عود كبريت

(39)

عود كبريت

1984

سيدتي

اللهم .. اللهم .. إن بيتك عظيم .. إن بيتك عظيم .. ووجهك كريم .. ووجهك كريم .. وأنت يالله .. وأنت يالله .. حليمٌ .. حليمٌ .. كريمٌ .. كريمٌ .. عظيمٌ … عظيمٌ .. تحب العفو .. تحب العفو .. فاعف عني .. فاعف عني … كان المطوّف يردد الأدعية وهو يطوف حول الكعبة .. وأنا وجدّي نلاحقه ونرددها خلفه .. تحت شمس مكة الحارقة في نهار رمضان قبل الظهيرة بقليل .. البلاط من المرمر بارد تحت الأرجل الحافية .. كأنهم قد وضعوا تحته قوالب من الثلج .. برودة الأرض لا تتناسب مع حرارة الشمس العالية التي تنزل مباشرة على هامات الناس الحاسرة في الطواف .. عبثاً تحاول عدم النظر للمنارات والدور الثاني والزوايا والمداخل والجدران والنقوش ووجوه النساء وأنت تطوف حول الكعبة لكنك لا تستطيع .. منظر خلاّب وسحر خاص يلف المكان لا أجد له تفسير

لم يكن المطّوف سوى زوج عمّتي عم خالد .. كان يتجاوز الناس في الطواف ويمر بينهم بخِفة ونحن خلفه .. إن دار لليسار درنا وإن توقف توقفنّا .. ثم يحاول الإقتراب من الحجر الأسود لكن الزحام حول الحجر شديد .. وعندما يغضب أحد الناس بسبب التدافع او التعرض لضربة خُطافية من كوعٍ ما .. يُطلق عم خالد العنان لإبتسامة ساحرة و يدعو للرجل الغاضب بالصلاح والهداية .. فيذوب غضب الرجل كأن شيئاً لم يكن

بالكاد أستطيع اللحاق به وهو يهرول مٌسرعاً .. بالرغم أنه قصير ويعرج في مشيته لآلام الروماتزم في ساقه اليمنى وركبته .. إلا أن سرعته في المشي ونشاطه يحسده عليه الشباب الأصحاء .. كدت أفقد ذلك الإحساس بالخشوع وأنا أحاول اللحاق به .. كأن الطواف تحّول لمطاردة .. وعندما إنتهينا من الطواف حول الكعبة وقفنا خلف مقام إبراهيم .. كنت أنظر لعم خالد الاحظ ما يفعل لأفعل مثله .. صلى ركعتين .. صليتُ ركعتان .. رفع يداه بالدعاء .. رفعت يدي بالدعاء .. اللهم أغفر لي وأرحمني وكّبرني يارب وطّولني .. وأرزقني بالعضلات .. وسمّنني يارب .. الحمد لله أنني نجحت الخامس على المدرسة .. اللهم نجحّني الأول السنة الجاية حتى يفرح أبي .. اللهم أجمعني بإبتهال وزوجني بها يا عزيزُ ياغفار يارب العالمين .. وصلى الله على نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .. ربما لم تكن الأمنيات المناسبة في ذلك المكان المُقّدس .. لكن ما فائدة الأدعية والصلوات أن لم تكن من أجل تحقيق أمانينا في الدنيا والآخرة .. لم تكن المسافة إلى إبتهال بعيدة على اي حال

أتيتُ إلى مكة مرافقاً لجدي لقضاء شهر رمضان بعد نجاحي تلك السنة .. لم تكن موافقة أبي بالأمر السهل .. كان عليّ أن أُشرك جدّتي في الأمر .. منذ وقت مُبكر إكتشفت نقطة ضعف والدي .. إنها جدتي .. عمّي حُمد قال .. خليل هذا ولد مُدلل كُل ما أراد شيء أعطيتموه .. مازالت أتذكر موقفه الغريب .. ما المشكلة إذا رافقت جدي إلى مكة وقضيت معه شهر رمضان هناك في بيت عمّتي

جدي يقضي شهر رمضان في مكة كل سنة .. ويعتكف في العشر الأواخر في المسجد الحرام .. بل يبدأ رحلة الإعتكاف باكراً من الأسبوع الأول .. فلا يعود لبيت عمتي إلا نادراً .. ويحج تقريباً كل سنة .. منذ أن وعت عيني الدنيا وهو يذهب لمكة كل سنة في شهر رمضان وشهر الحج .. ربما حج أكثر من أربعين حجة أقولها بدون مبالغة .. لكن .. في الوقت الذي كان فيه جدّي يعمل جاهداً من أجل الآخرة .. كنت أنا مشغولاً بالتفكير في عالم هشام المثير الذي لم يكن يتقاطع مع عالم جدي إلا في الأمكنة والأزمنة .. ربما جدي إنسان محظوظ جداً في نظر الكثيرين .. فأبنته المتزوجة تعيش في مكة .. مما سهل عليه القدوم لهذه المدينة المُقّدسة كل سنة مرتّين .. مرة في رمضان ومرةً أخرى في شهر الحج .. لكن هل كانت عمّتي أيضاً محظوظة بالعيش في مكة ؟

