عنز الجبل

(20)

عنز الجبل

1980

سيدتي

إستيقظت أمي .. وأستيقظ أخي .. وجلس بطريقته القرفصاوية ( كلمة جديدة سنضيفها للقاموس) على السرير .. بعين واحدة مفتوحة أخذ يبحث عن أمي .. والثانية مقفولة بمادة صمغية .. لمحني .. فتوقفت عينه عن البحث عن أمي .. وتسمّرت عندي .. رأيته ينظر إلي بإستغراب .. وكأنه لا يُصّدق ما يرى ..! نعم .. نعم .. إنه أنا .. مازلت هنا .. أنا واقعك الجديد المزعج .. أين المفر ؟ أخذ يفرك عينه غير مصدق .. او كأنه يُريد أن يتأكد أني لستُ جزءاً من حُلم مؤذي

ربما كان يتساءل في قرارة نفسه .. إذاً هذا المعتوه سيبقى هنا .. لن أنعم بسلام بعد اليوم .. نعم يا عزيزي .. لن تنعم بسلام بعد اليوم .. هذا أنا .. أين ما ذهبت وحللت .. لابد أن أثُير العواصف .. البحيرات الساكنة تتحرك عندما ألمسها .. لا يهدأ لي بال مع السكينة والهدوء .. أشعر دائماً بتلك الطاقة الكامنة الموجودة بداخلي .. ثم أنفجر .. مرات أكون كالبركان .. مرات زلزال .. مرات إعصار .. كم وكم من أُناس قد إقتحمتُ حياتهم وغيرتها للأبد

أمي مُبتسمة .. أخذت تُرضع الرضيع .. وتنظر إليّ بحنين وشوق .. جدتي تجلس تتحدث بكلام لا أفهمه .. ثم ترد أمي بكلام لا أفهمه أيضاً .. سألت أمي أن تُترجم لي الحديث .. قالت أمي جدتك تريدك أن تقترب منها .. تُريد أن تلمسك .. تقول أنها تتذكر عندما كنت طفلاً صغيراً عندها في جبل فيفا .. وكانت تلاعبك .. تُريد أن ترى كم كبرت

قلت بتعّجب تُريد أن ترى .. !! هي عمياء كيف ستراني ؟! قالت أمي .. فقط إقترب منها .. ودعها تتحسسك .. إقتربت من جدتي أكثر .. و أنا مُتردد .. إمرأة عجوز بيضاء .. عيناها واسعتان .. تنظر .. وكأنها تنظر للأفق .. كانت يدها اليسرى تبحث عني .. ثم أمسكت كتفي بيدها الُيمنى .. ثم أمسكت أكتافي بكلتا يديها .. قالت كلمات لم أفهمها وهي تضحك .. ثم ضمتني لصدرها وهي تتحسس ظهري .. رأسي .. كانت رائحتها مثل الملابس القديمة الملقاة في شنطة لبعض الوقت .. كانت تبتسم وتتحدث بكلام لم أفهمه .. لم يكن يهم في تلك اللحظة إن كنت أفهم ما تقول .. لقد شعرت بقلبها .. بذاك الحنين الذي لا تترجمه كلمات .. يكفي شعورها بالسعادة وهي تضمني .. ويكفيني هذا الحب وهذا الإحساس عن آلاف القصائد والكلمات

قالت أمي هل تُريد أن تذهب معي إلى البئر لملئ قربة الماء .. أجبت بسرور : طبعاً .. كانت القربة بُنية اللون كأنها جلد حيوان ميت بأرجل ورقبة لكن بدون رأس .. سألتها هل من الممكن أن نمر بتلك الغرفة المظلمة .. أريد أن أدخلها معكِ .. لأعرف ما بداخلها .. ! وضعت أمي الرضيع بالهندول .. وتركت أخي الآخر يلهو بجانب جدتي .. ثم نزلنا سوياً .. كنت في غاية الفرحة .. لم أقترب من أمي بهذا القدر من قبل .. شعرتُ كأننا أصدقاء .. وأن أمي ليست شريرة كما كانت في جيزان

كانت ترتدي فستاناً أسود طويل .. طويل الأكمام .. ومطرز بأزهار صغيرة بلون وردي وأصفر وأحمر .. لا تشاهد الازهار والورود هنا بكثرة إلا في ملابس النساء .. وكانت ترتدي مثل ( المقلمة ) وهي غطاء أسود شفاف يلتف على رأسها .. لكنه طويل فيغطي ظهرها إلى أسفل رجلها .. وكذلك منطقة الصدر والبطن .. تستطيع مشاهدة تفاصيل الفستان من خلال تلك (الطرحة) .. كانت كاشفة الوجه أيضاً .. لم يكن عيباً أن تكشف المرأة وجهها وتتحدث للرجال في الجبل

