مولانا الشيخ أبو عين قُزاز

(23)

مولانا الشيخ أبو عين قُزاز

1981

سيدتي

يوجد ثلاثة مساجد للجمعة قريبة من بيتنا .. جامع في الشرق .. جامع في الغرب .. جامع في الجنوب .. ولا يوجد في الشمال سوى البحر .. مع ذلك ينهض جدي باكراً صباح كل جمعة .. حوالي السابعة والنصف .. يصبغ لحيته الكثة بالحنا .. ثم يغتسل .. ويتجه للصلاة تمام التاسعة صباحاً .. لكنه لا يمشي لأي من هذه المساجد القريبة .. بل يمشي إلى جامع موجود قريب من خزانات بترومين .. آخر حي العُشيماء أقصى جنوب المدينة .. وهي مسافة بعيدة مشياً على الأقدام .. بعض المرات كان يمشي إلى الجامع الذي يأم فيه والدي الناس .. وهو بعيد أيضاً .. وتم بناءه حديثاً في حي السبخة .. كان الحي جديد في ذلك الوقت.. وقريب من المطار .. عمائر وفلل جديدة

كان والدي يأخذني معه لصلاة الجمعة .. ثم يأخذني معه مرة أخرى لصلاة العصر .. يقود السيارة .. وكنت أركب بجانبه مُغتاظاً .. لأن العصر هو الوقت الذي كنت أذهب فيه ألعب كورة مع الأولاد .. كنا نصلي العصر ثم نلتف في حلقة نتعلم القرآن .. والدي حاول جاهداً أن يعلمني القرآن .. لكن كل محاولاته بائت بالفشل .. إلى يومنا هذا ما زلت لا أضبط التجويد .. كل ما أعرفه من التجويد هو كلمة ” يرملون ” كلمة لها معنى مهم في التجويد .. لم أعد أذكره على اي حال .. إدغام بغُنة .. وإخفاء .. لم أستوعبها أبداً .. ربما والدي لم يكن يختار الوقت المناسب .. ربما تقريعه لي أمام الناس الأغراب في الحلقة .. خلف مرارة لم تساعدني في هضم كل تلك القوانيين اللغوية

والدي لم يكن يتورع أن ينهرني أمام الناس في الحلقة .. بعض الناس لا يفهمون في التربية .. مع أنهم يترأسون تلك الأماكن التي تهتم بتنشأة الطفل .. الحمدلله أن خيزرانة والدي لم تكن معه في المسجد .. فهو لن يتورع في إستخدامها .. لم أكن الأسوء في الحلقة .. ربما كنت الحلقة الأضعف .. ربما كنت الشخص المقدور عليه .. ربما كان يستخدم السلطة الإلهية الممنوحة له .. فأنا إبنه ومن حقه أن يشتمني حتى لو كان أمام الناس

كل الموجودون في الحلقة رجال يتعلمون القرآن .. وكانوا يقرأون بطريقة تُثير الشفقة .. لكن أنا الوحيد من يأكل التقريع .. كنت أنا الطفل الوحيد .. لابد أن هناك سبباً وجيهاً لعدم وجود طفل غيري في تلك الحلقة .. اولاً الوقت هو العصر .. وكل الأطفال يذهبون للعب في هذا الوقت .. أمّا أنا فأتعلم القرآن .. ربما لو كان والدي قد إختار وقتاً أفضل .. لما كان رأسي بذاك التحجر والصلابة

ربما لو كان منحني ذلك الوقت للعب .. لكنت منحته جهد أكبر لإعتناق القرآن .. لكنه كان يسرق مني وقت اللعب .. ويستثمره في تعلم القرآن .. ربما كان يفعل ذلك عن قصد .. فهو لا يريدني أن اذهب للعب وقت العصرية مع الاولاد .. فاللعب عند والدي غير مفيد .. والوقت ثمين .. ومن هذا الدجل .. كان والدي هو السيد خيزرانة .. وكانت تلك طريقته في التعليم .. القسوة .. والضرب .. وحتى في المرات التي تختفي فيها الخيزرانة .. كان يستخدم التقريع والسخرية .. أحياناً اللسان أشد ألماً وقسوة من الخيزرانة .. الخيزرانة ينتهي ألمها عند ملامسة الجلد .. أم الكلمات الجارحة .. فهي تهوي إلى أعماق النفس البشرية سبعين خريفاً او يزيد

