تلك الليلة .. شيء ما إنكسر

(38)

تلك الليلة .. شيء ما إنكسر

1983

سيدتي

لو عرف زملائي في الفصل أن مٌدرّسة مصرية كانت تدّرسني في البيت لأصبحت فضيحتي بجلاجل .. ” حمدُ لله جت سليمة ” .. في الحقيقة لم تكن الأستاذة عايدة مُدرستي الخاصة .. بل كانت مُدرسة أختي سهام وعُمرة .. لكن والدي بالمناسبة كان بارعاً في إستغلال بعض المواقف والناس وضرب عصفورين بحجر – على الأقل هكذا كنت أتصوّر — مثل أن عبده الأريتري عامل البقالة يتم إستخدامه أحياناً في أشياء ليس لها علاقة بالبقالة .. كأن يقوم بالمساعدة في حمل ( دولاب ) ثقيل للدور الثاني او المساعدة في إنزال مكّيف ( خربان ) .. الأستاذة عايدة مُرافقة و زوجة أحد المشرفين المصريين في إدارة التعليم .. بمعنى أن الزوج يعمل في السعودية بعقد عمل بينما الزوجة ترافقه لكن بدون وظيفة

زوجها رجل لطيف .. هي أيضاً في مُنتهى اللطف .. ربما كان والدي يبحث عن مُدرسة للبنات او أن الزوج كان يبحث لها عن عمل .. لا أعلم .. إحساسي يقول أنها لم تكن تتقاضى أجراً بل مجاملة لوالدي ربما .. لا يهم .. المهم أنني مازلت أتذكر رائحة البصل تفوح من ( نخاشيشها) حتى هذه اللحظة .. حاولت أتفادى تلك الرائحة لكن دون جدوى .. يا إلهي أشعر كأن الرائحة النتنة ستصرعني .. حتماً سأسقط أرضاً .. صريع البصل .. وضعت قبضة يدي فوق فمي أتظاهر أني مُندهش من طريقة حلّها السحري لمسألة في الرياضيات .. لكنني كنت أدفع بيدي تجاه أنفي ببطئ حتى لا تلاحظ هي مدى إنزعاجي من رائحة أنفاسها النتنة .. لم أشأ جرح مشاعرها .. صعب جداً إستيعاب مسألة الرياضيات في تلك اللحظة إذا كان تركيزك منصب على شيء واحد وواحد فقط .. كيف يمكن صد رائحة البصل ؟ وهل هذه الرائحة قاتلة ؟ .. لِما لا ؟! فقد حاولت كتم أنفاسي لأطول مدة ممكنة حتى لا أستنشقها .. ماذا لو مت في تلك اللحظة ؟! .. شهيد البصل .. او ربما مادة الرياضيات لا يهم .. ثم جرّبت التنفس عن طريق فمي أيضاً .. لم تكن رائحة البصل المشكلة الوحيدة .. بل كنت أخشى أيضاً أن يفوتني مسلسل سمير غانم ( الطاووس ) .. عندك فلوس ع الناس تدووووس .. وتبات غٌراب تصبح طاووووس .. تصبح طاووووس تصبح طاووووس .. لامع جداً .. لم تكن المذاكرة بالأمر السهل .. ليس معي على أي حال

الأستاذة عايدة تُدرسني مادة الإنجليزي وكذلك الرياضيات .. مادة الرياضيات تٌشكل أهمية خاصة بالنسبة لي .. فلم أنسى بعد الثلاث صفعات من مُدرسها العصبي .. ملامح الأستاذة عايدة رقيقة .. فـوجهها بيضاوي طويل وأبيض مع أنف رقيق وقصير يرتفع لأعلى بشموخ ورقة .. وفوق أنفها وخدودها نقاط بُنّية ( نمَش ) .. كانت تأتي لبيتنا بعد صلاة المغرب لتدريس البنات .. وكنت أذهب لبيتها في العصر أحياناً في حارة الجمّالة القريبة من أمسوق أمداخلي في أيام أخرى .. أتذكر أن بيتها شقة صغيرة جداً مظلمة من الداخل .. ورائحة مميزة مثل رائحة بودرة الأطفال تُمّيز رائحة الشقة .. هذه الرائحة تُميز شقق كثير من المصريين في كل مكان .. رائحة مثل ” التوقيع ” .. إذا شممتها في بيت او شُقة فهذا يعني أنك في بيت مصري .. مثل رائحة الكاري في بيوت الهنود او تلك الرائحة المميزة للشعر عند الباكستانيين

