العودة

(21)

العودة

1981

سيدتي

من حسن الحظ أني عدت في الوقت المناسب .. كان والدي يستعد للسفر إلى مكة لزيارة عمتي التي كانت ستجري عملية في البطن في مستشفى الزاهر .. لم أكن لأهتم أن عمتي ستجري عملية او أنها مريضة .. المهم أني سأقابل إبتهال وهشام .. وتلك الرحلة كانت ستكون اول مرة أركب فيها طائرة .. كنت في غاية السعادة .. لا أعلم لماذا اراد لي والدي أن أذهب معه ومع عمتي زُليخة و زوجته .. المهم أني كنت ضمن الوفد المغادر إلى مكة

عندما نزلنا مطار جدة القديم .. كان الوقت بعد العِشاء مباشرة .. خرجنا من المطار وكان والدي يبحث عن سيارة تأخذنا إلى مكة .. تسمرت أمام منظر ثلاث عمائر طويلة تزيد عن عشرة طوابق .. كانت الثلاث عمائر مُتطابقة الشكل بشكل مُذهل .. كأني أمام رسمة او لوحة .. شعرت بالإثارة .. منظر العمائر بهذا الروعة والدقة في التصميم لا تُشاهده في جيزان .. المرة الوحيدة التي رأيت فيها مثل هذا المنظر كان في أفلام الكرتون

وجد والدي سيارة بيضاء كريسيدا .. وكان السائق رجل في منتصف العمر .. صعد والدي بجانب السائق وكنت أنا في الخلف مع الحريم .. ثم أنطلق السائق بإتجاه طريق جدة مكة القديم .. كانت السيارة تسير .. وتسير وتسير حتى شعرت بالملل .. فصعدت من المقعد الخلفي للسيارة إلى المنطقة الخلفية للسيارة بين الزجاج الخلفي والمقعد وأستلقيت هناك .. كنت صغير لدرجة أني كنت لا أجد صعوبة أن أستلقي تحت زجاج السيارة الخلفي

بعد قليل مللت من الإستلقاء بتلك الطريقة .. فعدت أجلس بجانب عمتي زُليخة خلف مقعد والدي مُباشرةً .. كنت أتكئ برأسي على ظهر المقعد الأمامي الذي يجلس عليه أبي أصارع الملل عندما سمعت فجأة صوت فرملة قوية .. فأنتبهت .. لكن السيارة لا تتوقف .. تتزحلق لمسافة طويلة .. ثم صوت أبي يصرخ ” الله ولا غيره ” ويرفع يداه يمسك بسقف السيارة .. ثم إرتطام قوي جداً بسيارات كانت تقف في الطريق .. يبدو أنه حادث سيارة أمامنا ولم ينتبه السائق الا مُتأخراً .. لم يُصب أحد منا .. إلا أن السيارة تهشمت تماماً في المُقدمة .. نزلنا من السيارة .. عمتي زُليخة تترنح تقريباً تخيّلت عصافير ونجوم تدور حول رأسها زي افلام الكرتون .. وزوجة والدي تحاول مُساعدتها .. أنا كنت نعسان قبل الحادث .. فجأة أفقت بكل ما تحمله الكلمة من معنى

جلست عمتي زُليخة على الرمل وزوجة والدي .. وأحضرت أنا حقيبة من السيارة وذهب والدي مع السائق .. كانت الشرطة موجودة أصلاً من البداية .. إنتظرنا ربما ساعة .. لم نكن نبعد كثيراً عن مكة .. اوقف والدي سيارة أخرى .. أخذتنا مباشرة لمستشفى الزاهر .. كان الموقف ظريف .. بدل أن نطمئن على صحة عمتي المريضة .. كانت عمتي المريضة تحاول الإطمئنان على صحتنا بعد الحادث

عمتي كانت تسكن جبل عبّادي .. جبل يطل على الحرم او قريب منه .. لم أزرها أبداً في تلك الحارة  .. ثم إنتقلت وزوجها حديثاً لحارة تسمى اللصوص في حي يُسمى العتيبية .. كان البيت موجود على تلة مُرتفعة قليلاً .. ومكة كلها تلال .. البيت حديث البناء .. دور ارضي وسطح .. وبجانبه مسجد صغير مُلتصق بالبيت .. وزوج عمتي هو الإمام .. كان هناك باب صغير يأخذك من البيت إلى غرفة صغيرة ملتصقة بالمسجد جعلها زوج عمتي مكتبة .. ثم باب آخر يأخذك لداخل المسجد .. كان زوج عمتي رجل عجوز قصير بلحية بيضاء قصيرة .. وكان يعمل في شؤون الحرمين .. لم أقابل رجل بتلك الطيبة والحنيّة في حياتي .. عطوف جداً وبشوش

