وجه وسبعة كفوف

(36)

وجه وسبعة كفوف

1983

سيدتي

بالرغم أني حاولت أن أنفي هذه التُهمة عن نفسي لسنوات عديدة .. إلا أنني أخيراً أدركت كم أنا إنسان حقود ذو قلبٍ أسود .. لا أنسى الإساءة أبداً .. لا أنسى الإهانة ولا أقبلها .. وأحمل معي تلك الرغبة القوية في الإنتقام لسنيين طويلة .. لا أعرف ما السر في ذلك ؟ لماذا أنا هكذا ؟!! هناك دعاء هندوسي للهنود يقول : ” إلهي .. سلِّمنا من سم الكوبرا .. و أسنان النمر .. و حقد الأفغاني ” .. سأضيف إلى تلك القائمة .. و حقد خليل .. بالرغم أن مُدرس التوحيد مّزق أصبعي في الفصل .. ودخلت إختبارات الفصل الثاني ويدي وذراعي في الجبس .. لكن أقسم أنني لم أحقد عليه .. بل شعرت أنه مسكين لم يكن يقصد ذلك .. وتأسفت أكثر بعد أن تم تحويله للتحقيق في إدارة التعليم .. ثم إختفى بعد ذلك .. فلا أتذكر أنني رأيته .. لا أعلم .. هل إختفى بسببي .. أم لأن الحادثة حدثت قبل إختبارات الفصل الثاني .. ولم يعد يدّرسنا نتيجة حركة نقل المُدّرسين .. لم أحقد على مدرّس التوحيد كما حقدت على مدّرس الرياضيات

أغبياااااااااااااء .. أغبياااااااااااااء .. يصيح بصوت جهوري حاد .. لم يكن ذلك الصوت صوت ببغاء جون سيلفر في مسلسل الكرتون جزيرة الكنز .. بل كان صوت مدرس الرياضيات الأستاذ أحمد .. في غرفة شبه مظلمة تُسمى فصل اولى (د) في مبنى مُتهالك يُسمى متوسطة إبن سيناء .. في بلدة لم يسمع بها أحد تُسمى جيزان .. يصرخ بأعلى صوته و بصوت حاد .. ويمدها بنفس الطريقة .. أغبياااااااااااااااء .. ثم يضرب بيده الطاولة بعصبية .. فيحيل الفصل إلى بؤرة توتر .. حسناً يا سيدي .. إذا كُنّا أغبياء فما الفائدة من تعليمنا ؟!!! لماذا تُضيع وقتك ووقتنا .. ألم يكن من الأجدى أن تتركنا نذهب نلهو ونلعب .. قلتُ في نفسي

لون الأستاذ أحمد فئراني .. وعيونه صغيرة جداً .. ولأنه مُدمن على أكل القات فعيونه الصغيرة جاحظة أيضاً .. وتزداد حدّة عندما يغضب .. فتشعر أن الشرار يتطاير منها .. و إنها على وشك الخروج والسقوط على الأرض .. وله شنب خفيف .. لم يكن في الحقيقة شنب .. بل شعيرات طويلة مُتباعدة ومتناثرة تنساب على شفته العليا .. هو فعلاَ يشبه الفأر .. لكنه يلبس لباس السعودي .. ثوب وغُترة .. تخيلي فقط فأر مُرعب بثوب وغترة وعقال لكن ينقصه الذيل يقف أمام الطلبة كل يوم .. ويصيح أغبياااااااااء .. هذا الفأر المدرس هو مُدرس الرياضيات الأستاذ أحمد

كان الدرس عن أضلاع المثلث .. ا ب ج .. بالرغم أنه مُثلث وأضلاعه ثلاثة لا أقل ولا أكثر .. إلا أن المُدرس العبقري أدخلنا في دوائر ومتاهات لا تنتهي .. شعرت أن رأسي دار ولم أفهم ما يقول .. أنا شخصياً بمجرد ما أشعر بتهديد من المٌدرس او إهانة أفقد تركيزي .. إقترب مني لينظر إن كنت أطّبق ما قاله في حل مثال من الأمثلة .. نظرت إليه بخوف وأخبرته بصوتٍ خافت ومُتردد أني لم أفهم الموضوع .. فغضب وبدأ يشرح بسرعة وبسُخرية .. ويُشير بيديه في كل الإتجاهات .. لكنني لم أستوعب ما يقول .. فقد شعرت بالخوف منه وفقدت تركيزي .. لم أعد أدري هل كان يشرح المثال أم أنه فقط يُهدد ويتوعد .. أخذ دورة في الفصل يتفقد بقية الطلبة .. وتظاهرت أنا بحل المثال على أمل أنه لن يعود .. لكنه عاد إبن الجزمة وأكتشف أنني لم أفعل اي شيئ .. غضب وصرخ في وجهي .. ثم ضربني على وجهي كف بأطراف أصابعه .. لم يكن بتلك القوة .. لكن يكفي ليشعرني بالإهانة .. ثم زاد من حدته وهددني أنه سيدور على الطلبة ويعود ليتأكد إن كنت نفذّت نصائحه

