الكنز المدفون

(19)

الكنز المدفون

1980

سيدتي

أشعر أني (بلو) اليوم .. أدري أنكِ تنتظري أن أكمل أحداث القصة وسأفعل .. ليس لديك فكرة عن الراحة التي أشعر بها وأنا أتحدث إليك .. لا أدري هل سبب الراحة أنني أتحدث إليك .. أم أن سبب هذه الراحة أنني أتحدث بصدق و بلا خوف .. سأُكمل القصة .. لكن ليس قبل أن أبوح لك بهذا الشيئ الذي يخنقني .. أعلم أنك إمرأة .. وربما لا يعجبك ما سأقول ..أشعر أني حزين اليوم .. من سواهن .. البنات .. بصراحة (يطفّشون) ..عندما تهتم في البنت .. ( تطنّشك ) ..! عندما تطنّشها .. تهتم بك .. !!عندما تحُبها .. تكرهك ..!! عندما تكرهها .. تحبك !!

كان الصيف حاراً كالعادة .. هكذا هو صيف جيزان .. لكن هطول الأمطار الموسمية تأتي في الصيف أحياناً فتجعله رائعاً .. تتجمع تلك السحب القادمة من الشرق .. ثم تهطل برداً وسلاما .. فتغسل المدينة من خطاياها وآثامها الشمس الحرّ والرطوبة .. كانت السماء كريمة في نهاية السبعينات والأمطار غزيرة .. كنت أتعلم قيادة الجزمة وأتقنت ذلك في إسبوع .. كنت في البيت في غرفة السرر أقف على حافة سرير .. ثم أدفع نفسي للسرير المقابل .. كنت أتعلم في السطوح أيضاً .. ثم أخيراً خرجت للشارع أتباها أمام عيال الحارة .. كنت أمشي على الرصيف .. وصف اولاد أصغر مني يُلاحقونني مستغربين أن للجزمة كفرات .. كان ذلك صيف ١٩٧٩ .. وكان عمي حُمّد يقضي آخر أيامه معنا قبل نهاية الصيف ليعود بعدها لأميركا .. كان يقضي أكثر الوقت في الدكان يستمع لأغنية حبّينا وأتحّبينا لإمرأة لم أكن أعرف إسمها .. أصبحت فيما بعد المُفضلة لدي .. وكان يستمع لعبدالحليم حافظ أيضاً .. لكن لم أكن أعلم إسم تلك الأغنية التي كان يسمعها طوال الوقت .. كانت تقول ( وتسافر وأسافر .. وياك يطول السفر .. وقلوبنا بتتقابل مع كل طلعة قمر .. ) بحثت عن تلك الأغنية كثيراً فلم أجدها

عبدالحليم حافظ أصبح المغني المفضل لدي منذ تلك اللحظة .. لكنني لم أكن أملك أشرطة له .. ولم يكن لدي مسجل .. وكان محمد عبده يحضى بشعبية كاسحة في جيزان .. تسمع أغانية في كل مكان .. أسمر عبر .. غريب الدار .. أيووووه .. مركب الهند .. كان عمي عبدالغفور مُتعصب لمحمد عبده وأغلب اولاد عمتي الكبار .. أنا كنت أحب أغنية مختلفة تقول ( حبيبي يا حبيبي .. كتبت إسمك على صوتي .. كتبته في جدار الوقت .. على لون السما الهادي .. على الوادي .. على موتِ وميلادي ) لم أكن أهتم لمن كانت .. لكني عرفت لاحقاً أنها للفنان طلال مدّاح

في البيت كانت زوجة عمي عبدالغفور قِبلة الزوار من أقارب وجيران .. كانت جميلة وتملك سمت وهيبة لا تُخطأها العين .. لم تكن تتحدث كثيراً .. كانت تُنصت أغلب الوقت .. وتُبادل الحضور إبتسامة رقيقة وخجولة .. كانت ترتدي الكثير من الدهب حول عنقها ويديها وعقد من الفُل .. كنت أراقبها بشغف وهي تجلس في مجلس النساء .. أريد أن أعرفها أكثر .. أريد أن أتحدث إليها .. لكن لم أكن أجد الفرصة .. ربما كنت أريدها أن تلحظ وجودي .. لسبب لا أعرفه أجدُ نفسي أنجذب للنساء الجميلات .. لم أكن أهتم بالسن أبداً .. لم أفهم أبداً لماذا .. ؟! عن ماذا كنت أبحث ؟ لا أعرف .. ذاك المساء ولأول مرة سألت زوجة عمي عن أمي .. كانت تجلس مع عمتي زُليخة بعد أن غادر بقية النسوة .. قالت بإستغراب أين أم خليل ؟! لماذا لم أراها أبداً ؟! كنت أقعد على الأرض بجانب عمتي مشغول بتكسير حبات الفستق .. هي وعمتي تجلسان متقابلتان على سريرين .. قفزت بخفة إلى الموضوع وكأنه يعنيني .. وكأنها وجهت السؤال إلي أنا .. لا لعمتي زُليخة .. كانت فرصتي التي إنتظرتها طويلاً .. فبدأت أتكلم بسرعة وتلقائية دون أن ألتقط أنفاسي

