ثانوية معاذ بن جبل

(43)

ثانوية معاذ بن جبل

1986

خلاص فات الاوان .. هناك نقطة بمجرد أن تتجاوزها تصبح العودة للخلف شبه مستحيلة .. أنا الآن شبه عالق .. لا استطيع التقدم للامام .. اقصد لاعلى .. نظرت للخلف … اقصد لتحت .. الارض بعيدة ، صخور كبيرة من الجرافيت بزوايا حادة بجانب بعض وبينها شقوق ضيقة متكأة على سور المدرسة من الداخل ، لو سقطت ستنكسر ساقي،  لا أعلم كيف احضروا هذه الصخور هنا ؟! وما الفائدة منها ؟! انا استخدمتها للقفز ، اظن هذا أحد الفوائد .. مازلت متشعبط في الجدار ، اشعر بخدوش اسفل ذراعي من هذا الجدار الخشن، والم حاد على الجلد مثل ذلك الالم عندما ” تبخشك ” بسِّة .. لم اكن اتصور أن الجدار بهذا السُمك ! كيف لي أن اعرف .. لم اتسلقه من قبل

لم اكن أتصور اصلاً قبل دخول الثانوية أن اكون هكذا ملتصق بجدار سور المدرسة .. مثل وزغة ملتصقة بجدار غرفة المعيشة في عمارتنا .. بعد ما تلّقت ضربة قاتلة بنعال عمي عبدالغفور .. على الأقل جدار غرفة المعيشة أملس وليس بهذه الخشونة ، من جهة أخرى على الأقل لست مثل الوزغة ميت او فقدت ذيلي .. لكني عالق . لا استطيع التراجع والعودة حتى لا تنكسر ساقي .. ولا اعرف كيف سأحمل جسدي المعّلق .. ليرتفع فوق الجدار للهروب من المصيبة التي تلاحقني .. هذا ااااخر مكان كنت ممكن اتخيل نفسي فيه في اليوم الاول الذي دخلت فيه مدرسة معاذ بن جبل الثانوية 

كنت سعيد جداً عندما ركبت مع عمي عبدالغفور ذلك الصباح في سيارته الهوندا سيفك البيج في اول يوم دراسي في الثانوية العامة .. وكان هو المتوتر .. كان متوتراً مع أنه هو الكبير، وهو المدرس، بينما انا الطالب .. غمرني إحساس بالسعادة ، فأنا طالب في المرحلة الثانوية، لم اعد في سادسة ابتدائي ، ولا في المتوسطة ، انا في الثانوية .. عالم جديد ومثير .. وكذلك لاني بلغت وصار عندي شعر في باطي وخط صغير من الشعر تحت انفي .. بأمكاني الآن أن اعتبره شنب …

وسبب سعادتي الآخر هو الجزمة التي ارتديها ، عمي عبدالغفور عاش سنتين في مدينة رسول الله والتزم بدين الله ، وصار له لحية كثة ، صحيح تخلّى عن سماع الاغاني وأصبح يقرأ القرآن بصورة أكبر ، وتخلى عن أكثر اصدقائه من السبعينات الميلادية ، لكنه لم يتخلى عن خفّة دمه وروحه الحلوة مع الناس ، ووو .. وحتى ضحكاته الصاخبة .. لكن والأهم بالنسبة لي أنه تخلى عن جزمة جميلة جداً سوداء لم تعد تناسبه لأنها شبابية ، اعطاني الجزمة في الليلة الاخيرة من الاجازة ، تفضّل خذ الجزمة … كان يبدو وكأنّ نفسه مازالت فيها   … كانت سوداء جلد ليّنة بدون كعب ،  وحواف مقدمتها بيضاوية مكرمشة مثل وردة ، وفي المنتصف زعنيفة حلوة .. وخفيفة جداً .. وكأن رجلي تلامس الارض ، أخفّ من جزمة تميم اللي العب فيها كورة ، وكانت رهيبة مرة مع ثوبي الابيض الكويتي .. ياااه يا عم عبدو .. والله غفرت لك كل خطاياك ، وسامحتك على ايام الجزمة الحمراء المنقّطة اسود .. او السوداء المنقّطة أحمر .. فاكرة الجزمة الخشبية الضيّقة التي أحضرها لي من مصر وكانت أصغر من مقاسي .. من اليوم قررت فعلاً أفتح مع عمي عبدو جزمة جديدة

والله فرحان وكأني سأنتقل للعيش في مدينة جديدة ، بطريقة ما .. ثانوية معاذ بن جبل كانت بعيدة جداً عن بيتنا .. لا يمكن المشي إليها بالاقدام كما كنت أفعل عندما أمشي لمدرستي الابتدائية او المتوسطة  .. لابد من سيارة، وكونها ستجمع فلول الطلبة من الثلاث مدارس المتوسطة الموجودة في جيزان ، مدرستنا ابن سينا ، ابوبكر الصديق ومتوسطة معاذ بن جبل ، يعني اخيراً أنا إبن الحافة سأقابل ناس من حارة العشيما بعد ما كان بيني وبينهم وديان وجبال وحارة امضريبة وحارة الجبل .. طبعاً كل هذه المسافة دائرة لا يتعدى قطرها عشرة كيلو ، لكن كانت حاجة بعيدة جداً اقصى جنوب جيزان

وهواء البحر يرتطم بوجهي من نافذة سيارة عمي المفتوحة ويخرّب تسريحة شعري ونحن نعبر ونتجاوز فندق حياة جيزان على حزام الكورنيش .. كنت أفكّر بكل اصدقائي القُدامى وماذا سيكون اشكال اصدقائي الجدد .. لحظة سأخبرك بسر، بصراحة انا سعيد أني عبرت للثانوية العامة .. اتمنى أن لا ارى بعض الناس الكريهين والذين رافقوني في المتوسطة والابتدائية  .. اتمنى أنهم ذهبوا للعسكرية او تركوا المدرسة ، او رسبوا او حتى  ذهبوا للجحيم ، يكفي ما عانيته منهم لتسع او سبع سنوات، هناك من اصحابي طبعاً من اتمنى رؤيتهم ، ايوه السر .. تذكّرت ، السر هو هذه الرغبة الدفينة بداخلي كلما انتقلت الى مرحلة جديدة اتمنى فيها ان اتخلص من حمولة هؤلاء مثل المكوك ديسكفري عندما ينطلق للفضاء ويتخلص من بعض اجزاءه

عمي ما زال متوتراً .. اخبرني انه لا يصدق انه عائد للثانوية التي تركها بسبب تعرضه للضرب من المدير بشكل ظالم .. هذا المدير الذي سيصبح رئيسه في العمل  … في نهاية طريق الحزام إنحرفت السيارة لليسار وطلعنا طلعة بزاوية 35 درجة ، هضبة عظيمة تطل على البحر وحزام الكورنيش … وممكن نسميها جبل ، بعد مسافة قصيرة على اليمين توجد ساحة واسعة وارض يابسة فوقها تراب وحصى ، حتى أن السيارة اذا ضربت فرامل بقوة ممكن تنزلق .. تلك كانت مواقف السيارات للثانوية ، إخترقنا الموقف الفارغ من السيارات وأشعة الشمس البرتقالية  تطل من خلف تلال العشيماء تصفعنا في وجهنا .. غبار الارض يتناثر حول السيارة وتسمع صوت الحصى يضرب قعرها ..  سارت سيارة عمي بمحاذاة سور المدرسة تجاوزنا البوابة ثم اوقف عمي السيارة بجوار السور ونزلنا ،شرق المدرسة تلال وارض جبلية محُاطة بأسلاك شائكة ، سمعت أن تلك الارض كانت مِلك الجيش السعودي ايام حرب اليمن ، على اطراف تلك الارض الخالية بقايا محطة بنزين مهجورة وذخائر مدفعية أكلها الصدأ ملقية على الارض .. يفصلنا عنها تلك الاسلاك الشائكة .. عمي لابس بدلة رياضية خضراء غامقة بخط ابيض نحيل ثم يصبح عريض على جانب البنطلون وعلى كُم الجاكيت الرياضي ، مش عارف من فين يجيب هذه البدِّل ، مرة رهيبة ، متأكد أنها مش من السعودية