عندما اوصلنا والدي لمطار جيزان ذلك الصباح كنت أشعر بالرهبة .. المطار لا يبعد عن البيت سوى سبعة دقائق ليس لأننا نسكن بجانب المطار .. و لكن لأن المطار يسكن بجانبنا .. فالمسافة من بيتنا في البلد إلى المطار في السبخة على أطراف المدينة لم تكن تزيد عن تلك الدقائق البسيطة .. كنت أحاول التظاهر بعدم القلق .. كانت مشاعر مختلطة .. من جهة كنت سعيد أن والدي منحني هذه الفرصة لمُرافقة جدي إلى مكة .. من جهة أخرى كانت تعبر خاطري بعض الوساوس .. ماذا لو لم يحضر محمود المكاوي ويستقبلنا في المطار ؟ ماذا لو ضعنا في المطار ؟! سمعت أن مطار جدة الجديد كبير وليس مثل مطار جيزان .. يا حسرة .. مطار جيزان لا يزيد عن غرفتين وصالة .. و مطبخ هههههه .. غرفة للمغادرة وغرفة للوصول وكاونتر .. إثنين عساكر يقفون في وجهك – أمام صندوق كبير لتفتيش الشنط – عندما تدخل بوابة مبنى المطار الرئيسية .. ثم رجل عجوز يبيع مساوييك أمام المدخل الرئيسي يقولون إنه مباحث .. هههههههههه .. يكون في علمك لقد أفشيت إسرار عسكرية غاية في الحساسية والأهمية ولا تنسي أيضاً لوحة ممنوع التصوير في كل مكان

إن جدي كبير في السن .. لكنه ليس شيخاً هرم .. لا يعرف القراءة و الكتابة .. ذو شخصية حادة .. وهذا شيء مُخيف ومُربك بعض الشيء .. سيصّب جام غضبه عليّ إن إرتكبت أي خطأ.. ماذا لو صفعني بمُلطام أمام الناس .. سيعتمد عليّ في قراءة إسم البوابة في جِدّة بحكم أني أعرف القراءة .. ماذا لو كان المطار مُزدحماً ؟!! ماذا لو ذهبنا إلى بوابة الوصول الخطأ ؟ ماذا لو … كل تلك الهواجس تدور في رأسي .. ثم تأتي إبتهال لمخيلتي فتتبدد كل تلك الأوهام المزعجة .. او ربما كنت أنا أهرب إليها من قلقي وأوهامي فتعود إليّ بعض السكينة .. إنتبهت لوخزة من مرفق جدي أن نرتدي ملابس الإحرام فقد وصلت الطائرة بمحاذات يلملم ميقات أهل اليمن .. ربما ثلث ساعة قبل الوصول إلى مطار جدة .. لم تكن الرحلة تستغرق سوى ساعة واحدة .. جدي لا يتوقف عن الإستغفار .. لا أدري ما الجريمة العظيمة التي إرتكبها في ماضيه ..؟! أم هو الخوف من المستقبل المجهول ؟

نزلنا المطار ولم يكن مُزدحماً كما توقعت .. لمحت محمود المكاوي من بعيد فأزاحت رؤيته همّاً عن كاهلي .. بقي هم وحيد لم ينزاح أبداً إلى تلك اللحظة وبعدها .. وهو الخوف أن يسقط إزاري وتنكشف عورتي أمام خلق الله .. لم يكن يسترني سوى إزار أبيض قُماش .. شفاف يسمونه بفتة .. حاولت بكل ما أستطيع من قوة أن ألفّه حول خصري مرتين .. حتى أغطّي ما أستطيع تغطيته .. فأصبح ضيقاً وكدت أتعثر عدة مرات .. لا يوجد إحرام مقاسي مثل إحرام الرجال الذي يتميز بالسماكة

عندما خرجنا من البوابة كانت هناك نافورة كبيرة .. وسيارات تكاسي كثيرة .. بمجرد رؤيتهم لك تبدأ مطاردة لا تنتهي .. مشوار .. مشوار يا أأشيخ .. حرم .. حرم .. تجاوزنا الجميع ثم ركبنا سيارة محمود كرسيدا سماوية اللون موديل 82 رائحتها في الداخل مثل البلاستك الذي تعرّض لحرارة الشمس لفترة طويلة .. كان عم خالد ينتظرنا في المقعد الأمامي

أشياء كثيرة مختلفة هذه المرة .. فالمطار بعيد عن قلب مدينة جدة .. وتلك العمائر المرسومة كأنها جزء من فيلم كرتون لم تعد موجودة .. هل تذكرين العمائر التي كانت تقف أمام المطار القديم ؟.. والطريق من مطار جدة إلى مكة لم يعد كما كان مسارين ” رايح جاي ” بل أصبح خط سريع يتكون من خطوط عريضة ومسارات مُتعددة كلها بإتجاه واحد .. وهناك فاصل تُرابي يفصلك عن المسار المعاكس والسيارات القادمة من الجهة الأخرى .. لوحات إعلانية عملاقة ملّونة على جانبي الطريق كأنها صفحات من مجلة .. لو جمعناها في كتاب وأعدنا ترتيبها لأصبح لدينا قصة .. البداية من لوحة ” أذكر الله ” والنهاية لوحة ” صلي على رسول الله ” .. قصة تبدأ بحليب بامجلي .. وتمر على جميع أنواع العود والعطور .. تتوقف ساعات عند رادو الغزالي والحميضي .. و .. و و .. ولا تنتهي صفحات القصة المصّورة حتى نصل إلى مكة

جدي كان يبكي في الكرسي الخلفي وأنا كنت بجانبه أستند على مقعد السواق وأميل عليه قليلاً .. رأسي يرتفع لأعلى و رقبتي تلتف مع كل لوحة إعلانية على جانبي الطريق .. بالرغم أن شخصية جدي تبدو قوية إلا أنه كان يبكي بسهولة بمجرد الإستماع إلى شريط قرآن .. او ما أن يبدأ عم خالد في إلقاء موعظة .. أمر إستغربتُ له كثيراً

شوارع مكة كما رأيتها من المقعد الخلفي لسيارة محمود المكاوي ضيقة .. والرصيف الذي يفصل بين الشارعين في المنتصف بعرض بلطة واحدة .. أضحكني شكل الرصيف الضيق جداً .. قد أستطيع الوقوف عليه بمفردي .. لكن لو أرادت أمي الوقوف على ذلك الرصيف فحتماً ستصدمها السيارة القادمة من اي الجانبين