أمي رحلت للجبل وأخذت أخي معها كانت تضربني كثيراً وكانت تتخاصم مع جدتي وزوجة والدي كل يوم وكانت عصبية ووالدي ضربها عدة مر … قفزت عمتي زُليخة تحاول كتم أنفاسي .. وكأني تحدثت بغير الحقيقة .. ثم قالت .. أبداً .. شوية سوء تفاهم بينها وبين والد خليل .. نظرت لعمتي مُستغرباً .. لماذا يُخفي الكبار الحقيقة ؟!! هل لأن الحقيقة مُرة ؟!! هل لأن الحقيقة تفضحهم ؟!! هل لأن الحقيقة ليست هي الحقيقة

في إجازة الربيع أخبرني والدي أنه سيذهب للجبل لزيارة أمي .. وسألني إن كُنت أرغب في الذهاب معه .. كانت إجازة الربيع تستمر لأسبوعين .. قلت في نفسي لا بأس أن اذهب يومان ثم أعود معه .. منها تغيير جو .. وكذلك مُشاهدة الجبل الذي لا أذكر منه اي شيئ .. في المرة التي رافقت فيها أمي كُنا نعيش في جبل فيفا .. وهو جبل أخضر كما سمعت ذلك الوقت .. لكن أمي تسكن الآن في جبال ( بني مالك – جيزان ) هي وجدتي .. وخالتي الصغرى متزوجة هناك أيضاً

إستأجر والدي سيارة أقلتنا من جيزان إلى منطقة تُسمى عيبان صباح يوم الخميس .. وكان يحتاج لإستئجار سيارة أخرى ذات دفع رباعي لصعود الجبال .. وجدنا سيارة تويوتا نُسميها شاص .. ركبت في المنتصف بين السواق ووالدي .. كان والدي والرجل يتحدثان عن أحداث الحرم المكي .. لم أستوعب كثيراً ما يقولون .. إلتصقت بعض الأسماء والكلمات في رأسي دون أن يكون لها معناً واضحاً

لم يكن الطريق غير مُعّبداً فقط .. بل كان وعراً .. كنا نسير في وديان ثم نصعد لجبل ثم نعود للوادي مرة أخرى .. كان الوقت مازال باكراً .. وكأن الشمس كانت ترمقنا بإستحياء من خلف التلال .. ثم تبدأ أشعتها تزداد قوة .. لكن لم تكن الشمس بتلك الجبروت التي هي عليه في مدينتنا الساحلية .. كانت أدفئ .. ألطف .. ربما أرقّ .. وكنا كلما صعدنا أكثر زادت لطفاً ورقة .. نمرُ أحياناً بجداول ماء .. نسير في الوادي وصخور كثيرة في الطريق حتى شعرت ببعض الغثيان .. سألني والدي إن كنت بخير .. فأجبت بنعم .. كنت أحاول أن أظهر لوالدي كرجل يتحمل المشاق .. لكن تلك الرجولة لم تدم طويلاً

