أبطال حارتنا

(32)

أبطال حارتنا

1982

سيدتي

بريال ياجماعة .. بريال ياجماعة .. بريال يا جماعة .. هذا العجوز لا يُريد أن يسكت .. تلك أغنيته التي يرددها كل يوم بصبر ودون ملل .. لسانه لا يفتر من ترديد هذه الجملة .. يرددها كأغنية حزينة .. يرددها بشجن كأنه يحتضر .. الرجل عجوز .. قصير .. أبيض .. شعر أبيض خفيف يتوزع على وجهه وذقنه بدون أي ترتيب .. عيون واسعة ذابلة مليئة بدموع متحجرة .. وزرة بيضاء وفلينة ابو بقرة مهترئة .. وطاقية يرتديها على رأسه .. يمشي كأنه يترنح .. زنبيل بلاستيك كبير يضع فيه البضاعة .. يعلق الزنبيل الكبير بذراعه اليسار .. ويمسك قطعة من بضاعته بيده اليمين و يردد أغنيته .. بريال يا جماعة .. بريال يا جماعة .. يطوف الأزقة بدون كللٍ او ملل .. الرجل لا يسكن حارتنا .. لا أدري من أين يأتي .. يوم الخميس نلعب في أزقّة الحارة العاب شعبية ” حلي او مداوين او مزقرة ” ثم يمر بنا هذا العجوز كل مرة ويختفي .. لا نعلم من أين يأتي .. لا نعلم إلى أين يذهب .. نسمع صوته قبل أن نراه .. ثم نراه ونسمع صوته .. ثم يبتعد عن الأنظار ونسمع صوته فقط .. ثم يختفي ويبقى صدى أغنيته عالق في رأسي .. بريال يا جماعة .. بريال يا جماعة
في البداية كنت أراه ولا أعبه به .. ثم مع الوقت أصبحت أغنيته تلك مُزعجة للغاية .. وعندما تلتصق في رأسك لا تبارحه بسهولة .. لمحته ذات صباح يؤدي أهزوجته المعتادة .. بريال ياجماعة .. بريال ياجماعة .. اللي فلق رأسنا بها .. لمحت في يده مشابك غسيل بلاستيكية ملونه .. قلت في نفسي .. مشابك غسيل ملونة وبريال يا جماعة .. والله إنها صفقة رابحة .. أشتريها لأمي الجبلية بدل مشابك الغسيل الخشب التي تتناقص كل يوم .. وأمي تلقي باللائمة علي في تناقصها .. سأشتري لها مشابك جديدة .. يمكن أخيراً تحبني

لحقت بالرجل أناديه .. لكنه لا يتوقف .. ربما سمعه ثقيل .. او ربما لا يسمع أبداً .. مع أن أذنه كبيرة .. أخيراً إعترضت طريقه .. قف لحظة قف .. ممكن أشتري مشابك الغسيل الملونة التي تحملها في يدك .. وأخرجت من جيبي ريال قديم ومهترئ ومبتل بالعرق .. عندما رأى الريال كأنه رأى عفريت .. وبدأ يصرخ في وجهي .. أمشي إنقلع ياالله .. يلعن أبوك لابو اللي جابك .. أنا إنفجعت .. ما الذي حدث ؟ لا أعلم لماذا غضب مني ؟! إعتقدت أن ريالي البالي المهترئ لم يعجبه ..! ياااااعم هذا ريال وأريد أن أشتري مشابك الغسيل ؟! كررتها مرة أخرى .. أمشي إنقلع يلعن أبوك لأبو اللي جابك .. ليش طيب يا شيخ ؟ المشابك ليست للبيع ؟!! سألته .. رد بغضب هذه المشابك بثلاث ريال .. يالله إمشي إنقلع .. أنا إنصدمت .. الرجل من شهور طويلة يردد بأعلى صوته .. بريال يا جماعة .. بريال يا جماعة .. وعندما تقرر أن تشتري منه تصبح البضاعة بثلاث ريال يا جماعة .. ما هذا الغش ؟! أصبت بخيبة أمل .. كان نفسي أفرّح أمي .. يبدو إنه مكتوب في اللوح المحفوظ أن أمي ستكرهني للأبد