إنها مدينة مُتزاحمة كأن البيوت والشوارع والناس والسيارات محشورون في دولاب .. مع أن الأراضي والتلال والوديان من حولها فسيحة .. ربما لأن كل الناس تريد أن تكون أقرب ما يكون من الحرم .. او أنه هكذا هو شكلها منذ مئات السنين .. تلال وصخور صماء بُنية اللون ووديان ولا توجد خضرة

كنت أتأمل تلك العمائر البيضاء القديمة والمُتسخة على جانبي الطريق .. ملابس مٌعّلقة من شرفات البيوت على حبال الغسيل .. حتى رأيتُ من بعيد منارات الحرم الشاهقة فأتسعت عيناي وشعرت بالسعادة .. إحساس لا يمكن وصفه هذا الشعور الذي يعتريني في كل مرة أشاهد فيه الحرم المكي بدءاً بالمنارات وإنتهاءاً بالكعبة .. حتى إذا إقتربنا أكثر وإشتد زحام السيارات والمارة بجانب الحرم وتباطأت السيارة في السير وتعالت أصوات البواري والضوضاء .. طلب منا محمود أن ننزل فهذه أقرب نقطة للحرم يمكن الوصول إليها .. أنزلنا بقرب محطة مطافي وأتجهنا من هناك لباب الفتح

عم خالد رجلٌ بشوش ومُتفائل دائماً .. ذو وجه طفولي بريء وجميل .. له لحية بيضاء تمتد تحت ذقنه .. ثم فراغ قبل أن تعود لحيته للظهور تحت إذنيه .. عيناه سوداء واسعتان .. بياضها شديد البياض .. وجهه أبيض مشرب بحمرة .. لاحظتُ شيئاَ غريباً خلف رقبته وهو يطوف .. مثل الكُرة تحت الجلد فوق الرقبة تحت الرأس تماماً .. تشبه كليِة الخروف لا أعلم ما هي ؟ .. لا يتكلم إلا باللغة العربية الفصحى .. ويُسلم على كل رجل يمر به .. لا أبالغ .. تخيلي عدد الذين مررنا بهم في المسجد الحرام ؟ وكلما مر برجل ألقى عليه السلام .. شعرت ببعض الحرج

بعد أداء العُمرة عدنا للبيت بعد الظهر بقليل .. مررنا بمقابر حي السليمانية في الطريق إلى شارع الحجون ثم دخلنا يميناً إلى شارع الأندلس .. شارع مليئ بالمحلات التي تبيع الملابس النسائية .. ثم توقفنا عند إشارة المرور في نهاية الشارع .. وبعد محل يبيع فول وتميس إنعطفنا يميناُ ودخلنا إلى زقاق تُرابي

كان الطريق ضيق وبه بعض الأشجار الجانبية وعمائر تُحيط به من الجانبين تحجب بعض من أشعة الشمس .. إنعطفنا مرة أخرى لليمين في طريق تُرابي أوسع .. ثم سارت السيارة في طلوع حتى إنتهت الطلعة والطريق أمام منزل أبيض عبارة عن دور أرضي وسطح .. هذا هو بيت عمتي في مكة .. يا إلهي .. كم رغبت في تلك اللحظة أن أنحني لأقُبل جدار المنزل الخشن والثلاث درجات التي تأخذك إلى باب حديدي أسود

خلف الباب ممر طويل مُظلم .. زاد ظلمته أننا أتينا للتو من ضوء الظهيرة خارج البيت .. في نهاية الممر باب إطاره وجزئه السفلي من الالمنيوم .. وجزئه العلوي من الزجاج المطموس فلا ترى ما خلفه إلا مثل ظل الأجسام .. هذا الباب هو مدخل شقة عمّتي .. وعلى يسار ذلك الباب باب شقة محمود المكاوي وهو ولد عم خالد الكبير من إمرأة يمنية مُطّلقة تعيش في اليمن

عندما شاهدت هشام لأول مرة في حياتي إعتقدت أن رأسه كبير يشبه لحد بعيد شكل الكرة الأرضية .. فهو مُنبعج الجبهة .. مثل الأرض المنُبعجة عند خط الإستواء .. جبهة عريضة أعرض من جبهة الصمود والتصدي .. ثم مع مرور الوقت أخذ رأس هشام يصغر ويصغر حتى أستقر على ما هو عليه تلك اللحظة التي رأيته فيها ذلك اليوم .. شعره جعد .. عيناه سوداء واسعتان ورموش عيناه طويلة .. لعينيه بريق يزداد عندما يتحدث إليك بلهفة محاولاً إقناعك بحماس منقطع النظير بما يعتقد أنه صواب او عندما يسرد قصة .. او يقترح فكرة .. تشعر أنه يحاصرك من جميع الجهات .. فهو يتكلم بسرعة وريقه يسيل أحياناً فيبتلعه بشفطة سريعة على أمل أنك لم تلاحظ ذلك .. ثم يواصل الحديث ولا يتوقف حتى يتأكد أنه دك جميع حصون الشك لديك .. ولا يتوانا أبداً في الحلف بأشد الايمان المغلظة في كل مرة يرتفع حاجبي الأيسر مُستنكراً .. او حين تصطدم قصته بطريقٍ مسدود من التسلسل اللامعقول .. وعندما يشعر أني إقتنعت وأنه إنتصر .. يلتقط أنفاسه لبرهة .. لكنه لا يستطيع إخفاء قهقهة النصر .. لا تسمع تلك القهقهة الشريرة التي يحتفظ بها داخل رأسه .. لكني كنت أرمقها في نظراته وأبتسامة صغيرة ماكرة تنزلق على شفتيه