قبل بدء الإختبارات النهائية تكلم المُدرس وهو رائد الفصل أن زميلي يحيى هو ثاني أفضل طالب في الفصل وأني أنا خليل الأول وذلك بناءاً على درجات أعمال السنة وشهادة المُدّرسيين .. كُدت أسقط على الأرض من هول الصدمة .. نظرت ليحيى بإستغراب بعيون مفتوحة مُندهشاَ .. أنا طالب نشيط لكنني أعرف قدراتي .. لا يمكن أن أكون الأول على الفصل .. لابد أن هناك خطأٌ ما .. هل المُدرسّين يجاملون أبي او عمّي عبدالغفور ؟!! لا أعلم ..! نظر يحيى للمدرس نظرات إحتجاج .. وبدا يتمتم بكلمات غير واضحة وهو يتلفت لليمين واليسار بعد أن قضب حاجبيه .. بدا كأنه يتمتم .. والله حرام .. والله حرام .. ثم أردف المدرس بأن فصلنا هو أسوء فصل بين الثلاثة فصول .. هذه أنا أصّدقها

قبل الإختبارات أصيب يحيى بحادث سيارة ولم يستطع الحضور للمدرسة لحضور الإمتحانات النهائية .. لكن المدرسة كانت تُرسل له مُدرس للمستشفى كل يوم يختبره وهو على السرير الأبيض .. مسكين يحيى .. ذهبت مع بعض الطلبة لزيارته في المستشفى .. لم يكن سعيد أبداً بذلك الوضع .. وكان يبدو على محياه الحزن والتذّمر

في المرحلة الإبتدائية بدأت رحلتي مع الغش من الصف الرابع .. لكن لم تكن طريقتي في الغش تتجاوز سؤال الطالب الذي خلفي او أمامي عن فقرة لا أعرفها .. ولم تكن تصل أبداً لدس ورقة صغيرة ( برشام ) بالإجابة .. والسبب بسيط .. لأني خوّاف .. في سادسة إبتدائي تطور الأمر وكان المدّرس يخرج من الفصل كي نبدأ بالغش من بعض ثم يقول باللهجة الجيزانية : ( يالله المهم تخارجون — نشاكم تنجحون وكل واحد يروح في طريقه ) .. أمّا هذه المرة فكانت الحكاية مختلفة .. خاصةً في مادة العلوم التي يُدرّسها ولد عمّتي محمود

بعد أن قام الأستاذ محمود بتوزيع اوراق الأسئلة علينا أخذ يقرأها لنا .. كانت الأسئلة مكونة من أربع مجموعات 1 -2 – 3 – 4 وكل مجموعة مكونة من ثلاث فقرات أ – ب – ج .. الأسئلة جداَ سهلة .. مثل إملئ الفراغ .. وصح وخطأ .. وهكذا .. بدأ الأستاذ محمود يقرأ لنا السؤال الأول .. ثم قام بملئ الفراغ للسؤال الأول بالإجابة الصحيحة .. إلتفت إليه مُندهشاً .. إعتقدت في البداية أنه إرتكب خطئاً غير مقصود .. لكنه أكمل قراءة بقية الأسئلة وملئ الفراغات بالإجابات الصحيحة .. هههههههههه .. المصيبة أن بعض الطلبة لم ينتبه لذلك .. مع إنتهائه من قراءة جميع الأسئلة كان الأستاذ محمود قد أجاب على جميعها .. واااو .. والله إنه رهيب .. أنهيت الإختبار ثم خرجت مع ثلث الطلبة في ربع ساعة غير مُصّدقين وفرحين .. الأستاذ محمود له نظرته الخاصة ربما للتعليم .. كان يأخذ الأمور ببساطة دون تعقيد .. أعتقد أنه على صواب .. يا أخي كٌنّا أطفال .. العجيب أنني مازلت أتذكر بعض ما تعلمته منه في مادة العلوم حتى يومنا هذا .. عكس المواد الأخرى التي كان يقوم مُدرسيها بتعقيد الأمور .. والضرب والبهذلة .. فلا نحن تعّلمنا منهم بذاك القدر الفعّال .. ولا هم تركوا لأنفسهم ذكرى طيبة لدينا

