصلى العيد .. ومصلى العيد يبعد قليلاً عن قصر الامارة .. وقريب منهما المقبرة التي تقع بقرب ” أممعش ” سابقاً .. عدنا من نفس الشارع الذي جئنا منه .. وهو شارع يمر بمحاذات المقبرة .. ويمتد حتى يصبح شارع فيصل .. وفي الجهة المُقابلة للمقبرة كان هناك حارة مليئة بالبيوت القديمة والشبه آيلة للسقوط .. كانت العمائر من دور او دورين .. وكل عمارة مُتكئة على العمارة التي بجانبها حتى لا تسقط .. منظر غريب حقاً .. يعني لو نسحب عمارة واحدة .. تسقط جميع العمائر التي في تلك الحارة .. وأحد تلك العمائر كانت المدرسة العزيزية .. مدرستي الجديدة

وصلنا أمام المدرسة .. وسمعتُ والدي يقول .. يالله يا بطل وصلنا .. وكأنني كُنتُ نائم أحلم .. وفجأة أستيقظت من النوم لأواجه حقيقة جديدة ماثلة أمام عيني .. ما هذا ؟! والدي يطلب مني أن أغادر السيارة .. ما أتفقناش على كذا .. ويريد أن يتركني هنا .. في هذا المكان .. لوحدي ..!! لوحدي مع كل هؤلاء الغُرباء ؟!! وجووه كُلّها جديدة .. لا .. وبعدين من السيارة رأيت المدير وكل المدرّسين ماسكين خيزرانات يستعدون لأستقبال الطلبة في العام الجديد

وااااااااااااااااا .. وبدأت أجهش بالبكاء .. أريد أمي .. أرجوك لا تتركني هنا .. وااااااااااااا .. أرجوك يا أبي خذني معك .. لا .. لا .. لا .. لا أريد المدرسة .. أريد أن أعود للبيت .. أريد أن أعود لأمي ولجدتي .. صرخت بأعلى صوتي .. وبكيت ذاك اليوم بكاء .. يمكن سمعوا صراخي من اميركا .. ووالدي يقول .. أفااااااا .. وأنا أقول إنك رجّال .. ” يا عمي غوووور بلا رجّال بلا بطيخ ” .. طيب يا إبني خذ هذا ريال .. وأنا برضه أبكي .. ويزود ريالين .. وأنا مازلت أبكي .. ويعطيني خمسة ريالات .. وأنا مازلت مُصرّ .. وأبكي .. الى أن أخرج من جيبه عشرة ريال .. ساعتها مسحت دموعي وأخذت ورقة العشرة ريال ووضعتها في جيبي .. وسألت أين مكان الفصل ؟

يتبع

الحصار