المدرسة حكومية ، ضخمة مقارنةً بمدرستنا المتوسطة المستأجرة والمُتهالكة ، سورها عظيم ، ترابي اللون ، المدرسة كلها ترابية اللون ، كم أكره هذا اللون .. لون سور المدرسة ولون سور المقبرة ولون سور السجن واحد في جيزان ، ابغى أعرف أني سأدخل بعد قليل للمدرسة وليس للمقبرة او السجن ،  بعد الدخول من بوابة السور الشرقي ، ساحة ترابية واسعة قبل الوصول الى لسان يشبه الجسر المعلّق كجزء من مبنى المدرسة .. دخلنا تحته ووصلنا لملعب سداسي .. أهم حاجة في الثانوية بالنسبة لي هو الملعب ،  كان الملعب هو مكان طابور الصباح ..  الطلبة بدأوا يتوافدون بكثرة ، بحثت بين الوجوه عن اي شخص اعرفه من متوسطة ابن سيناء ، شاهدت بعض زملائي من المتوسطة بكري مليسي ، عيّاش مقداد ، صالح كبيسي، هيثم عبده عمر ، أحمد قنفذي ، صالح محمد صالح ،  محمد خالد طبيقي ، أحمد هلال الغامدي ، وحتى أسامة احمد رمزي المصري وأسامة الاردني ، وابراهيم بخيت .. واولاد كثير

 شاهدت طلبة من متوسطة ابن سيناء كانوا مثلاً في ثالثة او ثانية متوسط لما كنت انا في اولى متوسط … و و و و لكنني وياللهول ، قابلت الولد الذي ضربني في آخر يوم في سادسة ابتدائي أحمد هادي ، الولد الأحول اللي اسنانة قذرة ومكسور سنه الامامي ، لم نتقابل في المتوسطة وجمعتنا الثانوية ، ياااامحاسن الصدف ، هذا شخص تمنيت أنه من قوم نوح عليه السلام الذين لم يصدّقوه ويصعدوا معه السفينة ثم غرق في الطوفان .. لكنه لم يكن كذلك ، بل كان يقف أمامي بشحمه وعظمه .. شعرت بالدم يغلي في عروقي .. معقولة بعد كل هذه السنيين ما زلت لم أغفر له؟!! يخي اسقطني على الارض في آخر يوم في الدراسة في المرحلة الابتدائية ثم ضرب رأسي بالارض وهرب ، مثل اللي كان حاقد عليك مدة ستة سنوات وعندما سنحت الفرصة ضربني وهرب اعتقاداً منه ربما أننا لن نلتقي ابداً .. كانت مشاعري لحظتها مختلطة ، غاضبة ونفسي أنتقم منه ، وفي نفس الوقت أنا جبان ، أكثر شي يخيفني من المضاربة هو عندما اعود للبيت واتلقى اللوم من والدي !! او هكذا كنت أفكر ، ثم لماذا أفسد هذا الشعور الجميل والمثير في اول يوم دراسي ..

 لكنني ايضاً كنت أبحث عن شخص آخر ، قابلته عندما حضرت للتقديم في الثانوية واوصلني في سيارته الوانيت للوحدة الصحية ، كان ولد ابيض حلو وشعره تقريباً يميل للشقار ديرتي بلوند .. لم اشاهده في الطابور ، ربما لزحمة وكثرة الطلاب ، او يمكن يكون مات  قبل بداية الدراسة ، يالله الله يرحمه كان طيب .. لحظة لحظة .. فلاش باك ..  اتذكر في الصيف عندما كنا نذهب لبحر غوار أنا وولد عمتي هشام كنت اشوفه على الشاطئ مع اخوه او ولد عمه ومعهم سيارة وانيت غمّارتين، وفي يوم التقديم للمدرسة الثانوية ذهبت أنا وهشام برفقة خالد الباكستاني الذي كان يعمل في مكتبتنا الى الثانوية، خالد الباكستاني كان عنده سيارة كرسيدا سماوية فأوصلنا للمدرسة ثم تركنا ووعدنا أن يعود ..  تخيّلي العامل الباكستاني اللي يشتغل عندنا عنده سيارة وأنا بدون سيارة !! من جد حكومة بنت أحبة .. المهم دخلنا انا وهشام بملفي العلاقي الاخضر المشهور جداً في السعودية ، وقدمنا الملّف للادارة ، وطلبوا مني اذهب للوحدة الصحية للتطعيم واكمال الاجراءات ، بالصدفة رأيت هذا الولد يقدم ملفه ايضاً ، لكن انا انتهيت قبله وخرجت من المدرسة مع هشام

 كان المفروض ننتظر خالد الباكستاني يعود ليوصلنا للوحدة الصحية .. عندما خرجنا للشارع شاهدت سيارة الولد الوانيت ،، فغمزت لهشام وقلت له تعال نجلس على حافة الونيت وعندما يخرج الولد من المدرسة سيشاهدنا ننتظر تحت اشعة الشمس الحارقة ، فيحن قلبه علينا ويعرض ايصالنا في طريقه للوحدة الصحية ،،، وفعلاً حدث السيناريو بالضبط .. حتى أن هشام كان يحاول يكتم ضحكة .. ركبت أنا في المقدمة مع صديقي الجديد وركب هشام في الخلف ، اقصد المقعد الخلفي وليس الحوض،، مع أن هشام مكانه فعلاً الحوض مع الغنم .. وبمجرد انطلاق السيارة الونيت .. شاهدنا خالد الباكستاني مقبل من بعيد يقطع مواقف السيارات الفاضية .. أنا عملت نفسي مش شايف خالد الباكستاني .. وهشام خبطني ويؤشر عليه ويضحك .. غمزت لهشام صه .. واكملنا الطريق للوحدة الصحية مع الصديق الجديد الوسيم .. أظن عرفتي الآن ليش هشام يستاهل يقعد في الحوض .. المشكلة بعد الوحدة الصحية افترقنا .. واحتجنا خدمات خالد الباكستاني للعودة الى البيت ،، لكن أخذنا تاكسي عوضاً عن ذلك ..

نعود للثانوية واليوم الاول .. وكيل المدرسة الاستاذ هاشم أخبرنا أن نذهب للدور الثاني ونجلس في اي فصل يمين الدرج .. الى أن تقوم المدرسة بتوزيعنا على الفصول حسب الحروف الابجدية ، عندما صعدنا الدرج للدور الثاني نبحث عن اولى ثانوي .. دخلت اول فصل وكنت ابحث بين الوجوه عن وجه صديقي الطيب الذي اوصلنا للوحدة الصحية .. لم اشاهده ، ذهبت للفصل التالي .. ايضاً لم اشاهده .. عندما دخلت للفصل الثالث شاهدته في منتصف الفصل ،، وأخذ يشير الي بيديه أن آتي وكان حاجز كرسي بجانبه .. ففرحت وذهبت وجلست بجانبه ..

