زريــــبة

(34)

زريــــبة

1983

سيدتي

بمجرد إنتهاء صلاة الجمعة في مسجد مولانا الشيخ ابو عين قزاز إتجهت لباب المسجد الشرقي والذي يطل على زقاق ضيق يأخذك إلى شارع اليرموك .. كان الزحام عند الباب كالعادة على أشُّده .. الناس – يالطيف – ما يصدقوا إن الإمام قال السلام عليكم ورحمة الله وتجدهم عند الباب بالعشرات .. وإن كنت أحدهم .. لكن لم أفلح ولا مرة في حياتي في الوصول إلى الباب كأول الخارجين .. كان عليّ دائماً الإصطدم بعشرات المؤخرات التي سبقتني .. كنت أضع حذائي في الخارج بجانب جدار المسجد لأني لو وضعته في صندوق الأحذية داخل المسجد فسيستغرق خروجي بعض الوقت .. ثم كنت أضع فردة حذاء على جانب الجدار وفردة أخرى بعيدة حتى لا يأخذ حذائي لصوص الأحذية .. نحن المسلمين نتميز بهذه الميزة عن بقية الأديان الأخرى .. لا نسرق الأحذية إلا عند بيوت الله .. ربما هذا دليل على خشية الله التي نمارسها في السر والعلن

بمجرد الخروج من المسجد يخطف بصرك ضوء الشمس .. وضعت يدي على جبهتي لتفادي الضوء .. إلتفت لليسار فإذا الناس تغادر المسجد ثم تجري .. أمر غريب .. لم أفهم لماذا الكل يجري ..؟ قررت أن أجري أنا أيضاَ .. يالله .. الموت مع الجماعة رحمة كما يقولون .. عمتي زليخة تقول أن يوم القيامة سيكون يوم الجمعة العصر .. واليوم الجمعة .. هي القيامة إذاً .. من يدري

كنت أجري وفكرة يوم القيامة تراودني .. عبرنا شارع اليرموك متجهين إلى شارع القادسية عبر نفس الزقاق .. مازلت لا أعلم السبب الحقيقي للجري .. مررت بزريبة عمتي أم محمود .. ثم بيوت الشيخ فاحس وإخوانه .. ثم دكان عم علي ودكان الشيخ ابي عين قزاز .. وأنا أجري كان يجري أمامي رجل قصير ممتلئ يلبس ثوب سعودي .. بدا شعر الرجل من الخلف ناعم ويلمع بفضل الكريم .. كان للرجل رأس لكن لم يكن له رقبة .. كأن رأسه مغروز بين أكتافه ومثبت بصمغ .. عندما إقتربت منه فإذا هو يحي القطش بائع سندوتشات الفول بالجبنة الصفراء .. أحسن سندوتش فول في مجرة درب التبانة .. كان يبيع السندوتش بنصف ريال بالرغم أن سعر الساندوتش ريال على الأقل في اي مكان آخر .. وكنّا نقف طابور في الصباح الباكر قبل الذهاب إلى المدرسة لكي نشتري من عنده وقِدر الفول بصلصة الطماطم يغلي ويتصاعد منه البخار .. كان يبيع في الهواء الطلق يلتحف السماء ويتكي على جدار يفصله عن بسطة أمعجمى

