يوميات كلب مُثقف

(41)

يوميات كلب مُثقف

1984

سيدتي

نصف حياتي التي قضيتها في جيزان كنت فيها واقفاً على الرصيف أمام عمارتنا في شارع القادسية .. والنصف الآخر كان موزعاً بين البيت والمدرسة وأماكن أخرى سأخبركِ عنها لاحقاً .. لذلك لا تستغربي عندما تبدء كثير من حكاياتي من هنا .. من هذا الرصيف .. ومن خلفي عمارتنا المطلية باللون الأبيض والأخضر .. مع أن والدي وبقية أعمامي يشجعون إتحاد جدة .. طبعاً والدي لا يُظهر ذلك لأنه إمام جامع وخطيب جمعة .. لكنني سمعتها كوشاية من عمّي عبدالغفور أنه كان إتحادي صميم

أعرف ما يدور في رأسك هذه اللحظة .. صدى صوت يتردد : ” يخرب بيتك طوّلت .. أتاريك حكواتي بنمرة وإستمارة ” .. كثيرة هي الأحكام التي ستطلقينها عليّ في كل مرحلة .. وكل إنحناءه .. وكل مطّب .. وكل زاوية .. أنا هنا في الجهة المُقابلة على هذا المقعد لن أستسلم لكل تلك الرغبات المُلِّحة في داخلي للتبرير .. لكني سأقول لكِ جملة واحدة ستكون كافية ..
” الأرنب ما ينطنط عبث “

الجوع هو الذي أخرجني للشارع .. يقولون الجوع كافر .. غير أن جوعي في تلك اللحظة كان لم يصل بعد للكفر .. بل كان أقرب للفسوق والعصيان .. هو الإنتظار .. أكثر شيء يقتلني في هذه الدنيا الإنتظار .. إذا أردتي تعذيبي حتى الموت فلن تحتاجي لكثير جهد .. لن تحتاجي أسلاك ومعدات كهربائية وأسيد .. يكفي تتركيني في غرفة أنتظر .. او أمام عمارتنا أنتظر .. وأنا سأموت وحدي مللاً .. وحتى أتخلص من ذلك الشعور القاتل تدبرت أمري لاحقاً وأدرت حياتي بطريقة معكوسة بحيث لا أكون أنا الضحية بعد الآن

كنت أنتظر والدي ظهيرة ذلك اليوم كي يعود من صلاة الجمعة .. أنا وكل من في البيت ينتظرون حضوره للغداء .. كان ما زال إماماً لجامع الساحلي في السبخة .. والدي يتأخر أحياناً لأنه بعد صلاة الجمعة كان يذهب إلى منزل الدكتور عبدالرحيم القريب من الجامع .. هناك يعقدون مثل الندوة لمدة ساعة في حضورالعديد من وجهاء الحي ثم يعود بعدها للبيت .. أنا كنت أتهرب من الذهاب معه .. اليوم تأخر كثيراً .. طبعاً ذهبتُ معه عِدّة مرات في السابق .. أتذكر غرفة واسعة .. كنب أسود ” أريكة ” ضخم المقاس .. كنب من النوع المنفوخ .. حتى أنني عندما أجلس عليه كُنت أغوص بداخله وأختفي تقريباً .. جوانب الكنب عريضة ومُرتفعة .. أتذكر دكاترة مصريين ايضاً في تلك الإجتماعات .. أتذكر الدكتور جلال .. كانوا يتكلمون كثيراً .. ويضحكون كثيراً .. ولم أكن أنا أفهم اي شيء مما يقولون .. ولم أكن أضحك

حّر .. ملل .. وجوع .. كيف يمكن قتل الوقت او دفعه للأمام ..؟ حسناً .. الشارع أمامي شِبه خالي من المُشاة والسيارات المُتحركة .. الناس كُلها تتغدى او أنهم نائمون وقت القيلولة او مخّزنيين .. فقط سيارات متوقفة على جانبي الشارع ونائمة ايضاً .. أكيد ممتلئة بالبنزين وشبعانة .. عليها اللعنة .. حتى السيارات خلدت للقيلولة .. الحسنة الوحيدة في تلك اللحظة أن عمارتنا تحجب الشمس قليلاً فأقف على الأقل في الظل وتلامس وجهي نسمات لطيفة من البحر الأحمر

 

أمام عمارتنا وفي الجهة الأخرى من الشارع بيت شعبي جداره قصير .. لا تستطيع رؤية الناس خلف ذلك الجدار لكنك تستطيع رؤية الجزء العلوي من الغُرف .. خلف ذلك البيت المزيد من البيوت الشعبية لكنها تظهر خلف بعض في بناء هرمي لأنها على تّلة .. هذه التّلة هي حارة أممعّش .. لا يوجد شوارع في حارة أممعّش بل أزّقة رملية تُرابية

لهذا البيت الشعبي قصة .. الأب جيزاني .. كنت أسمع والدي كثير الترحّم عليه .. تزوّج يمنية رُزق منها بولدين وربما بنتين ثم مات .. أنا لم أرى الأب في حياتي .. الولد الأكبر مني كُنت لا أراه كثيراً .. ثم زاملته في الصف الثاني متوسط .. خلوق جداً .. أخوه الأصغر كان أصغر مني بسنة وكان يلعب معنا كُرة ثم لم أعد أراه كثيراً .. بعد موت الأب أصبح البيت مِلك للأم اليمنية وإخوتها وأمها .. إلى هنا لا يوجد مُشكلة .. أش دّخل أهلنا .. صح .. ؟ لكن المُشكلة أنهم كانوا يبيعون قات .. والقات مسموح في اليمن ممنوع في السعودية .. وأهل جيزان ضاعوا بين الطرفين .. كذا دخلنا في السياسة .. والدي كان مُنزعجاً جداً من أن جيرانه يبيعون قات .. ومُنزعج أكثر من أشكال المُهرّبين الغريبة التي تطأ الشارع .. ناس على شاكلة عبده فرامل .. حسن كنداسة .. إبراهيم الأصنج .. ههههههه مين ابراهيم الاصنج دا؟!! .. يمكن والدي كان خائف على اولاده وعائلته .. ومُنزعج أيضاً من مداهمات الحكومة للبيت من حينٍ لآخر .. الحكومة كان نُصها يداهم .. والنُص الآخر يشتري .. ودُقي يا مّزيكا .. يا سلااااااام تأريخ .. وأنا كنت شاهد .. أكياس قات تُدخل .. وأكياس قات تخرج .. وأنا واقف فوق الرصيف .. ومن خلفي عمارتنا البيضاء .. ياليتني أخذت نسبة بدل الوقوف هكذا لا شُغل ولا مشغلة .. يااااه .. سرح بي الخيال

نظرت لليسار فإذا سيارتان للشرطة مُخططة باللون الأبيض والأزرق مسرعتان تتجه نحوي ثم إنعطفت لليسار وتوقفت في عرض الشارع في الجهة المُقابلة أمام بيت الجيران الشعبي .. السيارة الأولى كابريس والثانية جيب تويوتا .. كان يقود الكابريس ضابط ملازم اول وكان يجلس بجانبه والدي بالغترة والمشلح البُني الشفّاف .. اووف اش هذا ماتوقعت ابويه يوصل في موقف ،، كان الموقف سريع لم أستطع تفسيره .. ماذا يفعل أبي داخل سيارة الشُرطة ؟ هل قبضت الشرطة عليه ؟ نزل من الجيب ثلاثة جنود .. ثم أتجه العساكر والضابط إلى بيت الجيران المُقابل لعمارتنا

