ذكريات اول قُنبلة

(33)

ذكريات اول قُنبلة

1983

سيدتي

كنت أجري لوحدي في وسط الطريق العام المؤدي إلى مخرج جيزان الذي يأخذك لأبي عريش .. الطريق عريض من مسارين وعلى جانبيه معارض سيارات .. لكنها كانت كلها مُغلقة لأن الوقت كان قبل الفجر .. لم يكن الطريق مسفلت بل كان تُرابي .. مُظلم الا من ضوء خافت من أعمدة الأنارة التي تقف في منتصف الطريق كالنخل .. كانت مجموعة من الكلاب تُطاردني وكنت أجري و ألتفت لليمين واليسار وأنا خائف جداً .. المدينة نائمة وكنت الوحيد المُستيقظ وتلك الكلاب التي تطاردني .. شعرت أن روحي إقتربت من حلقي وأنا أجري وألهث .. أقسى شيء في الوجود أن تقف عاجز لا تستطيع حتى الهروب … ثم إستيقظت من النوم .. رأيت سقف المجلس ومروحة تدور بتباطئ وتصدر صوت أنين .. ثم تلفت فإذا أمي والصغار نيام على أسرة مُلتصقة بالحائط .. كنت أنام في المجلس في بيت أمي الشعبي .. ولكن مازلت أسمع كلاب تنبح في الشارع .. كان جدار السور قصير وكنت مازلت خائف وأخشى أن تقترب هذه الكلاب من البيت ثم تقفز من فوق السور .. بعد قليل سمعت صوت المؤذن يؤذن لصلاة الفجر .. إرتحت قليلاً فلم أعد الشخص الوحيد المستيقظ في تلك اللحظة

ذلك الحلم وتلك الكلاب طاردتني كثيراً في أحلامي حتى أصبحت أكره الكلاب ولا أطيق الاقتراب منها .. كان لوالدي كلب وكلبة سلوقي في المزرعة للحراسة .. وعندما رُزقت الكلبة بأربعة جراء ” جمع جرو ” ذهبت لألاطفهم وكانت الأم غائبة .. فجأة سمعت صوتها تنبح من بعيد .. فأرتعبت وأطلقت لرجلي الريح متجهاً لغرف الإستراحة .. فتبعتني الكلبة كالسهم .. هذه المرة فعلاً بلغت روحي الحلقوم .. ولولا أني أنعطفت بخفة وسرعة لليمين وهي تطارني لكانت نهشت ساقي كما أخبرني أحد عمال المزرعة الذي كان يحاول اللحاق بها وإنقاذي .. كلاب تُطارني في المنام وكلاب تُطاردني في الواقع .. يالبؤسي وشقائي .. أتذكر أيضاً تلك الكلبة التي طاردتني أنا وفريد في المدرسة الجديدة .. يبدو أن علاقتي بالكلاب لم تكن على مايرام مع ذلك عندما كنت في المدرسة الشامية إكتشفت أنا وأحد زملائي وجود جراء خلف سور المدرسة الجنوبي .. كان خلف السور مطعم مشهور في تلك الفترة مُقابل مدرسة علي إبن أبي طالب .. فكنت أذهب بعد انتهاء المدرسة الى صندوق القمامة الخاص بالمطعم فأجد قطع دجاج مثلج مرمي .. فكنت آخذها للكلاب الصغيرة .. وكنت أشتري حليب السعودية وأصبّه في وعاء صغير وأراقب الكلبة الصغيرة تلعق الحليب بلسانها الصغير جداً .. تلك كانت أقرب مسافة وعلاقة بيني وبين كلب او إبن كلب على الإطلاق .. وعندما لاحظ والدي تأخر عودتي للبيت بعد المدرسة وأكتشف موضوع الكلاب الصغيرة التي أطعمها .. ألقى على مسامعي محاضرة طويلة مؤكداً على عدم الإقتراب من الكلاب لنجاستها