دخلت إلى الغرفة المظلمة وأنا أتبعها من الخلف .. وأشعر برهبة .. كان هناك ضوء خفيف يأتي من شق صغير.. ربما نافذة موصدة بإحكام .. بعد المكوث لثواني في الغرفة .. تبدأ عيناك تتأقلم على الرؤية .. كان هناك مثل حبل الغسيل مُعلق بين جدارين .. لم تكن ملابس مُعلقة على حبل الغسيل .. بل كانت شرائح كبيرة من لحم البقر

يبدو أن هذه الغرفة هي ثلاجة البيت .. وأنا كنت أقف داخل الثلاجة .. الغرفة فعلاً أبرد من الخارج .. جدرانها باردة .. لكن الأرض تُرابية .. ولم تكن طين .. او أسمنت او بلاط .. أصبت بما يشبه خيبة الأمل .. لم يكن هناك كنز ولا يحزنون .. مجرد لحم بقر .. مُعلق على حبل الغسيل ..! خرجنا إلى خارج البيت .. وبمجرد خروجك للخارج .. يصدمك جمال المنظر .. وكأنك مُعلق في السماء بحبل غسيل مثل شرائح اللحم .. هوة سحيقة تمتد للأبد .. وسماء لا تُريدك أن تعرف لها نهاية .. وهواء عليل يداعب أنفاسك يُغازلك بغنج .. وشمس مُشرقة تمُدك بالضوء فقط لا بالحرارة والدفئ .. وطيور جارحة في السماء تؤدي صلواتها المُعتادة

إنطلقت أمي بسرعة الصاروخ وأنا أتبعها .. هي تعرف المكان .. التضاريس .. الحفر .. المطبات .. الإنحناءات .. وأنا أتبعها بحذر وخوف مثل الأعمى .. إنحرفت لليسار خلف البيوت .. ثم عرجت لليمين .. فإذا نحن أمام مُدرج مزروع بالقمح على ما أظن .. ثم كانت تتدحرج نزولاً بين المدرجات والصخور برشاقة وخفة .. وأنا أتبعها ببطئ وخوف .. قلبي يكاد ينخلع .. كنت أتخيل نفسي لو سقطت هنا .. ماذا سيحدث؟ هل سيتدحرج جسدي كل تلك المسافة إلى قعر الوادي ربما المسافة بالكيلومترات .. أم سأسقط كما تسقط الطائرة من السماء وتحط على الارض

كانت تطلب مني أن أسرع وهي تضحك وكنت أتعذر بالحذاء .. الحذاء يسقط من قدمي .. هنا وفي هذا المكان تحتاج مُعدات خاصة للتسلق .. حبال .. ربما جزمة تسلق خاصة .. أمي ولا همّها .. كانت تقفز بين الصخور برشاقة .. كأنها عنز الجبل .. كم كان عمر أمي في ذلك الوقت تقريباً ..؟ هي تزوجت والدي ربما عام 1966 ولنفرض أنها كانت في العاشرة حين تزوجت .. ربما تكون بين الرابعة والعشرون والثلاثين عام 1980

أخيراً وصلنا إلى البئر .. لم يكن سوى غرفة كبيرة مثل الخزان تتجمع فيه الأمطار .. ثم يأتي الناس لملئ القِرب .. عندما أخبرتني أمي عن البئر .. تخيلت حُفرة عميقة في الأرض .. ثم حبل يتدلى .. لكن لم يكن الأمر كذلك .. ملأت أمي القربة بالماء ثم عدنا .. الصعود كان أسهل .. لأنك لا تُشاهد الهاوية .. ولا تشعر بالخوف .. نعم التسلق أصعب جسدياً ويحتاج قوة أكبر .. لكنه أسهل .. عندما عدنا للبيت كانت هناك فتاتان بإنتظارنا

كِلاهما أصغر مني سِناً .. لكن كانت واحدة أصغر من الأخرى .. وقفتا بجانب السرير تنظران إليّ بصمت و إستغراب .. نظرت إليّ الصغيرة نظرة مُعبرة .. وكأني كائن نزل للتو من الفضاء الخارجي .. وكأني كنت بآذان طويلة .. كانت ترمقني بنظرات تحدّي كأنها تستعد لمُنازلة ومصارعة .. نظرات تحمل الكثير من العدوانية والتمرد .. لا أدري هل كانت غاضبة من شيئ ؟ أم ربما .. شكلي لم يعجبها .. او ربما دخلت إلى حدود فضاء تمتلكه .. لا أدري .. شيئ ما قد أغضب تلك الفتاة مني ؟! يمكن صحيت الصبح ووجدت نفسها هكذا في هذا المزاج .. او أن سحلية عدت على رقبتها وهي نائمة .. لا أعلم