ثم أخرجوا منه ثلاثة أشخاص وأركبوهم الجيب وآخر أركبوه الكابريس .. في تلك اللحظة وأنا مشدوه جداً للموقف .. نسيت الجوع ونسيت الغدا ونسيت الملل .. ومازلت لا أفهم ما الذي يحدث ؟ ولماذا ؟ كان الملازم يقف أمام باب الكابريس جِهة والدي ومعه جُندي يحاول إدخال إبن الجيران داخل السيارة من الباب الخلفي .. الرجل كان يرفض لكنهم أدخلوه عِنوة .. في تلك اللحظة والباب الخلفي مفتوح والجندي يحاول إغلاق الباب والضابط يقف أمام باب الكابريس الأمامي بجوار أبي .. كان عبده حمامة فرحان عائد من السوق وفي يديه أكياس فواكهة وخضروات .. مين عبده حمامة ذا ؟

ليس له اي علاقة من قريب او بعيد بفاتن حمامة .. عبده حمامة يسكن في عمارة على بعد ستة بيوت من بيتنا .. يملك بقالة يجلس فيها أغلب الوقت .. تقريباً في سِن ولد عمّتي جابر .. يعني أكبر مني ربما بسبع سنوات .. شاب نحيف جداً .. وعظام خدّيه بارزة بشكل ملحوظ .. وعيونه واسعة جاحظة لكنها غائرة داخل وجهه .. العيون الجاحظة والغائرة والمُتعبة هي التوقيع الرسمي لمدمني القات .. عبده حمامة يمشي بسرعة .. يتلفت بسرعة .. ويتحرك بسرعة .. حركة رأسه مثل حركة الرجل الآلي .. وعندما يتحدث إليك ” يبخق فيك ” .. يحدق فيك حتى أني كنت أتضايق من نظراته

إتجه عبده حمامة نحو سيارة الشرطة وحشر نفسه بين الضابط والجُندي وهو مازال ممسك باكياس الخضار والفواكة في كلتا يديه .. تقريباً أدخل رأسه داخل النافذة والجندي يحاول إقفال الباب والضابط يقف ينتظر وينظر بعصبية .. عبده حمامة فتح فمه وهو يتلفت لليمين واليسار بحركاته السريعة .. وقال : ماهو فيه ؟ مافيه ؟ .. الضابط نظر لعبده حمامة بإستغراب ؟!! وسأل الجندي .. هذا معاهم ؟!! الجندي رد : ما أدري ! الضابط بسرعة وبدون تردد ضرب عبده حمامة كف على وجهه ثم دفعه داخل السيارة مع أكياس الفواكهة والخضروات ثم أقفل الباب .. في لحظات تحرّكت السيارتان وغادرتا المكان .. أنا بخقت .. وفتحت فمي وعيوني من الذهول وضحكت .. عبده حمامة ملقوف ويستاهل الذي حدث له .. كان ذلك شعوري في تلك اللحظة .. لكنني لم أنم تِلك الليلة و نسيت الغدا والجوع

لم أنم تلك الليلة .. شعرت بألم الكف على وجهي .. كان هناك سبباً آخر مُزعج أيضاً لم يجعلني أشعر بالراحة والرغبة في النوم .. تقلبت على فراشي المُلقا على الأرض والذي تفوح منه رائحة حليب نيدو .. أكره الحليب .. أكره الحليب .. أكره الحليب ورائحته العفنة الغبية .. ضريبة من يعيش في غابة من الأطفال الصغار .. كل سرير او فراش عليه طفلين وأحياناً ثلاثة .. رضّاعات في كل مكان .. عِلب حليب بوني بعضها فارغ وبعضها الآخر مُمتلئ بداخل كيس بلاستيك شفّاف بجانب الفراش .. يارب متى يصير عندي غرفة وسرير لوحدي مثل ما نشاهد في المسلسلات التلفزيونية

لكنني تعودت على رائحة الحليب العفنة دلقها على الفراش أحد إخوتي الصغار بعد أن إستسلم للنوم وأخذ الحليب يتسرب من فتحة رضّاعته البلاستيكية .. تعّودت إيضاً أن أنام على فِراش على الأرض ثم أصحوا على قرصة ” قعموص / نملة كبيرة ” إبن كلب في منتصف الليل .. من جِد متى ينامون ؟!! تعودّت أن أنام على السرير لوحدي ثم أصحوا لأجد طفلين محشورين معي في نفس السرير واحد عند رجلي والثاني عند رأسي مُلتصق بالجدار .. تعوّدت على كل ذلك .. لكنني لم أتعود أن أشاهد رجلا كبيرا في الشارع يُضرب بكف هكذا أمامي .. أمام الناس .. في الواقع هذا الكف هّز بعنف عالمي الصغير .. ولأول مرة في حياتي أشعر بالخوف في الشارع ممن يُفترض أنهم مصدر للشعور بالأمن والأمان .. الشرطة والحكومة .. لا أعلم .. هل كان عبده حمامة يستحق هذا الكف أم لا ؟

حتى أن الخوف تسرب لما هو أعمق وأبعد .. عندما يتم صفع مواطن بريئ أمامك من قبل رجال الحكومة فأنت أمام خيارين .. إمّا أن تكره رجال الحكومة وتعترض او أن تكون جباناً وتقول في نفسك الحمد لله إن الكف جاء في وجه عبده حمامة ولم يكن في وجهي .. عبده حمامة هذا ملقوف .. عبده حمامة غبي .. عبده حمامة حمار .. عبده حمامة يستاهل .. بالله لو لم يكن ملقوفاً هل كان سيأتي إليه الضابط ويعترض طريقه ثم يصفعه على وجهه .. مُستحيل .. إذاً الخطأ خطأ عبده حمامة .. يستاهل ما جاه .. لو أنه أكمل الطريق ولم يحشر نفسه في هذا الموقف وشأن لا يخصه لكان الآن يتغدّى مع أهله مرسه ويأكل حوت عربي

في تلك الليلة وأنا أصارح رائحة الحليب المتعفنة على الفراش .. وكان عليّ ايضاً أن أختار بين أن أقف مع الظالم او المظلوم .. كان عليّ أن أختار بين أن أقف مع الضارب او المضروب .. كان عليّ أن أقرر إذا ما كنت أريد أن أكون ضارباً او مضروباً .. لا أريد أن أكون عبده حمامة .. لا أريد أن أكون ضعيفاً يُضرب ويُصفع في الشارع أمام الناس مهما كان السبب .. لذلك في تلك الليلة وفي تلك الليلة فقط قررت أن أكون جباناً .. قررت أن أكون الضارب .. قررت أن أكون مع الحكومة .. قررت أن أكون طياراً حربياً .. من يجرؤ على صفع ضابط طيار على كتفه نجمة او تاج ؟ لا أحد

عرفتُ لاحقاً لماذا أحضر والدي الشرطة لأبناء الجيران .. كان والدي يوقف سيارته أمام بيتهم .. وكان يعود للسيارة فيجد أحد الكفرات فارغاً من الهواء .. تكرر الأمر أكثر من مرة .. يمكن لو كنت مكانه كنت عملت نفس الشيء .. لا أعلم .. المشكلة أن سيارة والدي هايلوكس تويوتا غمارتين موديل 1983 .. ماذا كان سيفعل في الجيران لو كانت سيارته رولزرويس ؟ أكيد كان سيرّحلهم لليمن او للمريخ

لم يمر وقت طويل حتى بدأت سُبحة والدي في الإنفراط .. فُصِل من إمامة الجامع .. ثم تم نقله من عمله في جيزان لمدينة صبيا بترقية .. ثم توقف عن الكتابة في عكاظ او اوقف .. كان الحديث في البيت همساً .. وكان عليّ أنا أن أقرأ ما بين السطور .. رأيت الخوف في عيون عمّي عبدالغفور .. سمعته يخبر والدي او يسأله ويقول : وراها الأمير ..! رأيت الخوف في عيون جدتي وسمعته في صلواتها .. كنت أعود من المدرسة بعد الظهر وكانت تفزع كلما فُتح الباب .. ثم تسأل وعلى وجهها الصغير علامات القلق .. هل عاد أبوك ؟ وكنت أرد .. لا لم يأتي بعد .. وكانت تلهج بالدعاء أن يعود بالسلامة .. لم أكن أفهم عمق هذا القلق عند جدتي .. فصبيا لا تبعد كثيراً .. لكنني تأثرت بهذا الخوف البادي عليها .. وقررت أن أعمل اي شيء من أجلها ومن أجل والدي

