عنَّطَر بن شدّاد

(24)

عنَّطَر بن شدّاد

1981

سيدتي

والدي لا يتكلم بكلام بذيئ أبداً .. وينظر بنظرة إحتقار لمن يتلفظ بالالفاظ السوقية .. ربّانا في البيت منذ الصغر على الفضيلة والصلاة .. لكن بمجرد خروجي للشارع .. كُنت كمن يدخل عالم آخر .. عالم يختلف تماماً عن البيت .. وكان عليّ أن أتأقلم .. هههههههههه .. المرة الوحيدة التي سمعت فيها والدي يتلفظ بكلمة بذيئة كان عام 2006 .. ربما إعتقد حينها أنني كبرت وأصبحت رجلاً .. لم أعد ذاك الطفل في نظره .. بالرغم أن مُعاملته لي لم تختلف كثيراً عنها عندما كنت في العاشرة من عمري .. كان يشاهد نشرة الأخبار في القناة الاولى أمام الدكان القديم .. كان الخبر عن زيارة السيدة كوندليزا رايس للمنطقة .. نهض والدي من الكرسي وقد تغير لونه .. أشار إلى صورة كوندليزا رايس وهو يغادر متجهاً إلى داخل المحل وقال ..” الله يخارجنا من هذه القحبة “

مرت خمس و ثلاثين سنة من عُمري لم يتلفظ والدي بمثل هذا الكلام .. صُعقت .. لا أدري ما الذي أثاره بتلك الطريقة ؟ .. لم يتمالك أعصابه .. والدي يشاهد الأخبار .. يقرأ الجريدة .. لكنه لا يتكلم في السياسة .. حاولت في الماضي أيام الجامعة أن أجر رجله في الحديث .. لكنه لا يرد .. ويظل صامتاً حتى أغيّر الموضوع .. كنت أحاول أستدرجه في الحديث .. لربما يغلط بكلمة كذا او كذا .. فأبلغ عنه الدولة .. وأتخلص منه للأبد .. لحسن حظ والدي .. أننا لم نكن نعيش في العراق
لا ادري لماذا ذهب تفكيري لشيئ آخر وأنا أفكر في ردة فعله على زيارة السيدة كونديليزا رايس .. الأمريكان من زمان يجيئون ويذهبون .. لم يسب والدي أبداً .. رأيته ذات مرة يتفل على صورة رئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيجن في التلفاز آبان حرب لبنان 1982.. يتفل فقط .. لكنه لم يتلفظ بتلك الالفاظ .. ورأيته أيضاً يحتفل بموت أنور السادات في يوم مقتله بعد صلاة الظهر أمام الدكان .. فرحته بمقتل السادات ترتكت أثر عميق في نفسي

للحظات تصورت .. أن الدم لم يغلي ويثور لتلك الدرجة من وجود السيدة كوندي إلا لأنها تحمل صفتان .. هي إمرأة .. وهي أيضاً سوداء .. لم يحتمل والدي .. إنفجر أخيراً .. وفاضت كل تلك المشاعر والكراهية للمرأة والسود .. تأريخ طويل من العنصرية محفور في جلد الرجل العربي ضد المرأة المخلوقة من ضلع أعوج .. الناقصة عقل ودين .. المرأة الفراش .. المرأة التي يترادف إسمها في ثقافة موغلة في القدم مع كلمة عار .. والعار يعني الفضيحة
كذلك تأريخ طويل منقوش في الجلود عن الجواري والعبيد .. الذين لا نشتريهم الا والعصى معهم .. كان ذلك كثير .. كثير .. أكبر من أن يُحتمل .. كيف إذا أجتمع الأمران .. إمرأة وسوداء .. لابد أن العرب في مأزق .. إنفجر والدي أخيراً .. ربما عبّر هو عن مشاعر كل العرب في تلك اللحظة
أنا عكس والدي تماماً .. أنا من المعجبين جداً بالسيدة كوندي المحاضرة في جامعة ستانفورد .. لا تبعد الجامعة كثيراً عن هنا .. الإنسان الأسود الناجح في اميركا رجل كان او إمرأة .. شخصية فولاذية لا شك .. يستحق الكثير من التقدير والإحترام إتفقنا معهم او إختلفنا .. شخص تجاوز الكثير من العقبات .. نظرية المؤامرة .. والإحباط .. والسلبية التي تسيطر على مجتمع السود في اميركا .. والعنصرية من بعض البيض