رأيت إبتهال .. البنت تبدو أكثر جمالاً وأكثر غروراً .. كان لهشام أيضاً أخ أصغر على إسم عمي عبدالغفور .. وأخت أصغر منه إسمها عزيزة .. على إسم عمتي التي ماتت في حادث سيارة على طريق مكة رابغ .. ثم أخت أصغر عمرها سنتان وإسمها نبيلة .. وأخ أكبر منه من أبيه إسمه محمود .. كنت أظن أن تلك العائلة هي أسعد عائلة في العالم .. فالأب عطوف لا يضرب أحد .. والأم عمتي تبدو إمرأة متعلمة وناضجة .. والأبناء في غاية الجمال والأدب

أخذني والدي للمسجد الحرام .. كانت الكعبة أكبر مما تبدو في التلفزيون .. سرت في جسدي قشعريرة عندما دخلنا الحرم ورأيت الكعبة لأول مرة في لباسها الأسود المطرز بالذهب .. الناس كانوا كثير جداً وزحمة لم أتعودها .. وأنت تطوف حول الكعبة تشم جميع الروائح بخور .. عود .. طيب .. عرق .. روائح الهنود المميزة .. طيور لا تتوقف عن الغناء في صحن الكعبة .. كانت منارات الحرم مازالت تُرمم بعد المعركة التي حدثت عام 1979.. يمكنك رؤية الاخشاب تُحيط بالمنارات .. وكان هناك أيضاً بُقع من الدم المتخثر على القباب المحيطة بالكعبة يمكنك من رؤيتها إذا صعدت الطابق العلوي .. رأيتها بأم عيني .. مكثنا ثلاث أيام في مكة .. ثم عدنا إلى جيزان

عدنا من مكة .. كُنت ما زلت في التاسعة من عمري .. وكانت آلام اللوز تجيئ وتذهب .. حتى إني زهقت من كثر المرات التي أرقدتني على السرير .. أنا زهقت من اللوز .. وأبي كذلك .. عمي عبدالغفور سافر لمصر وشال اللوز .. يا حظه .. أيام كانت مصر قِبلة العرب .. عندما كانوا يبحثون عن الإستشفاء في مصّحاتها .. أنا في الجهة الأخرى … أخذني والدي لمستشفى ” السجن ” مبنى حكومي لونه أخضر باهت .. كان المستشفى موجود في قرية تبعد خمسة أميال شرق جيزان إسمها ” الخصاوية ” لن أخبرك يا سيدتي عن معنى هذه الكلمة .. فلا أظن أنك سترغبين في معرفة المعنى .. لا أعلم سبب التسمية .. ولا يهمني معرفة السبب .. هناك في الدنيا بعض الإجابات التي لا تستحق الأسئلة

قرية عجيبة جداً .. كأنها كانت مدفونة تحت الرمال .. فلا تشاهد شيئ سوى أنصاف بيوت .. النصف السفلي مطمور بالرمل .. لا شيئ سوى الرمال هنا .. والبيوت لم تكن في الغالب سوى عشش .. والعشة مبنى مخروطي يشبه القبة .. مبنيٌ أسفله من الطين او الحجر .. والجزء العلوي من القش وأعواد الشجر وسعف النخل .. وأحياناً تكون كل العشة من القش والياف النخل .. كانت أكثر القرى المجاورة لجيزان مدفونة تحت الرمال .. وأكثر البيوت عشش .. حتى مدينة جيزان .. كانت مليئة بالعشش في ذلك الوقت .. رغم إنتشار العمائر .. أخبرني والدي أنه كان يسكن مع عائلته في عشة أيضاً .. هكذا هم الفقراء .. لا يسكنون سوى العشش .. وكلما أغتنوا أكثر .. دخلوا في طور متقدم .. كبناء بيت شعبي من غرفتين وسور .. ثم يصعدون السلم درجة أخرى .. وتصبح عندهم عمارة من دور او إثنين