سأكشف لك سراً سيدتي .. مثل تلك الفتاة تعجبني كثيراً .. تسرق قلبي الفتاة الثائرة المُتمردة .. تمتلكني .. تكتسحني بجنون .. لا أعلم السبب .. هل هي روحي إنعكست أمامي في مرآة .. أم أن للتمرد والتحدي بريق آخر يجعل من المرأة شيئ ما مُختلف ! ربما لأن الحياة أمتع مع الشخص المُتمرد .. أكثر إثارة وتحدي .. مع المتمرد .. لا يمكن أن تتوقع ما سيحدث غداً .. في كل يوم مُغامرة جديدة

الكثير من الرجال يخافون من المرأة المتمردة .. يخشون منها .. جنونها .. سطوتها .. نزقها .. مُغامراتها .. أنا على العكس ..أشعر بأن المرأة يجب أن تكون هكذا .. أحبُها مجنونة .. صاخبة .. مُتّمردة .. مُغامرة .. لا تُخيفني تلك الشخصية أبداً .. بل تجلب لحياتي الكثير من المُتعة .. تستهويني المُتمردة .. وأعرف كيف أحتويها
أمّا الأخرى الكبيرة فكانت نظراتها خجولة .. شعرت كأنها ستذوب كشمعة من الخجل .. كانت هي وأختها لوحة مرسومة بعناية .. الطبيعة هنا خلابة .. والروعة والجمال حتى في وجوه البنات .. هنا البنات أجمل .. حمرة في الخدود .. نعومة في الشعر .. صفاء في العيون .. جمال أخاذ في لون العيون .. لا أدري .. كأن الخالق عندما صنع بنات الجبل لم يستخدم الماء أبداً .. بل إستخدم الزبدة .. كانت الفتاتان ترتديان فستاناً سماوياً مليئاً بالورود .. نفس الفستان كالتوأم .. وكانت الورود فاقعة الالوان .. تعجبهم الأزهار هنا .. لكنهم لا يهتمون كثيراً بتناسق الالوان

لا أدري ماذا كانت تقول جدتي ؟ ما جعل الفتاة الكبيرة تحمر خجلاً .. تضحك بإستحياء .. ثم تضع كلتا يديها على وجهها .. ثم ترمي وجهها مستحية على الفراش تخفيه .. لم تُبالي الصغيرة بما قالت جدتي وأستمرت نظرات التحدي ترمقني بها .. كُنت ربما سأحب واحدة منهما لولا أن إبتهال قد ملئت ذاك القلب بداخلي .. فلم يعد هناك مكان لأحد .. كانت أمي تتحدث إليهما أيضاً وهي تضحك ولم أفهم

ثم سألتني أمي إن كنت أريد أن أذهب للشارع للعب الكورة مع الصبية .. إستغربت أن الصبية يلعبون كرة في هذا المكان .. لابد أنهم قد فقدوا الكثير من الكرات في تلك الهوة السحيقة .. أجبت بسعادة نعم .. طلبت أمي من الفتاتان أن تُرافقاني .. كان الوقت بعد الظهيرة .. قالت أمي إذهب إلعب وعندما تعود سيكون الطعام قد جهز .. ذهبنا فإذا هناك ربما اربعة من الصبية يلعبون في نفس الزقاق الضيق الذي عبرته مع والدي .. كان ضيق والارض تُرابية .. لكن تجد صخرة بارزة هنا .. وصخرة بارزة هناك .. لا يصلح المكان للعب .. ثم ليس بعيداً هوة سحيقة

هرشت رأسي .. كيف سأبرز مهارتي الكروية هنا في ملعب ضيق .. ارضية متعرجة .. ونهاية الملعب هوة سحيقة لا تسمح بركل الكرة بقوة .. الملعب كأنه جسر مُعّلق بين السماء والأرض .. عندما نزلت ولمست الكرة .. وبدأنا نلعب شعروا جميعاً بمهاراتي .. بدا لي وكأن الفتاة الكبيرة ربما وقعت في حبي .. ربما منذ تلك اللحظة .. البنت دائماً تبحث عن شيئ مُميز في الولد .. لا يهم ما هو .. المهم يكون هناك شيئٌ ما