يستحيل تسمع من والدي كلمة تشجيع واحدة .. حتى عندما تتفوق .. هو مثل النار .. لا يشبع .. شعاره .. هل من مزيد .. المفروض تكون أفضل … أحسنت .. برافو .. ما قصرت .. ممتاز .. هذه الكلمات لا تجدها عنده أبداً .. الكثير من الآباء يغفلون نقطة مهمة جداً .. وهي أن الإبن لن يشعر بالإكتمال أبداً .. لو لم يسمع كلمة ثناء من أقرب المقربين إليه .. أبوه
لو لعبت مبارة وسجلت عشرين هدفاً وكل الجمهور يصفق لي .. سأتجاوز الالوف من الجماهير .. وستبحث عيني بينهم عن شخص مهم بالنسبة لي .. عن أبي .. هل أعجبته أهدافي ؟ لكن لا يهم .. على اي حال .. أبي يعتبر اللعب مضيعةً للوقت .. عندما طفش والدي مني .. طلب مني أن أذهب لحلقة مولانا الشيخ في الجامع الغربي .. كان جدي أيضاً يحضر تلك الحلقة مستمعاً .. وكان يوزع الحلوى علينا .. حضرت مرة او ثلاث .. ثم أنقطعت عن تلك الحلقة

كنت في الغالب أذهب مع والدي لصلاة الجمعة في مسجده .. وأحياناً أتأخر عنوة .. حتى لا ينتظرني أبي .. وأذهب للصلاة في الجامع الغربي .. كنت لا أدخل الحمام كي أغتسل .. حتى أسمع صوت الخطيب وقد بدأ الخطبة .. ثم ألتقط السجّادة .. وأمشي إلى الجامع عبر تلك الأزقة .. عندما أصل للمسجد يكون قد إمتلأ للأخير .. ويكون الإمام قد إقترب من نهاية الخطبة .. او أنه بدأ في الصلاة .. .. ثم أجد صفاً طويلاً من المصلين .. يمتد من باب المسجد إلى نهاية الزقاق .. في الغالب هم أصدقاء عمي عبدالغفور .. ولد عمتي محمود والشلة لا يذهبون للصلاة إلا آخر الناس .. كنت أريد أن أصبح واحد منهم .. وكنت أشعر بأن الطريقة الوحيدة كي أصبح مثلهم ( كووول/رهيب) إني أذهب للصلاة متأخر .. مثل ما يفعلون .. كنت أضع سجادتي على تراب الأرض .. وأبدأ في الصلاة .. وفي المرات التي كنت أحضر فيها مُبكراً للصلاة داخل المسجد .. كنت أنام من الملل
كان خطيب الجمعة هو مولانا الشيخ عم الولد حاتم .. وعم ولد عمتي موسى .. كان له دكان يبيع فيه الأقمشة .. وفريزر قريب من الباب يبيع الآيس كريم للأطفال .. سمعت أن مولانا الشيخ بعين واحدة .. والعين الأخرى قُزاز .. لم أكن أعلم .. هل اليمين هي العين القزاز أم اليسار .. كان يلبس نظارة بعدسات أيضاً .. فتزيد الأمر صعوبة .. او ربما صغر سني لما يساعدني في تحديد العين المُزيفة من العين الحقيقية .. كان يبيع آيس كريم وأيضاً نوع من الثلج نسيت إسمه .. ثلج بلون أحمر .. او أخضر .. او أصفر .. وبنكهات الفواكة .. موضوع في مثل الأنبوبة .. هذه الأنبوبة كانت المفضلة عندي .. وبالرغم أن والدي لديه بقالة .. إلا إنه لم يكن يبيع المثلجات او الآيس كريم في ذلك الوقت .. لأنه مُضر بالحلق .. وأنا كانت مشاكل الحلق تُلازمني .. والدي مستقصدني في كل حاجة هههههههه

في أحد العصاري وكان دكان الشيخ هادئ وخالي من الزبائن .. الدكان كان خالي من الزبائن أكثر الوقت .. لكن كان يجتمع عند مولانا الشيخ بعضاً من طلبة الحلقة من الأولاد .. جئت ذلك اليوم وفي يدي ريال .. أعطيته الريال وأتجهت للفريزر .. لم أشأ أن أقلق راحة مولانا الشيخ .. فتحت باب الفريزر للأعلى .. ولأني صغير وكنت قصير وجدار الفريزر مرتفع وعميق من الداخل .. فأحتجت أن أقفز وأتسلق جدار الفريزر .. ثم كأني أغوص برأسي داخل الفريزر حتى أصل لأنبوب المثلّج

