عالم جزم

(23)

عالم جزم

1981

سيدتي

تصدّقين .. هنا في اميركا يتم سجن المتُحرش جنسياً بطفل .. خمس الى عشر سنوات .. لو ثبتت عليه الجريمة .. ولو تحرش نفس الرجل بأكثر من طفل .. يتم مُضاعفة الجزاء حتى يصل إلى السجن مدى الحياة .. أنا لو عدت اليوم إلى جيزان وقررت أن أرفع قضية ضد مولانا الشيخ ابو عين قُزاز في المحكمة .. فلا أعرف إن كانت المحكمة ستستمع إلى أقوالي أصلاً أم لا ..؟! اولاً … لا أحد يُصدّق اي كلام في المُتمشيخين والأئمة والوعاظ .. الناس تعتبر المس بهؤلاء مسٌ بالدين !!! مع أنهم بشر يصيبون ويُخطئون .. ومن يُخطئ منهم يجب أن يُعاقب كجزء من العدالة التي تطال الجميع

ثانياً .. سيتم رمي بألف تُهمة وتُهمة .. فالتهم عندنا مُعلبة و جاهزة للتصدير .. أبسطها أني عشت في بلاد الكفار لعشر سنين او يزيد .. يا إلهي وكله كوم .. ونظرية المؤامرة كوم .. لابد أنهم أعداءُ الله اليهود قد غسلوا مُخي بالماء والصابون .. فأنا فاسق ومُلحد وكافر وتخلقت بأخلاق الكفار .. ومن هذه صفاته لا يُستمع إليه .. نظرية المؤامرة يا إلهي .. حدث ولا حرج .. معشعشة في العقول .. بل تكبر وتزداد بعد كل هزيمة .. نحن بالكاد موجودون على خريطة العالم – نعم اراضي شاسعة .. لكنها خالية من العقول – ومع ذلك نعتقد جازمين بأن كل قوى الكون تتآمر علينا .. حتى أنا .. كنت أعتقد ذلك .. لكن تعلمت .. وفهمت أخيراً حقيقة حجمنا الطبيعي على الخارطة الكونية

حتى القصة التي إنتشرت عن القسيس الذي تحرش بأطفال هنا في إحدى الكنائس .. وتم تداول القصة على نطاق واسع .. وتم الإحتفال والشماتة بتلك القصة في مُنتدياتنا العربية المُحافظة على أنها دليل على فساد النصارى والقساوسة والنظام الغربي والغرب .. أنا شخصياً أدين التحرش الجنسي فوق اي ارض وتحت اي سماء لكن .. ربما عذر القسيس أنه محروم من الزواج حسب دينه .. فما عُذر الشيخ أبو عين قُزاز ..؟!! ودينه يعطيه الحق في زوجة واحدة او مثنى وثُلاث ورُباع ..؟!! أنا لا أدافع عن القسيس .. ولكن أتمنى أن يوضع هو والشيخ ابو عين قُزاز في نفس المحكمة الدنيوية ولا يتم التمييز بينهما .. أما في الدار الآخرة فتلك قصة أخرى .. لا شأن لي بها

هذا هو العالم .. عالم جزم .. لا يختلف كثيراً هنا او هناك .. الوان مختلفة .. ومقاسات مختلفة أيضاً .. في حياتي أنا الكثير من الجزم .. جزم تحدثت عنها سابقاً .. وجزم سأتحدث عنها لاحقاً .. هناك جزمة البوكا بوتشي الايطالية .. هناك الجزمة القديمة التي ورثتها عن جدي .. وهناك أيضاً الجزمة الحمراء المنقطة أسود .. او السوداء المنقطة أحمر التي أحضرها عمي عبدالغفور من مصر ولم تكن مقاسي .. (حاذُلك يا عم عبدالغفور بذي الجزمة عشان تحّرم تهديني جزمة مش مقاسي ) وهناك الجزمة بنت الكلب التي أحضرها عمي حُمّد هدّية من اميركا