تمنيت لو بإستطاعتي أن أستضيف السيدة كوندي في بيتنا في جيزان .. أريدها أن تتعرف على عمتي زُليخة الشخصية الفولاذية الأخرى .. عمتي زُليخة إمرأة عبقرية لا أشك لحظة في ذلك .. لكنها رُبما إستسلمت لقهر الرجال .. لو وجدت نفس الفرصة التي وجدتها السيدة كوندي .. لو درست في جامعة ستانفورد .. فأبشروا يا عرب بالعز .. كوندليزا رايس مين ياعمي .. والله عمتي زُليخة لتسدحها بالضربة القاضية من الجولة الأولى .. وعلى قول المثل ما يفل الحريم إلا الحريم
كان ولد عمتي محمود خريج جامعة الرياض .. وخريج جمهرة من المدرسين الشيوعيين الذين كانوا يسرحون في مدارسنا زمان .. يجلس في مجلس عمتي زُليخة كل ليلة .. يتناقش معاها في كل الأمور .. كنت صغير بس ملقوف .. وكنت أستمع لما يدور .. عندما كان محمود في فترة الخطوبة من بنت عمه سلوى … كانت عمتي زُليخة تّعلق عليه في الذهاب والأياب .. هاه من أين أتيت ؟ أكيد كُنت عند الحبيبة .. يا قيس يا إبن الملوح ؟

هاه .. يا قيس .. أخبار ليلى ؟ وكانت تضحك عليه .. كنت أعرف أن عمتي زُليخة قد إنتصرت في النقاش على ولد عمتي محمود من الطريقة التي كان يتصرف بها بعد إنتهاء اي نقاش .. كان يقوم من المجلس وينظر لعمتي زُليخة وُيشير إلى مؤخرته ويقول لها ” أدُخلِ في طيزي ” .. محمود هو الشخص الوحيد الذي يتلفظ بالفاظ سوقية داخل البيت .. يمكن لأن البيت بيت جده وليس بيت أبيه .. او لأنه كبير في السن وعنده تصريح

كانت عمتي تنظر إليه وتضحك أكثر .. كنت أكون قريب من الباب ومحمود يتجه للخارج .. وأنا مُندهش من بذاءة لسانه داخل المنزل .. ومحتار لماذا لا يتم مُعاقبته على هذا الفُحش ؟ وفي نفس الوقت أضحك .. فكانت عيونه تلتقي بعيوني .. ويزداد غيضاً ويقول .. وأنته تعالى أدخل في طيزي .. ويشير إلى مؤخرته أيضاً .. هكذا هو ولد عمتي محمود .. لا يؤمن بالديموقراطية وتعدد الآراء .. ليس أمامك خيار .. إمّا أن تقتنع بكلامه .. او سيقول لك أدخل في طيزي .. طبعاً أنا كُنت أفضل الإقتناع بكلامه وبعد أن يخرج من الباب كنت أنظر لمؤخرته .. وأرفع حاجبي الأيسر .. كيف ستحتمل مؤخرته كل هذا الكم من المخالفين له .. عمتي زُليخة وأنا ايضاً وأحياناً كثيرة عمي عبدالغفور ؟! وإذا قابل أختي سهام في الطريق قال لها نفس الجملة .. كنت أظن أن ولد عمتي محمود مجنون .. وشكله بيروح النار