كان هناك طريق وحيد يتفرع من الطريق العام الذي يأخذك من جيزان إلى جدة .. ينتهي هذا الطريق بمبنى المستشفى المُخصص للمساجين .. لم يكن كل من في المستشفى مساجين لكن تلك كانت التسمية .. كان والدي يعرف رجل مُهم في جيزان إسمه الدكتور عبدالرحيم .. هذا الرجل شخصية لن تتكرر في مدينتنا الساحلية .. ربما كان هو الرجل الذي أحضرنا لهذا المستشفى .. كنت السجين الغير مُكّبل اليدين .. قضيت في السجن ثلاثة أيام مرت برتابة أنتظر العملية .. أنا إذا أردتِ أن تقتليني .. أحبسيني في مكان ما .. عندها سأموت ببطئ في سويعات .. هل هذه هي قصة حياتي ؟! دائماً أجد نفسي خلف جدران .. تتغير .. ألوانها .. مُسمياتها .. لكن تبقى قسوتها .. كان الأكل يُشبه الأكل الذي نعرفه .. نفس الرز .. نفس البطاطة .. لكن بلا طعم او ملح او بهارات

زارني والدي وبعض الأقارب عدة مرات .. الكل يسأل عن موعد العملية .. والإجابة كانت دائماً نريد أن يخف الإلتهاب .. وبعدها سيتقرر موعد العملية .. عندما جاء ذاك الصباح وتم عرضي على طبيب التخذير .. قرر الرجل أن صدري لا يحتمل التخذير .. وأنه ربما أموت لو عملوا العملية بسبب البنج .. أنا قلت في نفسي أحسن .. خلوني أرّوح طفشت .. والدي أصُيب بإحباط

عدتُ لمقاعد الدراسة .. كنت في رابعة ابتدائي … في إحدى المرات كنت عائد للفصل بعد حصة الرياضة .. وكنت أمشي مُنهك .. وجهي محمر وعرقان من حرارة الشمس واللعب .. كان الفصل بالطابق العلوي .. وأنا أتجه للدرج وعند إنعطافي  .. تفاجأت بولد قادم من الطابق العلوي يجري عبر الدرج ثم يصطدم بوجهي .. سقطت على ظهري من قوة الصدمة .. شعرت بألم رهيب وحُرقة فوق حاجبي .. لثواني لم أنتبه لما يدور من حولي .. شاهدت وجه جارنا علي اليمني  .. وكان زميلي في الفصل أيضاً .. كان يُمسك برأسه ويتألم .. ثم شاهدت أحد المدرسين يقترب مني .. ويطلب مني أن لا أحرك رأسي .. ثم حملني إلى غرفة المدير .. أحضر المدرس قطن وشاش .. وضعه على حاجبي .. وطلب مني أن أضع يدي أمسك بالقطن على الجرح لأمنع النزيف .. وكان يتشاور مع مدرس آخر .. إذا ما كان الجرح يستدعي أخذي للمستشفى

الأستاذ علي زرير مدّرس مشهور بالقسوة بين الطلاب .. ويده لا تفارقها خيزرانته التي طولها متر .. من حُسن حظي أنه كان يُدرس الصف الأول والثاني او ربما الخامس والسادس .. وكنت قد درست صف اول ونصف الصف الثاني في مدرسة أخرى .. فلم يدرسني إطلاقاً .. لكن .. كانت سمعته تسبقه .. في ذلك اليوم رأيت الخوف في عيونه والعطف أيضاً .. أخذني لسيارته وأجلسني على المقعد الجانبي للسواق .. وأنطلق بسرعة نحو المستشفى .. نظرت في مرآة السيارة الجانبية لأشاهد الجرح .. فلم يبدو لي بحجم كبير .. لكنه كان قطع عميق فوق الحاجب بقليل .. كنت أنظر للأستاذ علي زرير وهو يقود السيارة وهو قلق .. شعرت بخوفه عليّ وطيبته عكس ما كان يتحدث به بقية الطلبة .. ذكرني كثيراً بعمي حُمّد الموجود في ذلك الوقت في اميركا وطيبته

وصلنا المستشفى وكان قريب من الدوار الكبير الموجود في مدخل المدينة ..  وصلنا إلى غرفة إستقبال المصابين .. وقرروا أن يشكوا غُرزتين .. بكيت من الألم بالرغم من أنني حاولت أن أبدو كرجل أمام الأستاذ علي .. كان هو يُشجعني ويقول إني بطل .. أنا فعلاً شعرت أني بطل .. وكنت أشعر بالبطولة في كل مرة أتعرض فيها لإصابة .. خرجت من المستشفى منفوخ الصدر .. أشعر بالزهو لأن رأسي ملفوف بشاش .. يعني إني جامد .. كنت أشعر بسعادة في كل مرة أثير فيها عطف الناس او إنتباههم .. ونحن نتجه للسيارة رأيت أبي قادم من الجهة الأخرى .. وكانت الشمس في كبد السماء .. والدي أنيق دائماً في لبسه .. الثوب والغترة بدون عقال وجزمة سوداء .. كان مميز جداً عن البقية