إستيقظتُ ذاك الصباح باكراً وكان يوم خميس .. ورحت أبحث عن شيئ يشغل وقت فراغي .. كنت عند أمي في بيتها الشعبي .. وكان والدي عندنا .. بحثت عن شيئ أفعله ذاك الصباح دون أن أثير أي ضجيج .. فتذكرت الجزمة بنت الكلب ابو عجلات التي أحضرها عمي من اميركا .. لم يكن هذا الإسم عبثاً .. بحثت عنها فلم أجدها .. كان هناك ساحة كبيرة أمام المجلس .. نُسميّها بالجيزاني ” طُراحة ” او ” عرسة ” .. لكن أبي قد ملأ نصف الساحة بكراتين جزم وكور رياضة
والدي لا يترك مكان في البيت دون أن يستغله لأغراضه التجارية .. حتى دون أن يكون لأحد رأي او إعتراض .. فلو قرر أن يملأ كل الغرف بالكراتين .. ووضع جميع أفراد العائلة في المطبخ مع الثلاجة والبتقاز .. والسرر .. لما إستغربت ذلك … ولما إعترض أحد .. أصلاً كل أفراد العائلة من زوجات أبي وعياله .. كلنا مثل قطع العفش .. يُحركنا كيف يشاء .. لا يوجد رأي لأي قطعة عفش في البيت .. كلنا مِلك الوالد .. كلنا مِلك رب الأُسرة

لابد أن جزمتي في مكانٍ ما خلف تلك الكراتين .. بحثت وبحثت حتى وجدتها .. وجدتها خلف الكراتين .. لابد أنها أمي من أخفتها .. أمي تعودت على النكد .. وعندما تشاهدني ألعب ومسرور .. تشعر بأن هناك شيئ خطأ .. فتقوم بأفتعال اي سبب لعكننة الجو .. في الغالب كانت تنجح دائماً .. او أن كل النساء هكذا .. لا أدري .. يحبون النظافة والترتيب .. النظافة والترتيب أشهر عذر كانت تفتعله أمي عندما ألعب .. كانت تنظف البيت كل يوم من أجل الضيوف .. لكن لم يكن يزرها أحد
النساء يحبون النظافة عكس الرجال الفوضويون .. ليست لدي مشكلة شخصية مع النظافة او الترتيب .. لكن لماذا تقوم النسوة بإخفاء اللعب التي نلعب بها ونحن صغار ؟ لا أعلم لماذا يستقصدون الأطفال خاصةً ؟! تذكرت هذه القصة الآن .. عندما كنت أسكن العمارة أحضر لي عمي حُمّد من اميركا لعبة عبارة عن صندوق بلاستيكي مليئ بسائل وبداخلها كرة .. تضغط على زر فيدخل هواء يدفع الكرة .. فتحاول تسجيل هدف في السلة .. لعبت بتلك اللعبة لمدة أسبوع فقط .. ثم فقدتها لا أدري أين أختفت بحثت في كل مكان داخل البيت فلم أجدها .. أين أختفت هذه اللعبة ؟ لغز مُحيّر

الحمد لله وجدتها أخيراً .. لكن بعد خمسة عشر سنة عمتي المنسية ارادت أن تحفظها لي حتى لا أكسرها كما كسرت لِعب كثير .. تحفظها أسبوع او إثنين .. شهر او شهرين .. لكن تخفيها خمسة عشر سنة واضح إن عمتي المنسية سايكوباث .. وما حدش واخذ باله ..! ضحية أخرى من ضحايا الكبت والحرمان
عدت تلك السنة من الجامعة وتفاجأت بأخي الصغير آخر العنقود من زوجة أبي الثالثة يلعب بها .. ركضت أنا وشنبي وحضنت اللعبة .. ذي لعبتي .. الحمد لله وجدتها أخيراً .. بعد خمسة عشر سنة وأخوية الكذاب يحلف إنها لعبته نظرت بإستغراب لعمتي المنسية وهي ترمقني بنظرات توجس .. ذي لعبتي .. صرخت .. أحضرها عمي حُمّد من اميركا .. لما أنساها .. أبداً .. يااااه .. بحثت عنها في كل مكان .. أين كانت ؟ كيف وجدتموها

أخيراً المنسية نطقت .. أنطقها الله الذي أنطق كل شيئ وهو أرحم الراحمين … قالت .. كنت أحفظها لك .. حتى لا تتكسر وتفقدها كما فقدت بقية اللعب الثمينة التي حصلت عليها .. ! قلت .. لكنني سألتك عنها في حينه .. وقلتي أنك لا تعرفين عنها شيئاً !! قلت في نفسي .. يلعن أبو العُقد .. الولية ذي مجنونة رسمي ..لا شك ولا ريب في ذلك
أخيراً وجدت الجزمة بنت الكلب .. لكن كان يعلوها الغبار .. وكان الصدأ قد تمكن من العجلات ايضاً .. لبستها وشعرت أنها أضيق .. الأسوء مع ذلك أنها كانت أبطئ .. بحثت عن زيت كي أضعه على العجلات .. فوجدت زيت فرامل سيارات .. فقمت بإستخدامه .. وقمت باللف والدوران في الساحة .. كانت السرعة لا بأس بها .. ثم كنت ادخل على أمي المجلس وأعود مرة أخرى للساحة