كانت بذاءة اللسان هي وسيلتي الوحيدة في الشارع والحارة كي أثبت لكل العيال إني ولد جامد .. مؤهلاتي الجسمانية متواضعة جداً .. في الشارع كنت أحاول أن أظهر إني جامد .. فلم يكن لدي شيئ سوى الشتائم .. كنت صاحب أقذر لسان في الحارة .. بس قذارة في اللسان لا أقل ولا أكثر .. تخيّلِ نملة تقف أمام فيل تشتم .. تسب فقط حتى يشعر الفيل أنه أمام نملة جامدة وتعض .. ربما .. ربما يُقرر الفيل أن لا يطأ بقدمه تلك النملة .. أنا كنت تلك النملة .. وكنت أشتم الفيل إبن الكلب وأصرخ في وجهه وبس .. حارتنا كانت مليانة نمل
أذكر أن هناك ولد جبان جداً وملطشة لكل اولاد الحارة .. وكان في نفس سني لكنه مُمتلئ عني قليلاً .. إختلفت معه ذات يوم وقلت في نفسي .. هذه فرصتك كي تثبت للعالم إنك لست ضعيف بل ولد وعر وجامد .. فدفعته بقوة لكنه لم يتحرك .. ثم عالجته بلكمة خاطفة لكنني جلّيت .. ثم فاجأني بلكمة جاءت مباشرةً في أنفي .. لم أرى بعدها اي شيئ آخر .. صرخت من الألم وبكيت .. وزاد الطين بلة أن أنفي بدأ ينزف بالدم .. الحمدُ لله أنه لم يكن الكثير من الاولاد موجود في تلك اللحظة .. يالله .. ياللعار .. أنضربت من ملطشة الحارة .. صرت أنا ملطشة للملطشة نفسها

تضاربت مرة مع ولد عمتي موسى في الزقاق أمام بيتهم وكان ذلك بسبب ولد فتّان إسمه توفيق كان يوقع بيني وبين ولد عمتي .. فتحمسنا ووجه لي موسى لكمات مُتتابعة .. واللكمة الوحيدة التي وجهتها له إنتهت بأصبع الإبهام في فهمه وبين أسنانه .. فعضني عضة إبن اللذين .. صرخت وبكيت .. ولم أستطع أن التقط أنفاسي .. وجريت لعمتي أشتكيه .. مسحت دموعي وسقنتي ماء بارد .. وتوعدت أن تأخذ بثأري من إبنها موسى

حسناً إذاً .. الواحد ياخذها من قاصرها .. ويعترف من البداية .. ولا يدخل في اي مضاربة .. وهذا ما كان .. لا أتذكر كثيراً أنني دخلت في مضاربات مع العيال في الحارة .. صحيح كنت مُشاغب .. بس أعرف متى أنطم .. بلا فلسفة .. وبلا كلام فاضي .. وطز في عنتر بن شداد وشجاعته .. ما أبغى أصير عنتر بن شداد .. ولا أريد أن أكون شُجاعاً .. أنا خليل .. خليل فقط .. خلي عنتر بن شداد ينام مستريح في كُتب التأريخ وبلاش ندوشه .. والا نسينا إنه عبد أسود

قصص عمتي زُليخة لا تنتهي .. حقيبتها مليئة بالحكايات والأساطير .. أسطورة او حكاية .. بالجيزاني تعني ( خُرفينة ) .. كنت أجلس أمامها مُنصتاً لأحاديثها الشيقة .. هي في الجهة المُقابلة تحتسي الشاي .. لم أفهم أبداً لماذا الناس في جيزان يُحبون شُرب الشاي .. الشاي حار .. وجيزان حارة أيضاً .. المفروض الناس تشرب عصير ليمون بالثلج

لم يعجبني الشاي أبداً .. ولا القهوة .. ولم أقتنع بالمبدء من الأساس .. ترتشف رشفة .. ثم تسحب نفس عميق كأنها جالسة في غُرزة .. وتُحلق بنظراتها في الفضاء البعيد .. كُنتُ أنظر إليها .. ملامحها .. أعصابها ترتخي عندما تتحدث عن زيارة الملك سعود لجيزان .. كنا أطفال .. تقول .. خرجنا مع الناس .. الكبير والصغير .. نستقبل الملك الذي حملته الباخرة إلى شواطئ جيزان .. وزعوا علينا دراهم وحلاوة .. ثم تسرح بخيالها بعيداً .. كأنها تسترجع تلك اللحظات .. كأنها في حالة حُب وهيام .. او ربما تتلذذ ببقايا طعم تلك الأيام في الذاكرة .. تبتسم .. ربما هي تُحب الملك سعود .. او ربما تُحب الحلاوة .. او ربما تُحب الدراهم التي وزّعوها على الأطفال ذلك اليوم .. او ربما تحب تلك اللحظة حينما كانت طفلة .. طفلة حُرة بلا قيود .. تجري تلعب كبقية الأطفال .. نعم ربما عمتي زُليخة تُحب أيضاً .. هي إنسانة .. بشَر .. رُبما كان عندها بوي فرند .. ولد صغير في سنها من يدري ..؟! هي أيضاً لها ذكرياتها الجميلة

