أين المفّر ؟

(25)

أين المفّر ؟

1982

سيدتي

أحب كثيراً مُمتلكاتي الخاصة .. اي شيئ يُصبح ملكي .. يصبح له ثمن ومعزة خاصة عندي .. حتى لو بدا للآخرين أنه شيئٌ غير ذي بال .. في العمارة .. كُنت أعيش كالمُتشرد .. كل ليلة أنام في سرير مُختلف .. لا يوجد غُرفة خاصة بي .. لا يوجد سرير خاص بي .. عندما كنت أنجح في المدرسة .. كنت آخذ الفلوس التي أحصل عليها من الجميع .. وأبحث عن شيئ أقتنيه

قررت في مرة أن أشتري سرير صغير بفراش .. كان السرير صغير يُطوى وكان له عجلات .. السرير الوحيد الموجود في البيت بعجلات .. يعني مرة أنام عليه .. ومرة لو حبيت أطلع الكورنيش أتمشى على سريري .. بس لا .. ولا مرة طلعت أتمشى على سريري .. إشتريته وعدت للبيت وأنا سأطير من الفرحة .. خُسارة .. لا يوجد مكان للسرير في البيت سوى السطوح .. لا يهم .. في الصيف كُنا ننام في سطح المنزل .. بحثت عن موقع مناسب .. موقع يكون بعيد عن الجدار الغربي .. حتى أكون بعيد عن الجن والعفاريت التي تتكلم عنهم عمتي زُليخة

كنت أنام في الليل على السرير .. وأستيقض في الصباح أطويه .. وأجره على عجلاته وأخبيه .. الجو في الصباح وقبل طلوع الشمس لذيذ .. يصبح أكثر برودة .. وينزل من السماء مثل الندى .. فيبرد الفراش والغطاء .. فلا تجد رغبة في الإستيقاظ .. ويزداد الشعور بالكسل .. حتى تظهر الشمس .. وتبدأ أشعتها المزعجة تُشاكسك .. او ذبابة صايعة من الصبح تقلق راحتك .. زززززززز … تحوم حول رأسك لدقيقة .. ثم تذهب .. ثم تعود .. ثم تذهب تدعو بقية الذباب .. ليعودا بعدها وكأنهم في حفلة عيد ميلاد .. رأسي ووجهي الكعكة .. وياعالِم أين كانوا قبل وصولهم للحفلة

عندما حان وقت ولادة زوجة عمي عبدالغفور كنت سعيد جداً .. أخيراً سُيصبح لي ولد عم .. عندي اولاد وبنات عمة فقط .. رزق عمي بمولودة صغيرة جميلة .. وجدت فراشي الصغير الذي إشتريته وجاء مع سريري مُلقى في بلكونة عمي ومُلطخ بالدم .. أحب عمي عبدالغفور .. أحب زوجة عمي عبدالغفور .. أحب طفلة عمي عبدالغفور .. لكن تتعدون على ممتلكاتي الخاصة .. شيئ لا يُصدق .. أتذكر إني غضبت جداً .. لكن لم يكن من طريقة لتصريف ذلك الغضب .. فزوجة عمي التي كانت حامل .. لا يُمكن أن تكون هي من صعدت للسطح .. وفتحت سريري المطوي .. وأنتزعت الفراش .. ثم أحضرته للدور الأول لشقتها .. ثم ولدت عليه .. منظر الدم كان مُقرف .. وكان لابد من رمي الفراش .. يستحيل أنام عليه بعد اليوم .. وأصبح سريري الصغير بلا فائدة .. لأن الفراش مفصل تفصيل عليه .. لابد أنها عمتي المنسية .. او عمتي زُليخة او جدتي

