فرحة الرحيل المر

(12)

فرحة الرحيل المر

1977

سيدتي

هكذا إنتقلتُ للصف الثاني ابتدائي بالواسطة بتدخل والدي .. لم تكن تنقصني القدرات الذهنية .. بقدر ما كان إتبّاع النظام هو المُشكلة .. لا أعلم لماذا إستعجل والدي على إدخالي المدرسة .. حيث لم أكن قد بلغت السن القانونية عندما كُنت في الصف الأول .. فكنت دائماً للأثنى عشر سنة القادمة أصغر زملائي في الفصل .. أثناء الدراسة سمعنا عن سقوط جدار في مدرسة مجاورة على أحد الطلبة .. مما ادى الى وفاة الطالب .. وكان الطالب في الصف الثاني او الثالث ابتدائي .. نتيجة هذا الحادث قرر المسؤلين عن مدرستنا الإنتقال مؤقتاً من هذا المبنى القديم المُستأجر خوفاً أن يقع على رؤوسنا هو أيضاً .. فكان الإنتقال إلى المدرسة الشامية ذو المبنى الحكومي  .. وكانت الدراسة بعد الظهر إلى أن يتم العثور على مبنى أفضل وأستئجاره للمدرسة العزيزية

مكثنا شهر او أثنين على تلك الحال .. اذهب مشياً إلى المدرسة الشامية التي تقع شرقاً على طريق الكورنيش كل يوم بعد الظهر .. وأعود للبيت قبل المغرب .. كان الوضع غير مُريح لأني موجود في البيت إلى الظهر .. ثم اذهب للمدرسة .. وكان يفوتني وقت الغذاء في البيت .. والذي هو وقت إجتماع كل العائلة .. ثم أنتقلت المدرسة العزيزية الى مكان أبعد .. فقرر والدي أن ينقلني نهائياً إلى المدرسة الشامية وأن أعود للدراسة صباحاً .. ففقدت كل أصحابي الذين زاملوني في الصف الأول والثاني لكن بقيت صورهم عالقة في ذهني لم تُمحى .. ثم بدأت رحلة جديدة من التعرف على زملاء جدد .. في البداية شعرت برهبة لكن ما هوّن الأمر أن أكثر طلاب المدرسة الشامية هم من نفس حارتنا وفيها أيضاً اولاد عمتي المتزوجة بعكس المدرسة العزيزية

في تلك الأثناء كان منزلنا فوق صفيح ساخن .. والأحداث تتسارع كل يوم .. أمي تحت الحصار والقصف المستمر من جدتي وعمتي زُليخة وزوجة والدي .. وتنتهي المُشكلة كل مرة بتعرضها للضرب من والدي .. كنت كل يوم أعود من المدرسة وهناك معركة في البيت .. بل معارك .. وأذكر جيداً بالرغم من أنني في سن صغيرة في الصف الثاني إبتدائي .. إلا أنني كُنت أتمنى من الله أن آتي للبيت يوماً ولا تكون هناك معركة بين أمي والبقية

كان لوالدي العديد من الأصدقاء المصريين الذين يعملون معه في إدارة التعليم كمشرفين تربويين .. وكانوا قد حضروا لجيزان بصحبة زوجاتهم .. إحدى تلك النسوة وأسمها علياء .. وكانت جميلة جداً .. حضرت لزيارة أمي ذات مرة .. وشاهدت أختي الصغيرة وكانت أختي شديدة البياض فتعلقت بها كثيراً .. إستمرت هذه المرأة المصرية في التردد على أمي .. وذات يوم وكان والدي موجود في البيت .. طلبت هذه المرأة أن تأخذ معها أختي الصغيرة الى بيتها في مدينة أبي عريش .. ربما كان عمر أختي ثمانية أشهر في ذلك الوقت .. فوافق الوالد .. وأخذت أختي عندها لمدة أسبوع .. فجنّ جنون أمي .. كانت أمي تبكي كل يوم .. ووالدي يعتقد أنها مجنونة .. ويخبرها بأن أبنتها ستعود ولا يوجد اي مبرر للقلق .. لكنّها لم تكن تعبئ بما يقول .. وتستمر في البكاء ولطم نفسها ونتف شعرها في منظر مُرعب لي جداً كطفل .. إلى أن عادت أختي .. ومن سوء الحظ أنها عادت ومعها إلتهاب وحساسية في الجلد .. فزاد الطين بلة .. وسكب المزيد من الزيت على أعصاب أمي المُشتعلة أصلاً