الثانوية حكاية بصراحة .. تحسّي أن كل العالم مرجوجة .. الطلاب مرجوجيين .. المدرسين مرجوجيين .. الوكيل مرجوجً.. المدير مرجوج .. أنا مرجوج .. وحتى الفرّاش مرجوج .. لحظة احاول اتذكر اسمه .. اقصد الفرّاش .. عم حاجة كذا بالشين .. اكثر من شين .. شي غريب فعلاً عمرك سمعتي بأسم بني آدم في اسمه اكثر من حرف ش؟؟ تعلمين أن لدي صعوبات في النطق .. يعني تقريباً مستحيل اعرف أنطق إسمه ..  عم شمشمش .. لا ، عم شمشوم ،، برضه لا .. عم شمّة ؟؟ لا .. مش فاكر اسمه عم حاجة بحرفين ش في اسمه والسلام .. لا أعلم لماذا بدأت بالفراّش .. كان يداخلني عنه إحساس غير مُريح .. تحس إنه شخص لئيم ..

في اليوم الثاني او الثالث قاموا بتوزيعنا حسب الحروف الابجدية .. عادة حسب اول حرف في اسمي اما اكون في آخر فصل ( أ) او اول فصل ( ب ) وسبحان الله ، فصل الف وفصل باء عادة ما يكون فيه طلبة شطّار .. ومملين في نفس الوقت .. كلّمت عمّي عبدالغفور إني اريد الانتقال للفصل (د) فصل دال عادة تعجبني اسماء الطلبة فيه .. صحيح نصهم بأسم محمد ، لكن ايضاً تقابل اسماء رهيبة مثل نزار ومراد وفيصل وفواز ونادر .. أحس إنها تشكيلة أفضل .. وأنسجم معاهم بسرعة

طبعاً نقلت لأن واسطتي قوية ههههه  ، وصرت أنا والولد الاشقراني اصحاب .. لكن والله خليني أعرفّك على المخلوقات والكائنات الغريبة من طلاب ومدرسين واللي قضيت معاهم سنة من أجمل سنيين عمري

 الاستاذ عمر .. كنت اعرفه من بعيد ، يعني أعرف أن اسمه عمر وأعرف وجهه .. واعرف أنه يسكن في شارع اليرموك يعني تقريباً الشارع خلف بيتنا .. ولد عمتي صالح اخبرني حكاية ظريفة عنّه .. لانه درس في نفس الفترة التي كان يدرس فيها في جامعة الملك سعود .. اخبرني مرة أن الاستاذ عمر كان آذية في صغره ! سألت ولد عمتي كيف يعني آذيه؟ اش كان يسوّي؟ قال مثلاً في الجامعة كان يشاهد دكتوره في الجامعة يسير في الممرات ف ينادي الدكتور من بعيد ثم يختبأ ، ويخلّي الدكتور يتلّفت يدورّ عن من يناديه !! وعندما يتأكد للدكتور أن لا أحد ناداه ، يقوم يناديه مرة أخرى بأعلى صوته ثم يختبأ .. فيعود الدكتور ينظر خلفه وفي كل اتجاه بإستغراب يبحث عن من يناديه فلا يجد احداً فيستمر في المشي ! قلت لصالح اوووف يعمل كذا في الجامعة لدكتور في الجامعة .. أجل هذا المدرّس مصفوق .. ههههه .. قال وايضاً بهلواني !! بهلاوني رددت عليه .. ماذا تقصد ؟!! قال يمشي على يديه .. يطلع الدرج على يديه .. قلت ااوف جمبازي يعني !! قال ولد عمتي صالح لكنه الآن عقل وصار رزين !!

في حصة الفيزياء الاولى .. وقف الاستاذ عمر امام السبورة وامامنا وهو مغمض عينيه وبدون أن يتحدث .. مرت برهة .. برهتان .. ثلاث برهات .. اربع براريه !!   لما أفهم ماذا كان يريد أن يفعل .. اعتقد أنه ينتظر نزول الوحي؟  او أنه يريد أن يتذكر شيئاً ربما نسيه .. فكرّت اختبأ تحت الماصة .. هل يفكّر في خدعة ظريفة او مقلب !! ؟ كان منظره مضحك بعض الشي .. لا أعلم لماذا أضحك على اشكال الناس او ربما تصرّفاتهم .. احسّ اني سأدخل نار جهنم بسبب هذا الشيء … كان مفتول العضلات ماشاء الله ،  زائد بعض السُمنه .. وثوبه لا اعرف هل كان اصفر او متسخ .. ولم يكن مكوي .. وضيق جداً و تشعر أن ازرار الثوب ستتمزق وتتطاير …. مثل بّاباي بعد ما يأكل السبانخ وينتفخ … وسرواله اطول من الثوب ..  وكان تقريباً بدون رقبة .. يعني الرأس وعلى طول الصدر .. و بلحية متوّحشة  .. وفجأة نطق .. المكيانيكاااااااا .. تنقسم الى قسمين .. كان يمد في كلمة ميكانيكااااااااا ويضغط على كل حرف بطريقة مضحكة .. ومازال لم يفتح عينيه !! ديناميكاااااااااااا .. واست تاتيكااااااااا ..  كان نفسي انفجر وأضحك لكنه يعرف أبي .. فكنا ننتظر الى نهاية الحصة حتى نبدأ في تقليده .. والضحك ايضاً .. الميكانيكااااااااااااااا تنقسم الى ديناميكااااااااااااااااا ،، واستك كيككاااااااااا لحظة حبيت كلمة استككيكا .. وكان في كل مرة يعود للحصة يُعيد نفس القصة .. قصة الميكانيكا التي تنقسم الى قسمين ديناميكا واستكا كيكاااا .. وطبعاً لا ينسى أن يغمض عينيه .. وفي مرة طلب منا أن نغادر الفصل ونذهب معه الى سطح المدرسة .. كان يوم رائع والمنظر جداً جميل .. البحر من قمة الهضبة ومن سطح المدرسة الثانوية .. ناقص نحط طاولات بيضاء بمظلات ويحضر الجرسون ببدلته البيضاء وكرفطة سودا ومعاه عصير شمّام .. منظر بصراحة

 لكن الاستاذ عمر طلب أن نشاهد هذه التجربة الخطيرة .. كان يحمل في يده صخرة بحجم الكف .. وفي اليد الاخرى حصى .. وسألنا اذا قام بإسقاط الصخرة والحصى في نفس الوقت .. فأيهما سيصل للارض اولاً ؟!! طبعاً فكرنا قليلاً .. ثم اغلبنا قال الصخرة الاكبر ستصل الاول لسطح الارض لأنها ثقيلة .. ورد آخرون، لا .. الحصى الصغيرة ستصل الاول لسطح الارض لأنها خفيفة .. واحتدم الخلاف بيننا .. فأغمض الاستاذ عمر عينيه مرة أخرى .. قلت في نفسي اووف زعل ..  او إنه سيقول الآن ، الميكانيكااااااا تنقسم الى قسمين ديناميكااااااا واستتكيكااااا .. لكن ربنا ستر وقال .. ليش مستعجلين .. لماذا العجلة ؟ العجلة من الشيطان ، لماذا لا نعمل تجربة ..؟ اسقط الصخرة والحصى من سطح المدرسة الطابق الثالث بأتجاه حوش المدرسة جهة البحر .. وكنا جميعاً معلّقون فوق سور السطح نحاول رؤية من وصل الاول .. نحتاج منظار ..  فلم نعرف ..  سمعنا الارتطام ببلاط الحوش لكننا لم نعرف ايهما وصل اولاً