هذا الرجل لا يسكن الحارة .. لكنه جزء من المشهد اليومي الذي يتكرر .. واحد من عشرات الناس البسطاء للغاية .. بسطاء ربما .. وربما يقبعون في أسفل السلم الإجتماعي لكنهم يسكنون الحارة .. ويسكنون الذاكرة .. وبعضهم لا يسكن الحارة .. لكنه يسكن ذاكرة الأزقة المالحة .. كيف أنسى يحي القطش .. أمعجمى .. ناصر .. معادي .. سادة .. بلية .. سمير .. عبده دويري الله يرحمه .. السيك الله يرحمه .. غرّيب .. عفيفي .. عواد .. قحطان .. الحديد .. ( على اللي ) .. عباسة

سأخبرك بسر يا سيدتي .. منظر عواد يرعبني .. كنت لا أراه إلا في ساعات الصباح الأولى عند الفجر .. سمعت إنه يعمل في العسّة .. ربما يكون معوّق لا أعلم .. شاب قصير جداً .. كأنه من الأقزام السبعة .. برأس كبير وعيون جاحظة مصفرة .. أحدب الظهر .. كأنه يحمل بطيخة على ظهره .. بالرغم أنه شاب صغير في السن .. لكن تبدو على وجهه ملامح الشيخوخة .. عندما يتكلم كأن صوته يأتي من حلقه مباشرة دون المرور بفمه .. نظراته النارية تذيب قلب أي طفل .. فما بالك إذا كنت أقابله في الظلام وأنا ذاهب للمسجد لصلاة الفجر .. ألمح على وجهه ضوء قادم من بعيد .. ضوء من بيت مجاور او عمود إنارة في الشارع .. فأسرع خُطاي

كنت أخاف أيضاً من عباسة .. إمرأة سوداء طويلة بملامح عربية كانت تسكن الشارع .. في البداية كانت تسكن شارعنا .. ثم بعد ذلك إنتقلت إلى طريق الكورنيش .. بيتها لا شيئ سوى سرير على الرصيف يقابل جدار البيت الذي خلفها .. وكومة من الملابس .. ولوح خشب يقف كأنه جدار بجانب السرير تخفي خلفه أشيائها .. الكثير من الأكياس والأقمشة .. كنت عندما أمر بها أسرع من خطواتي .. بالرغم إنها مسالمة لا تتعرض لأحد .. لكنني كنت أتخيل أنها تجري خلفي .. ماذا لو قررت أن تمسك بي .. رأيتها مرات عديدة تجلس على السرير تمشط شعرها وتمد سيقانها الطويلة على الأرض .. تقابل سيارات المارة .. لم تكن تهتم أبداً لنظرات الناس .. لم أكن أعرف قصتها .. لماذا هي في الشارع .. لماذا هي غير محجبة .. في الحقيقة نهود عباسة كانت اول نهود أراها على الطبيعة .. كانت ذابلة جداً ومتدلية .. كأن كل مافيها من حليب وحب قد تم شفطه .. ولم يتبقى لها سوى الجلد .. وحلمتان سوداويتان .. كانت طويلة ونحيفة وكبيرة في السن .. عباسة المجنونة .. كان شكلها مخيف .. كانت تسكن في شارع القادسية بيتين جنوب عمارتنا .. لن تصدقي إذا قلت أنها تشبه ممثلة سورية إسمها ” منى واصف ” .. لكنها النسخة السوداء من ” منى واصف ” .. لا أظن أنك تعلمي من هي ” منى واصف ” على أي حال ؟

كان هناك أيضاً عفيفي .. ولد ربما في سني تماماً او يكبرني بسنة .. يقولون أنه مجنون .. لكنه لم يكن مجنون بالنسبة لي .. عفيفي كان يكسر قلبي .. ربما هو بطيئ الفهم .. لكنه كان طيب جداً .. بالرغم أنه كان سريع الغضب .. وكان نحيف جداً وفقير جداً جداً .. كانت ملابسه متسخة أغلب الوقت .. وتفوح منه رائحة نتنة .. رائحة عرق ومزيج من رائحة الملابس المتسخة بالتراب .. كان يحاول اللعب والإنخراط مع اولاد الحارة .. لكن الأولاد يعاملونه بقسوة .. فلا يسمحون له باللعب .. عفيفي يسكن الحارة .. بيتهم في زقاق مقابل الكنيسة .. ربما تستغربين أن في حارتنا كنيسة .. لا أعلم إن كانت كنيسة في الماضي أم لا ؟!! لكنه بيت مبني من الطين ومُهدم .. ملقاة بداخله الكثير من الزبالة .. الناس تسمي ذلك البيت بالكنيسة