عندما كبرت بنت عمي قليلاً .. ربما كان عمرها سنة او يزيد .. طلبت جدتي أن أذهب وأحضرها من شقتهم .. ذهبت ثم حملتها بين ذراعي .. وضممتها إلى كتفي .. وأنا نازل الدرج .. وكنت ألبس وزرة ( فوطة ) .. دعست على طرف الوزرة عند الدرجة الأخيرة فسقطت .. وتدحرجت نحو الجدار .. وأنا مندفع جهة الجدار .. حضنت بنت عمي .. ووضعت يدايا وذراعايا حولها حتى أحميها من الإرتطام .. فكانت النتيجة أنني لم أستطع حماية نفسي .. فأرتطم رأسي في الجدار بقوة .. وتألمت كثيراً .. البنوتة المسكينة بكت من الفجعة .. حضرت جدتي وكانت مفجوعة هي الأخرى .. وخافت تكون الطفلة الصغيرة تأذت .. فأخذتها مني .. وأعطتني تلك النظرة التي كُلها إشمئزاز .. والتي لا يُمكن أن تُنسى .. وصرخت في وجهي بكلام كان منه.. يا خبيث .. لا يكون صدقّت أننا رايحين نزوجك البنت لما تكبر

وضعت يدي على رأسي من الالم .. وفي نفس الوقت غير مُصّدق ما تفوهت به جدتي .. لابد أنها مجنونة .. هل تعتقد أني تعمدت السقوط لكي اؤذيها ؟!! لماذا ؟ طيب كان أصفقها كف وخليها تبكي بدل الطيحة والتعويرة .. جدتي عصبية .. نظرت إليها بحقد في تلك اللحظة .. سوء الظن مؤلم .. مؤلم جداً أحياناً .. لم أنسى ذلك الموقف أبداً .. أقطع ذراعي يا جدتي لو تزوجت بنت عمي .. قلتها في نفسي في تلك اللحظة

جدتي عصبية جداً .. وسهل جداً إستثارتها .. كان جدي يمزح معها أحياناً فيغيضها ببعض الكلمات .. فكانت تغضب جداً .. وكان جدي يضحك .. حتى إذا إستبد بها الغضب قالت له أمام الجميع .. لا تصّدق إنك من السادة .. تراني عُمرية .. حفيذة عُمر بن الخطاب .. وكان جدي لا يتوقف عن الضحك .. ويتجه لغرفته وهي مازالت مُنفعلة تُلاحقه بالكلمات
أنا وجدتي في البيت مواقف لا تنتهي .. لأني كُنت كثير الحركة في البيت .. كثير اللعب .. كانت تحدث حوادث كثيرة بيني وبين جدتي .. وكنت في النهاية أتعرض لضرب مُبرح من أبي .. لكنهم لا يصدقون إنها حوادث .. ويعتقدون إني أتعمد ذلك .. حوادث مثل إني أرمي أختي بالحذاء فأخطأ ويتجه صوب جدتي ..! أصبح العيش في العمارة مُزعج جداً .. لم أكن أحب أمي .. فلم أكن أفضل البقاء في بيتها الشعبي .. فكنت أبتعد بالخروج للشارع … لم يكن الشارع أفضل حالاً

كان في الحارة صبي أسمر يشبه كثيراً ( لبنك بانثر الشخصية الكرتونية ) في نظراته وغبائه .. كان يكبرني بسنة ربما .. يسمونه في الحارة عيسى بطيخة .. في أحد المرات كنت عائد من حارة ولد عمتي موسى أريد أن ألحق الغذاء في البيت .. فأعترضني ولد يمني في الزقاق خلف بيت عيسى بطيخة .. كان الولد قصير لكنه قوي البنية .. كان يعمل مع جده حداداً .. ومرات في حمل السمك من القوارب إلى مكان البيع .. وكلاهما أعمال شاقة .. فزادته قوة

لا أتذكر لماذا أعترض طريقي .. لكن أتذكر إنه أراد أن يطرحني أرضاً .. ولأنه أقوى مني فأستخدمت معه الحيلة .. فوضعت ساقي خلف ساقه .. ثم سحبته وطرحته على الأرض .. لم يُصدق الأبله ما حدث له .. فنهض وهو أكثر ثوراناً .. فأمسك بي وطرحني بقوة على الأرض شعرت كأن ضلوعي تهشمت .. قلت له .. لحظة لحظة .. أنا الآن جيعان .. وراجع البيت أتغذا .. فأحنا الآن متعادلين وحدة بوحدة .. أش رأيك نتقابل بكرة عند الظهيرة وتكون الجولة الفاصلة .. طبعاً ولا جولة فاصلة ولا بطيخ .. كنت أريد النفاذ بجلدي .. قال طيب .. نتقابل بكرة .. نهظت ثم حمدت ربي .. الحيلة نجحت .. قلت في نفسي زي ما يقولوا المصارية .. ( يبأى آبلني لو شفتني ثاني ) وجري للبيت
الولد لا يلعب في حارة ولد عمتي .. يلعب عادة خلف بيت عيسى بطيخة .. وبيت عيسى بطيخة يقع في الزقاق بين بيتنا وبيت عمتي .. وأنا كنت ألعب عند بيت عمتي .. يعني كل ما علي عمله في اليوم الثاني هو الذهاب والعودة إلى بيت عمتي من شارع القادسية .. يقولون أنت تشاء وأنا أشاء .. والله يفعل ما يشاء .. في اليوم التالي لعبت عند ولد عمتي موسى وأنهمكت في اللعب .. وكنت مُجهد بعد إنتهاء اللعب .. فنسيت أن عليّ العودة من شارع القادسية .. حتى أتفادى العلقة التي تنتظرني من الولد القصير .. عدت إلى البيت من الزقاق الخلفي للأسف

