متوسطة إبن سيناء

(35)

متوسطة إبن سيناء

1983

سيدتي

كنت أقف أمام العمارة على الرصيف ذاك الصباح .. كان صباحاً مشُرقاً .. رطوبة عالية .. ورائحة أعشاب البحر تعطّر نسمات الهواء بالنتانة .. لكن لأننا نسكن جوار البحر فقد تعودنا على تلك الرائحة .. ربما كانت الساعة الثامنة صباحاً .. مرّت سيارة بحوض في المؤخرة من أمامي (بيك أب هايلوكس) .. ثم بدأت المطاردة .. السيارة تسير ببطئ على الأسفلت لكن أسرع مني .. وأنا أجري على الرصيف أحاول اللحاق بها ولفت نظر السائق لأمر خطير لاحظته .. كنت أصيح بأعلى صوتي .. هييييييييي .. وقّف .. هييييييييي .. وقّف .. لكنه لا يسمعني .. ربما يستمع لأغنية او قرآن داخل سيارته .. بدا شكل الرجل وكأنه من القرى المجاورة لمدينة جيزان .. كان يلبس عمامة مُميزة بأهل القٌرى ويلّفها بطريقة بحيث تظهر الطاقية في المقدمة من تحت العمامة .. كاد نَفَسي أن ينقطع وأنا أجري .. وكنت أستغل كل فرصة سانحة لكي أصيح مرة أخرى .. أطلب منه أن يتوقف كلما خفف السرعة أمام حفرة في الشارع او مطّب

كدت أصطدم بصندوق زبالة أخضر فوق الرصيف .. إنفّض إجتماع صباحي لبعض الذباب المجتمع حول صندوق الزبالة وتفّرقوا في كل الإتجهات .. لكني لم أتوقف عن الجري .. أخيراً إلتقت عين الرجل بعيني عندما أصبحت أجري بمحاذات النافذة الأمامية .. نظر إلي بخوف كمن شعر أني سأخبره عن سقوط ماطور السيارة .. او ربما جسد طفل صغير معّلق أسفل السيارة بعد أن سحبه كل هذه المسافة من أول شارع القادسية إلى كافتيريا ناصر .. صاح مُنفعلاً .. مالك (عبّلة) ..؟!! قلت له وأنا أحاول أن ألتقط أنفاسي بصعوبة .. النور .. النور حق سيارتك والع .. نسيت النور والع .. نظر الرجل إلي وجزء منه إرتاح لأن الموضوع بالنسبة إليه غير ذي بال .. وجزء آخر منه غاضب كما لو تمنى في تلك اللحظة أن يقتلع قلبي من بين ضلوعي .. تمتمت بداخلي .. صرف كهربة وتبذير يلعن عارك

سيدتي .. ربما تعتقدين أني إنسان ملقوف او ” عبيط ” او ساذج .. ربما أنا كذلك .. لكن لو عشتِ مع أبي في نفس البيت لتفهمتي ردة فعلي .. والدي إنسان حريص جداً ويكره التبذير .. ليس بخيلاً .. أبداً .. لكنه لا يُريد أن يكون من إخوان الشياطين .. دائماً ينهرنا ويأمرنا بالإقتصاد في إستخدام الكهرباء في البيت .. يكره جداً أن يجد مكّيف يعمل في غرفة بدون أن يكون بها أحد .. يكره أن تكون غرفة مضاءة بدون أن يكون بها أحد .. يكره أن نُبّذر في الأكل .. كان يأخذ هذه الأمور بجدّية .. فأصبحت أنا مُبرمجٌ لردات فعل معينة .. حتى أصبحت لا أطيق أن أرى أي تبذير في الكهربة .. لدرجة أني لو كنت أعرف أين مكان مفتاح إطفاء لمبات الشارع لأطفأتها .. أحياناً تُترك الإضاءة لأوقات أطول بعد بزوغ النهار .. حتى القمر يا سيدتي يستمر ضوءه بالرغم أن الليل قد رحل .. من يدلني على زر القمر

لكن والدي كريم وكريم جداً عندما يتعلق الأمر بالتعليم .. إشترى لي مكتب للمذاكرة .. وكنت سعيد بذلك .. خاصة أن للمكتب أدراج .. وللأدراج مفتاح .. أخيراً لن أحتاج لتسلق سور البيت والمشي على سطح المطبخ المليئ بالأخشاب والمسامير الصدئة لأصل إلى سطح المجلس وأخبي أشيائي الخاصة .. سأفتح هذا الدُرج بكل بساطة .. وأضع أشيائي هاهنا ثم أقفله .. صحيح أن المكتب موجود في غرفة نوم أبي .. لكنه لا يأتي لهذه الغرفة كل يوم .. هو يعود فقط وقت النوم في الليلتين التي يقضيهما عند أمي .. هذه الغرفة أكثر هدوءاً من المجلس .. المجلس مُزعج .. التلفزيون وكل الصغار هناك