في البيت حضر عمي عبدالغفور وأخبر عمتي زٌليخة أنني حققت أعلى درجة في مادة الرياضيات على مستوى المدرسة للصف الاول المتوسط .. وأنني الوحيد الذي تمكن من الإجابة عن سؤال ( الإثبات ) دوناً عن بقية المدرسة .. لم أصدّق ما قال .. معقولة أنا أفضل من الولد المصري أسامة أحمد عبدالرحمن رمزي ؟!!! أشطر واحد في المدرسة وأشطر واحد في العالم يمكن .. لابد أن الجهد الذي بدلته الأستاذة عايدة في إثبات أن المثلث أ ب ج متساوي الأضلاع لم يذهب هباءاً منثورا .. او أن الثلاثة كفوف من مدرّس الرياضيات أتت بنتيجة .. يعتمد حسب زاوية الرؤية لكل إنسان .. أنا شخصياً لم أكن مصّدقاً لما أسمع .. ثم حضر محمود ولد عمتي للبيت وجلس مع عمتي زُليخة فسألته عن أخيه موسى الذي كان يدرس معي أيضاً في الصف الاول المتوسط في نفس المدرسة .. فأجابها أنه لا يوجد أمل في موسى .. قال : ( موسى مش في خبر الدراسة ) .. لكن خليل قد يحقق شيئاَ ما هذه السنة .. حدث هذا قبل اليوم النهائي تقريباً ونحن في الأيام الأخيرة للإختبارات وقبل معرفة النتائج النهائية

تلك الليلة لم تكن مثل باقي الليالي .. فاليوم هو آخر يوم للإختبارات .. والمُدّرسين في العادة لا يُغادرون المدرسة حتى الإنتهاء من تصحيح جميع المواد ومن ثَمَ تعليق أسماء الناجحيين على الحائط .. أخبرونا في الصباح أن نعود للمدرسة بعد صلاة المغرب لمعرفة النتائج .. قابلت ولد عمّتي جابر وكان معه سيارة جالنت رمادية موديل ٨٢ او ٨١ .. اولاد عمّتي يموتون في شيء إسمه سيارة جالنت ميتسوبيشي .. حتماً كانت سيارتهم المفضلّة .. على الأقل إشتروا منها ثلاث سيارات على التتابع .. الاولى إشتراها عبدالعظيم من خميس مشيط وكان لونها أصفر موديل نهاية السبعينيات .. الناس في البداية كانوا يعتقدون أنها سيارة تاكسي .. هههههههههههه .. ثم إشتروا هذه السيارة الرمادية .. ( برضه جالنت ميتسوبيشي ) .. وبعدها عام سبعة وثمانيين إشترى جابر سيارة رمادية أيضاً جالنت ميتسوبيشي .. جلست مع جابر في المقعد الأمامي وأخذني للمدرسة بعد المغرب .. قبل الوصول للمدرسة قضى بعض الأمور الخاصة بأهله .. ثم في طريق العودة للبيت اوقف السيارة أمام المدرسة على طريق الكورنيش وأنتظر في السيارة