وجدتُ تلك الفرصة في المدرسة .. حضر مدير المدرسة السمين للفصل ومعه إستبيان .. وزعه علينا كي نُجيب على الأسئلة .. أخبرنا أن الأستبيان مُهم أتى من الرياض ويجب أن نُجيب على الاسئلة بكل صدق .. الذي فهمته في تلك اللحظة أن الوزارة في الرياض هي صاحبة هذا الإستبيان .. آهاه .. الوزارة هي الحكومة .. كان موضوع الأستبيان عن العلاج بالطب الشعبي في جيزان او المملكة .. لكن كان به أسئلة شخصية عن العائلة .. كان ذلك طرف الخيط بالنسبة لي كي أعرض مشكلة أبي على الحكومة .. أجبت على الإستبيان بسرعة مُذهلة حتى أجد وقتاً كافياً لكتابة رسالة للحكومة .. ثم بدأت أكتب الرسالة في حواشي الإستبيان .. ” أرجوكم أن تُعيدوا والدي لعمله في إدارة التعليم في جيزان جدتي مشغولة عليه خايفة وتخشى أن يتعرض لحادث سيارة رأيتها تبكي البارحة إنها تقف تنتظر وصوله عند الباب كل يوم حتى الغذاء لا يتناوله معنا هو لا يصل للبيت إلا وقت صلاة العصر او أحياناً بعد الصلاة ” .. لو قرأت الحكومة رسالتي هذه فحتماً ستتفهم الأمر .. كان ذلك اول ” معروض ” غير رسمي أكتبه في حياتي في مملكة المعاريض .. يا ترى هل وصلت رسالتي للحكومة ؟

رأيت الخوف في عيون عمي عبدالغفور وفي عيون جدّتي لكن ياللغرابة لم أشاهد الخوف في عيون والدي ولم أسمعه في كلماته .. لهذا الرجل قُدرة عجيبة على دفن مشاعره ويملك رباطة جأش .. هل هو شُجاع وصلب لهذه الدرجة ؟ إذا كان الأمر كذلك .. لماذا لم يورثني هذه الصلابة وهذه الشجاعة ؟ أما أنه يحاول إخفاء تلك المشاعر عن عائلته حتى لا يتسرب الخوف للصغار .. لا أعلم

لكنني أخيراً قرأت شكواه بالصدفة في آخر مقال كتبه في زاويته ” من القلب ” في جريدة عكاظ .. كان عنوان موضوعه ” الظلم ظلمات يوم القيامة ” .. ههههههههههه .. نعم أضحك .. والدي يتكلم عن الظلم ويحشد الأدلة الشرعية من القرآن والسُنّة .. ياله من مشهد سريالي مُتشابك .. وللعلم فقط .. أنا لا أعرف ما معنى كلمة ” سريالي ” .. لكنني أعرف كلمة مُتشابك .. لكني ألقيت بهذه الكلمة أمامك حتى أبدو كمُثّقف يطلق كلمات رنّانة وغريبة .. لكن ربما لا يعرف ما تعني .. وإن عرف ما تعني فهذه المعرفة لا تتعدى الكتب النظرية .. هو لا يعرف معناها في الواقع

نعم هو كذلك مشهد سريالي .. وأنا شاهد .. والدي يشتكي من ظلم الأمير ويكتب في عموده من القلب في عكاظ بلغة أدبية راقية فيها الكثير من المواراة والادلة الشرعية عن الظلم ظلمات يوم القيامة .. هو نفسه والدي الذي يركل ويرفس جيرانه الذين لا حول لهم ولا قوة أمام جبروته .. هو نفسه ذلك الرجل الذي يركل زوجته ويضربها بكرسي حتى تلتصق بالجدار وتسقط على الأرض قبل ذهابه ليؤم الناس في صلاة الجمعة .. وأنا هنا أكتب رسالة للحكومة أبي مظلوم .. وجدتي حزينة وخائفة .. وتخشى أن يتعّرض والدي لحادث سيارة على طريق صبيا فتفقده للأبد .. والأمير يتآمر مع البعض ويركل والدي من وظيفته .. أين سيذهب الأمير .. سوف يأتي من يركله على مؤخرته في يوم من الأيام .. نحن نعيش في دوائر .. أليس كذلك ؟

لا نعرف أين نقطة بداية الدائرة .. ولا نعرف النهاية ايضاً .. ياللعار .. لكنها تأتي .. النهاية يوماً ما تأتي .. لتبدأ دائرة أخرى .. بعض الدوائر تعرف أين تبدأ وأين تنتهي .. أنا كنت أعيش في دائرة صغيرة .. كل يوم أمشي للمدرسة وأعود للبيت من طريق الكورنيش .. هذه الدائرة أعرفها وأحفظها عن ظهر قلب .. في المدرسة إختلطت عليّ الدوائر وتشابكت .. عمي عبدالغفور ترك المدرسة هو وكذلك مُدرس التربية الفنية .. السبب هو أنهما إنتقلا للمدينة المنّورة للدراسة هناك في إحدى الكليات .. وأغلب شِلّة عمي خريجي المعهد الرياضي او الفنون فعلوا نفس الشيء .. يجب أن أعترف أن عمي عبدالغفور شخص لا يُعّوض .. سحره غير طبيعي .. دائماً يضفي روح من البهجة أينما حل .. وعندما ترك متوسطة إبن سيناء ترك خلفه فراغاً .. عمي مدُرس رياضة يحضر للحصة وهو يرتدي اللبس الرياضي .. رجل يؤدي عمله بمهنية .. المدرس الجديد الاستاذ عبدالرحمن كان يحضر لابس ثوب سعودي .. كان شكله أقرب لرجل أعمال منه إلى مُدرس رياضة
وبديل مدرس الرسم جاءنا مُدرس مصري طويل ابيض بكرش كبير .. مدرس الرسم السابق جيزاني صديق عمي عبدالغفور نحيف .. أنيق جداً .. يحضر الفصل لابس بنطلون وقميص .. صدره مفتوح وشعره آفرو .. في كل جزء منه تشعر أنه فنان .. البنطلون .. القميص .. تناسق الالوان مرات .. تنافرها مرات .. خلطة الالوان وتعقيداتها .. عندما يجلس .. عندما يقف .. عندما يُمسك القلم .. المدرس المصري الجديد أصلع عدا بعض الشعر على جوانب رأسه .. اسنانه صفراء وفمه كبير .. يلبس ثوب ابيض طويل .. ودائما يرفع طرف الثوب بيده حتى وهو وسط الفصل أمام السبورة يشرح الدرس .. لأن الثوب أطول من مقاسه .. بصراحة منظره لا يشبه مدرسي الرسم أبداً .. ممكن يكون معّلم .. لكن معّلم في سوق الخُردة او في محل جزارة .. حتى لسانه زفر .. تعلمت منه كلمة جديدة ومن ذلك اليوم لم أنسى تلك الكلمة .. زلبطة وتعني أصلع