لم يعد يهم ما يقول .. فلم أعد أسمعه .. إحتبست دموعي في عيوني أجاهد أن لا تسقط .. من غير المعقول أنا في اولى متوسط ومازلت لا أتحكم في دموعي .. ماذا سيقول بقية الأولاد .. والمصيبة أني أجلس بجانب الباب .. والباب مفتوح ويطّل على باب الفصل الثاني .. وهو مفتوح أيضاً .. يعني الكل شاهدني وأنا أنضرب كفّ .. فصل اولى (د) وفصل اولى (ب) يافضيحتي بين الفصول .. عاد المدّرس بسرعة وأنا غارق في دوامة من الأفكار والهواجس ودمعة متحجرة تقف على أعتاب السقوط .. آه ياليل الذل ما أطولك .. أما لك من نهاية

أين الحل يا خليل ؟ قالها وهو يُزمجر .. لم أجبه .. بل لم أرفع رأسي حتى .. طلب مني أن أنظر إليه وهو يصيح .. وعندما نظرت إليه ضربني كف ثاني .. بنفس الطريقة بأصابع يده .. لكن أقوى قليلاً هذه المرة .. ثم أخذ يتمتم بكلام لكني لم أعد أسمعه .. كنت أبكي في داخلي .. لماذا يضربني هذا الوغد ؟ ولماذا لا أستطيع الدفاع عن نفسي ؟!! لن تصدقي يا سيدتي إذا قلت لك .. لم أكن خائفاً من المدّرس بقدر خوفي من أبي .. والدي كان يخبر المدرسين عندما يقابلهم ويقول لهم أمامي : شّدوا عليه أضربوه حتى يتعلّم .. أصبحت لا أرى الكتاب او الكراسة .. فعيوني أصبحت تسبح في بحيرة من الدموع .. ذهب المدرس ثم عاد للمرة الأخيرة .. ووجد أنني كما أنا لم أفعل اي شيئ .. فضربني كف ثالث أقوى من السابقين .. وأخذ يصيح بأعلى صوته في الفصل .. ولد غبي .. مدّلل .. أهلك لم يٌربّوك .. لم تستفزني كلمة غبي .. او كلمة مُدلل .. بقدر ما إستفزتني جملة أهلك لم يربوك .. شعرت بدمي يغلي .. شعرت أن الجملة لا تخُصني .. بل التهمة موجهة لأبي .. للبيت .. للعائلة .. شعرت أنه أراد أن ينتقص فيها من قدر أهلي .. فأزددت حِقداً عليه

يبدو أنني أخذت مقلب في المرحلة المتوسطة .. تخّيلت أن الضرب سينتهي مع نهاية المرحلة الإبتدائية .. من غير المعقول أن أُضرب وأنا في الصف الأول متوسط .. ياناس كبرنا خلاص على الضرب .. هكذا كُنت أتصّور .. في الإبتدائية وقلنا ” معليش ” أطفال ننضرب لأننا شياطين حسب ما يعتقد الكبار لا ملائكة .. لكن حتى في المرحلة المتوسطة وننضرب أيضاً .. لا لا لا .. كانت خيبة أمل كبيرة .. كم إنتظرت هذه السنة بفارغ الصبر .. حتى أقول إنني الآن رجُل .. كم تمنيت في الماضي أن أكون رجلاً أدخل المرحلة المتوسطة وأترك الإبتدائية وعالم الطفولة .. اليوم أنا في المرحلة المتوسطة .. صحيح لم ينبت لي شنب بعد .. لكني في المتوسطة .. ووسائل الضرب تطّورت أيضاً من الضرب بالخيزرانة إلى الضرب بالكفوف .. يبدو أن هذا هو ما يسمّيه آساتذة التربية بتطوير وسائل التعليم

يا إلهي كان يوماً مشهوداً في حياتي .. ثلاث كفوف في يومٍ واحد من مدرس الرياضيات .. أشتكي لمن ؟ لوالدي !! هو الذي كان يٌحرضهم .. أأشتكي للمدير ..؟ الخيزرانة لا تُفارق يده .. لم يكن من سبيل سوى أن أحمل هذه الصفعات معي هاهنا بين ضلوعي حتى يأتي اليوم التي أسدد فيه كل الفواتير .. أنا الذي ضُربت في كل حياتي سبعة كفوف .. كانت أختي سهام صاحبة الكف الأول .. صفعتني عندما كنت في الصف الخامس .. الكلبة .. ثم هربت إلى الحمّام و أغلقت الباب خلفها .. تحينت الفرصة كي أرّد الثأر لكن أبي كان لي بالمرصاد .. أبي لا يتسامح مع من يضرب البنات .. وكان يقول ما دمت على قيد الحياة لن أسمح أن يمس أحد بناتي بسوء .. إذا أخطأوا عليك تعال وأشتكي لي .. والدي لا يسمح بضرب البنات .. نُكتة سخيفة أليس كذلك .. هو إنسان متٌناقض على أي حال .. ينهرني أن لا أمّد يدي على أيٍ من إخوتي البنات لأنهم بنات .. لكنه يضرب أمي