في الطريق كنت أتخيل تلك الليلة التي ركبت فيها أمي الجيب مع خالي وغادرتنا .. هل يُعقل أنها مرت بهذا الطريق الوعر الموحش .. وفي عز الليل ؟!! لابد أنها كانت مرعوبة .. وربما شعرت هي أيضاً بالغثيان .. لا أنسى أنها كانت تحمل طفلاً في يديها تلك الليلة .. وطفلاً آخر في أحشائها .. وكانت مضروبة بخيزرانة وكرسي في الصباح .. لابد أنها لن تنسى أبداً مثل تلك التجربة .. وأنا أتخيل منظر أمي وكان والدي مازال يتحدث للرجل الغريب الذي يقود السيارة والتي تفوح منه رائحة مثل رائحة الشاي المُعطّر التي تصنعه عمتي زُليخة .. نظرت لمجموعة من العنز تصعد الجبل برشاقة تقفز كالغزلان .. شدّ إنتباهي المنظر .. ثم في ثواني معدودة أبعد قليلاً ونحن سائرون رأيت سبعة كلاب تجتمع على حمل صغير تُريد إفتراسه .. الحمل رجلاه ترتعدان والكلاب من حوله تنبح .. جذبني المنظر .. وقفز قلبي يتسارع خفقانه .. كانت السيارة تتباعد وأنا ألف عنقي لا أريد أن يفوتني المشهد … وكنت أنظر إلى أبي في صمت وحيرة .. وأعود أنظر للحمل يتلاشى ونحن نبتعد عنه .. وكنا كلما بعدنا كلما تلاشت إحتمالات أن ينجو من الكلاب .. ربما كنا فرصته الوحيدة للحياة

أنظر إلى أبي لعله يتدخل ويُنقذ الحمل المسكين .. الحمل يصرخ .. او ربما يبكي .. يستجدي بصوت صغير مخنوق .. ماااا .. مااا .. ماا .. والكلاب تُحيط به تتحين الفرصة .. وقطيع العنز يصعد الجبل .. هربوا وتركوه خلفهم .. جمعت كل مالدي من قوة وسألتُ والدي أن يتوقف لإنقاذ الحمل من الكلاب … قال والدي .. يا إبني نحن مُستعجلون .. ولا نستطيع التوقف ومطاردة كلاب برّية .. إلتفت إليّ السائق وهو ينظر إليّ ويضحك .. حزنت ذاك الصباح حزناً بالغاً .. وبقيت تلك الصورة وذاك الصوت محفور في ذاكرتي لزمن .. إذاً هذه هي الحياة .. نسمع كثيراً عن القيم .. والمُثل .. والأخلاق .. حتى إذا جاء وقت الجد .. تصبح مجرد .. قيم .. ومُثل .. وأخلاق .. أهلاً بك يا صديقي لأرض الواقع

أصبح الطريق تُرابي والسيارة تُثير حبات الرمل من تحتنا .. بدا كأن عاصفة تُرابية تُطاردنا .. أخذت السيارة تصعد لأعلى في مسار حلزوني تقترب أكثر من السماء .. ولم تكن الهاوية تبعد عنا كثيراً .. فما أن تنظر لليسار حتى لا ترى للأرض قاع .. ثم وصلنا ما يشبه قرية على قمّة جبل

هل شاهدتِ فيلم ( العرّاب ) عندما يهرب مايكل كارولوني الى ايطاليا ليختبئ عن الأنظار بعد أن قتل في اميركا زعيم المافيا المعادي لأبيه .. ثم يُقابل تلك الفتاة الجميلة ويتزوجها .. ثم تنفجر فيها السيارة وتموت .. تلك البلدة في الفيلم تشبه لحدٍ بعيد ما رأيت ذاك الصباح .. لم تكن تلك البلدة في صقيلية بل كانت في جنوب الجزيرة العريية .. كانت السيارة تسير والبيوت تقترب منا أكثر .. حتى توقفت السيارة .. فنزلنا نمشي على الأرجل .. شعرت أن السماء أقرب والهواء أنقى .. كنت أسمع صوت طائر في السماء لم أعرف ان كان صوت نسر او شيئ آخر .. جبل مُرتفع نقف عليه ثم وديان سحقية .. ثم جبال أخرى بعيدة .. كانت البيوت من الحجارة الصخرية .. مجتمعة لكن لا تناسق بينها