لم أكن أنظر لأحاديثه بعدم التصديق او بشك وريبة .. لكن لم أنسى أبداً أنه هشام الكذاب .. الكذاب اللذيذ .. وأقصد بالكذاب اي البكّاش باللهجة المكاوية .. اي إختلاق القصص او المبالغة فيها .. لم يطل الوقت حتى ظهرت اول تلك القصص .. إنها وطفة الفتاة ذات الشعر الأسود الطويل الذي يصل إلى فخذيها .. وعيونها السوداء الواسعة ورموشها الساحرة .. يتحدث عنها يحاول وصفها لي ونظراته تحاصرني بلهفة “ والله يا خليل بنت كذا “ ثم يضع أصبع السبابة على عظم خده ويسحبه لأسفل ليرسم خط وهمي من أعلى لأسفل .. وطفة تسكن في عمارة أسفل بيت عمتّي بخمسة بيوت .. ولأن عمارتها من أربعة طوابق غير بعيدة يسهل رؤيتها من سطوح بيت عمتي .. فكنا ننتظر كل يوم في السطوح بعد طلوع النهار في صباح رمضان لمشاهدتها .. الأمل يحدونا أن تطل من خلال نافذة صغيرة من سطوح منزلها .. طال الإنتظار ولم تظهر وطفة .. ومرت أيام ومليت الإنتظار والترقب .. لكن هشام لم يمل أبداً من الحديث عنها حتى إرتسمت لهذه الفتاة صورة في مخيلتي تشبه أسطورة السنديرلا او شهرزاد فأزددت رغبةً لرؤيتها .. طالما أن شهرزاد لا تبعد سوى أربعة بيوت فلماذا لا أنتظر حتى أراها ؟ لكن لم يحدث ذلك أبداً .. ثم أن القصة لم تنتهي هنا كما أخبرني هشام مما زاد القصة تشويقاً .. فلا يكفي أنه يعشق هذه الفتاة الشبح بل هناك من يُنافسه على قلبها .. إنه الولد تركي ذو الملامح الأرستقراطية الذي إنتقل حديثاً للحارة وسكن في منزل مقابل منزلها .. فأنتقل حُبها من هشام للولد تركي لأنه أكثر وسامة وبياضاً ونعومة شعر .. كيف عرفتها يا هشام وأين ألتقيتها ؟ يرد كانت تذهب للبقالة ثم تلعب أمام البيت إلى أن كبرت وأرتدت الحجاب فأصبحت لا أراها إلا من خلال تلك النافذة الصغيرة ثم يشير إلى سطوح عمارتها

ثم إن هشام ينتقل بين المواضيع دون ” إحم او دستور” او فاصلة او نقطة اول السطر .. او حتى فاصل إعلاني .. فكنت ألهث خلفه كالكلب ألاحق مواضيعه المثيرة .. أخذ يجري أمامي في السطوح ويفرد ذراعيه كجناحين .. ثم يتمايل لليمين ولليسار ثم يعود يجري بإتجاهي .. وأنا أرتكي على الجدار أراقبه بإعجاب وأستغراب أنتظر أن يُفصح عن ما في خاطره … ” رايح أصير طيّار لمن أكبر .. أطير وأطير وأطير في الجو وسا ..” .. سرحتُ فجأةً .. وفجأة أيضاً أصبحت الفكرة شيء لا يُقاوم .. طّيار .. لماذا لم تخطر على بالي هذه الفكرة من قبل ؟! أنا الذي كان حُلمي حتى تلك اللحظة أن أصبح طبيباً .. وتحديداً جراح قلب .. فجأة أصبح حلمي بأن أكون طبيباً شيئاً قبيحاً ومملاً ومن الماضي .. ثم تذكرت والدي وحلمه أن أكون طبيباً .. وحلمه أن يبني لي مستشفى على قطعة الأرض الكبيرة التي إشتراها في جيزان على طريق بترومين .. شعرتُ ببعضٍ من تأنيب الضمير .. ثم دار صراع في رأسي لم يستغرق ثلاثة ثواني بين صورة أبي بالعمامة والخيزرانة وهشام فارد جناحيه يحاول الإقلاع .. قررت حينها اللحاق بطائرة هشام ودون تردد ودعت أبي .. تحسرت على الخيبة التي ستصيب والدي عندما يعلم أنني قررت في تلك اللحظة أنني لن أصبح طبيباً .. كان من المُبّكر جداً الحديث عن تلك الأحلام على اي حال .. لكنها الطفولة هكذا هي .. أفكار وأحلام مجنونة نتشاركها كما نتشارك الفطور والسحور في أيام رمضان ولياليه ثم ننثرها مع الريح .. لم أفصح لهشام أنني قررت حينها أن أصبح طياراً حتى لا يشعر أنني سرقت حُلمه .. لكنها كانت تلك هي اللحظة الحاسمة التي قررت فيها أن أخلع بالطو الطبيب لأرتدي قُبعة الطيار .. ومع ذلك كان لا يزال لم يتحدد بعد أن أكون طياراً حربياً أم مدنياً .. هذا أنا يا سيدتي ضائع .. أتسكع بين أحلام أبي ورغباته وبين سرقة أحلام الآخرين .. أين أنا ؟ من أنا ؟ ماذا أريد ؟ لا أعلم

ما أعلمه بالتأكيد أنني أعشق حد الجنون صباحات مكة .. من بعد صلاة الفجر .. من اول شعاع للشمس يتسلل من خلف التلال والعمائر .. وأعشق رائحة الصباح في مكة .. وأعشق رائحة ذرات تراب الطريق تحركها سيارة عابرة فتلتصق داخل أنفي وتنام ولا تصحو لسنين .. كنت أصعد مع هشام عبر أزقة ضيقة ناحية قمة جبل كان بيت عمتي أسفل منه .. وعندما نصل القمة نُراقب الشمس عندما تستيقظ في الصباح بكسل .. أنصت لهشام بخشوع وهو يحدثني عن بنات البنجاب اللاتي يسكنّ في بيوت الصفيح حول قمة الجبل .. نُشاهد فتاة صغيرة تلبس ملابس بنجابية زاهية الالوان تغطي رأسها بشال خمري مذهب من الأطراف تهش الماعز وتجري بجوار رجليها دجاجة .. كان هشام مفتون حتى الثمالة بجمال البنات البنجابيات والهنود .. مفتون بالبشرة البرونزية الصافية وعيونهن الخضراء والعسلية .. بعد قضاء ساعة ننزل بعض الأحيان نتدحرج كالكرة مروراً ببيت عمتي ثم عمارة البنت وطفة حتى نصل للشارع العام

