في مكتب الدكتورة لويس

(13)

في مكتب الدكتورة لويس

June 2007

جلستُ في الجهة المُقابلة للسيدة لويس أجهش بالبكاء .. وهي تنظر اليّ بصمت وألم .. أشعر بالذنب لأنها رحلت .. رحلت ولم أبكي على رحيلها .. كأن الدموع وقفت عند محاجرها .. بل أكثر من ذلك .. كُنتُ أشعر وهي تغادر البيت وتركب السيارة بطعم الانتصار .. كأن تلك الليلة كانت الليلة التي انتصر فيها الحق على بطشها بي .. كانت تقسو عليّ كثيراً .. فلم أعرف أبدا طعم الحب من أمي .. وكم حاولت وحاولت أن أحبها فلم أستطع .. و أشعر بالذنب أيضاً لأني لم أدافع عنها ذاك الصباح .. لم أنتصر لها .. وقفتُ هكذا مُستسلماً .. ربما لو كُنتُ فعلتُ أي شيئ .. لو كنتُ غيرت أي شئ .. ربما .. لو كنتُ صرخت .. ربما لو كنت نطقت بكلمة .. ربما لكان تغّير مجرى حياتي تماماً .. ربما لكانت تلك اللحظة هي الجسر بين أن أعيش طوال حياتي جباناً .. وبين أن أقف وأنتصر للحق .. وأن أقف مع الشُجعان .. لم أتصالح أبداً مع نفسي منذُ ذاك اليوم .. أنا جبان .. جبان .. كل موقف تطلب مني الشجاعة بعد ذلك اليوم كنت أختفي .. أتراجع للمقاعد الخلفية .. أتوارا عن الأنظار .. أتوارا خلف جدران من الخوف .. لا أفهم لماذا يستبد الرجل بالمرأة .. هل لأنها مخلوق أضعف جسدياً ؟ الرجل الذي يضرب المرأة جبان .. لا تظهر شجاعته الا في البيت عند الحريم

السيدة لويس : خليل .. لا تلم نفسك .. كنت طفلاً في السادسة .. ماذا كنت ستفعل أمام هذا الوحش .. لو عاش أبوك في أميركا لكان مكانه الطبيعي السجن
سيدتي أنا لستُ هنا لاصدار أحكاماً على قوانين أميركا او السعودية .. لو طُبقت قوانين السعودية على الأميركان لكان أكثرهم في السجن .. ليست القوانين فقط من يمنع الظلم والتعسف .. الضرب لا يجب أن يكون طريقة لعلاج المشاكل بين الرجل والمرأة .. ويجب أن يبقى ذلك في ضمير كل إنسان .. الطفل لا يجب أن يتعرض للضرب بتاتاً .. سيدتي أنا متزوج .. ولي طفل وطفلة من زوجتي .. لم أشأ أبداً أن يكون لي أطفالاً .. لأني أخشى عليهم مني .. أخشى أن أكون في يوم من الأيام مثل أبي .. أنا لم أتربى على التسامح .. على التحاور .. على المناقشة .. على الاقناع .. تربيت على طريقة واحدة .. وهي أن هناك شخص أكبر منك يقوم مقام الوصي عليك .. هو يعرف الصح من الخطأ .. وأنت عليك التنفيذ .. كان الكبار من يقررون ونحن الصغار علينا التنفيذ .. لقد ورثت هذه اللعنة من والدي .. يمكنني أن أدعّي كما أشاء أنني متفتح الذهن .. مُتحرر .. لكن في لحظة الحقيقة .. ستكتشفين أن بداخلي ” صدام ” صغير .. دكتاتور .. هكذا هو والدي .. وهكذا كان جدي .. وهكذا سأكون

السيدة لويس : خليل .. أنت مُتزوج ولك أبناء ..!!!! لم تخبرني بذلك !! حدثتني في البداية عن مشكلتك مع الدراسة .. ومشكلتك الأخرى مع النساء ؟ يبدو أني أجلس أمام صندوق من الألغاز والمفاجآت

بل أخبرتك .. ربما مررنا بذلك سريعاً .. لا أحبذ الحديث عنهم كثيراً .. نعم لي ولد عمره اربع سنوات .. وبنت عمرها سنتين .. لقد انفصلت عن أمهما من أيام قليلة بعد سبع سنوات من الزواج .. وقررت أن أبدأ حياة جديدة ليس لأحد فيها قرار سواي .. لقد أعتبرت زواجي من الماضي الذي لم يكن لي فيه يد او قرار

ثم بدأتُ أبكي من جديد .. إني أفتقدهما كثيراً … كانت مفاجأة لي أن رُزقت بطفل جميل وطفلة جميلة .. وأنا الذي كُنت دائم الأعتقاد بأني قبيح .. ثم بدأت أضحك .. يقولون أن ولدي يشبهني كثيراً .. اذا كان يشبهني حقاً .. فأنا اذاً وسيم .. هههههههه .. على عكس ما كنتُ أظن طوال كل تلك السنين .. لقد أسميته الهيصر .. والهيصر إسم من أسماء الأسد .. يقولون أن للأسد سبع مئة إسم في اللغة العربية .. والهيصر أحد تلك الأسماء .. أسميته الهيصر فلربما يكبر يوماً ويكون أشجع من أبيه .. أما البنت فهي تشبه أمها .. وأسمها على إسم أمي

السيدة لويس : هل أحببت زوجتك ؟

لا ادري .. ربما كنت أظن أني أحببتها .. هل يوجد شيئ أسمه الحب أصلاً

السيدة لويس : لأنني أعتقد أنك تكرر ما فعله أبيك .. هو هجر أمك بعد ولادتك لثلاث سنين .. وأنت تفعل الشيئ نفسه مع أبناءك

لا … أنا هجرت أبنائي لأحميهم مني .. سأخبرك بقصة عن أبي .. عن هذا الذي سميته بالوحش .. لوالدي مكتبة في شقتنا تلك في الطابق العلوي .. وهي غرفة كأنها زائدة عن حاجة البيت .. فهي لا تصلح غرفة نوم .. لأنها صغيرة ومثلثة الشكل او شبه مُنحرف .. ولا تصلح للضيوف او لأي شيئ .. فكان أن جعلها والدي للكتب .. وهي تطل على بلكونة او شرفة تطل على الشارع .. بعد رحيل أمي .. أغلقها والدي بالقفل .. فوالدي يخاف على الكتب كثيراً .. فلا يسمح لأحد بدخول تلك الغرفة سواه والغبار .. فجيزان تتعرض كثيراً لعواصف رملية خاصة في الصيف .. في زيارتي الأخيرة لجيزان ٢٠٠٦ .. دخلت للمكتبة بعد أن ذبحني الملل .. وقررت أن أقوم بتنظيف الكتب وترتيبها .. لن تُصّدقي ماذا وجدت

يتبع

المكتبة