أهلي في البيت ليسوا أصدقاء للحيوانات أبداً .. ولا أعلم لماذا ؟!! دائماً ما يحتجوّن بموضوع النظافة .. لكني لم أقتنع بذلك .. فلو كانت النظافة هي السبب لتخلصوا مني منذ زمن وألقوا بي في أقرب صندوق زُبالة .. كنت أعود من الحواري أغلب الوقت ” مطلحب ” مُتّسخ .. كل شيئ مُتسّخ .. ملابسي .. ركبتي .. يدي .. حتى أنفي ملطخ بالتراب وأشياء أخرى
ذات يوم أحضرت معي ” بِسّة ” من الشارع كي أربيها على أمل أن تكبر وتصبح نمراً .. مثل جيم مع بيمبو في مسلسل الكرتون ” جزيرة الكنز “ .. كانت البِسّة رمادية ومخططة بخطوط سوداء كالنمر فعلاً .. كانت تعيش في الزقاق بجانب البيت .. وكنت ألقي كل يوم بالزبالة قبل صلاة العصر .. وكنت أطعمها بقايا الأكل ثم بالتدريج أدخلتها البيت .. أمي وأبي عملوا مأتم .. جايب لنا بسس في البيت أحنا ناقصين .. بعد كم يوم طلب مني والدي أن آخذ البِسّة للمخماس ” سوق السمك ” القريب جداً من البيت .. هناك ستجد بقايا أسماك ميتة ملقاة على الأرض .. ولن تموت من الجوع .. ” لكن يا أبي البسس الموجودة في الشارع شرسة ” .. حوار دائماً ما كان يدور داخل رأسي ولم أكن أجرؤ لإظهاره .. أتذكر بِسّ عُرّي بنصف ذيل .. وبِسّ آخر مجروح بجانب يده .. وبِسّ ثالث أعرج دهسته سيارة .. وبِسّ بعين واحدة .. لكن أمام إصرار أبي أخذتها مشياً للمخماس .. وألقيت بها قريباً من البحر

لكنها عادت للبيت في اليوم الثاني .. أتهمتني أمي بأني من أعاد البِسّة .. أقسمت بأغلظ الإيمان أنني لم أفعل ذلك .. لكن لا فائدة .. لا أحد يصّدقني .. ربما ضايقها بِسّ عُرّي في الشارع .. المُعاكسات بين البسس مُنتشرة في جيزان .. او ربما لم يعجبها السمك الميت الملقى على قارعة الطريق .. او أنها تفضل السمك المقلي الذي تصنعه أمي .. لا أعلم .. أنا كذلك أفضل السمك المقلي الذي تصنعه أمي .. أبي لم يرتح كثيراً لعودة البِسّة .. وطلب مني أن آخذها في السيارة مع أبن عمتي الى حارة العشيما جنوب جيزان .. ففعلت .. وضعتها في كرتون هذه المرة ثم أغلقته ووضعته على فخودي وجلست في كرسي السيارة بجوار إبن عمتي الذي تولى القيادة .. ذهبنا للعشيما ثم القيت بها هناك .. ثم عدنا للبيت و كنت حزين ومُتأسف على البسة المسكينة .. بعد أسبوع اذا بالبِسّة موجودة عندنا في البيت .. كيف عادت للبيت ؟! لا أعلم .. ! كانت موضوعة في كرتون طول المشوار .. ولم تكن ترى شيئاً سوى ظلام دامس !! بِّسة ذي والا جنّية ؟!! كيف عرفت تمشي مسافة أربعة خمسة كيلو على الأقل وتصل لبيتنا ؟ وكيف عرفت أسماء الشوارع ؟ لم يكن هناك لوحات بأسماء الشوارع أصلاً

كُنت بحاجة لصديق مُقرب .. كنت أشعر بالملل بعد عودتي كل يوم من المدرسة بعد الظهر .. فخطرت في بالي فكرة .. ذهبت للميدان يوم الخميس عند ” بابوري ” وأشتريت ديك لونه أحمر وبرتقالي وأسود .. كان صغير وهزيل .. عدت به لبيت أمي الشعبي .. في البيت خلف المجلس ممر يؤدي للمطبخ والتنور ثم الحمام .. كان سقف الممر والحمام خشبي .. وفوق سطح الممر توجد بقايا ألواح وأعمدة خشب ومسامير ومواسير وكلاكيع .. إشتريت قفص صغير للديك .. ووضعته هناك فوق سطح الممر ووضعت الديك بداخله .. وكنت أسقيه وأطعمه كل يوم بعد عودتي من المدرسة .. وكان الديك يوقظنا كل صباح .. وأحياناً يزعجنا بصوته من الساعة الثانية صباحاً