مشينا أكثر .. فوصلنا إلى زُقاق ضيق .. وبيوت مُتلاصقة من الجانبين بدا المكان وكأنه نفق .. كنّا نحن في اول النفق نمشي .. وكانت السماء زرقاء في آخره واقفة .. وكان الهواء عليلاً وأكثر برودة داخل الزقاق .. الأرض صخرية نمشي عليها مُتعرجة .. كان والدي يمسك بيدي يمشي مسرعاً على يميني كأنه يجرني .. وأنا أتلفت لليسار وللخلف يتملكني الفضول أتأمل تفاصيل المكان كأنه لوحة سيرالية أمامي .. كانت أنفاسي تتسارع من هيبة المنظر وروعة المكان .. وصلنا الى الحافة .. ولم يعد أمامنا سوى الهاوية .. تشاهد وادي سحيق .. ثم يمكنك أيضاً مشاهدة الطريق الذي أتينا منه يتعرج ويلتف حول الجبل مثل الثعبان .. ثم انعطف والدي لليمين ودخل الى بيت كأنه من العصور الوسطى مدخله صغير جداً .. كأننا ندخل الى جحر .. والسقف يكاد يُلامس هامة أبي وهو رجلٌ قصير .. مدخل ضيق جداً ومُظلم .. فجأة كأننا أصبحنا في ظلمة الليل ونحن في عز النهار .. كانت الجدران صماء باردة .. تستطيع أن تشُّم رائحة الجدار .. مثل رائحة الماء عندما يختلطُ بالطين .. بدا وكأننا مررنا بغرفة .. كان الباب لليمين .. لكن لا تكاد ترى شيئاً .. سرت في جسدي قشعريرة .. ثم صعدنا لأعلى .. درجات صغيرة متواضعة مع التفافة حلزونية .. صرخ والدي بأعلى صوته .. يا أهل الدار .. ثم ضحك .. ثم سمعت صوت أمي النسائي الناعم من الجهة الأخر تُرحب

وصلنا للنور أخيراً ولمكان يشبه السطح .. لم يكن ذلك هو السطح .. ولكن كانت غرفة جانبية مظلمة قليلا .. وأمامها مساحة خالية ثم السماء هي السقف .. ثم أقبلت أمي فرحة .. أمسكت بيد والدي تُقبلها .. وكان يتبعها طفل صغير يكاد يلتصق بها .. ثم أقبلت نحوي فرحة .. ثم أنحنت .. تقبلني بلهفة تشُّمني وتلثمني بجنون .. وتبكي .. كانت ذراعي مُرتخيتان بجانبي .. كانت تهزني .. لكني كنت بين يديها كالميت .. لم أبادلها نفس المشاعر الجياشة .. كنت بارد كالثلج وكنت مستغرب من شيئين .. هذا الحب المفاجأ الذي هطل عليّ كالمطر .. وكذلك من رائحة ملابسها التي تفوح كرائحة اللحم .. كأنها قد ذبحت ذبيحة للتو .. أدخلتنا الى غرفة بها ثلاث سرر .. كانت جدتي العمياء تجلس على السرير المقابل للباب وكان هناك فانوس مطفي واقف يتيماً على يسارها .. وكان تحت رجلها هاندول مربوط .. لابد أن الصغير الذي بداخله هو أخي الصغير .. تمتمت جدتي بكلمات سريعة ترحب بنا .. لكنني لم أفهم ما كانت تقول … سوى أهلاً .. مسهلاً .. لم يكن لها أسنان أمامية .. وكانت تتكلم بسرعة وبلهجة مُختلفة

كان منظر أمي مُضحكاً .. أينما تذهب أمي يتبعها أخي الصغير يُمسك بملابسها .. يرمقنا بنظرات شك وريبة ثم يُخفي وجهه خلفها .. حاولت أن أتودد اليه .. لكن لا فائدة … الولد كأنه طرزان وهو صغير .. متوحش يخاف من البشر .. كان حافي القدمين .. وكانت ملابسه رثة .. وأشياء تطل من أنفه .. ثم تعود بسرعة تختفي .. ثم تظهر .. ثم تختفي .. ثم تظهر .. ثم تختفي .. كان ينظر إلي بتوجس .. وكأنه يعلم في قرارة نفسه أني أنوي المكر به .. جلس أبي على سرير ووقفت أنا بجانبه .. وجلست أمي على سرير تقابله .. وأختبئ أخي الصغير خلفها .. كانت أمي تتحدث لأبي تسأله عن أحاولنا .. وكنت أنا أراقب أخي يطل برأسه من خلف أمي ليتأكد أن كانت الأرض قد ابتلعتني أم مازلت موجود .. أهاه .. مازلت موجود .. عاد يخفي رأسه خلف ظهر أمي .. ثم يعود يحاول أن يستل نظرة أخرى .. ليتأكد ان كنت موجود أم لا .. ربما كان يتمنى في تلك اللحظة لو أن الارض قد ابتلعتني .. أهاه .. مازلت موجود