في إحدى المرات في صباح رمضان كنا نمشي إلى الشارع العام ومنه إلى شارع الأندلس او كما يُسميّه هشام شارع الحب .. أنا وهشام تقريباً في نفس الطول .. او دعيني أقول في نفس القصر .. لأنها الصفة الغالبة علينا الأثنين .. نمشي في الشارع بجانب السيارات المتوقفة على جانب الطريق .. في العادة عندما يتكلم هشام أسرح في مواضيعه المضحكة ولا أنتبه كثيراً للشارع .. لكني ذاك الصباح إنتبهت فجأةً لصياح اربعة اولاد يجلسون أمام دكان مُغلق يأشرون لنا أن نتوقف .. أخبرني هشام أن أستمر بالمشي وأن لا ألتفت لهم وقال أنهم عربجية وأهل حرش .. كانوا اولاد في نفس أعمارنا وربما أكبر بسنة او سنتين .. يلبسون ثياب متسخة قليلاً ويضعون غتر حمراء على أكتافهم .. طبعاً أنا إرتعبت بعض الشيء وأستغربت كيف يتعرضون لنا هكذا بدون اي سبب .. أصبحت قلق وأفكر في طريق العودة للبيت .. هل سنمر أمامهم ؟ .. أكملنا طريقنا وكانت أغلب المحلات قد أقفلت ثم عدنا من نفس الطريق .. عند إشارة المرور التي يتقاطع فيها طريق الجزائر بشارع الأندلس .. عادوا من جديد هذه المرة إقترب أحدهم منّا ثم القى علينا بمفرقعات نارية حطت بالقرب من هشام .. كل ما عملته أنني صحت وحذّرت هشام بصوت عالي ” هشام إنتبه ” .. ثم أنفجرت بجانبه .. يالطيف قامت قيامتهم .. ” ليش تقول إنتبه ” .. ثم هجم عليه إثنين منهم يريدون ضربي .. هشام في الوسط بيني وبين إثنين يريدون ضربي .. كان هشام يقول ” معليش حقك عليّة خلاص حصل خير ” .. ومن هذا الكلام .. والعربجي يحاول يمد يده .. وهشام يدفع أحدهم عني وأنا كنت جاهز أنضرب .. ولكن الله سلّم

طبعاً نفسي أكذب عليك وأقول إني ضربت واحد كف وأعطيت الثاني رُكبة .. لكن يكفي إني كنت جبان في تلك اللحظة وخائف .. ربما الخوف كان طبيعياً وربما أنا إنسان جبان خِلقة .. صاح رجل كبير عليهم وأنفضوا عنّا .. ثم واصلنا مشينا بقية الطريق العام إلى أن إنعطفنا جهة الطلعة التي تقود لبيت عمتي فظهر لنا ثلاثة اولاد لكنهم هذه المرة جاوية .. بنفس الطريقة أعترضوا طريقنا بدون سبب كانوا يجلسون على سيارة متوقفة ثم قفزوا أمامنا .. مناوشات لم تتطور لمعركة .. معقولة قطّاع طرق في قلب مكة وفي عام 1984 أمر لم يحدث لي في جيزان أبداً أن يعترض طريقي شخص غريب بدون اي مبرر او معرفة مُسبقة يريد أن يضربني .. هل أشكالنا غلط ؟ او فينا شيء يستفز ؟

أستغفر الله العظيم تذكرت الآن إعتراض شخص غريب لطريقي بدون سابق معرفة ذات مرة في جيزان .. كنت راجع في العصرية للبيت فمررت من زقاق يشق حارة أمعّش من جهة المقبرة وهي حارة يسكنها أكثرية من الأفارقة .. كانت هناك فتاة سمينة سوداء بشفاة غليظة تقف بين فتحة باب بيتها .. عندما رأتني قالت بدلع وهي تنظر إليّ : ” يا سُكّر ” .. بس هي قالت يا سُكّر وأنا أطلقتُ لرجلي الريح .. لم تشاهد سوى الغبار خلفي

لم تكن الحارة حارة مشاكل بل كنا نلعب مع اولاد الحارة بعد منتصف الليل إلى وقت السحور في الطريق الُترابي الممتد إلى أسفل الحارة .. الطريق الُترابي مثل الطلعة او النزلة منحدر بزاوية خمسة وثلاثين درجة .. بمعنى آخر .. لم يكن منطقياً اللعب على أرض مائلة بهذه الطريقة .. ولم يكن منطقياَ أيضاً اللعب في الظلام على أضواء خافتة تأتي من البيوت المجاورة وإضاءة عمود يتيم في زاوية بعيدة يُرسل ضوء خافت .. ولم يكن منطقياً أيضاً اللعب وسط طريق تمر بها السيارات كل خمس دقائق فنضطر للتوقف ثم العودة للعب وهكذا .. لا شيء منطقي أبداً .. ماذا أقول إنها مكّة أم التلال .. وهؤلاء هم اولاد مكّة .. مجانييين ورب الكعبة .. وكل تلك الأشياء الغير منطقية هي من جعلت من تلك الساعات من اللعب في غاية الروعة واللذة