شعرت بيدٍ حانية تلمس مؤخرتي .. إنتبهت .. عدت لوضعي الطبيعي أقف على قدماي .. نظرت للخلف فإذا هو مولانا الشيخ .. تطمنت .. للوهلة الأولى تصورت إنه واحد من الأولاد يبعبصني من الخلف .. بس الحمد لله إنه مولانا الشيخ .. تطمنت ثم أعدت الكَرّة .. وقفزت أتكي ببطني على جدار الفريزر أحاول أصل والتقط أنبوبة مثلجة .. شعرت بيده الحانية مرة أخرى .. لا أدري لماذا تصورت في تلك اللحظة أن مولانا الشيخ يمكن فقط يحاول يسندني .. لكنه بعد عودتي لوضعي الطبيعي وأصبحت أقف بجانبه .. أستمر يلمس مؤخرتي .. وحتى أكون أكثر دقة .. كان مثل من يتحسسها .. كأنه يريد أن يتأكد إن كانت موجودة أم لا .. ثم أنتقلت يده تتحسس عضو الذكورة .. في تلك اللحظة .. الدم وقف في عروقي .. لم أفهم عن ماذا يبحث ؟ الريال وناولته ..!! ماذا يُريد؟ هل يُعقل ؟ هذا الرجل ليس عاملاً يمنياً مُهاجراً .. إنه مولانا الشيخ .. الذي يثق به والدي ويرسلني إليه ليعلمني القرآن .. إنه مولانا الشيخ الذي يقف جدي في كل صلاة خلفه في الصف الأول لعشرات السنين .. إنه مولانا الشيخ الذي تخرج على يديه أجيال من حفظة القرآن ..

وقفت أمام الشيخ أحاول أن أقرأ أي شيئ من عبارات وجهه .. فهو لا يتكلم .. لا يُفصح عن ما يريد .. فقط يداه تتحرك بخفة ورشاقة .. كان وجهه الاصفر الكريه بدون قطرة دم واحدة .. وكان شاربه ولحيته محفوفة .. وكان يمز شفتاه للأمام كأنه يفكر .. ثم تميل شفتاه لليمين .. ومرة لليسار .. نظرت في عينه اليمين فلم الاحظ اي شي .. نظرت في عينه اليسار لم أخرج بشيئ أيضاً .. لم يكن أمامي سوى الخروج بسرعة من المكان

في يوم آخر عدت وصنعت ما صنعت في المرة الأولى من تسلق جدار الفريزر .. وشعرت بمولانا الشيخ ملتصق بمؤخرتي هذه المرة .. الموضوع تطور .. لم يعد مجرد تحسس باليد .. أنا خلاص الآن فهمت الموضوع .. قفزت وهربت من دكانه .. الظاهر العيلة ذي مانخوليا .. وبتاخذ علية توكيل .. أمس حاتم واليوم عمه .. وياعالم بكرة مين ؟ يمكن السواق
والله مُصيبة .. يا سيدتي الكريمة .. تصدقين إن أسم هذا الشيخ موضوع بين أعلام جيزان .. ههههههههههههه .. أنا الآن بدأت أشك في كل كتب التأريخ .. كم مثل هذا الرجل حُشر إسمه من طلابه وأصبح من أعلام النبلاء ..؟!! المصيبة إني إكتشفت لاحقاً وفي تلك الفترة .. أن مولانا الشيخ مشهور في الحارة .. وأن أنامله الذهبية قد مرت على الكثير من المؤخرات والمُقدمات .. وأن أجيال وأجيال قد تخرجوا من تحت يديه

سيدتي الكريمة .. أخبريني .. هل أترك إبني الهيصر هناك .. كي يتعلم أصول التجويد ..؟! لا يوجد أمامه سوى خياران .. أما خيزرانة أبي وإهاناته .. او بعبصة مولانا الشيخ ابو عين قزاز .. وفي الأخير .. لن يتعلم شيئاً .. ! الا يوجد طريق ثالث

يُتبع

عالم جزم