كان يجلس القرفصاء خلف أمي .. لا أحد يجلس هكذا على السرير .. ربما هو تعود على هذه الطريقة .. نهضت أمي تعد القهوة .. فأرتعد الصبي .. لم يتوقع أن تنهض أمي فجأة .. كان تركيزه منصب عليّ أنا .. نهض مسرعاً خلفها وهو مُتضايق .. كانت تلك فرصتي لأزيد مخاوفه .. حاولت أن أهجم عليه واخافته وهو يمر من أمامي .. لتتأكد شكوكه السابقة .. فنهرني أبي .. لا تخّوفه .. سألت والدي ليش هو كذا خايف منّا ؟!! قال أبي .. يعتبرنا أغراب .. لم يتعود على رؤيتنا .. قلت مُندهشاً أغراب !! أنا أخوه وأنت أبوه .. كنت مُستغرب من تصرفات أخي .. عادت أمي بقهوة و تمر .. وهو مازال ملتصق بها كالذيل

خرجتُ خارج الغرفة أستكشف المكان .. كان هناك فرن من الطين مُلتصق بالجدار على اليمين .. و لليسار دَرَج يأخذك من حيث أتينا .. وعلى يمين الدرج دَرَج آخر .. يأخذك لسطح الغرفة .. لم يكن الدرج سوى حجارة بارزة قليلاً من الجدار كنتوء .. فتصعد الدرج تسلقاً .. حيث تستخدم يديك ورجليك .. وعندما تجد نفسك على سطح الغرفة .. تشاهد بيوت الجيران والفضاء .. فضاء يمتد للأبد .. وسماء شديدة الزرقة .. ثم منظر مدرجات مزروعة .. وبيوت متناثرة بعيدة .. جبال شاهقة .. وهواء نقي لم تتنفسه رئتي قبل ذلك اليوم .. كانت رحلة تستحق كل ذاك التعب

صعد والدي لأعلى وكان يبدو مُنتعشاً بالهواء النقي .. الطفل يشعر بسعادة عندما يشاهد أحد الكبار ينزل من بُرجه العاجي ليعود طفلاً .. ذاك كان شعوري ذلك اليوم .. وأنا أشاهد أبي يحاول تسلق الدرج .. ليصعد فوق تلك الغرفة .. كان يضحك وهو يصعد الدرج بكلتا يديه ورجليه .. وكان خائفاً أن يسقط .. ضحكت أنا أيضاً .. للمرة الأولى أشعر أن والدي يمرح كطفل .. ما الحياة ؟ إن لم تكن تلك اللحظات البريئة الصادقة
إفترش سجادة على الأرض .. كان هناك جدار قصير يحيط بسطح الغرفة .. طلب من أمي أن تحضر إبريق الماء كي نتوضأ ونصلي الظهر والعصر جمعاً وقصراً .. أحضرت أمي إبريق الماء .. وبدأ والدي يتوضأ بحرص أكبر أن لا يُبذر .. شرح لي كيف تمسح الماء على جسدك دون أن تسكبه .. ثم جاء دوري

عندما لامس الماء وجهي وذراعي .. أصابتني رعشة من برودة الماء والجو .. وقف والدي ينظر في كل الإتجاهات .. كأنه يبحث عن شيئ أضاعه .. كان يبحث عن القِبلة .. كانت السماء زرقاء مليئة بالطيور الجارحة .. والشمس تميل قليلاً .. اول مرة أشاهد هذا الكم الهائل من الطيور الجارحة في السماء .. كانت تملئ السماء بالصفير .. وتدور حول الجبل كأنها تحرسه

صلينا .. ثم أحضرت أمي الغذاء .. رُزها الأحمر المُبتل المُفضل عندي .. وضعت يدي في الرز الذي تتصاعد منه الأبخرة .. وشعرت بقليل من الدفئ .. لم يعجبني طعم اللحم .. كانت رائحته قوية .. سألت والدي لماذا طعم اللحم لا يُشبه طعم اللحم الذي نعرفه ..؟! قال .. هذا لحم بقر .. كانت أمي تنزل ثم تصعد عدة مرات .. تذهب الى الفرن ثم تعود .. لم تهدأ أبداً .. طلب منها والدي أن تجلس تأكل معنا .. جلست معنا .. لكن كانت تأكل بأستحياء