كل شيء في اولاد الحارة كان عاجبني عدا شيء واحد .. أسنان غالبية الاولاد قذرة .. خط بني متعرج يمتد في الأسنان العلوية من الناب للناب .. ولم يُستثنى أحد حتى هشام .. حتى عبدالغفور .. تقريباً الغالبية العظمى من الاولاد .. يعني ربما تميل أسناني للصفار قليلاً بالرغم من إستعمالي للفرشاة لكن أن يكون هناك خط بني متعرج يمتد بهذه الطريقة ربما عندها لن أبتسم او أضحك بقية عمري .. هل يُعقل أن الماء هو السبب ؟! هل يُعقل أن ماء جيزان أنظف من الماء الذي يشربه أهل مكة ؟! ثم اكتشفت لاحقاً أن هشام لا يستعمل الفرشاة والمعجون خير شر .. لا في رمضان ولا غير رمضان .. ويبدو أن غالبية الاولاد كذلك .. اللعنة .. أين عنهم عمّتي زُليخة ؟

كنت أعتقد أيضاً حين حضرت لمكة أنني قد تركت جيزان وأهلها .. وتركتُ اليمن وأهله .. كنت أحسب أن جيزان هي آخر نقطة قد يصل إليها اليمنيين بحكم القرب والجوار .. وأعتقدت ايضاً أنه كلما تعّمقت داخل السعودية وأبتعدت عن الحدود زادت كثافة السعوديين وقل اليمنيون .. لكنني كنتُ مخطئاً .. إكتشفت ذلك مع مرور كل يوم قضيته في الحارة .. فعُبيد صاحب هشام يمني .. ربما لازال لم يحمل الجنسية السعودية .. وكذلك سليمان صديق هشام الآخر يمني ايضاً لا يحمل الجنسية السعودية .. إلا أن سليمان هذا قصته أكبر .. لأن محمود أخو هشام خطب أخته وكان الزواج على وشك الحدوث ربما بعد العيد .. وكان لسليمان ثلاثة او اربعة إخوة أكبر منه .. هؤلاء الأخوة الكبار أصدقاء محمود .. لا أعلم بالتأكيد لكن ربما كان جزء من هذه العائلة حاصل على الجنسية السعودية .. ربما هيفاء خطيبة محمود سعودية وكذلك أخاها الكبير الذي كان في سن محمود .. على بساطة هذه الأشياء إلا أنها مثلت لي ما يُشبه الصدمة .. طبعاً الكل يتكلم مكاوي يمكن أحسن حتى من عبدالمطلب بن هاشم ما عدا الأب عم سالم والد سليمان كانت لهجته اليمنية الأصيلة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار

عُبيد طيب جداً كان متخصص في الأفلام المصرية .. شاهدنا عنده فيلم مصري خليع إسمه ” أختي ” لمحمود ياسين ونجلاء فتحي .. قلت خليع لأن لقطاته الخليعة إلتصقت في مخيلتي لمدة طويلة .. سليمان تخصصه مشاوير كنُا عندما ننزل للشارع العام يرافقنا .. كانت أسنانه الأمامية مميزة وبارزة للأمام لدرجة أنها تبان حتى عندما يطبق شفتاه .. نلتقي الأربعة أمام المسجد أحياناً نتحدث قليلاً ثم نعود أنا وهشام للبيت .. في أحد المرات نزلت وحدي لإحضار تميس للإفطار وكنت أسمع واحد يصيح بصوت عالي ” عود كبريت ” فكنت ألتفت محاولاً معرفة مصدر الصوت ومن المقصود ؟ وماذا يقصد ؟ .. لكن لم أكن أشاهد أحد .. عند عودتي للبيت سمعت نفس الصوت مرة أخرى يصيح ” عود كبريت ” نظرت في كل الإتجاهت أبحث عن مصدر الصوت مرة أخرى .. فشاهدت ولد أسمراني يجلس القرفصاء تحت أحد البيوت يختفي خلف سيارة متوقفة فلا يظهر بسهولة إلا إذا بدلت جهداً لرؤيته .. عندما ذكرت لهشام الموقف .. قال لي : الف مبروك يا خليل .. هذا الولد أكبر شمام غرا .. وقد إختار لك إسماً ولقباً .. أنت من اليوم عود كبريت .. رددت على هشام محتجاً .. يقصدني أنا ؟!!!! لكنني لم أتحدث إلى هذا الولد في حياتي .. لم أخطأ في حقه أبداً .. ثم ماذا يقصد أني عود كبريت ؟ رد هشام ضاحكاً وكأنه كان يعرف الأمر .. يعني إنك نحيف ورأسك كبير مثل عود الكبريت .. رجعت بشريط ذاكرتي للخلف أحاول أحدد مكان هذا الولد .. لعبنا في الحارة كثيراً .. لكنه لم يلعب معنا أبداً .. مع أن ثلاثة من إخوته كانوا يلعبون معنا .. كان هو دائماً بعيداً في زاوية بنفس الجلسة القرفصائية وحيداً يشرب سيجارة او يتحدث لشخص يجلس بجانبه .. عصرت مخي لليل أريد أن أفهم عُقدة هذا الآدمي لماذا إختارني أنا ؟ لكني لم أفلح .. حسناً إذاً .. أنا عود كبريت