عندما عدنا للبيت لم تتوقف عن الحديث لأمي وذكر إسمي والإشارة بأصبعها إلي .. عندما جهز الأكل .. كان هناك وجبة جديدة على المائدة .. تُسمى بالعصيدة .. والعصيدة أكلة .. لكن قد تحتمل أكثر من معنى في أكثر من مكان .. يوجد أكثر من طريقة لصنعها في أكثر من منطقة .. العصيدة التي أتحدث عنها هنا عبارة عن دقيق مهروس وكأنه ( بطاطا مهروسة) ثم يوضع عليه عسل وسمن بكمية كبيرة تكاد تخفي ما تحتها من دقيق معصود

أكلنا بسعادة .. أمي والبنات يتحدثن وجدتي أيضاً .. وأنا أستمع ولا أفهم أي شيئ .. كانت الفتاة الصغيرة تضحك بهستيريا ثم ضرطت فزاد ضحكها .. أنا في الجهة المُقابلة لا أحتمل أن يضرط أحد أمامي .. وعندما تكون فتاة فالأمرعندي أدهى وأمر .. كأن كأس رشيق أمامي أشرب منه .. ثم أنكسر وتشقق في يدي .. [ ذات يوم كنت أتحدث لأمي التي ربتني وكنت ربما في الثامنة عشرة من عمري .. أقسمت لها أني لو تزوجت إمرأة .. وضرطت أمامي .. فسأطلقها بالثلاث .. ضحكت عليّ وقالت .. طيب بنشوف ..! صدقت أمي ولم أبر بقسمي للأسف ]

بعد الغداء جاءت خالتي لتزورنا وهي أصغر من أمي لكنها أطول .. سبحان الخالق كانت في غاية الجمال .. رقبة طويلة .. عيون خضراء .. شفاة مكتنزة بارزة للأمام .. لو أقسمت أنها تشبه صوفيا لورين الممثلة الإيطالية لما حنثت .. الشيئ الوحيد الذي لا يتناسب مع جمالها هو لبسها .. اللبس متواضع .. الالوان كل شيئ فيه مُتنافر

قضيت وقت جميل في الجبل .. حتى جاء اليوم الثالث .. فجأة وبدون مُقدمات شعرت بحنين لجيزان .. فجأة شعرت بالغربة .. والشعور بالغربة كما جربته .. هو كالتالي .. تشعرين بأن المسافة بداخلك تزداد إتساعاً .. وتصبح هوة سحيقة وبعيدة كبعد الوادي عن قمة الجبل .. تشعرين بتلك المسافة والهوة السحيقة لكن بداخلك

إشتقتُ لكل شيئ في جيزان .. للضجيج .. أصوات الدبابات المُزعج في الصباح تجيئ وتغدوا في شارعنا من وإلى (المخماس) والتي تعمل كتكاسي أجرة .. إشتقت لآدم العامل الأرتيري الذي يعمل في البقالة ويُناكفني كل يوم لأني آخذ عصير سن توب من الثلاجة ولا أدفع ريال .. إشتقت لأخواتي .. إشتقت للبحر .. للشارع .. لمشاهدة التلفزيون .. إشتقت لجدتي .. إشتقت حتى لعمتي زُليخة

فجأة وبدون مقدمات بدأت أبكي وأصيح .. أريد أن أرجع لجيزان والآن .. أمي تحاول تثنيني .. لكن لا جدوى .. لم أتوقف عن البكاء .. إشتقت لأبي .. لكل شيئ .. ذهبت أمي إلى خالتي .. ثم تحدثت إلى زوجها .. وبحثوا عن من يوصلني لجيزان .. ثم وجدوا جيب .. ودفعت أمي للرجل 250 ريال للمشوار .. ربما كان ذاك المبلغ هو مصروف الشهر

أخذني شاب في سيارته الجيب .. كان يضع على رأسه زهور ويفرق شعره من المُنتصف .. وعيناه مُكحّلة .. وعسلية أيضاً .. هنا كل الناس بعيون عسلية او خضراء .. ورائحته تُشبه رائحة الازهار التي تستخدم مع الشاي .. يلبس قميص ملون بالوان زاهية .. ووزرة سوداء .. وخنجر على خاصرته .. كان يقود السيارة بسرعة جنونية .. حتى في المنحنيات .. لا يُبالي بالمطبات .. يعرف الطريق ويحفظه عن ظهر قلب .. كدت أطير من نافذة السيارة عندما عبر فوق صخرة بارزة في الطريق

بعد ساعتين ونصف من السرعة والإثارة الحمد لله وصلنا إلى ضواحي جيزان .. كنت أعرف الطريق إلى البيت بمجرد دخول السيارة إلى مدخل البلدة .. كنت أحفظه عن ظهر قلب أنا أيضاً .. عندما وصلت البيت إنطلقت مباشرة إلى البقالة .. سلمت على آدم .. وسرقت عصير سن توب دون أن أدفع له ريال واحد .. وهربت للبيت

يُتبع

العودة