مررت ببيت عيسى بطيخة .. فلم يكن أحد هناك .. حتى وصلت خلف عمارتنا .. فإذا كل العيال منهمكين باللعب .. حتى الولد اليمني … الآن تذكرت الموعد .. أخ .. قلت في نفسي .. خليني أجري من جنبهم .. كلهم مشغولين ولا أحد منتبه لي .. جريت .. فأعترضني عيسى بطيخة .. وأوقفني .. إلى أين ياخليل .. نسيت الموعد ؟ هههههه … وقام يضحك .. الآن ما دخل هذا الغبي بالموضوع ..؟!! الموضوع بيني وبين الولد اليمني .. ! فألتف الجميع حولي وطوقوني .. وبدأ اليمني يستعد للنزال .. حاولت أهرب .. لا فائدة .. كنت خلاص على وشك إني أبكي .. عارف ومتأكد أن اليمني رايح يلعن سنسفيل جدي أمام الجميع .. كان نفسي أصرخ .. فأنا جنب البيت .. لكن هيهات يا عنتر بن شداد .. من سينقذك ..؟ أختك سهام
تقدم الولد نحوي فدفعته .. فعاد وتقدم نحوي مرةً أخرى .. ثم دفعني بقوة فسقطت بقوة على ظهري على صخرة .. (كانت معمولة قول) .. فشج ظهري .. وتظاهرت إني تعورت .. وبدأت أصرخ وأبكي .. ياخي أنذال .. ولا واحد حاول يفزع لي .. كُلهم علية .. بدأت أبكي .. فتوقف الولد .. وبدأوا يضحكون

عدت للبيت أبكي .. إستقبلتني عمتي زليخة وجدتي .. منو عليك .. إسمه .. ولد مين ؟ وهات يا أسئلة وتحقيق .. قلت لهن .. ولد يمني مجهول الهوية .. جده الحداد اللي في الحارة .. لكن اللي مسكني له عيسى بطيخة .. جدتي ترد الله أكبر عليهم جهود .. عندما نظرن لظهري كان هناك خدش .. جدي راح لعائلة عيسى بطيخة .. ثم حضرت أمه العجوز للبيت ومعها عيسى يعتذرون

بعد تلك الحادثة بفترة .. ظهرت إشاعات في الحارة إن عيسى بطيخة ناك ..ني .. وأنتشرت إنتشار النار في الهشيم .. ولاحقتني إلى أن وصلت الثانوية العامة .. بدأت التعليقات .. وأنا أرد .. متى ؟ كيف ؟ لكن كيف تدافع عن سمعتك إذا كان الكل يتمنى إنك تطيح ؟! والله العظيم لم يحدث .. ياناس ياهووووه .. يلعن أبوكم يا اولاد الزنا .. كذا مرة وحدة .. والله العظيم تلفيق .. أقسم بالله من كثر التعليق .. قرّبت أصدق .. يمكن .. معقولة كلهم على خطأ وأنا الوحيد صح ؟ سألت واحد بزرنجي معروف .. وكان زميلي في الفصل .. وأخوه خكري معانا أيضاً في الفصل في المدرسة .. قال .. عيسى بطيخة جانا بعد المغرب وقال إنه سوى فيك كذا وكذا .. هاه .. خليل متى تخلينا

يُتبع

سادسة إبتدائي