وتعلمت من مدرس اللغة العربية الفلسطيني الأستاذ إبراهيم جملة لم أنساها أبداً .. ” الإنسان أسلوب ” .. في البداية لم أفهم ما كان يقصد .. كنت أحذق في أسنانه التي تشبه أسنان القرش لكنها قذرة .. كان يُدخّن بشراهة .. عيناه صغيرتان يطبقهما بحِدة كلما اراد التركيز او التهديد او عندما يسرح به الخيال أحياناً وينظر للأفق و يُفكر بعمق .. بصوت الواثق قال وهو يهز رأسه لأعلى وينظر بحِدة .. ما بيفوتوا لبيروت .. كنت أعشق السياسة .. وكنت أزداد حماساً عندما يتحدث عنها حينما يتوقف بعض المرات عن الدرس .. وكنت أستدرجه لذلك أحياناً .. كان يتحدث عن حصار المخيمات الفلسطينية في لبنان .. والتجويع .. وقطع الماء والغذاء عن المخيم .. حتى أن الناس تبدأ في أكل القطط من الجوع بفعل حصار المليشيات .. وكنت أنا أتألم .. كان يرتدي الثوب والغترة الحمراء السعودية .. وأصبح مُدمناً على القات .. لا أستغرب فقد أمضى في جيزان اربعة عشر سنة كمدرس .. سألته ذات يوم لماذا إخترت المجيئ إلى جيزان ؟ أخذ يتكلم عن طلب الرزق .. ثم مدح أهل جيزان وطيبتهم .. وأخبرنا أن زملاءه الآخرين الذين إختاروا مُدناً أخرى يشتكون و يعانون
الحصار والقصف لم يكن فقط في المخيمات الفلسطينية فمنذ أن وصلت للفصل تفاجأت بثلاثة اولاد ليس لهم عمل في الفصل سوى أذيتي والسُخرية مني .. في البداية لم أفهم لماذا ؟ في الواقع حتى يومنا هذا ما زلتُ لا أفهم لماذا ؟ تمنيت لو كنت قوياً حتى أضربهم الواحد بعد الآخر .. تمنيتُ لو كان لي أخٌ أكبر حتى أشتكي إليه .. حتى يأتي ويلعن والد والديهم .. تمنيت لو عمي عبدالغفور كان موجوداً حتى يحميني منهم .. لكن في نفس الوقت كنت أخاف أن أشتكيهم للمدير .. او لاولاد عمتي المدرسين في المدرسة فتزداد عدوانيتهم .. كانت كل الدوائر مُغلقة أمامي والطرق مسدودة .. فجأة ومرة أخرى .. بل مرة بعد المرة كنت أجد نفسي وحيداً وكان علي أن أتعايش مع هذا الواقع .. لكنني كنت ضعيف جداً إلا من شيء واحد .. كنت طويل اللسان

ولأني كنت من الخمسة الاوائل في سنة اولى فقد تم توزيعنا في ثانية متوسط في الثلاثة فصول إثنين في كل فصل .. فكنت أنا الخامس وأسامة المصري الاول في نفس الفصل .. عندما وصلنا وبدأت الدراسة كان هناك في الصف من أعاد السنة مرة أخرى .. هؤلاء كانوا في مؤخرة الفصل .. وكنت أنا أجلس في الصفوف الامامية في الصف الثاني خلف أسامة المصري مباشرة .. وكان على يميني يستند للجدار ولد أسود وقبيح إسمه صّديق .. حسناً سأخبرك عن شيء .. في مدينتنا جيزان يقولون أن الله سبحانه وتعالى وضع نصف جمال البشر في نبّي الله يوسف عليه السلام وأن النصف الآخر من الجمال قد تم توزيعه على بقية البشر .. صدقيني لو أن الله في الجهة المقابلة قد وزّع القبح على البشر فإنه قد أعطى صدّيق النصف ثم وزّع النصف الآخر من القبح على بقية البشر

كان كل يوم بجانبي وفي وجهي .. ولو كان القُبح في الوجه فقط لهان الأمر .. لكن حتى قلبه كان قبيح .. وكانت مهمته عندما يقوم محمد الأعرج بالسخرية مني .. كانت مهمة صديق في الفصل أن ينظر في وجهي ثم يضحك ضحكة باردة بلهاء .. يُخرج ويقضم لسانه بين أسنانه الملطخة بالقذارة بفعل الشّمة التي كان مُدمناً عليها .. الشّمة في جيزان هي التنباك في بلاد أخرى مادة بلون التراب يضعها بعض الناس في افواههم بين الاسنان والشفاة ولها تأثير الدخان .. تجعل لون الاسنان اصفر بل مائل للون البُني .. أعتقد أنها تبغ مطحون

وفي آخر صف يجلس شمس الدين الولد الطويل جداً .. طبعاً شمس الدين ليس له اي علاقة بالدين او حتى بالشمس .. الله يلعنه .. أسود من القطران بالرغم أن أمه بيضاء وأبوه حِنطي اللون .. يلعن ابو الجينات المضروبة .. وأبوه كان له محل على الشارع يبيع مواد غذائية بالجملة .. وفي البيت في زقاق الحارة مقابل لبيت عمتي كان موزع ووكيل مُعتمد لبيع القات .. هو نفسه الولد الذي يعيش في شارعنا وكان يُطارد قحطان البهلول في ازقّة الحارة يُريد أن يفعل به الفاحشة .. هو نفسه الذي يهددني طول الوقت بأنه سيخبر كل من في المدرسة بأن عيسى بطيخة فعل بي الفاحشة .. هذه الكذبة التي إخترعوها وأصبحت تطير بأجنحة تطاردني كأنها حقيقة .. لكنه ياللمفاجأة .. كان ذكي جداً .. خاصة في الرياضيات .. لا أعلم كيف أعاد السنة .. ربما بسبب اللغة الإنجليزية التي كانت عُقدة الكثير من الاولاد

ثم أخيراً محمد الأعرج .. كان شاباً وسيماً بجسم رياضي مشدود .. وفنان في لعب كرة الطائرة .. اللعبة الوحيدة التي نلعبها في المدرسة لعدم توفر ملعب كرة قدم .. كان طبيعي جداً وذكي ولسانه طويل .. لا تلاحظ أن له ساق أقصر من الأخرى من كثر حيويته وقوته ونشاطه إلا عندما يمشي .. من عائلة تسكن في عمارة آخر الشارع عند مدخل حارة المعّش .. وكان خاله وكيل السيارات الامريكية في جيزان .. لذلك فقد كان يحضر للمدرسة بسيارة امريكية طويلة لونها كُحلي موديل نفس السنة .. لماذا كان يكرهني ؟ .. لا أعلم

كان يسخر و يضحك على كل كلمة اقولها .. ولأنه بالغ وصوته غليظ كان يضايقني طول الوقت بأن صوتي ناعم مثل البنات .. وكان يناديني بالمُخّنث .. وكنت أغضب جداً من ذلك .. لم أكن قد بلغت سن البلوغ بعد .. لم يكتفي بذلك بل كان يعايرني ويناديني مرة بكلمة جبلي .. اي أن أمي من الجبال وليست من الساحل .. بمعنى أن أهل الجبال أقل تحّضراً من أهل المدينة الساحلية .. ومرات أخرى يسميني مصري بصلة .. اي كلمة أقولها يأتي منه الرد سريعاً .. جبلي .. جبلي .. مصري بصلة .. مصري بصلة .. مع إنه لم يكن لي اي علاقة بمصر .. وكنت ايضاً أكره البصل .. يلعن ابو جده عقّدني في حياتي .. ياليته كان مشلول شلل نصفي .. كان صنع معروفاً للعالم .. عقّدني في حياتي لدرجة إني كنت أكره الذهاب للمدرسة والفصل بسبب هذا الولد .. كنت فعلاً حرفياً .. أكره الذهاب للمدرسة .. لكن ما الحل .. أجلس في البيت مع النساء .. والدي لن يسمح بذلك .. في تلك السنة لاحظت ولادة شخص جديد بداخلي .. هذا الشخص هو خليل العبيط