كان هناك شاب يأتي من حارة الجبل .. كنت أراه في الليل عندما أجلس أمام بقالة أبي .. كان يُمسك بكرتونة صغيرة بكلتا يديه .. كأنه ممسك بمقود سيارة .. ويسير بسرعة ويُصدر صوت من فمه كأنه صوت ماطور السيارة .. برررررررر .. هممممم همم .. ثم عندما تناديه ” على اللي ” هكذا إسمه .. يصدر صوت مثل صوت الفرامل ويتوقف بسرعة .. ثم يرجع ” ريوس ” للخلف كأنه يقود سيارة .. الولد أعجم لا يتكلم .. يقولون إنه مجنون أيضاً

وكان هناك قحطان .. شاب يمني قصير .. شعره أسود ناعم وكثيف ومنتفش .. عيونه آسيوية قليلاً .. كان يتجول في الأزقة والشارع ثم يختفي .. لا أعلم أين يسكن .. كان مُتسخ .. ويلبس وزرة ” فوطة ” بدون أن يلبس أي شيئ تحتها .. وعندما يطلب منه الأولاد أن يرينا مؤخرته كان يفعل بدون أي تردد .. كان يطرق باب عمارتنا أحياناً .. وعندما أنزل أفتح الباب كان يقول .. خليل .. ياخي ماشي عندكم غذا ؟ كنا نضع له بعض الرز والسمك او اللحم والإدام .. يأكل وبعد أن ينتهي يترك الصينية بجانب الباب .. إذا عجبه الأكل .. يعود في اليوم الثاني .. ويسأل عن نفس الصنف .. خليل .. أشا من أكل أمس ؟ يلعن حظه يتشرط .. ما العمل إذا كان غذانا اليوم دجاج ؟!! وأنا طالع نازل الدرج شغال عند أبوه .. يقولون إنه مجنون .. حارتنا مليئة بالمجانيين

سيدتي .. عندما نجحت من الصف الثاني الى الصف الثالث كان هناك في آخر الصف اثنين من الطلبة من حارتنا وتحديداً من شارع اليرموك .. الاثنين راسبين وعائدين السنة .. اسم الاول عبده دويري .. والثاني يناديه الاولاد سادة .. لكن المدرس يناديه محمد .. سادة كان طالب كسول .. لم يكن يحل الواجب .. وعندما يسأله المدرس سؤال .. في العادة لا يعرف الجواب .. عبده دويري كذلك .. فكانا يتعرضان للضرب بخيزرانة المدرس .. عبده دويري كان ولد شجاع .. كان يمد يده للمدرس حتى يضربه بالخيزرانة دون أن يسحبها ولو مرة واحدة .. فكان المدرس يجلده عشر جلدات متتابعة .. ثم يجلس كأن شيئاً لم يكن .. أنا كنت أخاف وكنت أحل الواجب وأجُيب على أسئلة المدرس ببراعة .. لكني كم تمنيت أن أكون بشجاعة وقوة وبأس عبده دويري .. كان ولد نحيف وطويل .. بشرته بيضاء .. وكان أحول رحمه الله .. كنت أنا أحضر دروسي في شنطة لكن عبده دويري يحمل الكتب بيده هكذا بدون شنطة

