قردنة 101

(22)

قردنة 101

1981

سيدتي

بليلة بليلة وحُمرة عليه .. وليمة وشطة ويدك عليه .. بليلة بليلة وحُمرة عليه .. وليمة ( ليمون ) وشطة ويدك عليه .. كانت تلك أغنية العم جرادة .. كان يقف كل يوم أمام المدرسة الشامية .. أمام عربة مصنوعة من الخشب .. بأربع عجلات كبيرة ونحيفة .. يبيع فيها البليلة والبطاط .. يقشّر خيار ويضع خل مع حُمر (تمر هندي ) وكمون وفلفل اسود  .. يم يم يم كنا نخرج من المدرسة في الفسحة .. ونزدحم حول عربية العم جرادة .. آه من بليلة العم جرادة اللذيذة .. و كنا نزدحم أيضاً داخل المدرسة .. أمام المقصف نشتري سندوتشات .. لا يوجد طابور او نظام أمام المقصف .. بل كومة من الأولاد تحاول الوصول للبائع وشراء ساندوتش .. كأننا على جسر الجمرات .. نرمي ونصرخ ونشتم الشيطان .. ونكره بعض

أنا كُنت أدخل الزحمة بعين تنظر للأمام تريد أن تصل للبائع .. وعين أخرى حائرة تلتفت للخلف .. تخاف أن يعتدي أحدهم على مؤخرتي  .. كنا نسمع ونشاهد شياطين أكبر منّا سِناً يدخلون زحمة المقصف .. فقط لهز مؤخرات الطلبة ذو الأحجام الكبيرة .. أنا -والله العظيم – لم يكن لي حتى مؤخرة .. أشعر أنها إهانة لأصحاب المؤخرات أن نسمي مؤخرتي مؤخرة .. كانت مجرد خشبتين مُغطاة بجلد .. لكن اولاد الأبالسة ما يصدقون إن لونك فاتح شوية .. حتى ينقضوا عليك .. كان أكثر الضحايا زملاء لنا من بلادٍ عربية .. لأنهم أغراب و أكثر طُهراً وبراءة .. ولا يعرفون ما يدور خلف المؤخرات .. هكذا كانت المدرسة .. تتعلم فيها القرآن والرياضيات .. وأيضاً من الممكن تفقد شرفك .. بسبب تسلط الاولاد الأكبر منك سِناً

من الصف الخامس ربما إلى الصف الثالث متوسط .. دخلت نفقاً مُظلماً ومرحلة جديدة في حياتي .. كانت تلك المرحلة هي مرحلة الشارع .. الحارة .. المدرسة .. كنت أتعرض لتحرشات جنسية كلامية كل يوم .. وتعليقات مؤلمة أحالت أيامي إلى جحيم لا يُطاق .. عندما حدث الموقف مع الرجل اليمني في السوبرماركت في الماضي .. ثم الآخر في الكافتيريا .. كانت الحادثتان موقف عرضي عابر .. لم يتكرر كل يوم .. بينما التحرشات الجنسية من اولاد الشوارع في الحارة والشارع والمدرسة أشبه بالثقافة .. يمكن نسميها ثقافة الشارع
المؤلم أني كطفل كنت لا أستطيع الشكوى لوالدي !! فأنا أخاف منه أصلاً .. ولم يكن لي أخ أكبر مني يحميني .. او حتى ينصحني .. كان هناك ولد عمتي موسى .. هذا الصبي لعب دور إيجابي في حياتي لا يُصدق .. دون أن أدري أنا .. ودون أن يدري هو .. كان وجودي معاه ورفقته مثل الدرع .. كأنه المرافق الشخصي .. أنا مُتأكد أن وجوده بجانبي ربما أخاف الكثير .. كان ولد عمتي أكبر مني بسنة .. لكنه كان أيضاً أطول ومربوع القامة