من كثر الهجوم عليّ الذي لا ينقطع من هؤلاء الثلاثة .. أصبحت حذراً وأخشى الكلام .. لأنهم يأخذون اي كلمة أنطقها .. مهما كانت .. ويبدأ منهم هجوم وسخرية لا تنقطع .. حتى عندما كنت أتفاعل مع المُدرسين وأظهر مهاراتي في الدراسة .. كنت أقابل بالسخرية من هؤلاء .. لم أعرف ما الذي ينبغي عليّ عمله ؟ أخيراً قررت أن أطبق المثل الذي يقول إذا كان الكلام من فضّة فالسكوت من ذهب

لكنني ثرثار .. وأحب الكلام أكثر من أكل الآيس كريم .. لابد أن أتحدث .. وكلما بدأت الكلام يبدأ هجوم محمد الأعرج .. ثم يبدأ ضحك العصابة .. مع الوقت أصبحت مُتردداً في كل مرة أردتُ فيها الكلام .. وأصبحت أتعتع .. وأشعر أن ريقي نشف .. ثم أتوه داخل رأسي .. وأنسى نهاية الجُملة .. وبدايتها .. لأني بين كل كلمة وكلمة كنت أنتظر تعليق سخيف منهم
لم يكن أمامي من حل سوى أن أصبح عبيطاً كوسيلة دفاع أخيرة ضد هؤلاء الأوباش .. عبيط يعني أن أتظاهر بالغباء والهبل علّ وعسّى يتركني هؤلاء الأوغاد في حالي .. فكنت أسأل اسئلة غبية جداً .. عندها حتى لو غلطت في كلمة فلا يهم .. فأنا غبي وأبله على اي حال وليس على الأبله حرج .. وفعلاً نجحت الخطة .. تركوني نوعاً ما ولم أعد مركز إهتمامهم .. لكن المصيبة ومع الوقت أصبحت العباطة جزءاً من شخصيتي .. فلم أعد ذلك التلميذ الذي يفجع المدرس والطلاب بحِدة ذكائه .. ولم أعد ذلك الطالب الذي يستطيع حلّ مسألة الرياضيات في حين لم يستطع حلّها جميع طلاب المرحلة ولا حتى أسامة المصري الطالب الأول .. بأمانة نوعاً ما بدأت أشعر بالراحة مع خليل العبيط .. فهو يُضحك الآخرين بغبائه .. دون أن يُثير حنقهم وحسدهم كطالب مجتهد .. مما جعلني أكثر قبولاً وأقل توتراً
ثم بدأت مُداهنتهم ومسايرتهم في اشياء أخرى .. فأصبحت أضحك مع صّديق بالرغم أني كنت أحاول أن أغمض عيني عندما يضحك .. حتى لا أشاهد ما بداخل فمه من قذارة .. وأمازح محمد الأعرج .. في البداية عندما كان يقول لي جبلي .. كنت أرد عليه وأقول هبلي .. يعني هبلي ن*** .. طبعاً أنا لا أريد منه لا ن*** ولا يحزنون .. أبغاه بس يكفيني شرّه .. لكن من يشتمني كنت أرد له الشتيمة طازة .. فأصبحت بعد ذلك أجامله وأحاول كسبه .. فلو جاء ولم يحل واجب اي مادة .. كنت أجري نحوه لأعطيه دفتري ينقل منه الواجب .. وهكذا .. أدري إني وغد وملعون جدف وجبان من صُغري

لكن حدث شيء لم يكن في الحسبان .. كان صدّيق يحدثني عن عزوز .. ولم أكن أعلم أنه صاحبه .. هل تذكرين عزوز ؟ عزوز الذي ضربني كف على وجهي في الشارع دون اي سبب .. عزوز مُهّرب القات .. الداشر .. إبن الشوارع .. إبن الجزمة .. عزوز إبن القحبة …. فقلت له عزوز ؟!! هذا ولد داشر .. إبتعد عنه .. كنت أنا عامل فيها إن قلبي على صدّيق .. في الواقع كان ردي لا إرادياً .. فنظر صدّيق لي نظرة ذات مغزى .. لم أفهمها في حينه .. لكنني فهمتها ذلك المساء بعد أن عدت للبيت من المدرسة

كان الوقت بعد المغرب .. كنت أمام عمارتنا أقف أمام محل الرياضة الأقرب لباب العمارة .. وكان عمّي حُمّد يقف على يساري بأمتار أمام البقالة يُمارس إحدى هوايته المُفّضلة .. يلبس الثوب .. والغترة الحمراء على رأسه ملفوفة وآخر كشخة .. رائحة عطره النسائية تفوح وربما تصل لآخر الشارع .. كان مساءاً بارداً بعض الشيء في مدينة حارة في الغالب .. لابد أننا كنا في الشتاء .. والسماء صافية والنجوم تتلأ وكنت تقريباً عايش جو رومانتيكي لا يُعّكره اي شيء .. أكيد إني كُنت مُخّلص الواجبات المدرسية

والدي غير موجود .. لأنه لو كان موجوداً فلن يسمح لي بالوقوف على الرصيف .. خاصة لو كان هناك مدرسة في اليوم التالي .. بل كان سيأمرني بالعودة للبيت والمذاكرة .. وحتى لو قلت له ذاكرت وأنهيت الواجب .. لرد عليّ وقال .. روح حضّر دروس الغد قبل أن يشرحها المُدّرس .. ولو قلتُ له .. حضرت دروس الغد – طبعاً هذا من سابع المُستحيلات – لقال لي .. طيب روح نام بدري .. ولو قلت له .. كيت .. لقال لي .. كي كي كي كا كا كا .. ” طب أعدل الكُرسي ” .. لا يمكن أن أنتصر مع أبي .. فجأةً وبدون سابق إنذار وأنا في حالة سرحان وتجّلي .. رأيت عزوز يخرج من زُقاق مُظلم من الجهة الأخرى من الشارع ويتجه مُباشرةً نحوي .. كنت سأقول أنه كان يهرول مثل الذئب بإتجاهي .. لكن أبداً .. عزوز يمشي بخطوات واسعة وسريعة مع أنه قصير .. ساقه وفخوذه ممتلئة بالعضلات .. بين اللحظة التي رأيته فيها وبين عبوره للشارع والوقوف امامي ربما ثلاث ثواني فقط .. مثل أن تكون واقف سرحان وفجأة تتفاجأ بنمر يهرول بخطوات واسعة ثم يقفز أمامك ليفترسك

تلعثمت ووجهي شحب من المفاجأة .. حسابات كثيرة دارت في تلك اللحظة في رأسي .. كنت خائف جداً لو جاء ورآني والدي أتحدث لهذا الشيء .. والدي حرفياً سيذبحني .. فهذا الولد سُمعته سيئة جداً .. ومن يتحدث معه فلن يخرج الموضوع عن تهريب القات او اللواط .. وكنت شايل هّم عمي حُمّد .. لأنه يراني الآن في هذه اللحظة وأنا اتحدث إليه .. أدخل عزوز رأسه – تقريباً – في وجهي .. ماهو تقول ؟ ما تقول ؟ ما تقول عني ؟ تتكلم عليّه تتكلم عليّه ؟ تشّوه سمعتي ؟ وهو يتكلم معي بغضب وتفافيل تتطاير في وجهي .. تقريباً كنت شايف كل نقطة تُفالة وهي تتجه نحوي بالحركة البطيئة .. شعرت وهو يتكلم أن هناك خليل صغير في داخل رأسي مُستلقي على ظهره ميت من الضحك .. أمّا سُمعتي ..! بصراحة حلوة !! عزوز طلع دمه خفيف ..!! عدت للموقف .. بسرعة نظرت بإتجاه عمي حُمّد لأتأكد من ردّة فعله وهو يُشاهدني أتحدث للوطي و مُهّرب قات .. يا ترى ما الذي يدور في رأس عمي هذه اللحظة ؟