يا استاذ عمر المفروض نكون تحت عشان نشاهد الارتطام … قال خليلللل انتا مستعجل .. العجلة من الشيطان .. انا جبتكم السطح عشان اشرح لكم التجربة .. الآن هيا انزلوا جميعاً لحوش المدرسة لتشاهدوا التجربة بصورة اوضّح ،،، طبعاً نزلنا بس ما ادري ليه حسيت انه قام يصّرفها .. نزلنا تحت ننتظر سباق الحصى والصخرة .. اسقطهما من السطح .. وكانت سريعة جداً .. برضه اختلفنا هل الصخرة وصلت قبل الحصى ام أن الحصى وصلت قبل الصخرة الاكبر ؟!! اما أنهما وصلا في نفس الوقت ..؟ اختلفنا وكدنا نقتتل .. وكل شخص يحاول يثبت أنه ذكي وهو الصح … نزل الاستاذ عمر وأخبرنا أنهما يصلان في نفس الوقت لأن الجاذبية الارضية تجذب الاجسام بنفس التسارع .. هههههههههه يخي كان قلت لنا من اول وارتحنا بدل الصراخ الذي حدث بيننا وكل طالب اراد أن يثبت أنه يملك عين الكترونية تستطيع التقاط هذا السرعة الفائقة للاجسام عندما تصطدم على الارض .. وطالعين للسطح … ونازلين من السطح .. وطالعين الدرجّ ونازلين من الدرّج .. ومشاوير .. كان هذا هو الدرس الوحيد الذي أتذكره من الاستاذ عمر .. وكانت جلسات الاستاتيككاااااااا والديناميكاااااااااا التي انقسمت من الميكانيكاااااااا بعد الحصة ممتعة جداً خاصة عندما كنا نغمض اعيننا ونقلّد الاستاذ عمر

كُسّ أمُ الحكومة ، خلاص طفشت ارحميني … لم أعد ارى اي فائدة من هذه الجلسات وهذا الكلام الكثير … بصراحة مليت ..  أشعر أن كل هذا الحديث غير مُهم .. ما الذي ستجنيه إن عرفتي أني كنت سعيد عندما دخلت الثانوية ام حزين؟!! ما الفائدة اذا اخبرتك عن هذا المدرس او ذاك؟ او عن هذا الطالب او ذاك؟ هل تريدين أن تعرفي أنه لم يكن لي اصدقاء؟!! إن كنت طالب مجتهد ام كسول؟ صدقيني اذا اخبرتك أن كل القصص التي حدثتك عنها لحدّ الآن ليست القصة الحقيقية .. أنا قصتي الحقيقية تبدأ من نهاية ثالثة ثانوي .. كل هذا الكلام مجرد مُقّدمة .. لكني لم أعد أتذكر اي شيء .. ربما ليكسيبروا او الليثيم الذي وصفه لي السايكيتريست لخبط مخي .. أشعر بخدر .. وأشعر أن جزءاً من ذاكرتي مُحي .. دعينا نذهب لثالثة ثانوي ارجوكِ … أتوسل اليك .. الست من يدفع ثمن هذه الجلسات ؟!! المفروض تستمعي الي !! أنا تعبت والله تعبت.

اف .. المدرسين كلهم عاديين .. والطلبة ايضاً مثل اي مدرسة .. كل شيء مملل .. ما عدا .. لحظة شيء تذكرته الآن .. كنت أنا أجلس في الصف الثاني من الماصات .. في الوقت بين الحصص كنت أسمع صوت يأتي من الخلف ويكرر هذه الجُملة ” اااااااااه لو كنت عسكري ” في البداية طنّشت .. بعد الحصة الخامسة كنت أشعر ببعض الارهاق والخمول .. اعاد الولد الجملة ” ااااااااااه لو كنت عسكري ” كان يقولها بصوت حزين وجزع .. التفت لاشاهد من هذا الطالب الطموح جداً .. رأيته جالس على كرسيه ويمد ذراعه اليسار على الماصة وينام عليها ..  ويكرر ” آااااااااه لو كنت عسكري ” أعرف الولد قريب من حارتنا يسكن في حارة المعّش ، كنت قرفان .. فلم أسأله السؤال الذي قفز لرأسي وقررت أن أتجاهله .. ثم عدت أسمعه يصيح بنفس الطريقة ” ااااااااه لو كنت عسكري ” صوته مرتفع ممكن يسمعه اي شخص يمر بالسيب .. كنت أشعر بخمول ومتكاسل اسأله اساساً … فلم اكن أعرفه جيداً عند ذلك الوقت ..  قلت في نفسي بكسل .. ياخي ليش تبغى تكون عسكري؟!! العسكري ادنى رتبة في سلُّم العسكرية ! ليش ما تقول ابغى اصير ضابط ؟!! يعني اذا تبغى تحلم أحلم بحاجة كبيرة شوية .. ” اااااااااه لو كنت عسكري ” سمعته يرددها مرة أخرى .. يااا دين أمُّي .. آخر حاجة خلاص قررت أنفجر فيه وأسأله .. يخي ليش تبغى تكون عسكري؟!!! اش معنى عسكري ؟!! ليش ما تكون ضابط مثلاً ؟!! كان رده بكل برود ” اااااااااااه لو كنت عسكري ”  وتجاهلني تماماً …!!!  بعدين عرفت أن ابوه يمني مهاجر يبيع قات .. والقات ممنوع طبعاً .. جندي بدون حتى شريط يأتي لبيت أبوه يأخذ حزمة القات بالمجان ويذهب !!

الآن ماذا استفدتي من معرفة مثل هذه القصة؟!! وليش أنا أصلاً أتذكر مثل هذا الموقف الذي ليس له اي علاقة بي بعد كل هذه السنين ؟!!! حسناً .. تذكري هذا الاسم جيداً .. محمد غبشي صاحب السيمفونية اليومية ” آاااااااااااه لو كنت عسكري “

 الأستاذ أحمد كان أنيق بصورة مُلفتة وفخمة ، وكان رشيق ..  ثوب أبيض مكوي بعناية ، وغترة بيضاء سويسرية مكوية وسهل ملاحظة كميّة المقوي او النشا، يرمي غترته فوق العقال بطريقة ” وأنا يهمّني ” كومة قماش أبيض فوق العقال .. نفس طريقة الوليد بن طلال ، وحتى نفس رشاقة الجسم ، نفس الاناقة ، نفس الوسامة ، تحسّه مثل رجل اعمال أنيق جاء بالخطأ يدرسّنا جغرافيا ، لكن أنا أعرف الاستاذ أحمد .. أعرفه من لما كنت طفل صغير .. وكان يحضر مع شّلة عمّي عبدالغفور ويجلسون على كراسي من الحبال أمام بقالتنا بعد صلاة الجمعة الى وقت الغدا ، يضحكون ، يتخاصمون وترتفع اصواتهم في جنون أيام معارك الاتحاد والأهلي ثم يلملمون اشيائهم ويرحلون الى بيوتهم عندما تحين ساعة الغداء، أصحاب عمي اللي كان أكثرهم مدرّسين ولاعبين في النادي ، الاستاذ أحمد كان يلعب في مركز الوسط وبالرغم من صغر جسمه لكنه كان يتميز بتمريراته القصيرة و القاتلة ، اتذكر آخر مباراة عظيمة لعبها أمام فريق الاتفاق في أبها، في تصفيات كأس الملك عام 1983 كانت في أبها لأنه لم يكن في جيزان ملاعب رياضية سوى الترابية ، ولم أحضر تلك المباراة لأن عمري كان 12 سنة ، لكن اولاد عمتي حضروها وصوّروها بالفيديو ، كان أعظم فريق اتفاق بقيادة المدرب خليل الزياني .. واعظم جيل لاعبين اتفاقي امثال صالح خليفة وجمال محمد ، وربما أعظم جيل مثّل نادي التُهامي على مدى تأريخه .. طبعاً خسرنا المباراة امام الاتفاق هههه