كُنّا أيضاً نلتقي بعد الفجر في السطوح نلعب كرة أنا وهشام وأخوه عبدالغفور الصغير وتشاركنا أحياناً إبتهال وأختها عزيزة كحارسة مرمى .. كان سطح بيتهم مختلف عن سطح عمارتنا في جيزان .. هنا لديهم شيء إسمه المنور .. وهي فتحة مربعة تسمح للضوء بالوصول للغرف الداخلية لأن البيت مُحاط بعدة بيوت لا تسمح بوجود شبابيك ما عدا الجهة الأمامية التي تطّل على الشارع .. كان هناك أيضاً فتحتين في السطح تطل على الشارع التُرابي أمام المنزل .. وفي الجهة الأخرى دكان عم سالم ابو سليمان .. كنا نلعب في السطوح كرة ثم أحياناً من العطش كنت أتسلل للمطبخ وأشرب ماء وأحياناً أبلع تمرتين ثم أتظاهر أنني مازلت صائم .. إلا أن عمتي فاجأتني بعد إستيقاظنا قبل صلاة العصر بأن أعطتنا فلوس لشراء سندوتشات بيض من دكان عم سالم .. دكان عم سالم غريب جداً فهو دكان ملتصق ببيته الشعبي لكن لا توجد في الدكان بضاعة .. كل ما لديه طاولة صغيرة لبيع السندوتشات للصغار بعد العصر .. نحن لم نبلغ سن الصيام بعد ومع ذلك كنت حريص على الصيام لأن والدي كان متشدداً في هذا الأمر .. بينما هنا في مكة كان الأمر أقل تشدداً .. لو كنت أعلم ذلك لما تظاهرت بالصيام .. طبعاً حدث ذلك في بعض الأيام التي لم نصم فيها

عندما نستيقظ كنا نشاهد مغامرة كرتونية مدبلجة للأطفال ثم مسلسل كويتي للأطفال أيضاً .. حدث أمر هزنّي كثيراً .. أنا وهشام وأبتهال والبقية نُشاهد مسلسل كويتي إسمه ” بدر الزمان “ .. المهم أن شخصيات المسلسل بدر الزمان الشاب الوسيم يقوم بدوره ممثل كويتي إسمه إبراهيم الحربي .. والبطلة نور الحياة .. و شخصية شريرة شركان شركون وشخصية أخرى شريرة هي ” أم الدواهي ” وهكذا .. تحدثت إبتهال بزهو وهي تضحك وقامت بتوزيع شخصيات المسلسل علينا وكأنها قد تناقشت من قبل مع هيفاء بنت عم سالم خطيبة محمود .. فقالت أن هيفاء هي أم الدواهي .. ضحكت أنا لأن القالب كان كوميدي فأم الدواهي عجوزة وساحرة شريرة بينما هيفاء شابة صغيرة وإن كانت تتشابه معها في بعض الملامح .. ثم قالت أن إبتهال هي ” نور الحياة ” ممثلة مملوحة نسيت إسمها .. أنشرح قلبي وإن كنت أعتقد أن إبتهال أجمل من نور الحياة .. فجأةً أخذت أستعد لكي تعلن إبتهال ما يلي ..” وخليل هو بدر الزمان ..” فأقوم أنا أبربش برموشي .. وأفتح وأغمض عيوني .. وأعمل فيها إني مكسوف ووو .. لكن إستيقظت على حروف مختلفة تخرج من شفاة إبتهال .. قالت ” ويحيى هو بدر الزمان ” .. شعرت بصدمة .. بدوخة .. بمرارة .. من يحيى هذا بحق السماوات السبع ؟ مين إبن الكلب يحيى ؟ أنا ناقص أهله ؟ من فين طلع ؟ يا رب الاقيها من موسى والا من جابر والا من جون تارفولتا .. والآن يطلع لي يحيى ؟

يحيى شقيق هيفاء التي سيتزوجها محمود .. أشاهده دائماً واقف أمام دكان أبيه عم سالم المغُلق أكثر الوقت .. بيتهم بيت شعبي مُقابل بيت عمتي يفصله فقط شارع تُرابي .. يقف دائماً مواجهاً نافذة غرفة المعيشة والتلفزيون لبيت عمتي .. دائماً ما يقف في روبه المكوي .. الروب مثل البيجامة لكن يحيى يعتني بكل التفاصيل .. روبه دائماً مكوي حتى عندما يستيقظ من النوم كأنه خارج من بيتهم لموعد غرامي في روب النوم .. وشعر صدره يطفح من فوق الروب تحت رقبته بشكل مقزز ومُضحك في نفس الوقت .. ناقص يحط سلسلة ذهب ويسمي نفسه طوني .. إذاً طوني – مفروس منه جداً – نظيف ومُرتب ومُهتم بهندامه أكثر بكثير من بقية إخوته .. لكنه شاب قصير جداً وشعره جعد وعيونه جُنبلاطية .. يعني تشبه لعيون وليد بك جُنبلاط .. عيون واسعة متورمة مكورة وخارجة تعتقد أنها قد تسقط وتتدحرج من رأسه من اي خبطة على قفاه .. أنفه طويل بفتحة كبيرة مستترة قليلاً .. كان دائماً ممسكاً بطرف أنفه .. لم يكن ممسكاً بأنفه كمن شّم رائحة كريهة لا .. بل مثل من يعمل تدليك لأنفه وكأنه يشد أنفه للأمام .. مثل التمارين .. يرّيض أنفه كل يوم .. حتى أن هشام أخبرني ذات مرة إن كنت أريد أن يكون أنفي طويلاً فعلي أن أقوم بشده بشكلٍ يومي ومتواصل كما يفعل يحيى

لو قارنته بجابر ولد عمتي لمالت الكفة لصالح إبن عمتّي طبعاً .. ربما لأنني أحب عبدالحليم حافظ لا أعلم .. او ربما لأنه ولد عمّتي او ربما لأن هذه هي الحقيقة .. لكن جابر شاب طويل نحيف وأبيض ويشبه قليلاً لعبد الحليم حافظ .. لا أعلم لماذا رفضته عمّتي المكاوية ؟ أقصد السبب الحقيقي وليس العذر الذي لم يُقنع أحداً .. وهو أن عمتي رضعت مع الأخ الأكبر لجابر او رضعت مع لا أدري بالتحديد من .. فأصبح جابر خالاً لإبتهال بقدرة قادر .. لا أعتقد أن أحداً قد إقتنع بهذا الأمر .. كان هناك شك أن عمتي المكاوية لم تكن تُحب جابر .. او أنها وهذا الإحتمال الأكثر إنتشاراً وسط العائلة أنها لم تكن تُريد لإبتهال أن تعود وتعيش في جيزان .. هي تفضّل لبنتها شاباً من مكة حتى تستقر إبتهال في مكة .. طبعاً الجميع أخذ على خاطره في جيزان من هذا الموضوع