كان عمي مبحلق وينظر لي بإستغرااااااب .. بعيون واسعة اوسع من نظارته المستطيلة التي يرتديها .. كأنه يشاهد إمرأة عارية تعبر الشارع .. عدت لعزوز .. رددت عليه بصوت خافت حتى لا يسمع عمي ما يدور .. لا لا لا .. مش أنا اللي كنت أتكلم عنّك .. أنا سمعت ناس تتكلم .. لكن أنا وصّديق كنُا ندافع عنّك ورب الكعبة وإن شاء الله عيوني تنكع .. إن شا الله ربي يعميني .. لأنك صاحب صدّيق كنا ندافع عنك قسماً بالله قسماً بالله

لا أعلم كيف أرتخت أعصابه .. رد عليّ .. هااااه أحسب ! .. ثم إلتف جهة الشارع مهرولاً وأختفى في الزقاق المظلم .. كنت أنا ما زلت تحت هول الصدمة والمفاجأة غير مُصدق أني نجوت منه .. تقريباً مسحت العرق من على جبهتي بأصابعي .. ووووشووو .. الحمد لله .. خلصنا من هّم بقي الهّم الثاني .. إلتفت لعمي حُمد ووجدته يقترب مني ويسألني بإستغراب ماهو يشا ذا الآدمي ؟ من متى يعرفك وتعرفه ؟ ماهو بينك وبينه ؟ رددت عليه وأنا غير مُقتنع بما أقول وبداخلي بركان خامد من الغضب على وشك أن ينفجر .. لا لا .. الموضوع ببساطة أن اولاد تكلموا عليه في المدرسة ووصله الكلام .. وكان يحسبني إني منهم .. وبس
ثم تركت عمي وهربت للبيت .. كنت حانق جداً وشعرت بدموعي واقفة تنتظر النزول .. غاضب جداً .. غاضب لأني كنت شايل هم والدي وعمي وهم يشاهدونني اتحدث إليه .. حانق لأنه ليس من المفروض أن أخاف في مثل هذا الموقف من والدي او عمي .. حانق لأني حتى وأنا امام بيتنا ما زلت لا اشعر بالأمان والطمئنينة .. وعمي الفاغر .. بدل أن يتدخل ويحميني ويمسك العقال ويجلد عزوز على وزن إنصر إبن أخيك ظالماً او مظلموماً .. وقف ينتظر هذا الكلب حتى يذهب ثم ماذا صنع ؟ أتى ليلومني ويعاتبني أنا !! أنا اللي كنت خايف ومرعوب .. أنا الذي كنت الضحية !! لو أن عمي وقف معي في تلك اللحظة لربما إنتهت عُقدتي من هذا الولد للأبد .. ولربما ذهبت في اليوم التالي للمدرسة وبصقت في وجه الكلب الآخر صّديق .. لكن – في رأسي – لا أحد يستحق هذه البصقة سوى عمّي حُمّد الذي لم ينتصر لي ويتدخل ويلعن ابو اللي خّلف عزوز .. ربما لو كان عمي عبدالغفور هو المتواجد في تلك اللحظة لتغير الموقف دراماتيكياً .. هل عرفتي الآن كيف يبدأ إحساس الإنسان بالضياع والغُربة حتى وهو بين أهله ؟

كنت استيقظ في الصباح الباكر في شقة أمي في العمارة .. تلك الشقة التي كانت شقة عمي عبدالغفور قبل أن ينتقل للدور العلوي مُقابل عم حُمّد .. للشقة مدخل طويل .. نهاية المدخل الطويل كان المطبخ .. وحمام إفرنجي بجانب المطبخ .. بابه على يسار المدخل الطويل .. كان هناك غرفتين على اليمين تطل على الشارع .. الغرفة الاولى الاقرب لباب الشقة للضيوف .. كان أبي ينام في تلك الغرفة على فراش على الأرض في الليلتين التي يقضيهما عند أمي .. و يقضي الليلتين الأخريين عند زوجته الثالثة في الشقة المقابلة والتي كانت تسكنها أمي معها قبل خروجها للجبل ثم العودة للبيت الشعبي

ثم غرفة أخرى تلي غرفة الضيوف .. كانت هي غرفة المعيشة والتلفزيون والأكل والنوم ايضاً .. غرفة متعددة الأغراض بأربع سرر تلتصق بحوائط الغرفة الاربعة .. كان التلفزيون تحت النافذة .. والنافذة تطل على بلكونة طويلة تُحيط بالشقة من ثلاث جهات .. وبجانب النافذة باب .. كنت أنا أنام في غرفة المعيشة مع بقية الصغار وأمي .. وغرفة على اليسار بجانب باب الشقة كانت تلك الغرفة لأخواتي البنات
في الصباح الباكر كنت أستيقظ بسبب برودة الهواء التي كانت تتسلل من الباب المُطل على البلكونة والذي كانت تتركه أمي مفتوحاً بعض الشيء .. كنت أستيقظ أبحث عن لحافي .. لحافي الذي ينام معي ثم بقدرة قادر يختفي منتصف الليل او قبل الفجر ويأخذ لفة على الصغار .. ثم عندما أستيقظ أعيده وأنا غاضب ومُنزعج .. كان قماش الفراش من الحرير وعندما يتسلل هواء البحر البارد من الباب يصبح الحرير أبرد ويصعب جداً النهوض .. لذة النوم والحرير وهواء بحري بارد وصباح كسول خلطة سحرية تجعلك تكره المدرسة والذي إخترعها .. فعلاً من الذي إخترع المدرسة ؟ سيكون لي معاه كلام لو رأيته

ثم يظهر والدي فجأة لكي يوقظنا للمدرسة .. كنت من سماع صوته أفز واقفاً مثل جنود الخدمة العسكرية الإجبارية .. وأتجه لباب الحمام .. ثم بمجرد مشاهدتي لأبي وإبتعاده وخروجه من الشقة .. كنت أستدير لا إرادياً وحتى قبل أن أمسك باب الحمام .. وأعود للفراش البارد .. كان والدي ينزل للدكان ويقضي بعض الأغراض ثم يعود بعد عشر دقائق .. وبمجرد سماع صوته مرة أخرى .. كنت أفز وأحاول ألتظاهر بعمل اي شيء يجعله يعتقد أنني إستيقظت من زمن .. اتظاهر بالبحث عن قلم او دفتر او علبة الهندسة إستعداداً للذهاب للمدرسة … ثم أدخل الحمام وأمسح وجهي بالماء وصابونة لوكس .. وعندما أخرج أجد أمي جهزّت لي ثوب مكوي وسروال وفلينة .. كنت ارتديهم وأخرج للشارع متجهاً لطريق الكورنيش إلى المدرسة .. بينما والدي كان ينتظر البنات ليأخذهم بسيارته

كان هناك محل بوفية بجانب المدرسة لعجوز يمني .. كان يصنع فطائر الحنطة .. فقط حنطة بالزيت لا غير .. ويبيع شاي بالحليب يسمونه ايضاً شاي عدني .. كنت عندما أصل هناك أجد ولد أبيض شكله وسيم وولد عز مربرب شوية وخدوده حُمر ووجهه مليئ ببثور حب شباب حمراء .. كان يجلس على طاولة على الرصيف أمام دكان اليمني .. يضع ساقه اليمين على ركبته اليسار وصندله الشرقي يتدلى .. إسم الولد محمد وهو إبن تاجر .. وخاله صاحب وكالة السيارات الامريكية .. هو ولد خالة لمحمد الأعرج .. لكن سبحان من وزع الأخلاق بين الناس .. كان خلوق أنيق متواضع جميل .. كيف يقرب لمحمد الأعرج ؟ لا أعلم .. كانت لديه سيارة زرقاء سماوية امريكية طويلة موديل نفس السنة ايضاً .. كنت أقابله كل يوم في البوفيه نفطر فطائر البر او الحنطة اللذيذة ونشرب شاي بالحليب إلى أن يحين وقت الطابور فنتجه للمدرسة .. نمشي للمدرسة بشفايف تلمع من زيت الفطائر .. ربما تلك الجلسة والروقان والحديث مع محمد هو أفضل شيء في كل اليوم الدراسي .. لم أكن حتى تلك اللحظة أعرف أنه إبن خالة او خال لمحمد الأعرج .. لكن عرفت لاحقاً عندما ذهبنا في رحلة للمحالة .. المحالة وادي صغير بعد مدينة ابي عريش شرق جيزان