إقتربت بجانبه وأنا أجري .. كان حليق الذقن والشنب .. ربما هو من جنوب اليمن .. لأن أهل الشمال نادراً مايحلقون الشنب .. كان ممسكاً بطرف الثوب بيده ويجري .. سيقانه نحيفة جداً كسيقان دجاجة ومقوسة أيضاً بالرغم أنه ممتلئ من الأعلى .. كان يجري ويلهث ويتنفس بصعوبة .. سألته بإستغراب .. لماذا تجري .. ولماذا يجري بقية الناس ؟
قال .. هناك قصاص أمام مبنى البلدية .. سيقصون رقبة قاتل بالسيف .. شعرت بإرتخاء في ركبتي .. لكني لم أتوقف عن الجري .. قطعنا شارع القادسية بإتجاه مجزرة البلدية .. وعندما وصلنا .. كان هناك دائرة كبيرة من الجماهير المحتشدة .. كان القصاص في وسط شارع فيصل أمام مبنى البلدية .. ولأن المكان ضيق .. فقد كان التزاحم شديد .. أردت أن أدخل بين الواقفين فلم أستطع .. ذهبت أبحث عن مكان آخر وفتحة أنفذ منها كي أشاهد القصاص .. مرة أخرى لم أفلح .. أخيراً وجدت منفذ .. وقفت خلف أحد الجنود الواقفين والمتكي على بندقية .. لكن القصاص كان قد نُفذ ولم أشاهد ضربة السيف .. خُسارة جريت ع الفاضي .. كان هناك رجل مُلقى على الآرض وبحيرة صغيرة من الدماء بجانبه .. شعرت بقشعريرة وأرتخاء في أعصاب ساقي

كان هناك سيارة إسعاف أخذوه ونقلوه إليها .. تفرّق الناس بسرعة .. عدا بعض الأولاد كانوا يتناقلون الخبر وكيف أن ضربة السيف جعلت الرجل يتشقلب .. يا إلهي .. لم تفارق مخّيلتي صورة الرجل الميت على الأسفلت وبقعة الدم بجانبه لزمن .. حتى أنه لم يقم أحد بتنظيف بقعة الدم .. بل حثوا عليها بعض التراب .. فبقيت الدماء ملتصقة بالأسفلت لأيام
كان لذلك الزقاق الذي عبرنا منه من شارع اليرموك إلى شارع القادسية ذكريات كثيرة .. زريبة عمتي أم محمود هناك .. وهذه الزريبة كانت تقع على أرض لجد والدي .. تلك الأرض التي كان لجدي فيها عُشة .. بيت من القش .. وولد فيها أبي وعماتي .. حدث ذلك قبل أن آتي لهذه الدنيا .. فلم أحضى بشرف السكن في العشّة .. ثم أنتقل أهلي للأرض التي فيها عمارتنا الآن وقبلها كان منزلنا الشعبي الذي حدثتكِ عنه في البداية

كانت الزريبة ملتصقة بعمائر الشيخ فاحس ومولانا الشيخ أبو عين قزاز وبيت حاتم من الشرق والشمال .. ومن الغرب يحدها بيت رجل كان يأم الناس في مسجد مولانا الشيخ ابو عين قزاز .. وكان يعلم الناس في حلقة القرآن أيضاً .. كان نائباً إذا غاب مولانا الشيخ .. بعد أن إنتقلت عمتي من الحارة وأخلت الزريبة قام هذا الرجل ببناء عمارة .. ولأنه إمام ورجل صالح ولأن النبي وصّى بسابع جار فقد تمدد إلى أرض جدي وهبّش منها الربع .. ولا من شاف ولا من دري .. أمّا ربّنا عالم السر وأخفى ( لمؤاخذة مش مشكلة ) فهو غفورٌ رحيم .. خاصة إذا كنت تعلم الأطفال القرآن وتأّم الناس بالصلاة .. والرجل طالما نيته طيبة .. فإنما الأعمالُ بالنيات .. وهو يعّمر الأرض كما أمر الله .. حتى لو كانت أرض الجيران

عمّتي أم محمود إمرأة حنونة وتعمل بجد لا ترتاح أبداً .. كانت تذهب إلى تلك الزريبة كل يوم بعد العصر .. وكان للزريبة سور خشبي وباب يقفل بقفل .. كان أحد ابنائها يذهب لشراء ( القصب ) العلف .. ثم تقوم هي بإطعام الخرفان .. كان معها أيضاَ قطيع من البقر .. فكانت تطعمهم وتحلبهم وكنت أفرح بمشاهدتها وهي تحلب .. كانت أيضاً تُرسل لبيتنا بعض من حليب البقر في قوارير الماء الكبيرة البلاستيكية .. لكني أنا كنت أكره الحليب .. إلا أنني كنت أحب اللبن الرائب التي تصنعه خادمة عمتي وإسمها زهراء .. كان اللبن لذيذ جداً لأن به قطع من الزبدة