نزلت أنا وعبرت الشارع بإتجاه المدرسة .. مجموعة من الطلبة تتجمع أمام بوابة المدرسة الأسود .. وأنوار كاشفة مُسلطة على ملعب الطائرة او ساحة المدرسة الداخلية .. دخلت إلى الساحة وأعداد الطلاب أخذ في التزايد .. في أقصى اليمين رأيت الإزدحام على أشده فعرفت أن الأسماء مُعلقة هناك على الحائط .. تجاوزت أجساد الاولاد أدفع هذا وأحاول تفادي ذاك كأننا أمام الحجر الأسود .. حتى وصلت للحائط .. بحثت عن إسمي بين أسماء فصل اولى “ ج ” فلم أجده .. شعرت بمغص في بطني .. لم أُصدق .. عدت أبحث عن إسمي مرة أخرى فلم أجده .. قررت العودة للسيارة وأنا أشعر بحزن عميق ودهشة .. كنت أرغب في تفادي الحديث مع اي من زملائي من الفضيحة والفشيلة .. ما الذي حدث ؟! من غير المعقول أن أكون رسبت ؟! حاولت تذكر شريط الإختبارات النهائية أبحث عن إجابة .. ربما إستعجلت في الإجابة .. أعرف نفسي .. أنا إنسان عجول .. والدي كان يقول أنني إنسان عجول .. وأن العجلة من الشيطان .. حاولت أن لا تلتقي عيناي بعيون زملائي الطلبة أسرعت بإتجاه البوابة .. وأنا أمشي عائد بخيبتي تائهاً أضرب أخماساَ في أسداس .. قابلني زميلي في الفصل وقال بسعادة مبروك يا خليل الف مبروك .. قلت له بحزن على ماذا .. لم أجد إسمي في قائمة الناجحين لقد رسبت .. قال إسمك في قائمة الشرف .. الاوائل على المدرسة هناك بجانب غرفة الإدارة .. إلتفت في حالة إرتباك .. ثم سحبني يجرني خلفه .. فصل اولى متوسط .. الأول .. أسامة أحمد عبدالرحمن رمزي .. الثاني .. الثالث .. الرابع .. ثم الخامس .. إسمي .. يييييييييييييه نجحت نجحت .. عدت لسيارة جابر فرحان جداً .. نجحت الخامس على المدرسة .. من غير المعقول نجحت الخامس على المدرسة

عندما عدت للبيت كنت أبحث عن أبي .. كان والدي يجلس في صدر المجلس عند عمّتي زُليخة .. الوجوه كثيرة مختلطة ..الأهل كلهم تقريباَ مجتمعين في تلك الغرفة الصغيرة .. كنت أبحث عن وجه واحد فقط .. وجه أبي .. إبتسامتي عريضة وعيناي تشّع بالسعادة .. أشعر بالكثير من الفخر لأني رفعت رأس والدي وطلعت من الاوائل .. هذا ما كان يدور في رأسي .. إستقبلني والدي من بعيد بسؤال غير مُتوقع .. ” هااااه نجحته الاول ؟!! ” سؤال أقرب للتهكم .. كان سؤاله مثل صفعة مدوية .. صفعة على وجهي .. الرجّال راسم على المركز الأول .. من عشر دقائق فقط كنت أظن أني راسب .. ووالدي يسألني إن كنت حققت المركز الأول .. بصراحة أخذني على حين غرة .. وقلب فرحتي بالمركز الخامس إلى حزن وحسرة .. لا لا لم .. لم تكن صفعة على الوجه .. كانت صفعة أعمق وأبعد .. هزتني من جذوري .. من كياني .. بل شيء أعمق أعمق .. ن ن نجحت الخامس على المدرسة .. أجبته بخجل وأنا أنظر إليه برهبة .. بالكاد خرجت الكلمات من بين أسناني .. ثم غرقت في دموعي .. قال ” هيّه لو شديت حيلك شوّية مش كنت طلعت الأول ؟! لو إنك تسمع كلامي وتذاكر اول بأول لكنك ماش .. عاصي “ أخذت أنتحب وأبكي بمرارة لأني خيبت ظن والدي .. تصّدقين أن تلك السنة كانت اول وآخر سنة أذوق فيها طعم التفوق الدراسي على مستوى المدرسة .. وأشاهد إسمي على قائمة الشرف .. لم أحقق بعدها ولا حتى المركز العاشر وإلى يومنا هذا .. يا حسرة .. حتى تلك اللحظة الجميلة من حياتي لم أستمتع بها لأطول مدة ممكنة .. وكنت أسأل نفسي بعد سنوات وسنوات طويلة .. ما الذي حدث لي ؟ ولماذا خبئ توهجي .. كانت هناك إجابة تتردد أنني أصبحت مغرور

يُتبع

عود كبريت