اسلوبه السهل الممتنع فريد جداً ،  أسلوب الاستاذ أحمد في التدريس هو الاسلوب المناسب  ، في الفصل في كل حصة في العشر الدقائق الاولى كما في الملعب كان يخترق الصفوف ويمرر الاسئلة للطلبة كمن يمرر الكرات .. ون تو..  ون تو .. يراجع كل النقاط المُهمة للدرس من الحصة السابقة .. يؤشر بأصبعه للطالب على اليمين يأخذ الاجابة ، ثم يؤشر بأصبعه للطالب من الصف اليسار ويوجه السؤال ، وحتى عندما لا يعرف الطالب الاجابة لا يتوقف ويعقّد المواضيع .. بعض الطلبة لياقتهم عالية ويملكون مهارات والبعض الآخر ربما يحتاج لتدريب أكثر  .. يوجه السؤال لطالب آخر ، ويستمر في هذه العملية سؤال وجواب لعشر دقائق .. ثم يعود أمام السبورة ليبدأ شرح الدرس الجديد ، في حصة الجغرافيا التالية يعود لنفس الروتين عشر دقائق سؤال وجواب ، لذلك تعلمنا أن نُراجع قبل أن تفاجأنا منه تمريرة غير متوّقعة ، أتذكر إنتهى الترم ولم أحتاج لمذاكرة مادة الجغرافيا ليلة الاختبار النهائي ، هذا التكرار جعلنا ننتبه جيداً لما يقول ، ونحفظ تقريباً كل النقاط المهمة

كنا ندرس مواد كثيرة جداً علمية وادبية ، وبينما كنت تقريباً أفهم كل شيء في مادة الجغرافيا .. ولم أحتج اي جهد للمذاكرة للنهائي .. كانت مادة النقد والبلاغة مادة غير مفهومة .. كان المدّرس السوري اصلع بشعر ناعم على الجانبين ، قصير بعيون جاحظة  .. بنظارات مدّورة ..  كان وكأنه يشرح المادة باللغة الصينية .. حتى الكتاب وكأنه مكتوب باللغة الصينية ..  بدت وأنتهت السنة بدون أن أفهم  أعرف او أتذكر اي شيء في المادة .. سوى إسم الاستاذ مصطفى الحلفاوي .. حتى الاسم لستُ متأكداً منه . الحمد لله أنني كنت أنوي التخصص علمي ولن أحتاج هذه المادة في السنوات القادمة ههههههه

 مصيبة سيد مرسي إني بداية الدراسة اشتريت “والكمان” مسجل بسماعات اذن، رحت لتسجيلات الاحلام في شارع فيصل حتى أشتري شريط  لعبدالحليم .. وأكتشفت بالصدفة أنهم يبيعون مسرحية مدرسة المشاغبين على كاسيتات اربعة او خمسة ، اشتريتهم .. وكنت استمع لمدرسة المشاغبين كل ليلة قبل نومي … وتقريباً حفظت المسرحية  ” ارجوك ما تسمحش لنفسك بتقييم الموقف بدون دراسة مُسّبقة والا ح تخرج بمفهوم خاطئ ينعكس على رغبتك ابتداءاً في تلويث الآخرين الأمر الذي يجعلني في النهاية مضطر للدفاع عن ” نفسي ” بصرف النظر عن اي اعتبارات اسرية بعيدة ارض الواقع هه ما شربش الشاي اشرب أزوزة أنا ” صار المدرسين المصريين حقل تجارب لكل القفشات اللتي حفظتهم عن ظهر قلب من المسرحية .. خليل أنا ح أسألك سؤال ! ي أستاذ مرسي السؤااااال لغير الله مذّلة !! .. بهذلت المسكين

لكن أنا كنت مجرد طفل رضيع مُقارنة بمحمد نسيبي .. طبعاً لا هو نسيبي ولا صهري ولا إبن خالتي ، ولا أعرفه .. هذا إسمه كذا .. محمد نسيبي ولد لونه أغمق من لوني بشويّة لكنه بحمرة .. حاجة غريبة بصراحة كيف يكون لونك غامق ومحمر في نفس الوقت ، وشعره جداً ناعم مفروق من المنتصف ونازل على وجهه ، ووجهه فيه كم حبّة شباب حمراء تحتاج فقع ، وشفايفه مش فاهم ليه دائماً مبتلة وتلمع .. محمد هو الولد الغزلنجي اللي في الفصل ، وكان عنده سيارة هوندا سبورت رمادية بباب واحد .. وعمره ما جاء للفصل وهو حال الواجب ، لكنه لا يجد صعوبة في اقناعك بأعطاءه الدفتر لكي ينقل منك واجب الرياضيات او اي مادة أخرى ..

عندما يصل سيد مرسي مدّرس الرياضيات للفصل يتجه للسبورة ويقضي ربع ساعة في الكتابة على السبورة قبل أن يبدأ الدرس ، فجأة سمعت صوت بقرة .. مووووو .. إستغربت .. أنا أجلس في الصف الثاني وسط الفصل ..  نظرت للخلف أبحث عن مصدر الصوت ، الاستاذ سيد مرسي لم ينتبه ، كان مشغولاً بالكتابةِ على السبورة ، بعد قليل سمعت صوت ماعز ، بعاااااااع ، نظرت ايضاً ابحث عن مصدر الصوت ، المجرم اللي قاعد يقلد اصوات الحيوانات كان بارع في تقليد الاصوات وبارع في اخفاء مصدر الصوت ، شي محيّر فعلاً  ، عاد صوت البقرة مرةً أخرى ، الفصل بدأ في الضحك .. عندما التفت المدرس .. كل الفصل في نفس اللحظة يتوقف عن الضحك ، يعود المدّرس للكتابة ، يعود صوت البقرة .. نضحك ..  يلتفت الاستاذ .. نتوقف عن الضحك مباشرة ، ولا نَفَسْ .. وكأن هناك مايسترو يوّجهنا .. ونحن الاروكسترا الموسيقية .. التفتُ هذه المرة بسرعة لاعرف صاحب الصوت ، أتاريه محمد نسيبي ، كان يقبع في مؤخرة الفصل و كان يضع يده على فمه ويطلق الصوت بطريقة تعتقد أن صوت البقرة يأتي من مكان بعيد .. هههههه ..

محمد خالد ولد شاطر عبقري ومتين، وبدون رقبة ، مرة حاولت أقيس طول رقبته من بعيد لم تتعدى واحد سانتي .. ولأنه متين كان عندما يضحك كل جسمه يهتز من فوق لتحت ..  وكأنه جالس على ” سوست/ سبرنقز ” عاد صوت البقرة مرةً أخرى وأخذ يرتفع اكثر .. فضحكنا اكثر وبصوت أعلى … فألتفت سيد مرسي هذه المرة بسرعة وهو يصيح ” ايه دااااا .. إحنا في زريبة ؟!!!! ” طبعاً كلنا سكتنا وتوقفنا عن الضحك في نفس اللحظة .. عدا محمد خالد .. بالرغم أنه ساكت وماسك الضحكة .. الا أن جسمه كان يهتز من فوق لتحت ويفضحه .. فبدأ المدرس بتوجيه النصائح لمحمد خالد .. عيب يا محمد إنتا أحسن طالب عندي في الرياضيات !!! هههههههههه

فواز ولد ناعم ورقيق .. مؤذب ، شاطر ، أبيض ، عيونه واسعة ورموشه طوال ويلبس نظّارت طبية .. شعره أسود وتقريباً جعد .. ويمّشط شعره للامام ، أنا ديني ودين اللي يمشّط شعره للامام .. خاصة لما يكون شعره جعد اصلاً .. وحاط عليه نص كيلو كريم ويلمع ، ناقص يجي الفصل ومعاه زمزمية .. يخي خلاص كبرنا وصرنا في الثانوية ، المفروض تمشّط شعرك للخلف او تنفشّه … والمصيبة الأكبر أنه يحضر للمدرسة بشنطة سامسونايت ..!!! وأحنا تقريياً كلّنا نأتي بكتبنا محمولة في يدنا ..  وأحياناً من كثرها نضع حبل الاستيك حول الكتب والدفاتر حتى لا ينزلق كتاب بدون أن تدري ..!