أقبل مُبتسماً وقال مبروك العمامة .. ستخفف عنك وطأة الشمس .. أنا إستحيت قليلاً .. لم أتعوّد أبي يقول نكتة أمامي .. تكلم الأستاذ علي بأن الإصابة بسيطة مجرد غُرزتين .. لكن الممرض لفّ كل هذا الشاش حول رأسي ربما أنه جديد .. يبدو أن الممرض الذي عمل الغرز كان حقاً جديد ويتمرن .. لأنه ترك في وجهي شكل طائرة صغيرة بجناحين .. كأنها سقطت وأستقرت فوق حاجبي للأبد .. أخذني والدي معه في سيارته للبيت وأنزلني .. ثم إختفى ولم أره .. بعد ساعات حضر جارنا اليمني يجر إبنه .. وقام يتأسف عما فعل إبنه .. إستغربت ذلك الإعتذار .. فالموقف لم يكن يستحق .. لم يكن بقصد .. كان مجرد حادث .. لكن عرفت قوة أبي الناعمة .. وتأثيره في مُحيطنا

كان لوالدي مزرعة كبيرة قريبة من قرية تبعد عن مدينة جيزان ربما 15 ميل إسمها الضبية .. كانت المزرعة تقع إثنين ميل من المفرق الذي يأخذك إلى مدينة إسمها ضمد من الطريق العام قبل مدينة صبيا .. وكان له شريكان في المزرعة من أصحابه الذين زاملوه في إدارة التعليم .. نفس شركاءه في المكتبة .. سافر والدي إلى مصر لجلب عمال مصريين للمزرعة .. وكان له معارف في مصر من الأساتذة والموجهين الذين عملوا معه في إدارة التعليم .. فكان أن حضر مسرحية عادل إمام شاهد ماشفش حاجة على المسرح .. والدي مطوع مودرن او مطوع ما قبل الصحوة غير مُتشدد .. كان يمسك بالسبحة كثيراً .. لكنه يملك أيضاً حس أدبي وربما فني لإرتباط ذلك بعمله في إدارة التعليم كمشرف للأنشطة الطلابية .. التي كان يتخللها مُسابقات ثقافية .. وشعر ومسرح مدرسي

عاد عمي حُمّد من أمريكا بنهاية عام 1980 وكانت فرحتي لا توصف .. فأقام والدي وليمة كبيرة في المزرعة .. رأيت في ذلك اليوم كل أصحاب عمي حُمّد وعمي عبدالغفور الذين كانوا يجتمعون أيام زمان أمام البقالة قبل صلاة الجمعة .. كان هناك أيضاً المزيد من الأصحاب لعمي حُّمد ممن زامله في اميركا من جيزان .. في تلك الفترة أيضاً كان هناك مثل الطفرة المادية .. الكثير من أصحاب عمي عبدالغفور صار عندهم سيارات امريكية فارهة بيوك وأنواع أخرى لم تكن موجودة بكثرة في جيزان .. بينما كانت سيارة عمي عبدالغفور سيارة نيسان .. كان عمي عبدالغفور محافظ جداً على نظافة سيارته ومهتم كثيراً بها .. بينما عمي حُمّد لم يكن يعرف القيادة .. كان يقود في اميركا سيارة امريكية اتوماتيكية لكنه لم يكن يعرف يقود السيارات الأخرى

سافر والدي أيضاً لسورية لجلب ملابس رياضية صناعة سورية .. كان المفروض أنه سيستورد تلك البضاعة لإدارة التعليم .. لكن لسبب لا أعرفه .. بقيت تلك الكراتين عندنا في البيت في السطوح .. وفي بلكونة البيت .. كان هناك الكثير من الجزم الرياضية زرقاء اللون بثلاث خطوط بيضاء .. كان والدي يبيع جزء من هذه الملابس في البقالة .. ثم أفتتح محل لبيع الملابس الرياضية .. كان ثاني او ثالث محل للملابس الرياضية في المدينة .. أخذ شهرة واسعة في البداية .. لدرجة أن الناس كانوا يأتون من قرى مجاورة للتبضع في المحل