ذات يوم ذهبت للمدرسة ولما عدت إشتقت لرؤية الديك فلم أسمع صوته من فترة .. عندما صعدت للسطح وجدته جُثة هامدة .. كان متخشباً بطريقة عجيبة .. لدرجة أنني أمسكته من رجله وخبطت به الجدار .. طخ طخ طخ .. أصدر صوت .. ذكرني بمشهد سمير غانم في مسرحية المتزوجون عندما يشرب الشربة ويريد أن يأكل الفرخة لكن الفرخة متفحمة او متخشبة .. كان الديك متخشب .. لم أفهم كيف مات .. هل قرصه ثُعبان ؟ هل مات عطشاَ أم جوعاً أم قهراً داخل القفص ؟ هل إنقض عليه بِّس عُرّي .. ؟ لم أشاهد أي آثار للجريمة .. هل دعس على مسمار مصّدي بين الأخشاب ومات متسمماً ؟ حدث لي ذلك من قبل ودعست على مسمار مصّدي بين هذه الأخشاب لكني لم أمت .. تأملت منظره المتخشب ثم ألقيت به في صندوق الزبالة .. وأقفلت التحقيق .. فلا يوجد شهود .. ولا أداة للجريمة .. ربما مات الديك قضاءاً وقدر .. الله يرحمه كان طيب مات في عِّز شبابه .. كنت ناوي أشتري له دجاجة .. مسكين خرج من الدنيا بدون أن يدخل دُنيا .. وقيدت القضية ضد مجهول

جرّبت أرّبي كلب من وراء أهلي لم تنجح الخطة .. جرّبت أرّبي بِّس و ” هرموني ” عليه وطفشوني .. حاولت أرّبي ديك ومات ياحبة عيني .. حاولت .. وحاولت .. وحاولت .. حاولت إني أكون مواطن صالح يحب أهله .. لكن كان الأهل يتعمدون تطفيشي بحجج واهية .. أخيراً في يوم مشمس وجميل عدت من المدرسة .. وكنت قد إشتريت درزنيين مفرقعات نارية .. المفرقعات أيضاً مُحّرمة في البيت .. والدي يمنع كل شي .. حتى الفرح وزغاريد الحريم ممنوعة في البيت .. خبأت المفرقعات .. ثم قررت أن أفجر كل واحدة على حِدة .. فتحت خيط الفتيل الذي يربط كل الطراطيع كمجموعة ويجعلها تنفجر مع بعض

فجأة خطرت في بالي فكرة أخرى .. لو كانت القوة التي تصدر من إنفجار طرطيعة واحدة قوي .. فأكيد لو جمعنا البارود الموجود في طرطيعتين سيكون أقوى مرّتين .. ماذا لو جمعت كل البارود الموجود في كل الطراطيع الصغيرة ؟ .. هكذا سيصبح عندي قُنبلة .. آهاه .. وسيكون إنفجار مدوّي .. في هذه الحالة سأحتاج طرطيعة كبيرة جداً كي أضع فيها البارود .. وسأحتاج لفتيل .. حسناً .. الفتيل موجود .. يمكنني أستخدام الفتيل الذي يصل كل الطراطيع ببعض .. بقى أن أبحث عن علبة لجمع كل الباروود .. فكرت في قارورة لكن خفت أن يصيبني شظايا الزجاج .. رحت أبحث عن علبة فارغة في كل مكان فلم أجد .. تذكرت أن عمّتي زُليخة تحتفظ بعلبة حليب جلكوز فارغة تضع فيها مكرة خياطة وإبرة تستخدمها في عمل طواقي للرأس لجدي .. رحت للعمارة أبحث عن العلبة في كل مكان .. وجدتها وكانت عمتي مشغولة في المطبخ .. أفرغتها من مكرة الخياطة والإبرة وأخفيتهم عن الأنظار .. ثم أخذت علبة الجلكوز ابو شريط أخضر مع الغطاء معي لتنفيذ اول تجربة عملية لصناعة قُنبلة في حارة امحافة وفي جيزان ربما