ذات مساء كنت أشاهد التلفزيون في الغرفة عند عمتي زُليخة .. كنت ممدد على الأرض .. رأسي على مخدة .. ثم نمت .. وبعد ساعة او يزيد استيقظت وأنا أشعر ببلل ووأشُّم رائحة كريهة .. بلعت ريقي من الخوف والخجل .. ثم تسمّرت في مكاني .. كان باب الغرفة مفتوح .. ويطل على صالة صغيرة جداً ليس بها اي آثاث .. لكن لأنها مُربّعة الشكل .. فكان المكان الذي يجلس فيه أفراد العائلة لتناول الغداء او العشاء على الأرض .. كان الكل يتناول العشاء في تلك اللحظة .. والدي .. عمي حُّمد .. عمي عبدالغفور .. عمتي زُليخة .. جدتي .. زوجة أبي .. كُلهم عدا أمي التي كانت بالطابق العلوي

فجأة عمتي زُليخة شمت الرائحة .. وبدأ الكل يتلفت من أين أتت .. ظن البعض أنه ربما أنا ضرطت .. ومش عارفين أن المصيبة أكبر .. قامت عمتي زُليخة تتفقدني .. عندما وصلت اليّ إكتشفت ما حدث .. كان عندي إسهال .. فبدأت أبكي وأترجاها أن لا تأخذني لأمي .. سوف تقتلني .. لم تعبئ لتوسلي .. كم كرهتها تلك اللحظة .. سحبتني وجرجرتني لأمي ورمتني عند باب الشقة بالطابق العلوي .. ربما لأن جميع ملابسي عند أمي لا أعلم لماذا فعلت عمتي ذلك .. فتحت أمي باب الشقة وبمجرد رؤية أمي لي .. ضربتني كف إرتطمت على أثره بالباب و سقطت على الأرض .. ثم أخذت تضربني بكلتا يديها وبكل وحشية على جانبا يطني .. على ظهري  .. رأسي .. أين ما وقعت يداها .. دون رحمة او شفقة

تمر في عمر الإنسان ثواني تأبى أن ترحل عن ذاكرته .. كأن الزمن يتوقف عند تلك الثواني لسنوات وسنوات .. لم أفهم أبداً ما الذي جنته يداي تلك الليلة .. ما الخطأ الذي أذنبته .. ما الذنب الذي أقترفته كي أستحق كل تلك القسوة .. كُنت نائم عندما حدث ما حدث .. لم أفهم أبداً كيف يمكن للأم .. صاحبة القلب الحنون .. أن تتحول في لحظة الى وحش كاسر .. وكيف لهذا الطفل الذي لا يعرف أحد في هذا العالم كي يحميه سوى والديه .. فيكون هو الضحية .. لم تكن تلك الليلة المُّرة .. المرة الأولى التي أكون فيها ضحية .. الضحية الذي رماه حظه العاثر بين منطقة تراشق بالنيران العائلية .. كنت أنا الضحية او أخواتي البنات في كل مرة تحدث مشكلة بين أمنّا وبين والدنا وعائلته .. كانت أمي تضربنا وكأنها تنتقم من والدي .. وهكذا كل واحد يستقوي على الأنسان الاضعف منه .. والدي يضرب أمي لأنه يستطيع .. ووالدتي تضربنا نحن أطفالها لأنها فقط تستطيع