أشياء عديدة حدثت في تلك السنة أثرت كثيراً في مستقبلي .. كانت المكتبة تزدحم في بداية الدراسة .. ومن كثر الزحمة .. كان يأتي بعض أصدقاء والدي المصريين لمساعدته في البيع .. بعضهم كان يضع الفلوس في جيبه بدل ( المغل ) .. فكنت دائماً أسمع عمي عبدالغفور وعمي حُمّد يتكلمان من خلف والدي .. أن والدي إنسان ساذج .. يثق في هؤلاء المصريين .. الذين يستغلون طيبته .. ويقومون بسرقته .. مثل ذلك الكلام كان دائماً يتكرر أمامي .. فكانت ردة فعلي أنني اولاً لم أكن أثق في الناس وخاصة المصريين .. كنت دائماً أتوقع أن الناس ليس لها هم سوى الفهلوة والضحك عليّ .. وثانياً إهتزت ثقتي في حكمة والدي وقدراته .. إذا كان حسب كلام أعمامي .. الناس تضحك عليه وتستغله .. هذا يعني أنه إنسان مُغّفل .. حتى لو لم يكونوا يقولوها مباشرةً

في تلك السنة أيضاً عادت أمي من بني مالك .. لكنها لم تعد للبيت .. بل قام والدي بإستئجار بيت شعبي ليس بعيداً .. كنت أقطع شارع القادسية من بيتنا .. ثم أدخل زقاق لعشرة أمتار ثم تجد البيت في الواجهة عندما تتقاطع مع زقاق آخر .. في ذلك الزقاق كانت حادثة الفيل .. التي حدثت لي في الماضي .. كان الزقاق يتجه للشمال لجهة البحر او الكورنيش … ويتجه جنوباً بمحاذات شارع القادسية يأخذك إلى حارة (المعّش) .. أمّا البيت الشعبي فكان عبارة عن ساحة واسعة تواجهك بمجرد دخولك إلى البيت .. وكان على اليسار غرفة صغيرة إتخذها والدي مخزن للبضاعة .. ثم بجانبها غرفة أكبر قليلاً بها قعادتان .. كانت المكان الذي ينامُ فيه والدي .. ثم على يمين تلك الغرفة يوجد المجلس .. وكان غرفة كبيرة وبها سرر .. وكنا ننام فيها أنا وأمي وسهام وبقية الصغار .. كان للمجلس بابين .. باب للساحة الكبيرة .. وباب آخر غربي يأخذك إلى ساحة صغيرة مكشوفة السقف .. لكن كانت كأنها المطبخ .. كان هناك تنّور .. ومغسلة ماء أسمنتية .. كان والدي يتوضأ فيها للصلاة .. وكانت أمي تغسل فيها الصحون .. ثم لليمين خلف المجلس ممر ضيق يأخذك للحمام .. وكان بجانب المطبخ باب آخر جهة البحر يأخذك للشارع

لأن والدي كان يقضي ليلتان عند أمي .. وليلتان في العمارة عند أمي التي ربتني .. فكان لزاماً عليّ أن أنام مع أمي في البيت الشعبي .. كان والدي يقول لي أني رجل البيت في غيابه .. كنت أشعر بالكثير من الأمان عندما كنت أنام في عمارتنا .. بينما كنت أشعر بالخوف في هذا البيت الشعبي .. فجدران السور قصيرة .. وكنت كل ليلة قبل الفجر أسمع صوت الكلاب تنبح خلف الجدار .. إكتشفت في تلك الفترة سر المشاكل بين أمي والعائلة .. كنت أظن أن التوتر كان موجود بين أمي وزوجة أبي .. نعم صحيح كان ذلك جزء من التوتر .. لكن المشكلة الأكبر كانت بين جدتي وأمي .. كانت زوجة أبي تأتي لزيارة أمي في البيت الشعبي .. وكنا نقضي اوقات سعيدة جداً .. زوجة أبي تساعد أمي في تنظيف البيت .. كنا نجلس نضحك ونتسامر ونحتسي الشاي

لكن لم تقم جدتي بزيارة أمي ولو مرة واحدة .. ولم تقم أمي بزيارة العمارة ولو مرة واحدة .. عرفت أيضاً أن سبب خروج أمي للجبل .. أن جدتي أقسمت على والدي .. أن لا يُبقي أمي في البيت .. أم هي او جدتي .. ولا يُمكن للأثنين أن يجتمعان في بيتً احد .. في الجهة الأخرى كانت علاقتي بأمي طبيعية لبعض الوقت .. ثم مع الوقت عاد التوتر لتلك العلاقة .. وعادة المشاكل من جديد

يُتبع

قردنة 101