غريد الشاطئ

(30)

غريد الشاطئ

1982

سيدتي

ذاك الصباح ذهبت مع والدي لصلاة الفجر في مسجد الساحلي .. بعد الصلاة إلتقى برجلٍ أبيض قصير .. يلبس غترة بيضاء بدون عقال وثوب أبيض .. يبدو في عمر والدي لكنه لم يكن بلحية .. أبيض بحمرة .. في العادة من له هذا اللون في جيزان يعني أن أصله ربما يرجع لجبال اليمن .. تحدث مع والدي لدقائق .. وكان يمتاز بحركات سريعة .. حركات يديه إلتفاتته .. فهمت من الحديث أنه صاحب مكتب عقار .. ركبنا في سيارة والدي وأتجهنا جنوباً جهة بحر غوار .. في تلك الأيام بحر غوار يبدو بعيداً جداً عن قلب مدينة جيزان .. بالرغم أنه لا يبعد سوى خمسة او سبعة أميال

مررنا بمساحات شاسعة خالية قريبة من الشاطئ .. أرض سبخة مالحة .. بعد خزانات بترومين بمسافة لا بأس بها وقريب من بحر غوار توقفنا ونزلنا من السيارة .. بدا كأن الرجل يؤشر على مساحة شاسعة من الأرض .. ويشير إلى علامات تحدد حدود الأرض .. فهمت من الحديث أن والدي إشترى هذه الأرض بمئة ألف ريال .. كان والدي مُبتسم وفرح .. كنا نقف شرق الطريق ننظر جهة البحر عندما إقترب مني والدي وقال .. إن شاء الله تكبر وتصير دكتور .. سأبني لك مُستشفى على هذه الأرض .. فغرت فمي من الدهشة .. والدي إشترى هذه الأرض الكبيرة جداً .. وسيبني لي مستشفى بهذا الحجم المهول .. يا إلهي لابد أنه غني جداً .. سألته .. لكن ماذا عن الطريق العام الذي يقسم الأرض إلى نصفين ؟ قال حتى الطريق ملكنا .. وسنأخذ تعويض من الحكومة

بعد ذلك اليوم بأسابيع ربما .. او شهور .. عرفت أن والدي إشترى الأرض بدون صك شرعي .. بل بأوراق يسمونها حجج .. طارت الأرض وطارت الفلوس .. جزء من الأرض غرب الطريق العام أصبح فيما بعد من أملاك رعاية الشباب .. تم بناء أستاذ رياضي .. وتم تسوير الباقي كمضمار لسباق الخيل .. كانت فرصة كي أتنصل من أن أصبح طبيباً يوماً ماء .. أرض المستشفى ذهبت مع الريح .. لكن لا يمكن أن أنسى حجم الألم وأنا أشاهد أحلام والدي تتبخر .. شعرت ببداية الحمل الثقيل على عاتقي .. سأبدل المستحيل إذا قدرت لأحقق حلم أبي بأن أكون طبيباً .. او اي شيئ آخر يجعله يشعر بالفخر