كان مدرس الإنجليزي حضرمي من ابناء مدينة جيزان وكان شديد لكنه متفاني في عمله .. تخرج من جامعة الملك سعود فرع ابها .. وكنت أضحك بيني وبين نفسي في كل مرة يقول كلمة ” زين ” .. بدل عن كلمة ” طيب ” .. كانت كلمة غريبة لكنه كان يكررها مراراً وكأنها أهم كلمة في قاموسه .. ولأنه كان رائد الفصل فقد إتفقنا معه للذهاب في رحلة إلى المحالة التي تبعد عن المدينة ثلاثين كيلو .. كان عليّ أن أقنع والدي .. أخبرت جدّتي برغبتي تلك .. وافق والدي لثقته ايضاً في رائد الفصل مدرس اللغة الإنجليزية .. كنت فرحان لأنها اول رحلة لي مع طلاب

يوم الخميس في السابعة صباحاً حضر محمد الأعرج بسيارته الامريكية التي تُشبه البيوك أمام المدرسة .. وحضر محمد ولد خالته كذلك بسيارته الامريكية الأخرى .. وكان هناك ثلاث سيارات أخرى من ضمنها سيارة المدّرس .. ركبت مع محمد في سيارته في الأمام وبدأ سباق سيارات بينه وبين محمد الأعرج .. مرة يسبقنا مرة نسبقه .. ثم أخيراً سبقناه .. كانت نافذة السيارة مفتوحة .. وكنت أجلس في المقعد الأمامي وأخرج رأسي من النافذة مثل الكلب وجهي في وجه الريح .. كنت في غاية السعادة .. نعم إنتصرت عليه .. وفي نفس الوقت .. لم أكن أنا عدوه المباشر .. فلن يصب جام غضبه عليّ

عندما وصلنا للمكان إنعطفنا لليسار ودخلنا شارع ترابي كثير الحصى .. لا تستطيع مشاهدة الوادي من الطريق العام إلا بعد النزول في منحدر ثم تبدأ تشاهد شجيرات من الشوك في كل مكان .. أخيراً وصلنا جدول ماء صغير تحيط بها كثير من الحشائش وربما شجرة او إثنين ثم عشب يُحيط بجدول الماء الذي يشبه بحيرة راكدة صغيرة جداً .. اوقفنا السيارات وبدأنا في إنزال الاغراض .. ثم شرعنا في إعداد الفطور .. بدأ الفطور خبز وفول وشكشوكة ونواشف .. وإنتهى بقدرة قادر صحون تتطاير بالقشطة والعسل وتراشق وقذف صحون في وجيه بعض

ثم قام إثنين من الاولاد وحملوا ثالث والقوا به في الماء .. ثم أصبحت حفلة من الهستيريا .. كل إثنين يحملون ثالث ويلقون به في الماء بالملابس الرسمية .. إلى أن وصلوا للمدّرس .. هههههه .. المدرس وقف يخطب فينا و كأنه الحجاج بن يوسف الثقفي .. أيها الناس .. أيها الناس .. قسم بالله لو يقرب مني أحد .. أيها الناس .. لا داعي لحملي .. أنا مُستعد أنزل بنفسي وأغرّق أمامكم .. فعلاً تعرى من ملابسه عدا الداخلية وغطس في الماء .. في تلك اللحظة والكل مشغول مع المدّرس .. عرفت حينها أنه لا مفر .. سوف يحملونني أنا ايضاً .. وسيلقون بي في الماء .. فكّرت بسرعة ماذا سأفعل ؟ ثم وجدت الفكرة .. سحبت معي ولد كنت أعرفه منذ الصف الثالث إبتدائي .. ثم ركضت بأقصى سرعة نحو أحد السيارات .. أقفلنا الابواب .. رفعنا زجاج السيارة لأعلى .. ثم قلت لصاحبي .. خلاص إنتهت اللعبة .. حط في بطنك بطيخة صيفي .. مُستحيل يوصلون لنا .. وكان هذا – تقريباً – صحيح لحد بعيد

الذي حدث أن العشرين طالب والمدرس أحاطوا بالسيارة وبدأوا في إطلاق التهديد مرة والترغيب مرة أخرى .. أقسم بالله أعصابي كانت في ثلاجة .. منطقياً لو يهددون لليل فليس أمامهم سوى كسر الزجاج وهذا مُستحيل يحدث .. لكن الذي حدث أنهم إستطاعوا كسر إرادة صاحبي بالتهديد والإغراء .. وأنهار أخيراً وفتح لهم الباب بعد مقاومة إستمرت لبضع دقائق هههههه .. أخذوه بالطيب وبشويش ورموه في الماء .. ثم أمسكوني اربعة اولاد وحملوني للماء .. أخذت أتقلب بين ايديهم مثل سمكة تم إصطيادها للتو ورميها على سطح القارب .. .. ثم رموني بكل قوة للماء حتى أن الماء دخل حلقي وأنفي .. كان يوم جميل من أيام جيزان ومتوسطة إبن سيناء .. بعد تلك الرحلة أصبحت علاقتي بمحمد الأعرج أفضل .. وخفّت حِدة تعليقاته .. لكني لم أتخلى عن حذري معه .. لم يتغير ذلك

كنت أعود للبيت من المدرسة عن طريق الكورنيش بعد نهاية اليوم الدراسي .. كنا نخرج من المدرسة نجري ونتسابق كفوج كبير من الطلبة .. كمن تم إطلاق سراحهم من أحد السجون .. ومن شغفي بالسياسة ومتابعة أخبار فلسطين ولبنان والحرب الأهلية .. كنت أتوقف أمام سوبر ماركت على ناصية سوق امخماس قريب من البيت يبيع جرائد كويتية .. كنت التقط جريدة إسمها الأنباء وأعود للبيت .. كانت جريدة الأنباء غنية بالأخبار مقارنة بالجرائد السعودية .. وفي إحد المرات وأنا أقلب وأبحث بين الصحف لفت نظري زاوية صغيرة وخبر من سطرين تحت عنوان يومي يقول ” لا تقرأ هذا الخبر ” فكنت أتسائل … هممم .. لماذا لا يُريدون منّا قراءة الخبر ؟ لماذا وضعوه في الجريدة إذاً ؟ .. قتلني الفضول .. ثم عندما أفتح الجريدة محاولاً التلصص وقراءة هذا الخبر الذي لا ينبغي قراءته .. كنت أسمع صوت العامل الباكستاني محتداً ” مافيه يقرا هنا .. إنته لازم يشتري جريدة ” .. كل الجرائد السعودية كانت بريال عدا هذه الجريدة الخضراء برياليين .. هل ادفع رياليين فقط لأقرأ هذان السطران من لا تقرأ هذا الخبر ؟!!! .. كاد الفضول يقتلني .. قررت دفع الرياليين وأمري إلى الله .. عجبني الخبر .. كان غريب وعجيب مرة .. وساخر مرة .. ولا يُصدق مرة أخرى .. من قبيل رجل قتل أمُه وهكذا .. ثم أصبحت أشتري جريدة الشرق الاوسط كل يوم بالإضافة لجريدة الأنباء فقط لأقرأ زاوية من سطرين .. ” لا تقرأ هذا الخبر “.. ثم ارمي الجريدة في محل الرياضة .. فيقرأها بعدي عمي حُمّد او أبي .. وأكتفي أنا بجريدة الأنباء التي تتأتي متأخرة يوم كامل .. ومع ذلك فيها من الاخبار والمواضيع ما يوازي اضعاف ما تحمله جرائدنا السعودية

