طائرة خليل الأمريكية

(27)

طائرة خليل الأمريكية

1982

سيدتي

عام 82 كان عاماً مليئاً بالأحداث العالمية .. نعم كُنت صغيراً .. مجرد إحدى عشر سنة .. لكنني كُنت لا أنام إلا على صوت مذيع نشرة الأخبار عند التاسعة او التاسعة والنصف مساءاً .. كنت أستمع لما يدور في العالم من أحداث لأني كنت أنام في غرفة التلفزيون .. ذات ليلة ألقيت بجسدي المُتعب على السرير دون حراك .. بالرغم من أنني كُنتُ مُتعَب لكنني لم أستطع النوم .. ما الذي إختلف الليلة .. تعودت النوم بالكثير عشر دقائق بعد إستلقائي على السرير .. أخذت أفكر في السبب .. نظرت للتلفزيون فإذا هو مطفي .. قمت وشغلته .. فإذا هي نشرة الأخبار .. بعدها نمت مُباشرة في أقل من خمس دقائق .. تعودت النوم على صوت ماجد شبل وغالب كامل

كان الحديث في نشرة الأخبار لا يتوقف عن حرب لُبنان .. الغزو الإسرائيلي .. المبعوث الأمريكي فيليب حبيب .. حفظت إسمه من كثر ما كان يتكرر .. وأسماء كثيرة .. بيروت الغربية .. ياسر عرفات .. أمين الجمّيل .. إلياس سركيس .. حرب الفوكلاند بين بريطانيا والأرجنتين .. كأس العالم في أسبانيا .. مذبحة صبرا وشاتيلا .. ثم كان الخبر الزلزال وفاة الملك خالد رحمه الله

عندما توفي الملك خالد بكيت .. هكذا .. لم أستطع أن أحبس دموعي .. مات الملك .. خبر رهيب .. ربما لأننا أطفال .. ربما كان لإسم الملك وقع كبير على مسامعنا .. ربما لأنه مات فجأة .. تعودنا نُشاهد صورته كل يوم .. ثم فجأةً يختفي عن الوجود .. ربما لجمالِ صورته .. لتلك الطيبة في نظراته .. لا أدري لماذا تحديداً .. لكنني بكيت وأنا طفل عندما مات الملك
في جيزان تمر مواسم للألعاب الشعبية .. في الصيف مثلاً تنتشر لعبة الطائرات الورقية .. وكانت تُصّنع محلياً .. كان هناك في الحارة من يصنعها .. عمي عبدالغفور أخبرني أن أذهب لأحد شباب الحارة وأخبره أنني مُرسل من عنده .. قابلت الشاب وسألني إن كنت أريد طائرة ورقية كبيرة أم صغيرة .. قلت كبيرة .. كبيرة تعني الورقة البيضاء التي تُستخدم عادةً في الإختبارات ( فرخ ورق ).. وصغيرة تعني نصف تلك الورقة

وقفت أشاهده يصنعها .. كان يُدخل خيط سعف نخل قوي ( طفي – بالجيزاني ) بشكل قطري من زوايا الورقة بشكل حرف (إكس) باللغة الإنجليزية .. ثم يضع سعف نخل أخرى يُخيطها بإبرة وخيط في الورقة عمودياً وأفقياً .. فتتقاطع بشكل مُربعات .. وتُصبح الورقة مُقّواة .. وتستطيع مقاومة الريح .. فلا تنحني او تنعطف .. سعف النخل المُقّوى خفيف ويرتفع بسهولة مع الريح .. ثم يعقد ثلاث خيوط .. خيط من المنتصف ويلتقي بخيطين من المُقدمة حتى تتزن الطائرة .. ثم يُربط طرف ذلك الخيط بمكرة خيط نايلون تتحمل ثقل الطائرة والريح

