الحُشري

(29)

الحُشري

1982

سيدتي

جابر ولد عمتي أخ أكبر لموسى .. كان في سن محمود المكاوي .. أخذنا في سيارته يوم العيد في العصر للحديقة .. الحديقة كانت دوار كبير في مدخل جيزان .. المكان الوحيد المزروع بالخضرة والأشجار .. البلدية تعبت كثيراً مع الناس في تلك الأيام .. كانوا يضعون أشجاراً على الأرصفة ليزيدوا الرقعة الخضراء في المدينة .. والناس كانت تترك دوابها تسرح بلا رعيان .. فتذهب الخرفان إلى طريق الكورنيش .. وتحديداً في الرصيف بين الشارعين .. وتأكل اوراق الشجر التي زرعتها البلدية

شعب متعود الحكومة تصرف عليه وعلى دوابه وماشيته .. الناس تشتكي من البلدية .. لكنهم ينسون أن عليهم دور ايضاً .. لا يمكن أن تطالب البلدية مثلاً بتنظيف الشوارع إذا كنت أنت أصلاً قذر ولا تحافظ على نظافة المكان الذي تعيش فيه .. أهل جيزان دائماً ما يلقون باللوم على الغرباء والمهاجرين مجهولي الهوية في عدم نظافة المدينة .. الغرباء سبب قذارة الشوارع .. صحيح .. ربما .. لكننا نحن من يأوي ويشغّل الغُرباء .. والدي كان يشّغل عمال اريترين مُقيمين بطريقة غير شرعية .. لأكثر من عشر سنوات
يقولون ويرددون .. البلدية لا تقوم بواجبها .. ثم يتركون خرفانهم ترتع في الشوارع .. اوراق الشجر بيدت عن بكرة أبيها .. فلم يتبقى سوى أغصان .. وبدل التوسع في الرقعة الخضراء .. أصبح عندنا توسع في الرقعة السوداء .. فالماشية تأكل .. تشبع .. ثم تلقي ببعرها الأسود في الشوارع .. ثم تعود لأصحابها قبل مغرب كل يوم .. وضعت البلدية أقفاص شبك حديد لتحمي الأشجار من الماشية .. الحديد لا يقاوم الصدى بسبب الرطوبة والبحر .. فأصبح منظر الشوارع زُبالة .. صحيح البلدية لها دور .. الناس لها دور ايضاً .. وكلنا شُركاء في البتاع

كان جابر يسوق السيارة .. ومحمود يجلس على مقعد بجواره .. وكنت أنا في المقعد الخلفي وحاشر رأسي بين المقعدين بين جابر ومحمود .. وكانت السيارة متروسة أطفال بنات واولاد .. فرحانيين بالعيد والملابس الجديدة .. وطالعين العصر للحديقة .. محمود المكاوي غريب وضيف .. فكان يسأل جابر عن بعض الأماكن التي نمر بها في الطريق .. كُنت أنا واخذ موقع إستراتيجي بين الإثنين .. السؤال يطلع من فم محمود وقبل ما يوصل لأذن جابر أكون أنا جاوبت عليه وخلصنا .. السؤال موجه لجابر .. لكن بما إني أعرف الجواب فمافي داعي نتعب جابر

محمود المكاوي يسأل .. أش هذا .. مصنع ؟!! أنا بسرعة .. ياوه .. ذا مصنع ثلج للطبيقي .. جابر يدخّن .. ( مو سجائر ) دخان طالع من راسه .. إنعطفنا جهت المطّلع متجهين للحديقة .. محمود يسأل جابر .. أش هذا المبنى على اليمين على الجبل ؟ .. أنا رديت .. هذا قصر الإمارة .. جابر زهق مني فشغل أغنية محمد عبده في الجو غيم
راحتمشت وعيوني تتبعها .. راااااااحتمشت وعيوني تتبعها .. وعيوني تتبعها .. راااااااحتمشت مجبور اوادعها .. مجبور اوادعها .. يرضيك يا شوق كذا العيون تمنعها .. يرضيك يا شوووووووق .. يرضيك بالبوق تطالعني وأطالعاها .. كانت أغنية مشهورة تلك الأيام .. تتردد في السيارات والمسجلات والالسن .. الأغنية لا تنطبق على قصتي مع إبتهال .. فحبي من طرف واحد .. لكن إنتشار الأغنية في ذلك الحين وترافقها مع وقائع قصتي جعلني لاشعورياً أربط تلك الأحداث مع تلك الأغنية .. فكنت كلما سمعتها مُستقبلاً .. ذهني يسرح ويفتكر إبتهال وذلك اليوم