الشيئ الآخر الذي ساعد في تجنبي الكثير من المواقف هو تشدد أبي معي .. كنت محبوس في البيت أكثر الوقت .. صحيح أن والدي بالغ في حمايتي مما سبب لي مشاكل نفسية أكبر .. إلا أن لتلك الطريقة أكبر الأثر في حمايتي من اولاد الشوارع .. من حسن الحظ كنت قد طورت بعض القدرات الشخصية في تجنب المواقف الخطرة أيضاً .. شيئ يشبه الغريزة .. لكن .. تلك القدرات كانت موّجهة ضد الغرباء فقط .. كنت لا أثق في اي شخص غريب وأكبر مني سناً .. وكنت أيضاً لا أثق في اي شخص قبيح المنظر .. او أسود .. كنت أتحاشى الإحتكاك بهؤلاء من البداية .. دائماً مُحاط بمجموعة من الاولاد .. على الأقل بوجود شخص أثق فيه .. حتى لا أعطي أحد اي فرصة .. حتى إني أصبحت مشهور في المدرسة بأني شخص مُتكبّر .. لأني إستبعدت أناس كثير .. كنت لا أتحدث إليهم إطلاقاً

لم أكن أتوقع أن يأتي الخطر من الأصدقاء او الأقارب .. وأقصد هنا بالأقارب الأبعد قُربى .. وليس قريب من مُحيط العائلة .. وأقصد بالأصدقاء كمن كان لعائلته صداقة بعائلتنا .. في الحارة كان هناك عائلة تجمع أفرادها صداقة قوية بعمي عبدالغفور .. كان منهم ولد أكبر مني بسنة .. هذا الولد في كل مرة يراني في الشارع .. يبدأ يغمز لي بعيونه .. ويؤشر لليمين لكي أتبعه .. طفّش أهلي .. كل مرة أراه .. يقعد يغمز لي .. كانت عيون الولد واسعة وكان أسمر اللون .. هو أصلاً كان محط أنظار الاولاد الأكبر منه سناً .. وجاي يسترجل عليّه أنا .. ربما لأني أصغر منه سناً واضح إنه ما يعرف يقردن .. وكلمة يقردن تعني يستدرجك للجنس .. تعلمت هذه الكلمة في الحارة .. ولم أفهم الكلمة في البداية .. لكن من كُثر ما كانت تتردد عرفت معناها .. دون الحاجة إلى الرجوع للقاموس .. كانت تتردد بكثرة في الحارة وبشكل أقل في المدرسة .. كلمة الحارة أيضاً لها معنى مختلف عن المعنى الذي قد يتبادر للذهن للوهلة الأولى .. الحارة تعني الحي .. لكن نفس الكلمة تُصبح أكثر إختزالاً .. ويُصبح معناها عند الأولاد .. مجرد المكان الذي يجتمع فيه الاولاد للعب .. دون أن يختلطوا بمجموعة “أخرى” من الأولاد .. بمعنى .. الزقاق الذي خلف منزلنا يلعب فيه بعض الصبية بشكل يومي .. يُفترض أن هذه هي حارتي .. لكنني لم أكن ألعب مع هؤلاء بشكل يومي .. بل كنت أذهب إلى الزقاق خلف منزل ولد عمتي موسى .. وألعب معه هناك ومع بقية اولاد حارته .. مع أن بيت ولد عمتي لا يبعد كثيراً عن بيتنا .. لكن كمصطلح عند الأولاد .. بيتنا يقع في حارة غير الحارة التي يقع فيها بيت ولد عمتي موسى

كان بيت عمتي لا يطُّل على الشارع .. بل مُحاط بزقاق من الغرب .. وزقاق أضيق من الجنوب .. وكان الزقاق الغربي يمتد بمحاذات منزل وعمارة كبيرة جداً ولها مشربيات كتلك المشربيات المشهورة في عمائر مدينة جدة القديمة .. لم يكن هذا البيت بيت واحد فقط .. بل كان مجموعة من البيوت مُلتصقة ببعض من الخارج .. ومفتوحة على بعض من الداخل .. كان يسكن في كل بيت من تلك البيوت عم من أعمام ولد عمتي موسى مع عوائلهم .. وكان لتلك العمائر أبواب كثيرة .. كان هناك باب في الزاوية الشمالية الشرقية أقرب إلى بيت ولد عمتي موسى .. وباب جهة الجنوب .. وباب بعيد جهة الغرب يطل على زقاق مشهور كانت تجلس فيه نساء عجائز عُجم يبيعون الحلوى والبسكويت والأيس كريم للأطفال .. وباب آخر لجهة الشرق يطل على مساحة ترابية واسعة .. وأمام تلك المساحة الترابية يوجد دكانان لبيع الأقمشة .. كانت تلك الساحة التُرابية المكان الأساسي الذي نلعب فيه كورة عندما تخف وطأة الشمس .. وكان الزُقاق المكان الذي نلعب فيه بعض الالعاب الشعبية .. في الصباح والظهيرة