رُزقت أمي بمولود ذكر هذه المرة .. لكن لم يفرح أحد .. كانت ما تزال في خصام مع جدتي .. وفي معارك شبه يومية مع زوجة أبي .. حضرت جدتي الأخرى وأبنتها وهي الأخت الوحيدة لجدي كي تُبارك لأمي .. وهي تسكن بجانب بيتنا في الجهة المُقابلة من الشارع .. وكذلك إمرأة مصرية زوجها يعمل مع والدي .. كانت تُحضر لأمي بعض الأكل لأنها في حالة ولادة .. أمي كما أسلفت كانت تقوم من الفراش في نفس اليوم .. وتبدأ في عمل ما تحتاج عمله من طبخ وتنظيف البيت

كانت تطبخ الأكل لها وحدها .. والدي كان يتغذى أكثر الوقت عند جدتي وأخواتي البنات كذلك .. أحياناً كنت أشاركها الأكل عندما تكون في مزاج مُعتدل .. وكذلك أختي التي رافقتني مع أمي زمان للجبل .. كانت أمي تُجيد طبخ الرز الأحمر بصلصة الطماطم .. بالدجاج مرات وبالحوت مرات أخرى .. وكنت أحب طريقتها في طبخ الرز .. لأنه يكون رطب ومبلول أكثر .. بينما رُز عمتي زُليخة يأتي ناشف أكثر .. ولم يكن يعجبني بنفس القدر

بدأتُ أميل أكثر وأكثر للنوم عند جدتي وعماتي في الطابق السفلي .. كان في الشقة ثلاثة غُرف .. غرفة بها كنب للضيوف .. غرفة بها قعائد .. وغرفة جدي وهي بعيدة ومُنعزلة في أقصى الشقة .. وبها قعادة للنوم .. وكذلك كل ادوات الصيد من شبك وسنارات .. وغرفة القعائد هذه هي غرفة التلفزيون والجلوس .. فُكنت عادةً ما أشاهد التلفزيون ثم أغفو وأنا أشاهده .. مرات كنت أنام على الأرض .. ومرات أجد نفسي نائم على القعادة .. وهي مُرتفعة كما أسلفت عن السرير العادي

ذات ليلة إستيقظت في منتصف الليل على أصوات صُراخ .. كانت الغرفة مظُلمة وزوجة أبي الثالثة في حالة هيجان .. كانت تسب وتلعن في أمي .. بينما أمي كانت في الدور الثاني .. وكانت جدتي تُحاول تهدأتها .. ثم دخل والدي الغرفة فغطيت وجهي بشرشف كُنتُ أتغطى به .. بدأ يهددها بأن تخفض صوتها حتى لا تفضحنا عند الجيران في هذه الساعة المتأخرة من الليل .. لكنها لم تستمع لوالدي ولم تخفض صوتها او تسكت .. فضربها كف بشكل سريع وحازم .. فخرست ولم تنطق بكلمة

ثم عاد يجري للطابق الثاني لكي يُرّبي المرأة الثانية .. أمي إمرأة قوية .. وربما تكون مُصارعة من الدرجة الأولى .. لو تدربت جيداً وكان في البيت صالة حديد .. تملك قوة غير طبيعية .. فقد تحتاج زوجة أبي الثالثة لكف واحد كي ينتهي الموضوع معها .. أما أمي فتلك قصة أخرى .. عاد والدي للطابق العلوي يجري للدرج .. لم أشاهد ما حدث .. لكنني كنت أسمع أصوات إرتطام بالأرض لأكثر من مرة .. وصوت خبط قوي على الباب .. وأشياء تتكسر .. أنزويت أنا تحت الغطاء أرتجف من الخوف .. حتى أن ظهري إلتصق أكثر بالجدار والسرير وأنا أسمع و أشاهد بعض ما جرى