حفظت ذلك المقطع وذلك اللحن .. وكنت أغنيه وأدندن به وأتخيل إبتهال .. بالرغم أني لم أكن أفهم الكلمات .. ولا أدري ما يقول .. ( راحتمشت ) .. كنت أحسبها كلمة واحدة .. وهي أصلاً عبارة عن كلمتين راحت مشت .. فعلان خلف بعض يقولون أن محمد عبده جيزاني .. لكني لم أسمع له اي أغنية بلهجتنا .. فبعض الكلمات التي يغنّيها لم أكن أفهمها .. بل أكثر الكلمات .. لكن جمال اللحن والموسيقى والشجن في الأغنية ما يجعلها تسكن ذاكرتي .. وأرتباطها بأحداث عاطفية مررت بها
بعد قليل محمود يسأل .. أش هذا المبنى على اليمين ؟ .. أنا أرد .. هذا مستشفى جيزان العام .. تنومت فيه ذاك اليوم .. جابر نظر إلي والشرر يتطاير من عينيه .. خلاص طفح الكيل .. وقال .. دحين السؤال موجه لك والا موجه لي ..؟!! أنا حسيت بكسرة نفس .. وقلت بصوت منخفض .. موّجه لك .. بس أنا عارف الجواب .. نظر إلي محمود وهو يبتسم

عندما وصلنا للحديقة وأخذنا نلتقط بعض الصور .. كنت دائماً أحاول أكون قريب من إبتهال .. لو أعود للصور التي ألتقطت ذلك اليوم .. والتي لا أملكها .. سيثبت ذلك صدق كلامي .. كنت مُلتصق بها .. لكن كنت دائماً أنظر بعيد عنها .. حتى لا تقرأ آيات الوله في عيوني .. جسدها وأنفاسها قريبة مني .. قلبها لا يبعد سوى خطوة واحدة من قلبي .. لكن المسافة بيني وبينها بالأميال .. لمجرد أني أصغر منها بسنة .. في السعودية إذا كنت طفل وأحببت طفلة في سنك .. يستحيل ينتهي هذا الحب بالزواج .. والسبب أن البنت تكبر قبل الولد .. والرجال في السعودية مثل المرضى .. يتلذذون بالزواج من صغيرات السن .. يكون الواحد عمره خمس وعشرين وما فوق .. ويتزوج طفلة عمرها خمسة عشر سنة
وأنت في الجهة الأخرى وضُعت أمامك كل الحواجز والعراقيل .. لازم تكبر .. تدرس .. تذهب للجامعة .. تتخرج .. تبحث عن وظيفة .. تبحث عن بيت .. تجمع المهر .. ثم تفكر بالزواج .. يكون عمرك وصل للأربعين .. والبنت تزوجت .. وخلفت خمسة عشر طفلاً .. وبنتها الكبيرة خطبها ولد عمّها ليلة البارحة .. والأب وافق

عدنا للبيت .. وسمعت كلام جديد هذه المرة .. سمعت أن جابر مُهتم ويريد أن يتزوج حبيبتي إبتهال .. شوفي الحظ المنّيل .. كنت خايف من موسى .. طلّع لي جابر .. على قول عادل إمام .. ذنا بخاف من الكلب يطلع لي أسد .. أتاريه في السيارة كان معّصب عليّة .. كان يبغى يستعرض غزارة معلوماته أمام إبتهال وأخوها .. وأنا اللي كُنت على نياتي وفاهم إني حُشري .. كنت في السيارة مقفل عليه .. بس أنا بصراحة حُشري .. عاد هاذي ما فيها كلام

يستحيل أقف في الصلاة بجانب ولد عمّتي هشام دون أن نضحك .. صلاة التراويح ذلك العام في آخر الصف كانت ضحك في ضحك في مسجد مولانا الشيخ قدّس الله سره .. بعد أن زاد الضحك عن حده .. إتفقنا أن يقف هو على يسار الصف .. واذهب أنا لأقصى اليمين .. هكذا .. او سندخل النار من اوسع ابوابها .. ذهبنا ذات يوم لصلاة الجُمعة في نفس المسجد .. وكانت الخطبة عن غلاء المهور
لأني كُنت أصلي الجمعة في هذا الجامع .. إكتشفت مع الأيام أن خُطّب الشيخ تتكرر .. بمعنى أنني كُنت أتذكر مثلاً .. أجزاء من تلك الخطبة ذكرها رُبما منذ عامٍ مضى .. على سبيل المثال .. قصة الرجل في المزرعة .. التي يزعم الشيخ .. أنها حدثت في إحدى قرى المنطقة .. ذلك الرجل الذي أساء لأبيه .. ثم كان جزاءه أن ضربه إبنه عندما كَبر .. كما تُدين تُدان .. قصة عن بر الوالدين .. أقسم أن الشيخ ذكر هذه القصة العام المنصرم .. بحذافيرها