كان الزقاق موجود بين عمارتين تمنع تقريباً دخول الشمس إلا بجزء كافي للإضاءة .. كنا نلعب هنا ” مداوين ” .. نلعب أيضاً ” مزقرة ” ونلعب كورة .. ثم في العصرية نلعب أمام الدكانان كورة .. كان الدكان الأول لمولانا الشيخ إمام مسجد الجمعة .. والدكان الثاني لعم عليّ .. كان مولانا الشيخ دائماً داخل الدكان لا يغادره .. بينما كان عم علي يقعد على كرسي أمام الدكان يشاهدنا ونحن نلعب الكرة .. كان لطيف جداً .. وكان يشجعني أنا شخصياً لأنه لاحظ صغر سني ونحافة جسمي ومع ذلك لاحظ إني كنت لاعب في حسبة الاولاد الأكبر مني سناً .. كان دائماً مبتسم .. رجل أسمر قليلاً ذو ملامح مُتسامحة .. وكان يعطيني تعليمات أحياناً .. رائع هذا الرجل وروحه جميلة .. كنا نلعب أمام دكانه ونُثير الكثير من الغُبار ولم يكن يغضب لذلك .. بل كان يجلس يشاهد اللعب ويُشجع .. عكس الكثير من الكبار الذين ليس لهم هم سوى نهر الأطفال والصراخ .. والدعاء عليهم
كان لولد عمتي موسى ولد عم إسمه حاتم .. وكان حاتم يسكن في نفس المنزل الكبير .. كان عمري عشر سنوات وحاتم يكبرني بسنة او بالكثير سنتين .. في يوم من الأيام وكان الوقت عصرية .. كان مجموعة من الأولاد مجتمعين في دكان مولانا الشيخ .. فطلب الشيخ من حاتم أن يذهب إلى البيت ويحضر قهوته ومجموعة من الفناجيل .. نظر إلي حاتم وطلب مني أن أرافقه .. وافقت .. خرجنا من الدكان وأنعطفنا لليمين .. ودخلنا للعمارة الكبيرة من بابها الذي يطل على ساحة الملعب .. كان بيت مولانا الشيخ العمارة الأخيرة في هذا المجمع من العمائر .. فكنا ندخل أبواب ونصعد درج .. ثم ندخل باب آخر .. ونعبر ممرات .. بيت يصلح يكون متاهة .. ولأن الوقت عصرية فكان المكان شبه معتم .. الا من ضوء النهار الخافت .. لم أكن حتى أعرف من أين يتسرب هذا الضوء .. مررنا بغرفة على اليمين