يوم العيد في المساء .. يجب أن نذهب للنومِ باكراً .. ( أمجتيمة ) تدور في الأزقة … تبحث عن الأطفال .. فتأخذهم وتضعهم في كيس من الخيش .. كلمة جتيمة ربما تعني يتيمة .. ولكن حُور الحرف الأول من الياء إلى الجيم .. يقولون أيضاً ( جهودي ) وجهود .. ربما يقصدون كلمة يهودي ويهود .. فتصبح للكلمة وقع مُخيف في النفس .. هكذا هم الكبار لا يعرفون كيف يتخلصون من الأطفال إلا بإخافتهم .. يخلقون القصص والأساطير فقط كي ننام
هل يُعقل لا يوجد طريقة أخرى أفضل نخلد معها للنوم غير قصص الجن والعفاريت وأمجتيمة ؟ كُنت أخاف كبقية الصغار من هذه القصص .. لم يكن عقلي يُدرك الحقيقة من الخيال .. بل بالعكس .. كُنت أمتلك خيال جامح لا يتوقف عند قصص عمتي زُليخة .. بل يذهب بعيداً خاصةً قبل النوم .. ينسج من القصة الواحدة قصص أخرى تتكاثر كالبكتيريا .. تتراكم .. وتتضخم .. حتى لا يُبقي الخوف مساحة شاغرة في رأسي .. الخوف يا سيدتي عدو الإنسان .. يزرعونه في عقولنا .. في قلوبنا .. منذ الصغر .. ربما بحسن نية .. ثم تبقى تلك البكتيريا تسكننا .. تنمو وتتغدى وتتكاثر مع الزمن

عمتي زُليخة تحكي لي عن عفاريت تسكن الحارة .. أشهرهم كان أبوسلاسل .. أبوسلاسل هذا حكايته حكاية بصراحة .. عفريت النهار .. ينام في الليل ويستيقظ عند الظهيرة .. أبوسلاسل نائم طول الوقت ومُتمدد .. رأسه عند بيت عمتي أم محمود .. وأرجله هنا خلف بيتنا في الزُقاق الخلفي .. ومرات كانت تقول أن أرجله تصل إلى حافة البحر .. يالله .. أبو سلاسل عفريت عملاق مسجون في سلاسل من أيام الملك سليمان بن داوود .. عندما يستيقض يبحث عن أكل .. فيمشي في الأزقة يجر سلاله معه .. فيسمعها الجميع .. فيختبئون في البيوت .. وتصبح الأزقة خالية لأبي سلاسل وبقية العفاريت يسرحون ويمرحون .. أبو سلاسل وهناك أيضاً أم الصبيان عفريتة أخرى من عفاريت حارتنا .. وعبلة .. وأم الطناطن .. وكانت النساء .. عمات .. أمهات .. خالات .. عندما يغضبون منا نحن الأطفال كانوا يدعون علينا بأسماء العفاريت .. فأم الطناطن تطن طن بك .. وأم الصبيان تصابي بك .. وعبلة تعبل بك … هههههههههههه

مع ذلك بمجرد نزولي للشارع كُنت أنسى أحاديث عمتي .. أنزل الحارة ألعب .. يوجد في الحافة ثلاث أماكن لتجمع الاولاد في ذلك الوقت .. الزُقاق خلف بيتنا .. الزُقاق خلف بيت ولد عمتي موسى .. وأيضاً الزقُاق أمام بسطة العجمى .. وهناك أيضاً شارع اليرموك .. لكنني لم أكن أذهب هناك .. كانت تشاركنا اللعب في الحارة بنت إسمها ناجية .. كانت زي كل الاولاد تلبس بنطلون وفلينة .. هي لا تفرق كثيراً عن بقية الأولاد .. الشيئ الوحيد الذي يختلف فيها عن بقية الاولاد هو إسمها الأنثوي .. غير ذلك .. كان شعرها الثائر طويل أيضاً .. ومُرسل للخلف