بحثت في كل الأغاني عن إبتهال .. عنّي .. لكني لم أجد أغنية واحدة تصفها .. تصفني .. وكل الأحلام التي كنت أحلم بها لم تكن سوى سراب وأوهام طفولية .. فأغنية طلال لم تكن تناسبني .. فهي تتكلم عني في البداية .. ” أحبك لو تكون حاضر .. أحبك لو تكون هاجر .. ومهما الهجر يحرقني .. رح أمشي معاك للآخر .. سنين وسنين وأنا صابر وراح أصبر كمان وكمان .. وبحر الشوق يلعب بي إلين اوصل لشط أمان” .. لكنها في النهاية تتكلم عن شخص آخر تماماً “ أحبك لو تحب غيري وتنساني وتبقى بعيد .. عشان قلبي بيتمنى يشوفك كل لحظة سعيد ..” .. بمجرد إختيارها لشخص آخر .. أصبحت شخص ميت بالنسبة لي لا وجود لها ولم أكن أهتم إن عاشت سعيدة او في ستين الف داهية

ثم عندما أبحث عنها في أغنية أخرى لمحمد عبده ..” لآخر لحظة من عمري أقل لك إنت محبوبي .. ” أجدها في بعض الكلمات فقط .. ” ياليت العمر يتوقف على حالة هنَاء جنبك .. نعش فيها ولا نخفف من الشوق اللي ما يوصف .. ونتهادى ورود الحب ونروي فيها نشوة قلب .. وأقل لك إنت محبوبي .. “ .. لكنها لم تكن تحبني بل ربما لم تعلم بوجودي .. وإن قلت لها ” أحبك يا رشيق القد .. أحبك في اللقاء والصد .. أحبك والدموع على الخد .. أحبك مهما كان الرد “ لكنت أكذب عليها فأنا لم أعرف معها الدموع .. لم أدرف دمعة واحدة عليها .. “ ياليتني أملك الأفراح وأتصرف بها وحدي .. وأعرف كم بقي لي جراح وكم ساعة هناء عندي ” نعم هذا ما تبقى لي

ماذا أسمي قصة حبي لها ؟ لم يكن لحبي لهذه الفتاة عنوان .. لم يكن هناك عنوان يجمعنا مثل عناوين القصص والأفلام ” حب في الكنداسة “ .. ” الحُب المستحيل ” .. او ” حُب طيف وخيال إبتهال التي لم تدري عن حبي لها لأني أصغر منها سناً ” .. او حُب من طرف واحد .. لم تكن تعلم أني كنت أحبها أصلاً .. لم يكن أحد في العالم يعلم ذلك .. كونها أكبر مني بسنة ونصف يجعل الأمر مستحيلاً .. إبتهال كانت قصة لكنها لم تكن مثل كل القصص .. وحروفها لم تكن مثل بقية الحروف .. عيونها لم تكن مثل بقية العيون .. وكأن من رسمها أراد أن تكون لوحة لا تتكرر .. وأنا لم أكن سوى ضحية الحب المستحيل .. مستحيل أن تحب في هذه السنيين المُبّكرة بنت أكبر منك سناً ثم تتزوجها .. ومستحيل أن تنظر بنت في عمرها لولد أصغر منها .. ولأن الفتاة تنضج قبل أن ينضج الولد .. فتبدأ هي التطلع والبحث عن عريس الأحلام الذي يكبرها سناً .. ولأن كل الرجال الذين يبحثون عن زوجة المستقبل .. يبحثون في كومة القش عن أصغر عود

لم يكن لحبي لهذه الفتاة عنوان ولم تكتب فيه أغنية او قصيدة .. حتى جاء ذلك اليوم الذي وجدت فيه العنوان لكني لم أجد القصيدة .. كانت النهاية التي طويت بها صفحتها للأبد .. في لحظة إنتهى بالنسبة لي كل شيء .. وكأنها لم تكن .. كنا نلعب كورة في السطوح في الصباح الباكر .. وكانت إبتهال تلعب معنا .. ثم على حين غّرة إتجهت نحو نافذة صغيرة في الجدار تطل على الشارع التُرابي .. أطلت برأسها للشارع .. لمحتها وكنت مستغرباً .. عيب البنت تطل برأسها هكذا .. ماذا لو رآها رجل غريب من الشارع .. فذهبت بدافع الغيرة أنظر لأتأكد أن الشارع خالي من المارة قبل ما تجيب لنا الفضيحة .. مفاجأة .. يحيى بيه مظهر واقف بكامل هندامه وروب نومه المكوي .. يخزي العين .. شعرت أن الأمر مقصود ومُرّتب .. وشعرت ببرودة في عظامي .. عندها فقط وجدت العنوان لهذه الحكاية .. إنه ذلك الفتى الأسمر المُلهم الذي أطلق عليّ لقب عود كبريت .. فعلاً كنت أنا عود كبريت .. وكان حُب إبتهال شُعلة النار .. حاولت طويلاً حماية هذه الشُعلة حتى لا تنطفي بالرغم أنني كنت أحترق كعود كبريت .. ثم ذلك الصباح عندما رأيت يحيى في روبه المكوي يقف بإنتظار موعد النظرة الغير شرعية .. شعرت بنفحة هواء تصفعني .. وفي لحظة إنطفئ عود الكبريت وتلاشى حُب إبتهال .. لم يبقى منه سوى دخان أزرق يتصاعد للسماء ورائحة كبريت .. وعود مُحترق مُلقى على سطوح بيت عمتي المكاوية

يُتبع

دجاجة عمّي حُمّد