إلا أن الطائرة لا يُمكن أن تطير إلا إذا أضفت إلى مؤخرتها الذيل .. والذيل عبارة عن قطعة قُماش طويلة لا يتجاوز العرض 2 سانتميتر .. بينما الطول قد يصل إلى خمسة أمتار .. وعادةً ما نحضر ( فوطة ) وزرة قديمة .. ونقوم بقصها حتى نصل لطول مناسب للذيل .. تطيير الطائرة مُمتع جداً .. لكن المُتعة الحقيقية عندما تحصل معارك جوّية بالطائرات الورقية .. وطريقة المعارك الجوّية سهلة .. فقط نضع موس حلاقة في طرف الذيل ونربطه جيداً .. ثم عندما تطير الطائرة بجانب طائرة أخرى .. تميل بطائرتك على خيط النايلون للطائرة الأخرى حتى يُلامس الذيل خيط الطائرة الأخرى .. ثم تنتهي المعركة عندما يصل الموس لخيط الطائرة الأخرى فتسحب بقوة .. فيتم قطع الخيط وتسقط الطائرة الأخرى .. طبعاً الريح تأخذها بعيداً خلف البيوت .. فيصعب اللحاق بها وتُفقد للأبد

بالرغم إني إنسان ساذج وطيب .. لكن عندما ألعب أقلب ( وغد ) او ربما أنا وغد أصلاً .. كل الأولاد يضعون موس واحد .. بالكثير إثنين .. إلا أنا .. كنت أضع على الأقل ستة أمواس في ذيل طائرتي الورقية .. وأضعهم بمسافات مُتباعدة .. فعندما يُلامس الذيل خيط الطائرة الأخرى فيُقطع باول موس .. أمّا إذا نجا من الموس الأول .. فمازال هناك خمسة أمواس أخرى .. حتماً لن ينجو

شكرت الرجل ثم عدتُ إلى البيت .. توقفت في البقالة وأخذت كرتون أمواس ابو تمساح .. وجدت وزرة قديمة .. قطعتها إلى قطع صغيرة .. ثم ربطتهم وربطت ستة أمواس في مؤخرة الذيل .. في آخر الذيل موسين قريبين من بعض .. ثم المسافة تتسع بين بقية الأمواس .. جميل جداً .. طائرتي الآن مُلغمة ومُسّلحة .. وجاهزة للطيران .. كان كثير من الاولاد يلعب بالطائرات الورقية من فوق أسطح منازلهم .. والبعض الآخر يذهب إلى الكورنيش حيث قامت البلدية بردم جزء كبير من البحر .. وأصبح هناك ساحة كبيرة للعب
ذهبت لتلك الساحة عصر ذلك اليوم .. وكانت مليئة بالأولاد .. أطلقت طائرتي للريح .. رأيت الشاب الذي صنع طائرتي ومعه طائرة جميلة إقتربت من طائرته الورقية .. ثم بدأت بيننا معركة .. ملت بطائرتي نحوه .. ولامس الذيل خيط طائرته .. وسحبت بقوة .. فقطعت خيط طائرته .. وسقطت في حارة ( أمعّش ) هههههههه .. الولد غضب مني .. لولا أنه يعرف عمي كان ضربني .. عندما رأيته غاضباً خفت .. وقررت الذهاب لبيت عمتي .. ربما أسقط طائرة أحدهم هنا ويزعل وأنضرب ولا من شاف ولا من دري .. سطوح بيت عمتي أكون محمي وبعيد عن اي إعتداء غاشم

عندما وصلت قابلت ولد عمتي موسى .. وصعدنا للسطوح .. نظرت لليمين كان هناك عمارة أخرى جنوباً .. وكان فوقها إثنين اولاد يلعبان بطائرتهما الورقية .. نظرت للشمال فرأيت أختي من والدي تحاول تطيّر طائرتها الورقية فوق السطوح .. كانت عمارتهم شمال بيت عمتي .. لكن يفصل بينهما بيت شعبي .. عرضت على أختي أن أحضر لبيتهم وأساعدها في تطيير طائرتها الورقية .. ففرحت كثيراً .. فذهبت إلى بيتهم

كنت أخاف من زوجة أبي الثانية المُطّلقة .. لها عيون مثل عيون التمساح برموش طويلة .. حتى جسمها يشبه جسم التمساح .. حيث لها جدع طويل .. كنت أقابلها مرات وهي تكنس عند باب عمارتهم وأنا عائد للبيت بعد اللعب مع موسى .. كانت تتفحصني بنظرات ثاقبة .. وكنت أقف كالصنم من الخوف أنتظر ما ستقول .. عادة ما تسألني عن أحوال البيت .. وكنت أجيب بكلمة او إثنين وعيوني مُتسمرة في عيونها