في مدخل الشقة الطويل كنت العب الكورة ضد باب الشقة و ظهري للمطبخ عندما أعود من المدرسة منتظراً عودة والدي من العمل حتى يحين وقت الغذاء .. أخي الصغير فتح باب الشقة فكانت شوتة قاتلة مني .. إرتطمت الكرة بوجهه .. إرتد للخلف على أثرها متُرنحاً ثم سقط على الأرض شبه مغشياً عليه .. أمي بدأت تصيح وتدعي علي .. خوفاً من وصول والدي تلك اللحظة هربت للبلكونة خلف الشقة .. كانت البلكونة مفتوحة على الشارع .. لكن في الخلف كان هناك شبك من الطوب يحجب الرؤية عدا بعض الشيء من خلال الشقوق .. عندما هربت للبلكونة الخلفية بحثت عن مكان أختبئ فيه

كان أفضل مكان للإختباء هو المكان المفتوح .. بحيث عندما ينظر أحد من بعيد يعتقد أن المكان فاضي .. لكنني لأنني نحيل جداً كنت أختبأ خلف ماسورة الصرف الصحي العريضة .. ولا يتصور من ينظر من بعيد أني موجود هنا إطلاقاً .. كانت ماسورة واحدة تخترق البلكونة من الدور الارضي ثم تتجه لأعلى بشكل عمودي .. وقبل أن تدخل في السقف بأتجاه شقة عمي حُمّد .. كانت تتفرع لفرعين مثل شكل الشوكة بإتجاه أفقي ثم عمودي لأعلى .. كنت أتسلق الماسورة وأنام على ظهري على الجزء الأفقي .. بحيث اذا نظر أحدهم من بعيد وهو يبحث عني .. فلن يراني .. بل لن يتصور مجرد تصور أنني ممكن أن أكون خلف تلك الماسورة .. كان جسدي يكاد يلتصق بالسقف

وأنا في ذلك الوضع نظرت من خلال شبك الجدار بإتجاه عمارة الجيران القريبة جدا خلف عمارتنا .. فرأيت إمرأة مصرية بالشلحة في مطبخ شقتها .. وكنت أشاهد زوجها يذهب ثم يعود .. يذهب ثم يعود .. وهو يلبس ملابسه الداخلية .. الله الله الله .. الظاهر إني على وشك مُشاهدة فيلم جنس على الطبيعة .. فعّدلت جلستي وأخذت انظر بكل ما في ذهني من تركيز .. من حسن الحظ لم يكن من الممكن لهما رؤيتي .. ليس فقط لأني أنظر لهما من أعلى قليلاً .. او لأنه يصعب رؤيتي من خلال طوب الشبك .. ولكن ايضاً لظلمة المكان الذي كنت أجلس فيه

شعرت بسخونة جسمي وحرارة وتسارع أنفاسي في تلك اللحظة .. ونسيت أخوية الذي وجهتُ له شوتة قاتلة بالكرة .. ونسيت أبويه واللي خلفوني .. قعدت أنتظر الرجل يعمل اي حاجة .. يقُبلها او يمسكها .. او يداعبها … او اي حاجة .. أنا راضي .. لأنهما تقريباً في حالة شبه تعّري .. إنتظرت وطال الإنتظار .. وبدل أن أشاهد مشهد جنسي فاضح مثل الأفلام المصرية .. كنت أسمع اصواتهما تتعالى بالصراخ .. طيب حلو .. يعني ممكن أشاهد مضاربة .. او مصارعة حُرة .. مش بطّال .. لكن لا شيء ابداً مُثير يحدث هنا .. فقط زعيق وخصام .. وزوج يذهب .. ثم يعود .. يذهب .. ثم يعود .. لكنه لا يلمس ابداً .. طفشت .. هل هذه هي حقيقة الحياة الزوجية ؟ قررت أن أنزل بعد تأخر الوقت .. سمعت أذان صلاة العصر .. وتأكدت أن والدي غادر البيت للمسجد .. والدي كان يخرج العصر ولا يعود حتى بعد المغرب .. فنزلت .. كنت أنتظر كل يوم أن ينتهي يومي الدراسي حتى أعود لهذا المكان علّ وعسى أستمتع برؤية منظر فاضح او حتى قُبلة .. تركت ضرب الكرة في باب الشقة وأنا أنتظر الغذاء .. وحجزت هذا المكان .. لكن لا جدوى .. شهر كامل لم أشاهده يلمسها او يقبُّلها .. فقط صراخ وخصام .. فقررت أن أتركهما ..

كان والدي متسلط علية بشكل دكتاتوري في تلك الفترة … كل الناس بعد الغذاء تأخذ قيلولة .. حتى هو يأخذ قيلولة .. لكنه كان يحرمني منها .. طبعاً أنا لا أحب القيلولة ولم أعرفها في حياتي .. لكن يا شيخ سيبني في حالي .. كان يٌناديني بعد الغذاء ويطلب مني أنزل لمحل الرياضة بحجة أن كل محلات الرياضة مُغلقة تلك اللحظة .. كان يقول هذه فرصة للبيع .. فربما يأتي شاب تنقصه صافرة او جراب او كرة قبل ذهابه للعب في العصر .. وكنت اذهب للمحل وأجلس فيه على مضض وأنا مُكفّهر .. أعتقد أن والدي خسر تجارته بسببي .. فكنت حاد الطبع مع الزبائن .. مُنفّر لهم .. على قلة من يأتي تلك اللحظة إلا أنني كنت أسوأ بائع مر على تراب جيزان .. ليس هذا فحسب بل كنت أسرق من ” المغّل ” عشرة او خمسة ريال كل يوم .. يعني لو حسبها والدي بطريقة صحيحة فسيكون قد كسب عشرة ريال لو أنه ترك المحل مُغلق

محلات الرياضة بدأت في جيزان نهاية السبعينات بمحل في شارع القادسية قريب من الميدان إسمه ” بيت العصفور ” وكان محل فيه الملابس غالية جداً .. اتذكر وأنا في رابعة إبتدائي ذهبت إليه حتى أشتري بنطلون رياضي .. فطلب خمسة وثلاثين ريال .. كنت أعشق رائحة الملابس الرياضية الجديدة فقط بوقوفي داخل المحل .. مع ذلك ولا مرة إشتريت من عنده لأنه غالي جداً .. عندما إفتتح والدي محله الرياضي دخل ينافس بالاسعار .. فكان يبيع ارخص .. البنطلون الرياضي بخمسة وعشرين ريال .. بعد كم سنة خرج بيت العصفور من السوق .. لكنه ترك شيء مميز خلفه .. لأن إسم محله كان بيت العصفور فأعتقد الناس أن كلمة بيت تعني محل .. لكن ترتبط بمحلات الرياضة .. فأصبحوا يطلقون على اي محل رياضة كلمة بيت .. مثلاً لو إسم المحل اليرموك .. لقال الاولاد هيا نذهب لبيت اليرموك نشتري ملابس رياضية .. هذا الشيء ليس فقط في الرياضة .. مثلاً اول ماء مُعقم كان ماء الصحة .. ثم ظهرت اسماء جديدة لكن الناس تنادي كل المنتجات الأخرى بماء الصحة .. مع أن الشركة ممكن تكون مياه نجران مثلا .. وهكذا .. سيارة الجيب

يُتبع

صهيوني