أمي كانت تعد الفطور .. فطور أمي كالعادة .. فول مقلي مع طماطم او بيض شكشوكة .. لو تغادر البيت وترجع بعد عشرين سنة .. ستجد نفس الفطور .. والدي كان في غرفته مُستلقي يقرأ الجريدة .. للوهلة الأولى يظن الإنسان أن هذا هو الوضع الطبيعي في اي بيت .. الرجل يقرأ الجريدة .. الصغار يلعبون .. الأم تُعد الأكل .. أفضل بكثير من الماضي ابو مشاكل

نادتني أمي .. الفطور جاهز قالت .. أنا لا أجلس حتى آخر لحظة .. سهام وبقية الصغار إلتفوا حول المائدة على الأرض مع والدي .. بقيت أنا الوحيد الذي يلعب في تلك الساحة .. حتى سمعت صوت والدي يناديني بشكل حازم .. فذهبت على عجل أمسح يدي بالماء .. ثم جلست وأكلت معهم .. بعدما شبعت قمت وغسلت يداي .. وجلست أشاهد التلفزيون مع الصغار .. أمي في المطبخ تغسل الصحون .. والدي عاد للغرفة يقرأ الجريدة .. بعد نصف ساعة بدأت أشعر بألم بسيط في المعدة .. ركضت للحمام .. يووووه .. إسهال .. يا مُسهّل .. ثم عدت للغرفة أشاهد التلفزون .. بدأت أشعر بغثيان .. ثم شعرت بالرغبة للذهاب للحمام مرة أخرى
عدت للحمام الأمور أسهل من الأول .. عدت للغرفة .. بدأت أتقيأ الأكل .. كنت أقول لأمي .. إني أشعر بغثيان .. وعندي إسهال وبدأت أتقيأ الأكل .. أمي قلقت .. ذهبت لأبي وهي مُترددة .. قالت .. يا فلان بالله شوف خليل .. ما ادري ايش صار له يسلح ويطرش من بعد ما أكل .. أبي قال .. مافية ولا شيئ .. كلنا أكلنا من نفس الأكل .. قالت أمي .. أبااه يا فلان .. أبنك شكله شيموت علينا .. وأنته قاعد تقرا جريدة … أبي لم يهتم كثيراً

أصبحت لا أستطيع أن أُمسك نفسي حتى أصل إلى الحمام .. وأصبح الموضوع يتكرر بشكل غير طبيعي .. أمي بدأت تبكي وتصيح في والدي .. أخيراً أهتم الوالد بالموضوع ونقلني للطوارئ بمستشفى جيزان العام أمام الدوار الكبير عند مدخل جيزان .. وكان الوقت ربما العاشرة صباحاً .. لا أذكر ما الذي حدث بعد ذلك لأنني فقدت الوعي .. إستيقضت عند الثالثة تقريباً وأنا في غرفة .. وكنت مُستلقي على سرير .. وسوائل مغذية مغروزة في ذراعي .. كنت ما زلت أشعر بغثيان .. وكنت أتقيأ بالرغم من أن معدتي فارغة .. وكانت إمرأة عجوز بجانبي لم أتعرف عليها .. كانت هي أيضاً مُرافقة لمريض آخر
عندما جاء أبي وحضرت أيضاً جدتي وعمتي زُليخة وعمتي الكبيرة المتزوجة .. وأمتلأت الغرفة بالزوار .. كنت أسمعهم يتحدثون أنني كدتُ أن أموت .. وأن الله سلم .. وأن الدكاترة قد تداركوا الوضع .. لكن في قرارة نفسي لم أكن أصدق ما كانوا يقولون .. أنا لا يمكن أن أموت .. فما زلت صغير .. إذا كان جدي لم يمت بعد .. فكيف أموت أنا قبله .. كنت أتصور أن الموت يأتي للكبار اولاً .. إلا إذا كان حادث سيارة .. او جدار مدرسة يسقط عليك