كُنا ما نزال نعيش في بيت أمي المتواضع للسنة الثالثة .. نعيش وننام في المجلس .. بينما والدي ينام في الغرفة الأخرى عندما يحضر للبيت بعد كل يومين .. عُمرة أختي تعيش في العمارة عند عمتي زُليخة .. بينما سهام تعيش معنا عند أمي وكومة من الصغار .. كان لعُمرة مكتب حديد رمادي اللون .. مع إنها كسولة في المدرسة .. بينما سهام تفضل حل الواجب والمذاكرة على الأرض وهي تشاهد المسلسلات الأردنية بعد المغرب .. سهام متفوقة دراسياً حتى بدون المكتب .. أمّا أنا فتصّورت أنني لو إشتريت مكتب .. فسيساعدني ذلك على الجلوس وحل الواجبات المدرسية بنفسي

ذهبت بنفسي إلى معرض اولاد الشيخ فاحس المقابل لعمارتنا .. وأشتريت مكتب حديد .. لكن سطح المكتب مغطى بلون خشبي بني غامق .. ولون بيج من الجوانب والأمام .. وكنت فرحان عندما بدأت الدراسة في متوسطة إبن سينا ورأيت مكاتب المدرسين تشبه مكتبي .. ” محدش أحسن من حد ” .. سيدتي .. سأخبرك بسر لم أكشفه لأحد قبل هذا اليوم .. شعرت في اول يوم للدراسة بشيطان أحمر صغير بقرنين وذيل .. يقف في داخلي .. يفرك يداه .. يضحك ويقهقه كلما رئى أبي .. أبي الذي يحمل الشهادة الإبتدائية فقط .. وأنا اليوم أقف هاهنا في طابور الصباح أستعد للدخول لحقبة جديدة .. ربما لم يستطع والدي بلوغها .. وشعرت بشيطان آخر داخلي يتوعد عمتي زُليخة بالتفوق .. خلاص طويت صفحة الإبتدائية .. وسأثبت لهذه العمة التي تقلل من شأني وتتحداني .. أنني أستطيع أن اواجه اللغة الإنجليزية والمتوسطة بلا خوف

منذ أن وعت عيني النور ومتوسطة إبن سيناء مبنى مُستأجر .. وربما أموت وهي مازالت كذلك .. كانت في حارة “أمّسطح ” .. ثم إنتقلت بجوار المدرسة الشامية شرق منزلنا .. فكنت أمشي إليها كل يوم من شارع الكورنيش .. لا يستغرق ذلك سوى خمس دقائق .. المدرسة كأنها فلة قديمة وشبه آيلة للسقوط .. سور أبيض وباب حديد أسود .. وساحة ضيقة كنّا نقف فيها لطابور الصباح .. ثم تنقلب إلى ملعب لكرة الطائرة من بداية الحصة الأولى إلى الفسحة .. او الحصة الرابعة .. مبنى صغير في الواجهة من دور واحد يتكئ على مبنى آخر بجانبه .. وكانت غرفة المدير أسفل المبنى .. وباب المدير يطل على الساحة والبوابة .. ثم غرفة للمدرسين وبجانبها غرفة عمي عبدالغفور مدرس الرياضة .. ثم مقصف المدرسة في الزاوية الشمالية الغربية بجانب السور .. والمقصف عبارة عن صندوق خشبي كبير يشبه الغرفة

اول خيبة أمل في المدرسة أنه لم يكن يوجد ملعب لكرة القدم .. فكان علينا للثلاث سنوات القادمة أن نتعلم ونلعب كرة الطائرة .. وكان هناك مفاجأة أخرى .. لم تكن مفاجأة بقدر ما كانت مصيبة .. كل أصحاب عمي او أكثرهم مدرسين في المدرسة .. مدرس الرياضة عمي عبدالغفور .. مدرس العلوم سنة اولى ولد عمتي محمود .. مدرس علوم ثانية وثالثة ولد عمتي عبدالكريم .. مدرس الفنية صديق عمي الرسام المشهور .. المدير ووكيل المدرسة من حارتنا .. المهم بإختصار .. أنا مُراقب من كل الجهات .. واي حرّكة او مصيبة أعملها ستصل الأخبار مُباشرة لأبي .. الأمّر من ذلك .. كنت مستحي جداً .. وأحاول أن أكون مؤذب ومحترم .. وكذلك كنت لثلاث سنوات