” سادة يأخذ من المدرس وقت أطول .. في كل مرة يمد المدرس يده بالخيزرانة كان سادة يسحب يده بخفة وكان المّدرس ” يجّلي ” .. ثم عندما تصيب الخيزرانة يد سادة كان يتلوى كثيراً من الألم .. سادة ولد بشرته برونزية .. أطول مني قليلاً .. نحيف لكن جسمه مشدود وتشاهد عروق دراعه .. سادة وعبده دويري شلة الدبّابات في المدرسة .. في كل سنة كنت أنا أنجح بسهولة .. وكانا ينجحان أيضاً .. لكن بدرجات متدنية إلى أن وصلنا للصف السادس
في الحارة وتحديداً في شارع اليرموك كان سادة وعبده في الشارع أكثر الوقت .. وكان معهم شاب ربما أكبر سِناً كان الناس تناديه ” السيك ” .. كلمة سيك تعني ” إكة ” جذاب وسيم .. لكن السيك كان أي شيئ إلا إنه يكون وسيم وجذاب .. كان أحول .. وطويل جداً .. وخاصة السيقان .. عندما يمشي كان يمد سيقانه بخطوات واسعة جداً .. كان يمشي ويغني .. على أمسيري على أمسيري .. السيك .. عبده دويري .. سادة .. كانوا شلة دبابات .. تجدهم أكثر الوقت يصلحون في الدباب .. ومرات يسوقون دباباتهم على كفر واحد مسافة طويلة .. أنا كنت ممنوع أركب دبّاب .. أبي ممكن يقتلني .. الدبّاب حق الناس الصايعين اولاد الشوارع حسب كلام والدي .. لذلك كنت أبتعد عن الاولاد الموجودين في شارع اليرموك .. اولاد حونشية

والدي يقّيم الناس حسب التعليم .. وحسب دخولهم للمسجد .. وحسب جلوسهم في البيت .. وحسب الالفاظ التي يستخدمونها في الشارع .. نعم ربما يكون سادة ولد غير مجتهد في المدرسة .. لكن هذا لا يعني إنه إنسان سيئ .. ربما ظروفه تختلف .. ربما أبوه ليس بقسوة أبي وأهتمامه بالتعليم .. سادة إنسان موهوب جداً .. كان يسوق الدّباب لمسافة طويلة على كفر واحد .. أنا لا أستطيع عمل ذلك .. وكان لاعب كورة فنان .. لكن تلك الأشياء لا تكفي في إقناع أبي والمجتمع إنه إنسان موهوب .. مجتمع مهووس بالتعليم والشهادات مع ذلك مُخرجاته وإنتاجه ضعيف جداً .. ياللعجب

سيكمور عبنص بلنص .. والله لا أدري ما تعني .. لكنها جملة كان يرددها عبده دويري والسيك وسادة طول الوقت .. بعد فترة سمعت أن حادث صار على عبده دويري والسيك وماتوا .. لا أعلم إن كان موتهما في حادث واحد أم متفرق .. وهل كان دبّاب او حادث سيارة .. لا يهم .. المهم أن عبده مات وهو مازال شاب صغير .. بينما السيك ربما كان يقترب عمره من الخامسة والعشرين .. الله يرحمهم

أحياناً كان يأتي للحارة شباب يكون لهم قريب في الحارة .. لم يكونوا يسكنوا الحارة لكن وجوههم مألوفة .. أحد هذه الوجوه شاب أسمر فاتح بجبهة عريضة وحاجبان عريضان وجسم نحيل .. كان مرات يحضر ببدلته العسكرية .. أظنه جندي او عريف لا أذكر .. كانوا ينادونه الحديد .. كنت أسمع عنه حكايات غريبة ومضحكة جداً .. لكنني نادراً ما كنت أراه .. هذا الشاب لا تتحداه أبداً في أي شيئ .. لأنك ستخسر الرهان عندما تراهن الحديد .. مستعد يعمل أي شيئ حتى يثبت للعالم أنه الحديد .. كان يمد الياء فيقول أنا الحديييييييييييييييييد .. وكان الناس تستغل تهور الحديد وتراهنه في المستحيل .. والحديد يزمجر بأعلى صوته أنا الحديييييييييييد .. وينفذ التحدي .. أتحداك تشرب قاز يا حديد .. يقوم الحديد يصيح بأعلى صوت .. أنا الحديييييييد .. ويشرب قاز إبن المجنونة .. القصة التي أشتهرت عنه وجعلتني أنظر له نظرة إحترام وإعجاب وتقدير .. إن شباب تحدوه ذات مرة إن يشرب قارورة فيمتو مركز .. قارورة كاملة .. طبعاً مُخطئ يا من تتحدى الحديد .. مسك القارورة .. وصاح بأعلى صوته أنا الحديييييييييد .. وأخذ يشرب الفيمتو .. جغ جغ جغ جغ .. بعدها سمعت إنه أغمى عليه ونقلوه المستشفى غسيل معدة