فاكرة زمان عندما أخبرتك أن رأسي كبير بالنسبة لجسمي النحيل ؟ هل تذكرين ايضاً عندما حدثّتك عن رأس هشام ولد عمتّي الذي يشبه الكرة الارضية ؟ رأس فواز كان تقريباً بحجم كوكب المشتري .. بصراحة مش عارف إحنا الثلاثة كيف خرجنا من اكساس أمهاتنا؟!!!! أكيد بالعافية

المصيبة تذكرت فواز وأخوه سلطان .. كانا معي في اولى إبتدائي في المدرسة العزيزية قبل أن أتركها وأنتقل الى المدرسة الشامية .. شكله جداً ممُيّز بفضل رأسه الكبير .. طبعاً أنا فقط من يتذكر الناس .. بينما الناس لا تتذكرني ابداً .. مع فواز كل هذا سيتغيّر قريباً وللأبد

كان يمشي مع فؤاد دائماً .. اظن  فؤاد ولد من المدينة المنّورة .. لكن لا فؤاد ولا فواز يعرفون يلعبون كورة في حصّة الرياضة .. يحضرون لحصة الرياضة باللبس الرياضي يجرون معنا فترة التسخين ثم يختفون عن الأنظار ، بينما يستمر بقية الفصل في التقسيم لثلاث فرق ونبدأ اللعب … لا يمكن أن أنسى هذا اليوم .. بدأنا الدوران حول الملعب في طابور نجري خلف بعض .. فواز كان فرحان ومنتّشي وهو يجري لا أعلم لماذا .. وكان يلتفت جهة المّدرس وبعض الطلبة الغير مشاركين في التسخين والجالسين خارج الملعب في الظل تحت جزء من مبنى المدرسة .. وفجأة خبط بوجهه وجسمه في عامود سارية الَعَلم … هههههههه .. الخبطة والصوت كان قوي جداً .. فواز وقع على الارض .. والنظارة طاحت .. النظارة ، الشياكة والبرستيج اللي كان فيه تلخبطت وكلها طاحت معاه على الارض .. وتقريباً شاف عصافير تدور حوالين رأسه وتصوصو .. المفروض ما أضحك .. بس أنا ضحكت لأن الموقف كان مُضحك .. بعدها بفترة اصبحت اتكلم معاه .. فصار يناديني ” الولد صاحب عملّية الشدّ ” ما كنتش فاهم لحظتها اش يقصد .. لكن عملت مثل اي طالب عربي يحفظ الجملة حتى لو لم يفهمها .. بعدين ربما استوعبت أن جلد وجهي مشدود .. اعتقد أن السبب لأني أمسح وجهي بصابون لوكس كل صباح قبل ذهابي للمدرسة هههههههه

حبيت فؤاد .. كان يمزح ويقول نكت .. ووماكنش شاطر .. كان ضخم جداً .. طويل وممتلئ .. حتى انني لو جئت اجري واصطدمتُ به لارتديت للخلف لمترين وسقطت على الارض ..  يلبس عدسات سميكة .. عيونه واسعة وقريبة من العيون الآسيوية ومتباعدة .. وعندما يخلع النظارة يصبح اعمى تقريباً وعيونه تبدو مختلفة وكأنه شخص آخر ..   لكن في  منتصف الترم إنصدمنا بحادثة غريبة ، تفاجأنا بأن أحضر احدهم شريط كاسيت مُسّجل لفؤاد وهو في الابتدائية واثنين يضربونه ويسألونه عن اسماء اخواته البنات ..  ثم يحاولون اغتصابه ، أنا انصدمت .. كان يصيح ويبكي في التسجيل ..  وانصدمت ايضاً لانه شخص جميل .. اقصد روحه جميلة .. وطيب .. وتخيّلت الحرج الذي وقع فيه بالرغم انه كان يتظاهر بالبرود ويقول كنت صغير ياناس، ياناس كنت صغير  …  والله قعدت اسابيع مصدوم وافكّر اين الحكومة عن اولاد القحبة الذين فعلوا فيه هذا الشيء؟

 سيأتي يوم يهزأ الناس بالدين ومُعّلم الدين .. أنا لستُ من اؤلئك السفلة .. أنا اهزأ بالكل .. واول هؤلاء نفسي .. ارجوك لا تعتقدي أني بطل، لا ترتكبي مثل هذا الخطأ …  بالرغم من ذلك ، ولسببٍ ما أجهله لا أخطط لمغادرة هذا العالم دون أن اترك  خدشاً في هذا الكون .. خربشة بسة .. او ربما طعنة رُمح ..   مدُّرس الدين في سنة اولى ثانوي كان أغرب شخصية لمُدّرس قابلتها في حياتي .. لا اعتقد أنه من السعودية .. المشكلة لا اعلم من اين هو؟ كيف لي أن اعلم ،الرجل لا يتكلم ..  يلبس ثوب رمادي واسع اقرب لشكل جلابية الصعايدة او السودانيين ، وكأن شخصاً ما القى بغترة رخيصة غير مكوية على رأسه ، لم يكن يأبه او ينتبه إن كان نصف الغترة على رأسه او بعضها .. يبدو كبيراً في السن، دون أن نلاحظ أثر ذلك في شعر لحيته او شنبه ، تقريباً وجهه لا يحمل الا شعيرات بسيطة جداً لا ترقى لان تكون لحية او شنب، نظارته الطبية السميكة تغطي اكثر وجهه .. عندما يتكلم لا نسمع ما يقول .. حتى عندما تقترب منه لا نسمع ما يقول .. كأن صوته للداخل .. يتمتم بكلمات لا نسمعها .. فقط نسمع صوت مثل الحشرجه لكن لا يمكن فهم ما يقول .. مثل لما تكون في المسبح تحت الماء ويتحدث اليك شخص آخر ..

مدرّس الدين كان يقف امام السبورة ينظر في الفراغ ويتحدث إلى لا أحد .. وكأن الفصل ممتلأ بالماء للسقف .. هو يطفو داخل رأسه .. ويطفو داخل الفصل ببطئ .. يديه وذراعيه تنفرجان وتتسعان تطفو لاعلى ببطئ  .. ثوبه من الداخل امتلأ بالماء وانتفخ .. رجلاه لم تعدا تلامسان الارض .. غترته تركت رأسه وراحت ببطئ تطفو لاعلى .. نظارته تركت وجهه ايضاً وطفت لاعلى .. كل شيء داخل الفصل بدأ يطفو .. الماصات تركت البلاط وارتفعت لاعلى تطفو  .. الكراسي كذلك تطفو .. الكتب الدفاتر والأقلام ارتفعت وأصبحت تطفو ايضاً .. كلنا فقدنا الجاذبية للارض .. بدأنا نرتفع عن الارض ونطفو ببطئ … إف حصة مملة ، الواحد يحلم فيها أحسن، الله يرحم أيام الاستاذ حافظ حكمي وابراهيم مدخلي ايام المتوسطة

اريد أن اعرف اسم هذا المدرس؟ لا اعرف اسمه .. مثل حارة العشيماء شوارع بلا اسماء .. فقط اسمه مدّرس الدين .. يااا الهي الملل يقتلني .. مددت ذراعي اليسار على الماصة وأرحت رأسي عليها .. هذه الحياة ملل وضوضاء ..  عندما تبدأ حصة الدين ويدخل المدرس الفصل اتساءل احياناً كيف اهتدى لمكان الفصل؟!! يقف امام السبورة .. لا يعبأ به أحد .. يقضي الطلاب الوقت في الكلام .. يضج الفصل بالاصوات والحكاوي … بعض الطلبة يتركون طاولاتهم ثم يعودون .. المدرس موجود صورة فقط .. ثم جاء يوم تجرأت وارتكبت الخطأ القاتل .. كان سوء حظ وتقدير وغباء ..