كان والدي يتحدث لتلك المرأة العجوز ويضحك ثم التفت إليّ وقال هذه المرأة من بيش .. مدينة تبعد ربما ثلاثين ميلاً من جيزان .. وإبنها كان زميلٌ لي في إدارة التعليم .. عندما ضربتنا الطائرات المصرية بالقنابل أيام حرب اليمن .. هربنا في ” قلاّب ” إلى بيش .. وكانت هذه العائلة هي التي ضيّفتنا
كنت أشعر بصداع وأنا أحاول التركيز فيما يقول والدي .. ثم كنت أشعر بأعياء وأعاود النوم .. كان والدي يريدني أن أرجع معه للبيت .. وكان يستعجل الأطباء .. عند الخامسة والنصف طلب مني أن أذهب معه للبيت .. كنت أشعر بقليل من التحسن فظننت أنني بخير وعندما وقفت كدتُ أن أسقط على الأرض من الدوار .. فقرر أبي أن أمكث في المستشفى تلك الليلة .. والدي ربما كان شايل هم من سيبيت معي .. قالت العجوز أنها ستمكث في المستشفى للغد ويمكنها أن تتولى أمري

في صباح اليوم التالي إستيقظت وأنا أشعر بكثير من التحسن .. وكنت جاهز للعودة للبيت .. كنت أملّ النوم في السرير .. كأني مُقيد بسلاسل .. عندما جاء والدي وأطمئن من كلام الطبيب أخذني معه للبيت .. كان والدي يعاملني برقة غير طبيعية لدرجة أنني لم أصدق أن هذا هو أبي .. وصلنا للعمارة وكانت أخواتي وعماتي بأستقبالي كأني قد جئت من السفر .. كان إهتمامهم غير عادي .. شعرت بحبهم لي في تلك اللحظة وأنهم قد إفتقدوني .. دنت مني أختي الكبيرة وأخبرتني أن والدي عندما أخذني للمستشفى ثم عاد للبيت .. كان يبكي .. وأن الجميع توقع أنني مُت عندما شاهدوا أبي يبكي .. لكنه قال لهم .. أنه إنكتب لي عمر جديد .. وأن الأطباء أخبروه أنني تسممت من زيت الفرامل وأنه بالكاد أنقذوا حياتي
عندما خرجت للشارع وكأني لم أشاهده من زمن .. ذهبت للبقالة .. آدم الاريتري الذي كان يُناكفني كل مرة بسبب عصير السنتوب .. فجأة صار يفتح لي الثلاجة ويعطيني عصير مجاناً .. تمنيت لو كنت أمرض كل يوم لو كنت سأحضى بهذه المعاملة الخاصة من الجميع .. حتى من آدم العامل الاريتري
قال وهو ينظر إلي بعطف .. والدك كان يبكي عندما عاد من المستشفى .. لأنه ظن أنك ستموت وكان يظن أنه السبب .. فجأة الموقف صدمني .. والدي لا يبكي .. حتى تلك اللحظة لم أشاهد والدي يبكي أمامي .. والدي كالجبل بشموخه وقوته .. هل يبكي الجبل

نعم .. يا سيدتي حتى الجبل يبكي .. لكن عندما يبكي الجبل .. تتفتت الصخور الصغيرة .. كان والدي الجبل .. وكنت أنا مجرد حصى تتفتت لأجزاء صغيرة من الصدمة .. شاهدت والدي يبكي كالطفل مرة واحدة في حياتي .. كنت قد عدت من الجامعة لزيارة جدي في اوائل التسعينات للإطمئنان على صحتة .. سقط جدي في الحمام وهو يستعد للوضوء لصلاة الفجر .. جلطة في الدماغ .. بعد الظهر ذهبت لغرفة والدي .. لكنني قابلته في الممر .. وسألته عن صحة جدي .. كان يسير بإتجاهي .. قال بصوت يتهدج .. أصيب بشلل نصفي .. ثم وضع مرفقه وذراعه حول عينيه كطفل .. وبدأ يبكي وهو يُحاول أن يكتم تلك البكية .. تسمرت في ذهول .. لا أعرف كيف أتصرف في تلك المواقف .. رفعت يدي .. هل أحضن والدي؟! هل أرتب على كتفه ؟!! لم ألمسه في حياتي .. إلا لتقبيل يديه .. او رأسه .. وكنت دائماً أحتفظ بمسافة كافية

يُتبع

عنطر بن شداد