كنتُ أحياناً أقترب من المُنتصف .. وأقترب أكثر من الصفوف الأولى .. فألاحظ لون اوراق الخُطبة .. صفراء قديمة .. الشيخ يضحك علينا .. يقرأ علينا خُطب مُكررة .. يغفلنا كم شهر .. ثم يعيد ويقرأ علينا ما كتبه ربما من اربعين سنة .. او أنه هذا ديدن جميع الخُطباء .. يعيدون قراءة نفس الخطبة على الناس بعد كل فترة .. بدون تغيير او تبديل
والدي مثلاً .. عنده كتاب عن خُطب الجمعة .. أكثر من كتاب في الواقع .. يغّش منهم .. ينسخ الخطبة بخط يده .. ثم يقرأها على الناس .. لو كنت مكانه .. بما أن الموضوع نسخ ونقل .. لذكرت للناس أن الخطبة هي في الأصل منقولة من كتاب فلان الفلاني المصري الجنسية .. هكذا يتم حفظ الحقوق الفكرية .. الحقوق الفكرية لصاحب الموضوع الأصلي .. إلا إذا كان المؤلف قد صرّح بأن ينسخ بقية الخطباء من كتابه .. ويلقونها كما هي .. عندها لا أعتراض على الأمر .. أظن أن النسخ واللصق والنقل من كتب السلف مثلاً .. جعلت من مسألة السرقات الأدبية شيئ مُستصاغ .. نُسميه إقتباس .. ثم يُتعامل مع الأمر كأنه ملك خاص من بناتِ أفكارهم .. على الأقل من يستمع لهم يظن ذلك

مرات كنت أتأثر بالخطبة .. مرات أكون مُنهك وأنام وأنا جالس .. او أنام لأن الخطبة مُملة ..او أنها مكررة .. لا جديد او أن الخطيب يلقيها بطريقة الإنشاد .. وكأنك مستلقي في هاندول .. والإمام يّرجح بك .. فتنام .. أعرف إمام في حارتنا يلقي الخطبة بهذه الطريقة .. هذه المرة لأني حضرت الخطبة أنا وهشام فكنت مستيقظ .. ومصحصح مع الخطيب على الآخر .. فأستمعت وتأثرت بحديثه عن مُغالات اولياء الأمور في المهر .. وأن المفروض أن نقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم .. لا نبالغ في المهور .. تزوج ولو بخاتم من حديد .. أظفر بذات الدين تربت يداك

خرجت من الجامع مُنشرح الصدر .. أمشي بوقارٍ وسكينة .. وقبس من نور من بين يداي .. ومن خلفي .. وعن يميني .. وعن شمالي للأسف كان ولد عمّتي هشام .. قلت له يا هشام .. أشعر بالايمان يسري في قلبي وروحي .. قال .. الله أكبر .. اللهم قوّي ايمانك .. قلت له .. شوف يا هشام .. لو شاء الله ورزقني ببنت .. فبإذن الواحد الأحد .. بإذن الواحد الأحد سأزوجها لإبنك .. ولو كان إبنك منتّف .. ولا يملك إلا خاتم نحاس .. لا أريدُ منك جزاءاً او شكورا .. إن أجري إلا على الله .. الذي فطرني

رد هشام .. اولاً .. لو تُدخل عمل الشيطان .. ثانياً .. من قال لك إني بتنازل وأخلي إبني يتزوج من بنتك .. غضبتُ مما قال .. شوف الكلب .. دحين بعطي بنتي لإبنه بلوشي .. والولد بيعمل فيها إنه وإنه .. سرت تلك الروح الثائرة في جسدي .. وفار الدم في عروقي .. حتى لكأني أصبحتُ كالثورٌ الهائج .. ونسيتُ كل كلام مولانا الشيخ ابو زق .. وكل الروحانيات .. وقلت له .. أقول يا أبو يمن .. ترى تحمد ربك .. وتبوس أيدك وجه وقفا .. إني فكرت مجرد تفكير .. إني أعطي بنتي الحلوة لأبنك .. يا معفن ..
رد بغضب .. يا بوية طير .. جيزاني معفن .. ما بقى إلا أزوج إبني لبنتك .. وكلمة مني .. وكلمة منه .. وكبر الموضوع .. وكانت تصير مذبحة .. كل هذا .. وأنا عمري إحدى عشر سنة .. وهشام أكبر مني بشهرين .. أين نحن من الزواج والخلفة ..؟!! الله العالم .. من سيعيش ومن سيموت ؟! لكن كله بسبب الشيخ الخطيب اللي حمّسني .. وكاذ يُفّرق بيني وبين ولد عمتي .. لولا أن الله سلم .. ههههههههههههه