يا سيدتي .. أنا والله انسان بسيط ، اهتمامتي بسيطة، لا تتعدى لعب الكورة ومشاهدة المباريات في التلفزيون ، سماع الاغاني ومشاهدة المسلسلات المصرية في القناة الاولى … وكنت اتمنى أن اقع في حب إمرأة ، اي امرأة .. وكنت أحب حصة التأريخ .. أحببتُ عمر ابن الخطاب، وعشقتُ خالد ابن الوليد ، وغضبتُ جداً لمقتل عثمان ، ولم أفهم لماذا اقتتل الصحابة في معركة الجمل وصفين ، وسافرت مع طارق بن زياد الى بلاد المغرب ، وعبرت معه الى الاندلس ، وأحرقتُ كل السفن حتى لا يبقى أمل للعودة للوراء .. واتجهت شرقاً مع محمد بن القاسم وفتحتُ معه بلاد السند … مادة التاريخ كانت متعتي الحقيقية في المدرسة ، ومدّرسها الاستاذ أحمد بوجهه الطفولي ولحيته السوداء الصغيرة تحت دقنه نجح أن يأخذني معه في رحلات ممتعة الى صفحات الماضي .. بينما كنت أجلس في الفصل دون أن اتحرك من مكاني أنحت إسم ولد عمتي هشام على الماصة

حسين وخضير  اثنين اولاد من “المحترفين ” في لعبة كمال الاجسام، الجسم الضخم جداً من اعلى على شكل رقم سبعة بالعربي واقل ضخامة عند البطن و السيقان .. صدر ضخم ، ذراع ضخمة ،، رقبة عريضة ، حاجة غريبة مازالا في اولى ثانوي ،  متى لحقوا يتدربون ويبنون هذا الجسم وهذه العضلات ؟!! اكيد من لما كان الواحد فيهم عمره ثلاثة شهور وهو يشيل حديد ..!!!  خضير عربي اللون ، فمه صغير وشفايفه صغيرة واسنانه مثل اسنان الارنب لكنها صغيرة وقذرة ، ولثته البنفسجية اكبر من حجم اسنانه .. وله شنب ياباني مثل شنبات البسس . حسين افريقي اللون  ، ودائماً مبتسم .. شفايفه عريضه وفمه صغير ..  اسنانه بيضاء … عندما يبتسم بأمكان اهل العراق رؤية اسنانه من بغداد .. وفتحة انفه عريضة شوية ممكن ادخل واطلع من فتحة أنفه بدون ما يحس .. خضير وحسين يمشون مع بعض .. يجرون مع بعض .. يجلسون مع بعض .. يقفون مع بعض .. يحكّون رأسهما مع بعض .. يخي اش هذا التنسيق ؟!! اتوقع يدخلون الحمّام يبولون مع بعض .. ليش اتكلم عنهما؟!! مش عارف .. اهو غلاسة كذا

استيقظت على صوت جرس المنّبه ، عادةً اخليه على السادسة صباحاً ،  شريت الساعة في نهاية الاجازة الصيفية، كنت عازم أن ابدأ صفحة جديدة مع الدراسة واحاول انتبه من البداية ، من اولى ثانوي وانا افكر في سنة ثالثة ثانوي ، طبعاً تبخّر ذلك الحماس على منتصف السنة ، وقررت أفلّ أمّها في اولى ثانوي ، ثم أبدء من ثانية ثانوي وأصير الطالب المجتهد .. أحب ساعتي التي توقظني ، دائرية .. لونها تركواز وجرسين من الفضة في الاعلى، وعندما ترن فيها صوت تررررروورر ، أشعر بحميمية خاصة تجاه اشيائي الصغيرة ، اي شي اشتريه اشعر بإنجذاب وحب تجاهه، لا اعلم لماذا؟ ربما لاني انا اللي اخترته واصبح ملكي ، ساعة المنّبه التركوازية ، مسجل الوالكمان، مكتبي الصغير برفوفه ولمبته التي كنت أتركها مضاءة عندما أنام،  أحبهم جميعاً ..  أصبح لدي غرفتي الخاصة .. سريري مُلتصق بالجدار القريب من الباب ، هذه الغرفة كانت غرفة عمي حُمد في الزمن الماضي ، عمي حُمد وعمي عبدالغفور الآن يسكنان في الطابق الثاني في شقتان متقابلتان ، أبي أخذ الطابق الاول ، الشقة الكبيرة لأمي ، والشقة الأصغر لزوجة أبي ، نفس الشقة اللي فيها مكتبة الوالد،عمتي زليخة وعمتي المنسية وجدتي اصبحوا يعيشون في مُلحق في سطح العمارة، ولم يبقى سوى جدي يسكن في الشقة في  الطابق الارضي ، مع غرفتين للضيوف

عندنا مشكلة في البيت، لدينا شقتان وكل شقة فيها حمام .. لكن حمامي المفضل هو الحمام المفضّل لاغلب العائلة !! البنات يصحون من بدري وكل وحدة تقعد في الحمام شهر، لذلك استيقظ باكراً،على أمل أن أسبقهم للحمّام يخرب بيت اللي خلّفهم ..  احياناً يمر والدي يصحيني لصلاة الفجر ، اغلب الوقت اتظاهر اني استيقظت ثم اعود للنوم ، نوم الساعات الاولى من الصباح لذيذ جداً، فراشي مغطى بغطاء من الحرير، في الصباح يكون بارد ولذيذ عادة، لكن مذ أن بدأت الثانوية وانا انهض بحماس .. أحب الثانوية .. أشعر أن الثانوية نافذة للعالم .. وأشعر أن كل يوم هو مُغامرة جديدة ، أخذت دفتر التعبير من على المكتب .. تركت غرفتي .. السيب مازال ظلام ، عبرت لشقة زوجة ابي التي بها مكتبة الوالد مروراً بالدرج ، رأيت نور المكتبة مضيء، جيد ، أسمع صوت الوالد يقرأ سورة الرحمن .. عندي موضوع تعبير لم اكتبه ليلة البارحة ، لا اعلم لماذا مخي يقف عندما يتعلق الامر بالتعبير والكتابة ، والدي يقرأ القرآن كل يوم في الصباح بعد عودته من الصلاة ، وقفت أمامه ، كان يقرأ من مصحف كبير مفتوح فوق حامل المصحف .. توقف عن القراءة ونظر اليّ من فوق نظّارته الطبية .. اخبرته اني بحاجة لمساعدته في كتابة واجب التعبير لاني انشغلت ليلة البارحة بواجب الفيزياء والكيمياء والاحياء والرياضيات والانجليزي  ، طبعاً كنت اكذب ، الحقيقية أني لا اجيد التعبير والكتابة ، الحمدلله أنني على الأقل أجيد الكذب .. اعطيته الدفتر، كان استاذ اللغة العربية كتب سؤال طويل نقلته  .. دون أفهم ماذا يُريد هذا المدّرس بالاضافة الى تعذيبي .. نظر والدي للسؤال بتمعن اخذ قلمه الباركر وبدأ يكتب ، في تلك الاثناء ذهبت للحمام ، للاسف سبقتني اليه أحداهن ، انتظرت قليلاً  .. خرجت سهام من الحمام .. طلّعت لي لسانها