أحضرت مسمار ومطرقة وفتحت فتحة في غطاء العلبة .. وأفرغت كل البارود داخل العلبة .. ثم خطرت في رأسي فكرة أخرى .. لماذا لا أزيد من قوة الإنفجار وأضع كمية من القازولين .. وفعلاً كان لأمي فانوس تستخدمه في الطوارئ عندما تنطفي الكهربة .. أفرغت الفانوس من القازولين إلى علبة الحليب .. الآن كل شيئ جاهز .. علبة مليئة بالبارود والقازولين .. مُغطاة بغطاء العلبة وفتحة صغيرة أدخلت فيها الفتيل .. القُنبلة جاهزة للإنفجار .. أخذت العلبة لخارج البيت خلف الحائط تماماً جهة البحر .. وأشعلت الفتيل بعود كبريت ثم ركضت أختبئ خلف زاوية البيت .. الفتيل إشتعل بسرعة .. ثم أنفجرت العلبة .. كأن الإنفجار صوتي فقط .. بوووف .. صوت مكتوم مخنوق .. والعلبة إنتفخت قليلاً وتشوهت .. حتى الغطاء لم يطير بفعل الإنفجار .. أصبت بخيبة أمل .. وعرفت أن التجربة فشلت

عدت للبيت ومعي العلبة .. عمتي زُليخة تُخيط الطاقية لجدي بعد الظهيرة .. راحت تبحث عن العلبة والمكرة فلم تجدهما .. لا أعلم كيف عرفت أنه أنا .. جاء عمي عبدالغفور غاضباً جداً يبحث عني .. أمسك بي وضربني فأعترفت مباشرةً أني أنا من أخذ علبة الحليب .. لكنه أخذ يضربني بعصبية ثم يركلني كأنه يركل كرة .. كان غاضب جداً مني .. هل علبة حليب جلكوز أبو شريط أخضر تستاهل كل هذا الغضب ؟! هذا النوع من الحليب نبيعه في البقالة والعلبة بأربعة ريال فقط .. وجدوا المكرة والإبرة .. بقي أن يشتروا علبة حليب جديدة بأربعة ريال .. إذا الموضوع أربعة ريال .. أنا مستعد أعطيه أربعة ريال على الجزمة القديمة .. كلها يومين في المدرسة وأوفر المبلغ .. او أسرق أربعة ريال من البقالة ولا من شاف ولا من دري .. وبعدين مع عمي عبدالغفور .. والله زوّدها بصراحة .. لم يكن هناك ما يردعه .. كأنه كان مفّوض من الرب إنه يكون ولي أمري .. يضربني لأي سبب .. ويشوتني مثل الكرة .. معقولة من أجل علبة حليب جلكوز فارغة أستاهل كل هذا الضرب .. طيب أنا أنضربت لأني تعديت وأخذت علبة مكرة الخياطة من عمتي زُليخة .. منَ سيعاقب عمي عبدالغفور يوم أن أخذ من عمتي زُليخة ما هو أكبر من عِلبة حليب فارغة

سأخبركِ بالحكاية .. في تلك الأيام إشتركت عمتي زُليخة في مسابقة رمضان للقرآن الكريم .. كان الأهل يشتركون في هذه المسابقات كل سنة .. يشتركون حتى في فوازير رمضان .. كانوا يحلون الفوازير و مسابقة القرآن الكريم ويرسلون رسالة بإسم كل فرد في العائلة .. حتى يكون إحتمال فوز أحدنا بالجائزة أكبر .. عمتي زُليخة هي الوحيدة التي فازت بعشرة آلاف ريال .. وكان مبلغ مُحترم في تلك الأيام .. إلا أن عمي عبدالغفور أصبح شريكاً في نصف الجائزة ولا أعلم لماذا ؟!! ربما لأن عمتي زُليخة إمرأة لا تستطيع الذهاب لمكتب البريد وإرسال الظرف بنفسها .. وأحتاجت لولي أمر يفعل ذلك .. حسناً إذاً .. خمسة آلاف ريال .. هذا هو ثمن ” تفلة ” لإغلاق الظرف وأخذه لمكتب البريد وكذلك قيمة الطابع البريدي .. ثم عندما إستلمت جائزة العشرة آلاف ريال .. قرروا أن يشتروا أرض في حي المطار .. وهذا ما حدث فعلاً .. إشتروا الأرض بقيمة الجائزة التي فازت بها عمتي زُليخة .. لكن نصف الأرض كان لعمي عبدالغفور .. عمي عبدالغفور مُدرس .. وعمتي زُليخة لا تعمل .. عمي عبدالغفور رجل .. وعمتي زُليخة إمرأة .. عمي عبدالغفور بنى عمارة في نصف قطعة الأرض التي أصبحت ملكه .. ونصف الأرض الآخر مِلك عمتي زُليخة يمتلئ بالماء كل سنة عندما تسقط الأمطار ويُصبح مُستنقع للبعوض

 يُتبع

زريبة