أكثر الأحداث كانت تحدث أمامي .. عكس قصة الحديد التي سمعت عنها فقط .. كنّا كأولاد نجتمع في النهار في زقاق ضيق يؤدي إلى طرحة ” أمعجمى ” أمام منزل مولانا الشيخ او عين قُزاز .. كنّا نلعب العاب شعبية .. مداوين او مزقرة .. وكل شوية نجري نشتري حلاوة او فيمتو مثلج من عند العجمى .. لم يكن للعجمى دكان .. بل كانت تجلس على كرسي يتكئ على جدار خلفها .. ويحيط بها كراتين او ربما صناديق خشب .. كانت تضع عليهم علب صغيرة مليئة بالشوكلاته .. والحلويات ..او البسكويت .. خدود البنات .. بطريقة مرتبة وأنيقة .. نادراً ما كانت تقف على رجليها .. كان الاولاد يتناولون الحلوى التي يريدون من العلب .. ويمدون للمرأة العجوز العجمى النقود .. كنت أحب حلاوى ابو البقرة البولندية .. وكان هناك أكثر من ترمس كبير مليئ بالمثلجات المعمولة محلياً مرصوصة في مقابل الجدار الذي يُقابلها .. كيس بلاستيكي شفاف مليئ بالفيمتو المُثلج .. كنا نشتري اربعة أكياس بريال .. كانت تبيع أيضاً أكياس حليب بالهيل والكاسترد مثلج أيضاً لذيذ جداً .. كانوا ثلاث او اربع نسوة يشبهون بعض كثيراً .. جواهر عائشة فاطمة عزيزة .. ثلاث عُجم .. وواحدة تتكلم .. كانوا كبار في السن ربما في عمر جدتي .. طوال جداً عكس جدتي .. وكانوا نحاف .. لم أعرف من جواهر ومن عائشة او فاطمة او عزيزة .. اذكر واحدة طيبة جداً جداً .. ربما هي عائشة او فاطمة او جواهر .. والمرأة التي تتكلم كانت عصبية وتزعل بسرعة

أشتريت منها فيمتو مُثلج وعدت لمكان اللعب وكنت على وشك مشاهدة شيئ نادر الحدوث .. كنا نلعب مداوين .. وكان عبداِلله أطول مني .. شفته السفلية كبيرة ممتدة .. بينما شفته العليا أصغر حجماً .. وكان مُتغطرس جداً .. والسبب أن له أخ كبير عسكري في سلاح الحدود .. كان أخوه ضخم الجثة .. وكان يضرب أي أحد يتعرض لأخوه الصغير المتغطرس .. فكان الأولاد يخافون منه .. لم يكن حتى من حارتنا .. كان يأتي من شارع فيصل .. او حارة البشارية .. نافخ مرة .. وكان ولد آخر من حارتنا إسمه سمير .. سمير ولد وسيم .. أبيض .. شعره ناعم .. كان قصير ونحيف لكن عضلاته وعروقه بارزة قليلاً .. كان ولد هادئ لا يتكلم كثيراً .. بل يلود بالصمت أكثر الوقت .. هو أيضاً قريب لزوجة والدي الثانية .. كان سمير يتكئ على الجدار يشاهد اللعب .. ولاحظ تصرفات وغطرسة عبداِلله .. سمير أقصر من عبداِلله .. فجأة تدخل سمير وتكلم بكلمة إستفزت الولد المتغطرس .. عبداِلله غضب كثيراً .. وكان مستغرب أن أحدهم تجرأ ورد على كلمة قالها .. قام يسب سمير .. سمير تحرك ببطئ وثقة شديدة في النفس .. ومشى حتى تقابل الإثنين وجهاً لوجه .. أنفاسنا أنحبست .. شكلها راح تقلب مضاربة وراح نترحم على سمير قريباً