كان مدّرس اللغة العربية شديد جداَ .. أصبح فيما بعد مديراَ لاول مدارس أهلية في جيزان .. ولأنه شديد يضرب الطلبة .. ويطلب منّا إحضار ولي الأمر إذا ما نسي أحد حّل الواجب .. فقد إهتميت كثيراً بمواد اللغة العربية تلك السنة .. وكان يتظاهر بالورع والصلاح .. مظهره مظهر رجل مطّوع .. لأنه يرتدي غترة بدون عقال .. ودائماً ما تظهر الطاقية من تحت الغترة .. ويقوم بإعادة الغترة لمكانها كل ثلاث دقائق بحركة لا إرادية ويحدد المرزاب .. الغترة بدون عقال والطاقية البارزة هذا كل ما تحتاجه لتظهر أمام الناس في جيزان كأنسان صالح وورع .. لكنه لم يكن كذلك .. إكتشفت ذلك بالصدفة .. ذات يوم بعد صلاة العصر وكنت متجهاُُ للملعب وهو قريب من منجرة بلغيث شرق جيزان .. مررت من خلف مقهى على الكورنيش .. وكانت واجهته تطّل على الشارع في منطقة تُسمى المطّلع .. رأيت مدرّس اللغة العربية يتوارى خلف المقهى وحيداً وبعيداَ عن الأنظار على كُرسي يتيم يشرب الشيشة .. أنا جريت .. خفت أن يراني .. لأني أنا الطالب وهو المدّرس .. فالمفروض أن أخاف .. بالرغم أنه هو من ينبغي عليه أن يستحي ويخاف ويجري وليس أنا .. لأني لم أفعل شيئ خطأ

ولد عمتي محمود مدرس العلوم كان عكس مدرس اللغة العربية تماماَ .. كان يتظاهر بأنه مدرس صايع بدل التظاهر بالصلاح .. مع إنه مُحترم جداً ومن عائلة محترمة .. العقال مائل ويمشي قليلاً مثل يوسف الثنيان لاعب نادي الهلال
.. ليس لأنه عربجي بل لأن تلك مشيته الحقيقية .. أقولها بلا أدنى تردد .. أن ولد عمتي محمود أفضل مّدرس مرّ علي في جميع المراحل الدراسية .. لا أعلم لماذا ؟ ربما لأنه لم يكن يأخذ التدريس بجدية .. او أنه عارف أن حصة العلوم شيئ بسيط .. فلماذا نعقد الطلبة والمواضيع .. يا إلهي .. مضحك جداُ في الفصل .. ويعرف متى يجعل كل الطلبة يسكتون .. فلا تخرج الحصة عن السيطرة .. والأروع أنه لم يكن يستخدم الضرب بتاتاً .. لا أعلم .. هل المادة التي يدرسها سهلة .. أم أن له طريقته الخاصة في تبسيط الكتاب .. حتى يومنا هذا أستطيع أن أخبركِ سيدتي عن بعض الدروس التي درسناها معه .. الفقريات .. اللافقريات .. الثديات .. شٌعب الكائنات الحية الى آخره

عمي عبدالغفور مدرس الرياضة .. من صبح الله خير وهو يصيح في المايكرفون .. وح .. تنين .. تلاتة .. بعة .. وح .. تنين .. تلاتة .. بعة .. وح تنين تلاتة بعة .. ثم بعد إنتهاء الطابور يدّرس كرة الطائرة في المدرسة من الحصة الأولى إلى الثالثة .. ثم ينتقي أبرز الطلبة ليضمهم إلى نادي جيزان .. إختارني للتمرين معهم في العصر ذات مرة .. لكنني لم أكن أهتم بتلك الدرجة .. لم أستمر معهم .. في تلك السنة حقق بطولة المنطقة الجنوبية للنادي ربما لدرجة الشباب .. وظهرت صورة عمي وفريقه في جريدة عكاظ .. للأسف طموح الرياضيين في جيزان لم يكن يتعدى الفوز ببطولة منطقة جيزان ثم مقابلة فريق أبها الذي لم يسمع به أحد أصلاً .. هل سمعتي بفريق إسمه الوديعة ؟!! ثم يعتبرون تلك بطولة ..!!! ليس تقليلاً من إنجاز عمي .. او النادي .. لكن الطموح لا يجب أن يتوقف عند اي حدود .. أليس كذلك