أنتهيت من الأكل بسرعة .. وغسلت يدي لكن لم تذهب رائحة اللحم .. إقتربت الى الجدار القصير أقف بجانبه .. أنظر للأفق .. لكن .. أفكر في الغرفة المُظلمة القابعة أسفل المنزل .. لم تفارق خيالي تلك الغرفة .. كنت أتمنى لو أن بها كنز .. من يدري ؟ كنت أتساءل في نفسي .. ما المانع أن يكون بها صندوق خشبي بني اللون .. بحزام نُحاسي .. وزوايا نُحاسية .. وقفل ضخم .. كنز مليئ بالمجوهرات لم يعثر عليه أحد .. لأن الغرفة معتمة .. ولا يجروء أحد على دخولها .. لأنها مليئة بالأشباح .. ألم أشعر بقشعريرة عندما مررت بباب الغرفة .. لابد أنهم الجن يحرسون الكنز داخل الغرف وأنا واقف أحلم بالكنز المدفون في الغرفة المظلمة .. كأني أستيقضت على صوت أمي تبكي وهي تتوسل لأبي أن يُعيدها معه لجيزان .. لو كنت مكان أمي لما أستبدلت هذا المكان الساحر بأي مكان آخر .. نظرت الى والدي فإذا هو مطرق برأسه ينظر للأرض .. كأنه لا يريد أن يتحدث في هذا الموضوع

لم تتوقف عن البكاء .. وكانت تمسح دموعها وأنفها بغطاء أسود شفاف يلتف حول رأسها وعنقها .. أخيراً تحدث أبي بلهجة صارمة .. لن تعودي معنا حتى تعقلي .. قالها .. والله لو تشوفي زوجة عبدالغفور ما شاء الله عقل ورزانة .. تعيش معنا في سلام لا تبحث عن المشاكل .. ولا تغلط على أحد .. حتى أسألي خليل .. فجأة وجدت نفسي داخل الدوامة من جديد
نعم يا أمي إنها إمرأة في غاية الطيبة .. عقبت بحماس .. توجهت أمي بحديثها لأبي وكأنها لم تعر شهادتي أي قيمة .. حرام عليك .. حرام عليك .. هؤلاء الطفلان هم ابناءك من لحمك ودمك .. أشفق عليهم .. أشفق عليهم .. خاف ربك .. خاف ربك .. ثم نزلت غاضبة .. التفت والدي نحوي .. هذه أمك .. أبداً لن تتغير .. طيبة .. لكنها عصبية ومنفعلة طول الوقت ..
سألني أبي إن كنت أرغب بالعودة معه إلى جيزان غداً صباحاً .. او أفضل قضاء وقت أطول مع أمي وإخوتي إلى نهاية الإجازة .. فكرت قليلاً .. سرحت أفكر في أحداث ذلك يوم .. الطبيعة الساحرة .. أمي تحضنني وتقبلني بشغف .. مُناكفة أخي المُتوحش .. قلت بحماس .. أعجبني المكان .. أود البقاء هنا لنهاية الإجازة

حل الظلام .. فجأة خيم السكون على كل شيئ .. في جيزان عندما يحل الظلام لم يكن أحد يهتم .. كانت الشوارع مضيئة .. والناس تغدوا وتجيئ .. هنا .. الكل خلد الى السكينة .. حتى الطيور الجارحة في السماء هجدت .. الناس .. كل شيئ .. كأن بينهم أتفاق وكلمة شرف .. لم يكن من ضوء داخل البيت سوى ذلك الضوء الخافت من ذلك الفانوس العتيق .. وكان ضوئه يختفي كلما غادرت أمي الغرفة .. ثم يعود عندما تعود .. نمت تلك الليلة بهدوء وسكينة وشعور بالسعادة لم أشعر به منذ زمن

في الصباح إستيقضت على صوت الديكة .. كان الوقت باكراً .. وكنت أسمع جدتي العمياء تتمتم بآيات قرآنية وأدعية .. نهضت أبحث عن أبي فلم أراه .. أخبرني في الليلة السابقة أن عليه أن يُصلي الجمعة في جيزان .. رأيت أخي الصغير ينام بجانب أمي .. والرضيع كما هو في الهاندول خلف سيقان جدتي .. خرجت خارج الغرفة وصعدت للسطح .. فإذا السماء بيضاء والدخان كثيف .. كأن السحاب قد هبط من السماء ليعانقنا .. يُقبّل قمم الجبال .. يحضن البيوت والأزقة .. لم تُشاهد عيناي مثل هذا المنظر من قبل .. وقفت في خشوع وسكينة أتأمل هذا الكنز المدفون

يُتبع

عنز الجبل