كنا في تلك الأيام الجميلة نُشاهد مسلسل كرتوني إسمه سِنان .. سِنان يا سِنان .. يا أحلى الأصدقاء .. في الغابة الخضراء .. شعارك العفو .. ها نحن في إنتظارك .. سنان يا سنان .. يا نفحة النسيم .. بطبعك الكريم .. ورأيك الحكيم .. سنان يا سنان .. يا خيرالأصدقاء هانحن بإنتظارك .. كنا نشاهد المسلسل عند عمّتي زُليخة .. ثم بعد إنتهائه نصعد للسطح .. نلعب العاب شعبية جيزانية .. نقف متقابلين مثلاً .. ثم يقوم أحدنا بترديد هذه الجملة .. مثل الأنشودة .. ( حِدِن جرس حِدِن جرس .. وجنّية من الفرَس .. تطُق أم من جَلَس ) .. لابد أن نقف جميعاً .. ومن يجلس الجنّية تطّق أمه .. ويطلع من اللعبة .. ثم نعيد الكَّرة ( حدنجان حدنجان .. وجنّية من الشام .. تطّق أم من قام ) كلنا نجلس .. ومن يقف يخرج من اللعبة .. سر اللعبة .. أن الجميع لا يتوقع نهاية الأنشودة .. فيتم تغيير الشطر الأخير في كل مرة .. ( حدنجان حدنجان .. وجنّية من الشام .. تطُق أم من جَلَس ) وهكذا

كُنا نلعب كورة أحياناً .. في أحد المرات ركلت الكرة بقوة .. فأتجهت لبطن بنت عمتي الصغيرة عزيزة .. ياليت الكرة جت في إبتهال الشريرة .. ولا في عزيزة الطيبة جداً والهادئة جداً .. بنت صغيرة .. تصغرني ربما بأربع سنوات .. لها وجه يشبه وجه عصفورة صغيرة .. ورقيقة أيضاً كعصفورة صغيرة .. تألمت جداً ووضعت مرفقها حول عينيها .. وأنحنت من الألم .. توقعت أنها ستذهب وتشتكيني .. لكنها سامحتني .. لكنني أبداً لم أسامح نفسي

في ليالي العيد يقوم التلفزيون بعرض مسرحيات .. مسرحية كل ليلة .. أقسم أنني لم أضحك في حياتي كتلك الليلة .. ضحك متواصل لمدة ساعتين او ثلاث .. كنت أنا وسهام وعُمرة وابتهال وهشام وبقية الصغار سهرانيين .. نُشاهد مسرحية ( عش المجانيين ) لمحمد نجم .. شفيييييئ يا راقل .. تلك كانت آخر ليلة نجتمع فيها .. دون أن يكون هناك حواجز .. وحجاب .. وعيب .. وحرام .. كانت الليلة الأخيرة التي أسدل فيها الستار على جزء كبير من طفولتنا .. لم تجتمع تلك المجموعة في نفس المكان بعد تلك الليلة .. سافروا ابناء عمتي وعادوا إلى مكة

في صباح يوم السفر .. كنت نائم .. وأستيقضت على الجلبة والضجيج .. لكني تظاهرت بالنوم .. لا أعلم لماذا .. لكنني لا أطيق الوداع .. لم أتحرك من فراشي .. أصوات مُتشابكة أسمعها .. صوت يقول .. يالله يا جماعة ترى تأخرتم .. عجّلوا بسرعة .. هشام يقول سأودع خليل .. إبتهال ترد ما يستحي نايم .. بدل ما يكون صاحي ويودعنا .. ثم بعدها بلحظات .. هشام يطبع قُبلة على جبيني .. ثم تبتعد الأصوات .. ويخف الضجيج .. ثم تنتهي الجلبة .. ثم تسقط من عيوني دمعة

يُتبع

غريد الشاطئ