عمتي ملامحها تشبه جدتي .. كان يبدو عليها التعب وكأنها إمرأة عجوز .. ربما كانت في الأربعينات من عمرها .. لكن الناس وخاصة النساء في جيزان تشيخ أرواحهم قبل أعمارهم فينعكس ذلك على هيئاتهم .. وكان يكسوا وجهها سُمرة .. كنت أتوقف بالزريبة للفرجة فقط فأنا لا أحب مساعدة أحد بل أفضّل أن أكون عالة على المجتمع .. أخبرتني عمتي أن خروف نطحها .. شعرت بالأسف .. ثم رفعت ثوبها لتريني أثر النطحة وكانت ترتدي وزرة تحت الثوب .. فرأيت علامة حمراء تميل للسواد على جانب بطنها .. لكني تفاجأت من شيئ آخر .. بالرغم من أن وجه عمّتي يميل للسمار إلا أن بطنها لم يكن كذلك .. كان جلد بطنها حنطي فاتح

ذات يوم كنّا نلعب بعد صلاة العصر في تلك الساحة أمام دكان عم علي .. جاء إلينا رجل أعجم نعرفه حوّات .. كان يلبس وزرة وسميج .. توقفنا عن اللعب .. كان كمن يريد أن يقول شيئاً .. كانت عيناه مفتوحة بإندهاش .. فبدأ يقلد صوت تنهدات وتأوهات .. آه آه .. ثم يضع أصبعه الأوسط داخل يده الأخرى .. همّس لنا أن نتبعه وأشار لنا بأن نصمت .. تبعناه .. كان يتجه نحو زريبة عمتي .. لكنه توقف قبل أن نصل إليها .. وأشار إلى منزل حاتم .. كان لذلك المنزل باب مفتوح دائماً وعلى يمين الباب غرفة مهجورة وبها ما يشبه القمامة او إنها كانت مخزن .. وكان لتلك الغرفة نافذة مرتفعة تطّل على الزقاق .. وقف الرجل تحت تلك النافذة ووقفنا خلفه .. لا أعلم لماذا كنت أرتجف في تلك اللحظة .. كنّا ربما ستة او سبعة من الأولاد .. فجأة سمعنا أصوات تنهدات وتأوهات تأتي من تلك النافدة .. يا إلهي مالذي يجري .. كنت أظنه حاتم مع أحدهم هناك في تلك الغرفة .. ذيل الكلب عمره ما ينعدل
قررنا الهجوم على الغرفة بقلب رجلٍ واحد .. وبصوت واحد .. هاه هاه ما تسّووون .. كان يقف ولد مواجه للجدار يلبس فلينة بدون سروال ويقف خلفه أخ حاتم الأكبر أيضاً يلبس فلينة فقط وعاري بدون اي سروال .. لبس الولد سرواله وأطلق لرجله الريح وهو يشعر بكثير من الخجل .. لم يستطع رفع رأسه ولم تلتقي عيناه بعيوننا .. وكان هناك أثر ماء على سرواله من الخلف .. أمّا أخو حاتم فأخذ يشرح لنا أنه هو الرجل الذي كان يركب الآخر وأنه هو الفحل .. يا إلهي .. هو فعلاً فحل لأني رأيته قبل ذلك اليوم وهو يركب نعشة .. كان قطيع من الخرفان يمر بنفس الزقاق أمام منزلهم .. أمسّك بنعشة وأخذ يضاجعها من الخلف ويضحك .. أتذكر عندما رأيته يفعل ذلك إعتقدت أنه مجنون

يُتبع

متوسطة إبن سيناء