أمسك سمير بأنفه وكأنه يحكه وهو يتمتم بكلام .. ايش راح تسّوي يعني .. ايش راح تسّوي .. والولد الثاني يزمجر ويهدد ويتوعد .. تراجع سمير خطوة للخلف .. ثم أنزل يده اليمين التي كان يحك بها أنفه و فتح دراعه بزاوية واسعة .. ثم بحركة سريعة ودراع مفتوحة عادت يده بقوة بإتجاه وجه عبدالِله .. وضرب عبداِلله كف على وجهه وعينه .. فسقط عبداِلله على الأرض وأنهار تماماً .. وقام يبكي .. والله لأروح أجيب خويه محمد .. آااااه .. ويبكي .. سبحان مغير الأحوال .. أين ذهبت تلك الغطرسة .. لم أشاهد عبداِلله في الحارة بعد ذلك اليوم .. وسمير هذا الولد الساكت طول الوقت .. تحسبه ضعيف أتاريه مية من تحت تبن .. شجاع جداً وقف لشخص كل الحارة تخاف منه
كنت عادة أتهرب من أي مضارابات لأني عارف النهاية .. حتى لا آكل علقة مُحترمة .. لكن أخيراً صبري نفذ .. والسبب هذا الولد اللي إسمه ” بِلية ” .. ولد صغير جداً .. لكنه عفريت بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. مشاكس ويتحرش في كل شي .. وأي شي .. وأي أحد .. أخيراً قلت خلاص فاض بيه .. راح ألعن والد والديه .. راح أضربه يعني راح أضربه .. وخلي الأولاد يقولون إني أترجل على ولد صغير .. كان صغير جداً يصعب وصفه .. المهم أمسكت به كي أطرحه على الأرض .. فتشعبط في جسمي وملابسي بطريقة عجيبة .. كأنه قُرادة .. خلاص مسك .. أضرب فيه .. لا فائدة .. متشعبط .. أحاول أرميه على الأرض .. لا فائدة .. ماسكني بقوة .. عجزت معاه .. قلت له .. ياخي خلاص .. إنته الفائز .. بس خليني أروّح

صيف 82 كان صيف الهوس بكأس العالم .. بالرغم أنني بدأت متابعة كأس العالم من العام 78 في تلفزيون البيت الملون الجديد مع عمي عبدالغفور وكان عمري سبع سنوات فقط .. إلا أن كأس العالم 82 ربما تكون البطولة الوحيدة التي تابعت كل تفاصيلها بحب وشغف .. الفريق الإيطالي هو الفريق المفضل عندي .. فريق يلعب بروح قتالية عالية .. لا يحب الفلسفة الزائدة .. بينما البرازيل من خطف الأنظار ذلك العام بفريق من النجوم ربما لن يتكرر .. في الحارة كانت حُمى كأس العالم غير عادية .. فجأة أصبحت أسماء الفريق البرازيلي سقراط وفلكاو وزيكو أسماء لبعض الاولاد في الحارة

أغرب مافي كأس العالم تلك السنة كان ناصر .. ناصر كان عنده صندقة او دكان يبيع فيه سندوتشات في شارع القادسية .. وكان مجنون بالمنتخب الكويتي .. كان يعلق صور المنتخب الكويتي واللاعبين على باب محله .. صور فيصل الدخيل .. وجاسم يعقوب .. وسعد الحوطي .. وفتحي كميل .. الطرابلسي .. كان يشجع المنتخب الكويتي بجنون أكثر حتى من منتخب السعودية .. وكان الناس في الحارة تضايقه كثير وتعلق عليه .. في الليل كان عمي عبدالغفور يجلس مع أصحابه أمام محل ناصر .. مرة من المرات أخذ ولد عمتي المكاوي هشام قبل يسافر مكة لمحل ناصر .. كان يسأله أمام الجميع عن إسم ستيف اوستن الرجل البيونيك .. كان عمي يقول .. هشام ستيف زائد ستيف كم يساوي .. فكان هشام يرد .. ستيفين .. وكانت شلة عمي تضحك على هشام .. وهشام مستغرب ليه يضحكون .. كان أفراد الشلة يعيدون السؤال فرداً فردا .. هشام .. إستيف زائد إستيف كم يساوي .. فكان هشام يرد بعصبية .. إستيفين .. فكانوا يردون وهم يضحكون وراك .. ويعيدون الكَّرة .. هشام .. ستيف زائد ستيف كم يساوي .. فيرد هشام بحماس إستيي فيييين

يُتبع

ذكريات اول قُنبلة