مع الزمن غفرت لسهام وسامحتها .. لم يكن كّفها بتلك القوة على أي حال .. ثم هناك كف والدي .. ضربني ذات مساء كف أيضاً .. والدي الذي عوّدني على ضرب الخيزرانة .. او خرطوم الماء .. او كعب الجزمة .. او عصى المُكنسة .. إلا أنني لم أشعر بنفس الإهانة كما شعرت عندما ضربني كف على وجهي .. لا أدري إن كٌنتُ سامحته .. كان الكف مفاجأة لم أتوقعها .. التغيير حقاً صعب .. فأنا إنسان تعود أن يُضرب بالجزمة او بالعصا او الخيزرانة او خرطوم الماء .. وفجأة عندما يتم إستخدام وسيلة ضرب جديدة تشعر بالصدمة .. كل حواسك مُتجهة صوب أسلحة الضرب الأخرى .. جسمك وكل أحاسيسك تكّيفت مع تلك الوسائل القديمة .. والآن عليك أن تتكيّف من جديد

ثم هناك الولد عزوز من حارة أمّعش .. عزوز ولد داشر من صُغره حتى أنّه ترك الدراسة من اولى إبتدائي .. وأصبح شغله الشاغل السياكل ثم الدبابات والتسكع في الشوارع .. ثم ترقى في سُلّم الحياة وأصبح مٌهّرب قات .. وبدون الحاجة إلى واسطة .. بل مُعتمداً على قدراته الذاتية الفريدة وخبرته في الأزقة والشوارع .. القات يُعتبر في السعودية من الُمُخدرات التي يُعاقب على تهريبها وبيعها وحيازتها القانون .. ذات يوم في العصر وأنا ذاهب للملعب مع إثنين اولاد يمنيين من حارة المعّش .. شاهدنا الولد عزوز على شارع الكورنيش وكان معه قِرد بابون يجره بحبل من رقبته .. والأطفال يُحيطون به .. توقفنا نشاهد القرد .. وعزوز يشعر بالخيلاء .. فالكل يلتف حوله يُحاول أن يتقرب إليه .. كل الذي فعلته أنني سألته بكم إشتريت القرد .. فكان رده أن صفعنّي بكفّه على وجهي .. تراجعت للخلف وأنا في حالة صدمة وذهول .. كنت ربما في سادسة إبتدائي صغير نحيل .. وكان أكبر مني وممُتلئ وشخص عدواني جداً .. هذا الولد شرير ومُنحّل بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. لو أراد أن يغتصبني في تلك اللحظة لفعل .. ليس لديه أهل .. بل لقيط يعيش في الشارع .. كُل الأطفال يخافون منه حتى أن الولد الآخر الذي كان معي وإسمه أحمد مسكين قال لعزّوز ” حرام عليك ما سوّى لك ولا قّلة ” وضع عزوز سبابته على فمه وأشار للولد أن لا يتفوه بكلمة ” صّه “.. فلم يتكلم الولد بعدها .. حملت ذلك الكف معي .. قلت لنفسي .. سيأتي يوم سأكبر و سأرد الدَين ياعزوز يا أبن طوطية .. هكذا كانوا يسمونه

.. أمّا الكف السابع .. فكان من شخص لم أتوقع أن يضربني .. هو في سن ولد عمتي صالح او جابر .. أكبر مني كثيراً .. وكنت أنا في الحادية عشر من عُمري .. لكنه نفس أسلوب النذاله .. يستغلون أنك طفل صغير .. تلهوا بعيداً عن مُراقبة أهلك .. بعيداً عن الأعين .. كنت أقف في تلك الساحة أمام دكان مولانا الشيخ ابو عين قزاز قبل المغرب .. ولم يكن أحد من الاولاد هُناك .. إقترب مني سلمان أخو ناجية التي كانت تلعب معنا في الماضي .. سلمان شاب أبيض .. فمه كبير جداً .. وكذلك شفايفه وأسنانه .. عكس وجهه الصغير .. قال ليش ضربت ماجد ؟ وقبل أن أنبس ببنت شفة .. ضربني كف على وجهي .. شحب وجهي من الخوف .. خِفت أن يفعل ما هو أكبر من الكّف .. تسّمرت في مكاني و أخذت أنظر إليه في ذهول .. ربما دخلت في مٌشاجرة كلامية مع أخوه الصغير .. لكني مٌتأكد أنني أبداً لم أمد يدي عليه لسببٍ يتيم .. أعرف أن له إخوة كثير أكبر مني .. الموضوع بالنسبة لي لا يستحق تلك المُجازفة .. تماسكت ولم أبكي هذه المّرة

ذكريات اول فيلم سكس