في حصّة الدين كان يٌدّرسنا مُدّرس من القرى المجاورة .. وكنت أشفق عليه لأن الطلاب لا يكترثون له كثيراً .. الرجل مربوش خِلقة .. والحصة تخرج عن سيطرته .. وعندما تبدأ حصة التوحيد ويبدأ الحديث .. تجد الطلاب يبدأون في الكلام ولا يتوقفون أبداً .. سأل المُّدرس سؤال ثم تقدم نحوي .. وكنت في الصف الثاني .. لكن نظراته زائغة في أرجاء الغرفة .. كأنه يبحث عن مصدر الشغب .. ربما كان يبحث عن التلميذ الذي يتكلم .. للأسف عشرون تلميذاً فاتحين أفواهم يتكلمون في نفس اللحظة .. عندما وقف بجانبي رفعت يدي كي أجيب على سؤاله .. لا أدري ما حدث ؟!! ولماذا كانت ردت فعله عصبية ؟!! هل لأن يدي كانت قريبة من وجهه ؟!! فالرجل قصير جداَ .. في تلك اللحظة أمسك إبهامي دون أن ينظر إليّ .. بل كانت نظراته مازالت تتوزع في ارجاء الغرفة .. ثم أخذ يُحرك إبهامي لليمين .. للشمال .. للأمام .. للخلف .. كأنه يلعب أتاري .. شعرت بألم رهيب وصرخت بأعلى صوتي .. يدي .. يدي .. يدي يا أستاذ .. لكنه لا يسمع .. وأستمر لدقيقة كأنه ينوي خلع إبهامي من مكانه .. الغريب أنني لم أبكي .. لكن الألم كان مُباغتاَ وحاداَ .. أخيراً ترك إبهامي لي

كنّا نذهب لصلاة الظهر مع المدرسين والطلبة .. الألم في إبهامي لم يتوقف .. بل لاحظت أنه أصبح مُنتفخاً .. نزلت إلى الساحة لأصلي وكان عمي عبدالغفور يتكلم مع أحد المدرسين .. أخفيت يدي اليمين داخل جيبي حتى لا يراها .. لا ادري لماذا خفت أن أخبره أن مدرّس التوحيد إبن القحبة كسر إصبعي .. أهلي أنذال من النوع الذي لا يفزع لك .. لابد أن يشرشحوك اولاً .. و يأنبوك .. ويبهذلوك .. ويحطموك .. وكأن الخطأ خطأك .. أنا متأكد لو عدت للبيت .. وأشتكيت لأبي مثلاً .. لألقى باللوم علي .. ولقال أنا السبب .. ولبحث عن أي حجة لأكون أنا المخطأ .. ربما هذا هو السبب الذي جعلني أخفي يدي داخل جيبي وأقضم الألم ولا أخبر عمي بما حدث .. أحياناً حتى عندما تخبرهم بما حدث لا يصدقوك أصلاً

عندما عدت للبيت ذهبت إلى العمارة وتغذيت عند عمتي زُليخة .. حاولت أخفي يدي .. لكن عند الأكل يجب أن تأكل باليمين .. شاهدت عمتي زٍليخة يدي فصرخت في وجهي .. ما الذي حدث لك .. بدأت أبكي .. كان الإبهام مُنتفخاً بصورة كبيرة .. قامت عمتي وأخبرت عمي عبدالغفور .. أخذني عمي مباشرة للمستشفى .. توقع أني وقعت على يدي .. لكني أخبرته أن مٌدرس التوحيد يحسب معاه عصيدة .. أمسك بإبهامي وأخذ يدور به .. وكنت أصرخ وأصيح كي يتوقف .. لكنه أصنج .. او أن الفصل صّجة .. او أنه سمعني ولم يأخذ صرخاتي بجدية .. سألني عمي بغضب .. لماذا لم تخبرني في المدرسة ..؟ سكت .. لم أعرف ما أقول .. في تلك اللحظة .. تخيلت عمي عبدالغفور البطل وولد عمتي محمود يمسكون المدرّس في ساحة الطابور ويلعنون ابو جدفه .. عمّي عصبي .. متأكد أنه سيعلقه في شبكة الطائرة .. وصلنا المستشفى .. أشعة سينية وجبيرة .. قالوا أنه تمّزق في الأنسجة ولم يكن كسر .. حتى يومنّا هذا مازال هذا الإبهام مشّوه .. ولم يعد أبداُ كما كان .. شاهديه

يُتبع

وجه وسبعة كفوف