مجنونة ناجية .. ربما هي أصغر مني بسنة او إثنين .. وكان أخوها يلعب معنا أيضاً .. وهو أصغر منها ربما بسنة .. ولها إخوة اولاد أكبر مني سِناً .. كُنا نعاملها كولد .. نتحدث إليها كأننا نتحدث إلى ولد .. تتحدث هي إلينا كأنها ولد .. كل الاولاد يعتبرونها ولد .. حتى أنا كنت أعتبرها ولد .. لكن أحياناً ناجية تزودها حبتين .. ولم يكن أحد من الاولاد ينتبه سواي .. هههههههه .. ربما أنا شديد الملاحظة .. او ربما ملقوف .. الأشياء لا تمر من عندي بسهولة .. بالرغم أن قصص عمتي زُليخة مرت بسلام وسكينة وطُمئنينة
كان الأولاد في الحارة يتكلمون بكلام شوارعي قذر .. كانت ناجية أيضاً .. لا تتردد في إستخدام تلك العبارات .. كانت المساواة مطبقة بحذافيرها في أزقة حارتنا فقط .. كنا نشتم بكلام مثل ..( أنيكك .. أنيك أمُك ) .. وهكذا .. إلا أن بعض العبارات التي كنا نستخدمها في الشارع لا تتناسب بتاتاً البتة مع وضع البنت .. البنت كإنسان تملك أعضاء مختلفة .. لكن ناجية عفريتة .. لا تتردد أيضاً في إستخدام نفس المُفردة .. كان كل الاولاد غير منتبهين .. لكن كانت اللمبة الحمرا تولّع في رأسي .. وأرمقها مرات بنظرات إستغراب وإستهجان .. فيكون ردة فعلها الحلف بالإيمان المُغلظة على صدق كلامها .. آمنا بالله يا ناجية .. بس برضه .. لا .. ما أصدق

كان الولد منا عندما يغضب يُشير إلى مكان عضو الذكورة .. ويقول للجميع في الشارع وهو مُنفعل على ( زو بي ) .. ناجية أيضاً كانت تفقد أعصابها مثل كل الاولاد .. لكنها كانت تُشير بيدها إلى نفس المكان أيضاً .. وتقول بغضب ..على زو بي .. ثم تشتم .. وتشتم ويتعالى صراخها .. ربما حتى لا يُلاحظ أحد الكلمة التي قالتها .. لم يكن أحد يُناقشها في العبارة .. كانت تمر مرور الكرام .. مثل كل الأشياء الأخرى التي تمر في حياتنا مرور الكرام .. يعني جت على هذه .. أنا في البداية كُنت أكتفي بأن أرمقها بنظرة إستغراب .. كنت متردد وخايف لتنفعل علية .. لكن أخيراً قررت أتوكل على المولى وأحتج .. في يوم من الأيام .. تجرأت .. وسألتها ببراءة .. كيف

محمد رابع ولد أصغر منّا .. وكان مشهور في الحارة أن كل الاولاد ركبوه .. هكذا بملئ إرادته .. بل حتى من حارات أخرى بعيدة .. يبدو أن مؤخرة محمد رابع وقف وسبيل للرائح والغادي .. وكان الاولاد يفتخرون بتلك الأشياء .. ذات مرة .. كنا مجموعة نلعب ثم جاءت سيرة محمد رابع الذي لم يكن موجود .. بل هو لا يلعب معنا إلا نادراً .. فقام كل واحد يتكلم إنه فعل وعمل بمحمد رابع .. والكل مفتخر .. اللهم لا حسد .. حتى وصل الدور لناجية .. أنا بحلقت وأتسعت عيناي أنتظر ماذا ستقول هذه المرة

قالت .. حتى أنا فعلت فيه .. وعملت كذا وكذا .. وقامت توصف لنا المكان الذي تمت فيه جريمة هتك عِرض محمد رابع .. وكل الاولاد محّوطين ناجية .. وفاغرين أفواههم .. ومصّدقين .. ربما وموافقين .. لأنه لم يعترض على كلامها أحد .. أنا صرخت لا إرادياً .. كيف ؟ كيف ؟ كيف ؟ ورمقتها بنظرة من فوق لتحت .. وركزت نظرات كثير على تحت .. أخ منها ناجية .. لا تستسلم للأسئلة أبداً .. أجابت ببرود .. إستخدمت عود صغير .. ثم قامت وألتقطت عود صغير من الأرض .. ثم وضعته أمامها يتدلى مثل بقية الأشياء التي تتدلى من بقية الأولاد

يُتبع

أين المفّر ؟