في أحد الأيام وكان يوم جُمعة .. كان يفترض أن والدي في ذلك اليوم من نصيب زوجته الثالثة .. هذا يعني أنه ينام معها .. وأيضاً هي المسؤلة عن إعداد ملابسه وأكله .. كان من المفترض أيضاً أنه سيخطب الجمعة ذلك اليوم .. فكان يغتسل ثم تقوم زوجة أبي بأعداد ملابسه المكوية كي يرتديها .. بحثت عن كبك الأكمام والصدر للثوب ” إزرار” فلم تجدهم .. ظنت أن أمي قد أخفتها .. والدي مُستعجل ويريد أن يذهب للصلاة .. ذهب لأمي في شقتها وكنت أنا موجود هناك .. سألها أين الكبك يريد أن يلبس ويلحق الصلاة .. أمي لم تعره اي اهتمام وأنكرت معرفتها .. كلمة بعد أخرى .. تطور الأمر الى الضرب .. ارادت أن تعترض طريقه للخروج .. فأصبح يدفعها وهي تسحبه .. أخذ خيزرانة وبدأ يضربها بالخيزرانة .. وهي تُقاوم بشراسة .. تبكي وتصرخ في نفس الوقت .. كان هناك كرسي حديد قذفته به .. فألتقط الكرسي وأخذ يضربها به .. ويضربها .. ويضربها بعُنف وكان ظهرها مُلتصق بالجدار .. حتى سقطت على الأرض منهارة .. ثم ذهب للمسجد ليخطب في الناس خطبة الجمعة  .. يذكرهم بتقوى الله

كنت أقف هناك بجانب الباب .. أُشاهد كل شيئ .. لم ينتبه أحد لوجودي .. كُنتُ مُتسمر في مكاني لم أعد أقوى على الحركة .. لا ادري ما الذي يجب عليّ عمله .. وأنا واقف هناك وأمي ساقطة على الأرض .. جاءت المرأة المصرية وفي يدها صحن به أكل .. سألت ما الذي حدث ؟!! وبدت تقول .. ياخرابي .. ياخرابي .. يالهوي .. ثم قامت تتفقد أمي .. ثم ذهبت للثلاجة .. وأحضرت ماء وثلج .. وأخذت تفّوق أمي وتسقيها

لأمي أخ من أمها يعمل في حرس الضيافة عند الأمير السديري .. كان يزورنا في الأعياد .. أحضره والدي ذلك اليوم بعد صلاة العصر .. وبدأ يشكو له أفعال أمي .. فكان خالي يرفع حذاءه ويريد أن يضرب أمي .. توقعت أنه سيضرب أبي لأنه ضرب أخته .. إستغربت كثيراً .. دنيا عجيبة .. المرأة في بلادنا ملعون أبو جدفها من كل الأتجاهات .. من كل الأطراف .. بإختصار وبدون أي تزويق في الكلمات .. يعني تلاقيها من زوجها والا من أخوها .. والا من مين ؟!! والا من مين ؟

تم إتخاذ القرار بأن ترحل أمي الى الجبل مرة أخرى .. بعد مغرب ذلك اليوم ضفت عفشها في ” بُقشة “ قطعة قُماش .. ولفت وليدها الصغير في قطعة قُماش أخرى وضمته الى صدرها وهي تبكي .. وأخبرت والدي أنها حامل .. رحلت هذه المرة وتركتني .. وتركت خلفها أيضاً خمس بنات .. تركتنا لجدتي وعماتي وزوجة أبي .. كُنت أقف في الشارع عند الباب العمارة أشاهدها وهي ترحل .. كانت تمشي وهي تبكي .. ثم صعدت الجيب وهي تحمل أخي الرضيع في حُضنها .. كنت أقف بصمت وذهول .. لم أودعها .. كُنت أرمق أمي وأنا أحمل مشاعر مُختلفة .. لا ادري إن كانت تشّفي أم أسى أم سعادة أم غضب .. من جهة أسف وحزن .. من جهة أخرى شعور بالراحة أنها سترحل .. شاهدت السيارة تبتعد بينما كانت أختي الأكبر مني تبكي عليها بُحرقة .. تُطارد السيارة تريد أن تلحق بها

يتبع

في مكتب الدكتورة لويس