إستوقفني حاتم .. قال هل شاهدت غرفة الأسلحة؟ غرفة الأسلحة.. !! رددت بإستغراب وحماس .. قال نعم هناك الكثير من البنادق في هذه الغرفة .. هل رأيت بنُدقية من قبل؟ قلت نعم مع أبي بندقية صيد يحتفظ بها في البيت في المكتبة .. قال .. لا هذه بنادق حقيقية تقتل الناس كتلك التي تشاهده في المسلسلات البدوية .. وليست لقتل الغزلان والارانب .. دخل الغرفة وتبعته .. سرت في جسدي قشعريرة .. الغرفة مُظلمة جداً ومُغبرة .. وتشعر بوجود خيوط عنكبوت في كل ناحية .. وهناك ضوء شمس لا أدري من أين يأتي .. لكنك تشاهد غبار أزرق اللون يتطاير في فضاء الغرفة ناحية الضوء .. على الأقل ست بنادق وكراتين رصاص .. كأني في مشهد سينمائي .. كنت في غاية الإستثارة .. وشعور آخر ممزوج برهبة ..
حاتم يقلّب البنادق .. ثم أستدار نحوي فجأةً وقال يالله نتنايك .. الله الله الله .. فاجأتني بالموضوع يا حاتم .. مرة ما توقعتها .. حاتم ليس لي به صلة قرابة .. لكنه ولد عم ولد عمتي موسى .. وشكله طيب بالرغم أن دمه ثقيل جداً .. سرحت لبرهة أفكر في دلة القهوة والفناجيل .. المفروض إننا نروح نحضرهم لمولانا الشيخ .. الموضوع تحوّر إلى غرفة أسلحة .. والآن داخلين على مشروع جديد .. فلم سكس من إنتاج وإخراج حاتم .. وشكلي أنا رايح أكون المفعول به .. صلي ع النبي ياحاتم .. وبلاش تتهور .. قلت بإستغراب .. حاتم .. القهوة والفناجيل .. وعمك منتظرنا ..!!!! حاتم كان جاهز بالرد .. وقام يحلف بأغلظ الإيمان أننا لن نتأخر .. بسرعة لن يأخذ الوقت ثواني .. وقام يقول من فوق السروال .. من فوق السروال .. لما قال من فوق السروال .. أنا هديت أعصابي .. وشعرت بقليل من الأمان

لحسن الحظ أن حاتم لم يكن يعرف مكان مؤخرتي .. او أنه لا يعلم أن الجنس يكون من الخلف .. توقعت أن يأتي من خلفي .. ثم يجعلني آتي من خلفه .. وكان شغلي الشاغل في تلك اللحظة من سيأتي من خلف الآخر اولاً .. ماذا لو كان هو الاول وغدر ولم يجعلني آتيه من الخلف .. وأنا أفكر في تلك اللحظة .. أمسكني من الأمام وأخذ يحضنني ويعتصرني بقوة .. أصبح وجهي مقابل وجهه .. وكان هو أطول مني قليلاً .. وكنت أشعر بنغزة عود صغير في بطني حول الصرة .. يمكن ثلاثين ثانية وتوقف .. ثم فجأة أصبحت أنا شارد الذهن .. فجأة نزل عليهّ هّم لا ادري من أين جاء .. كأنني إمرأة عذراء فقدت شرفها في تلك اللحظة .. وشعرت بخوف شديد .. ماذا لو ذهب حاتم إلى الاولاد وأخبرهم ؟ لن أستيطع الخروج من البيت بعد اليوم .. ماذا لو علم ولد عمتي موسى ؟ سأسقط من نظره ولن ينظر إليّ بإحترام بعد اليوم .. ماذا لو علم والدي .. سيشنقني حتماً دون تردد .. وسأجلب العار إلى العائلة
تبعت حاتم أسير خلفه إلى مكان عائلة مولانا الشيخ .. وأنا مطأط الرأس .. أشعر بالعار والذنب .. أحضرنا دلة القهوة والفناجيل .. عندما عدنا لمولانا الشيخ .. قال الشيخ .. ليش تأخرتم ؟! أنا كاد يُغمى علية ..!! قال حاتم بشكل سريع .. القهوة لم تكن جاهزة .. وكان علينا أن ننتظ.. إبن الكلب حاتم .. عنده إجابة لكل سؤال

كنت بعدها عندما أشاهد حاتم يتكلم مع الاولاد .. كنت أظنه كان يخبرهم بما حدث .. كنت أشاهدهم يضحكون .. فكنت أهرب وأتجنب الجلوس معهم .. من حسن الحظ أن حاتم لم يخبر أحد .. لأنه لو كان قد أخبر أحد .. لما تردد الاولاد في إطلاق التعليقات الجارحة .. لن يفوت هؤلاء الأوغاد مثل هذه الفرصة .. ولكان من الممكن أن يكونوا واقفين وعاملين طابور على مؤخرتي الكريمة .. وأنا في اول الطابور أتكي بوجهي على كفي .. وأصيح بأعلى صوتي .. اللي بعده

يُتبع

مولانا الشيخ أبو عين قُزاز