لا أتذكر أنها آذتني ذات يوم .. بالرغم أن أمي كانت تحاول تذكيري بأن زوجة أبي شدّت أذني بقوة وأنا صغير حتى بكيت من الألم .. لا أتذكر تلك القصة .. لكن جدتي وعماتي لا يُحبّون هذه المرأة .. وكانوا يقولون أنها سحّارة ولسانها طويل وقذر .. وأن أختها الكبيرة معروفة بهذا الأمر في الحارة .. حكت لي عمتي زُليخة أن ناساً رأوها تحوم حول عمارتنا عندما كانت تُبنى .. عمتي تقول أنها وضعت سحر لأبي في أساسات العمارة .. قصص كثيرة كنت أسمعها عن هذه المرأة .. عمّي حُمّد رآها ذات يوم ترش ماء أمام باب عمارتنا .. الناس ينقلون لنا ما تقوله عنّا في المجالس .. وكيف أنها تدعي على والدي الذي ظلمها وعلينا نحن أيضاً أبناءه
لكن الموقف الذي جعل رُكبي تصتك .. هو عندما كنت أساعد والدي في تنظيف مكتبته الخاصة .. وكانت زوجة أبي الثالثة معنا .. وهي تنظّف أحد الكتب سقطت ورقة مُرّبعة وقديمة على الأرض .. ثم إعطتها لأبي .. والدي قال .. هذا سحر والعياذُ بالله .. ثم أخذ الورقة للحمّام وسكب عليها ماء من الحنفية .. رأيت تلك الورقة بأم عيني .. كانت ورقة صفراء بالية تميل للون الأغبر الداكن .. كانت مُربعة بحجم كف اليد .. ومخطوط عليها كلام مُبهم .. حروف عربية لكن غير مفهومة .. وكانت السطور تبدأ من طرف الورقة ثم تستمر في حلقة .. إلى حلقة بعدها أصغر … إلى حلقة بعدها حتى تضيق .. إلى حلقات مُرّبعة صغيرة

لم يزد والدي عن قول تلك الكلمة .. ولاذت زوجة والدي الثالثة بصمتٍ مُطبق .. وذهب أنا خيالي لزوجة والدي المُطّلقة .. لكن كيف وصلت إلى المكتبة ؟ مكتبة والدي مُغلقة طول الوقت .. كيف صعدت إلى الطابق الأولى ؟!!! لم يكن هناك من إجابات على تلك الأسئلة .. لم أكن أنا أيضاً حتى تلك اللحظة أعرف كل ما يدور
وصلت لبيت أختي من أبي .. وحاولت صعود الدرج للسطح بسرعة .. حتى لا تراني زوجة أبي المُطلقة .. ثم قابلت أختي مروة .. وبدأت أصلح طائرتها الورقية .. أخبرتها أن الأجواء مليئة بالطائرات المعادية وأنها تحتاج لتسليح طائرتها بعدة أمواس .. أخرجت علبة الأمواس من جيبي .. وضعت أربعة أمواس في الذيل .. ثم أمسكت أختي بالطائرة .. وأمسكت أنا ببكرة الخيط .. ثم رمتها للفضاء .. وتركت أنا الخيط يرتخي .. فحلّقت الطائرة في السماء

إقتربت بطائرتنا من طائرتي الولدين الموجودين على العمارة جنوب بيت عمتي .. ولأن طائرتهما تطيران بجانب بعض .. فقد ملت بطائرتي وقطعت الخيطان وأسقطت الطائرتان بضربة واحدة .. الولدان من فوق السطوح .. الله يلعن أمك ياكلب .. والله لنضرب أبوك يا خليل .. والله لندبغك
بعد المغرب كنت عند والدي في محل الرياضة .. جاء الولدان يشتكيان .. خليل أسقط طيارتنا الثنتين .. والله يا تدفع قيمتها يا ندبغه في الشارع لو لقيناه لوحده … والدي ضحك بقوة .. أسقط لكما طائرتان .. ليش .. على كذا طيارة خليل امريكية هههههههههه .. كان يلّمح للطائرات الأمريكية التي أسقطت جميع الطائرات الروسية فوق لبنان في تلك الأيام

يُتبع

عُمرة