بعدها بدأت تحدث سلسلة من الأحداث المتعاقبة في فترات متقاربة .. ذهاب والدي للرياض لمقابلة الملك فهد .. عودته .. تنحيته من إمامة الجامع .. ثم أبعاده في عمله عن مدينة جيزان إلى مدينة صبيا عندما تم ترقيته .. كلها أشياء حدثت أمامي وشاهدتها من خلف الكواليس لكن لم أكن أفهم ما الذي يجري .. سوى كلمة من هنا او هناك .. كنت أسمعها سهواً .. وأحاول ربط الأحداث .. لم يكن أبي بالرجل الذي يتحدث إلى أبنائه .. ربما هذا طبعه او ربما كنا صغار
لا أدري لماذا حظ والدي تعيس .. ما السر ؟! سمعت أنه إشترى أرض أخرى صغيرة لكنها قريبة وكاد أن يفقدها أيضاً .. في أحد المرات أخبرني ولد عمتي محمود أن والدي مطوع وإمام مسجد لكنه دفع رشاوي حتى لا تطير تلك الأرض أيضاً .. كان يقولها بإستهتار وتشفي .. حركة يده عندما يمدها تجاهي .. نصف إبتسامة ترتسم على وجهه وهو يتحدث .. ترى بوك دفع رشاوي في البلدية حتى قال بس .. تحسب الأرض جاته كذا .. بغل أنته .. ثم يتركني بهدوء ويمضي .. يتركني وأنا أغرق في دوامة من الأسئلة التي لا تنتهي .. حيرة .. حنق .. غضب
والدي رجل طيب وإمام جامع .. لا يمكن أن يرتكب حرام وجريمة مثل دفع الرشوة .. هو يُرّبينا كل يوم على الطهارة والصلاة والصدق .. يُعاقبني عندما أكذب .. يتصدق على الفقراء .. يُخرج الزكاة قبل العيد .. يُرسلني بأكياس الرز لجيراننا الفقراء .. يعطي الكثير من المال للمساكين .. رأيته يفعل ذلك بأم عيني .. مُستحيل .. مُستحيل .. ولد عمتي محمود يكذب .. ولا أعلم لماذا يكذب ؟ لا أعلم ما السر الذي يدفعه أن يتحدث عن خاله بهذه الطريقة ؟ لا أعلم ما السر الذي يجعله يخبرني أنا بهذه الأشياء عن والدي .. وأنا طفل لم أتجاوز الحادية عشرة
لماذا يفعل ذلك ؟ هل يكره أبي ؟ لماذا يكرهه ؟ كان ينتقص من والدي أمامي في مرات عديدة .. قابلني أمام البيت ذات مرة .. قال .. ترى بوك كان يروح يخرى هناك وراء المخماس ( سوق السمك) .. وأشار بيده جهت البحر .. لا أعلم ما الفائدة التي سأجنيها من معرفة إذا كان والدي يذهب للبحر للتغوط .. ؟! طيب وأنا مالي ؟! سيلوث البيئة يعني ؟ يمكن يطعم الأسماك
محمود ليس شريراً أبداً .. لكنه ليس مثل بقية إخوته حتماً .. لم أسمع من إخوته اي إساءة طول عمري .. عمتي أم محمود إمرأة حنونة جداً .. تقلق كثيراً عندما يتأخر أحد أبنائها .. وتقابلني بإبتسامتها الرائعة .. لم تسئ لي طول عمرها .. وكانت تأتي لزيارتنا في العمارة كثيراً .. وزوجها رجل أسمر .. لم أسمعه يتحدث كثيراً سوى بكلمة او إثنين .. كان يقضي جُل وقته في دكانه .. ولأنه أسمر اللون .. فكان لعمتي أبناء سمر أيضاً

لعمتي إبنة كبرى بيضاء مُطلقة بالرغم أنها جميلة وعيونها واسعة .. ثم محمود أبيض وهو يشبه فنان كويتي إسمه غريد الشاطئ .. ثم عبدالكريم أسود .. ثم عبدالعظيم أبيض .. ثم صالح حنطي .. ثم جابر أبيض .. ثم عيسى أسود .. ثم عزيزة سوداء .. ثم موسى حنطي .. عبدالكريم وصالح لا أعتبرهما من جنس البشر .. بل هما من جنس الملائكة
السمار والسواد كان أمر مُحرج للغاية .. تعلمت من عمتي زُليخة أن أكره السود واليمنيين .. زوج عمتي أسود ومن قبيلة يمنية الأصل ..! ما العمل الآن .. ؟!! فكنت أسمّي الأسود أسود حتى أصل لعيسى ولد عمتي مثلاً وأقول أنه أسمر .. شعرت بهذا الحرج والنفاق .. مع ذلك لم أتوقف كثيراً عند هذا الموضوع .. حتى لا يوجعني رأسي .. فلم يكن ذلك هو التناقض الوحيد الذي أشعر به

يُتبع

الشيخ فاحس