دخلت فرشت اسناني ومسحت وجهي بالصابون، توضأت وذهبت لغرفتي اصلي الفجر، عدت لوالدي وجدته قد كتب الموضوع، اخبرني أن أضيف للموضوع من عندي ، قلت في نفسي ما كتبته يكفي ، صفحتان .. يكفي وزيادة لا أعتقد أن المدّرس سيصدق أنني كتبت كل هذا ، ذهبت أبحث عن أمي  .. امي من الفجر تستقيظ وتبدأ في كي ملابسنا، واحياناً تبدأ من الليل، مراييل البنات وثوبي، في مدرستنا لا احد يرتدي الغترة سوى المدرسين، لبست الثوب والأهم طبعاً جزمتي العزيزة  .. اخذت كتبي وصعدت للدور الثاني لشقة عمي عبدالغفور، عادة يعطيني مفتاح السيارة ، اشغلها له حتى تسخن وانتظره فيها حتى ينزل، عمي عبدالغفور لا ينزل الا آخر دقيقة، احيانا انتظره لمدة عشرين دقيقة، نزلت من الدرج للشارع فوجدت اختي عمرة وسهام بالعباية ينتظرون داخل البيت امام الباب  ، قالوا لي عندهم إختبار ووالدي تأخر ولم ينزل بعد … والدي يتأخر مرات إذا دخل الحمام ، حتى هو مثل البنات احياناً يقعد في الحمّام شهر ..  قلت لهم تعالوا اوصلكم في سيارة عمّي .. عم عبدالغفور يخليني أسخّن سيارته عشرين دقيقة وينزل دائماً متأخر … البنات ما صدّقوا خبر وقالوا : والله العظيم؟!!! تعرف تسوق؟!!! قلت بغرور يا آنسة .. أنا أسوق من ايام ثاني متوسط .. بس محد يدري ..  دايماً أسوق مع موسى ولد عمتي .. وسيارة عم عبدالغفور تماتيك يعني مرة سهلة … قالوا طيب وصّلنا ؟ ويركبوا في سيارة عمي في الخلف وأشغّل السيارة ..

كانت خطتي أن آخذ البنات لثانوية البنات في العشيماء وارجع قبل ما ينزل عمي عبدالغفور .. لم يخطر على بالي في تلك اللحظة والدي بتاتاً البتة ، سيارة عمي خفيفة ورشيقة وتوماتيك .. أخذت شارع القادسية لشارع فيصل للكورنيش .. ومررت بجانب مدرستنا وأنا منطلق بأقصى سرعة .. قسم بالله كنت منتشي جداً وكأني أسوق طيارة نفاثة وفاتح الشبابيك .. والهواء طاير فينا .. ثانوية البنات خمس دقائق تقريباً من ثانويتنا .. قريبة من مبنى المطافي .. شارع فرعي صغير .. وقفتهم أمام الباب نزلوا .. وعدت للبيت من نفس الطريق الكورنيش مباشرة لشارع القادسية .. و و .. اوقفت السيارة أمام العمارة أمام البقالة .. ونزلت منها .. خرج عمي عبدالغفور من العمارة بسرعة وقابلني بأبتسامة قلقة .. والله عمي طلع سبورت ولم يغضب لأني أخذت السيارة بدون إذنه .. قال أبوك يدوّر لك ؟ لما عمي قال ابوك يدوّر لك .. فجأة صحيت وشعرت أن بطني او الماطور اللي داخل جسمي سقط على الارض من الخوف

وبينما أنا استدير لاترك عمي ياخذ مقعد السواقة وأنا أذهب بسرعة لمقعد الراكب الامامي خرج والدي من البيت وفي يده خيزرانة وعيونه يتطاير منها الشرر .. أصبح في وجهي .. والله العظيم نفس الإحساس الذي يعتريك عندما يقابلك شخص وهو يشهر مسدّس ويبدأ بإطلاق الرصاص عليك .. ارتخت اعصاب ساقي .. وأصابني نوع من الذهول لثواني .. لا يمكن أهرب منه الآن .. ومستحيل أقف ضده ايضاً .. أخذ يضربني في الشارع وكأنه يحمل سيفاً .. ضربة على يميني والاخرى على شمالي .. على يميني .. على شمالي .. كنت احاول اصدّ ضربات الخيزرانة بذراعي لاحمي وجهي وجسمي .. لكن كانت الخيزرانة تفلت وتلسعني تحت باطي وبجانب بطني .. الدنيا وقفت لثواني وتخّيلت جمهور عريض من الناس يشاهدني  .. عامل البقالة .. عمال المخبز .. كل الحواتين الذهابون والعائدون من البحر .. الاولاد والبنات الصغار الذاهبون للمدارس .. بصراحة موقف كان فظيع لحظتها .. اول مرة في حياتي انضرب بهذا الشكل في الشارع .. منّظري صار زبالة .. وكل الهالة التي بنيتها في رأسي عن أني كبرت و صرت طالب في الثانوية وصار عندي شنب .. إنهارت في تلك اللحظة .. كبريائي، كرامتي واشياء كثيرة اُريقت وسقطت على الرصيف والاسفلت .. كان يضربني ويهزّأني .. وأنا لا اريد أن أبكي في الشارع .. ولا أقدر أرد عليه احتراماً له كأبّ ولا تقّل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما .. دموعي واقفة في عيوني من لسعات الالم .. إلى أن إنفجرت عيوني وصارت دموعي تنهمر بدون صوت .. فصرخت خلاااص .   خلاااص يا أخي .. توّقف بعدها بكم لسعة خيزرانة وهددني أن كررت ذلك مرة أخرى .. كيف آخذ السيارة بدون اذنه وأنا بدون رخصة سواقة؟!!! ، وكيف اتجرأ وآخذ البنات معي في السيارة بدون اذنه ايضاً؟!! ماذا لو جرى لنا شي او حادث  وكلام كثير .. بصراحة لم أكن أسمع اي شي في تلك اللحظة .. كنت مثل جثة هامدة تطفوا داخل رأسي .. ورأسي قد إمتلأ بالماء إلى السقف

ركبت سيارة عمي ، لم أعد أشاهد الاشياء ، لم أعد أتذكر اين كُتبي ؟!! هل أحضرتها معي من البيت ؟ أما ما زالت في الغرفة ؟ .. عمي سااااااااكت … سكون رهيب داخل السيارة .. بينما كان كل الضجيج داخل رأسي .. لم أشعر الا ونحن أمام سور مدرسة ثانوية معاذ بن جبل .. حاولت أنشّف دموعي .. نظرت في مرآة السيارة عيوني حمراء … كنت ما ازال أشعر بألالام على جلدي تحت ملابسي .. لكن لم أشاهد آثار الخيزرانة بعد .. بعد طابور الصباح جريت للحمامات في الدور الاول ومسحت وجهي .. ونظرت في مرآة الحّمام المتسخة ..  رأيت آثار احمرار ودم .. جلدي مسلوخ تقريباً تحت الباط من الجهتين وذراعي ايضاً … عندما دخلت الفصل عمر وبعض الاولاد بصوت واحد قالوا لي ياكذاااااب .. تقول أبوك مانعك تسوق سيارة .. شفناك اليوم الصبح معدّي من جنب الثانوية ومصّفي الطبلون ومرّكب بنات ههههههه ويضحكون … رديت .. بالنسبة للبنات هم اخواتي ثنتين .. وبالنسبة لابوية تفرّجوا  .. ثم رفعت الثوب ووريتهم آثار الخيزرانة .. إندهشوا وتأسفوا .. يبدو أن والدي ما زال يحتاج لشوية إقناع .. ما الومه.. اول شيء في حياته إشتراه لي كان سيكل أحمر بثلاث عجلات عشان العب عليه في سطح العمارة وعمري اربع سنوات ، أخذت السيكل وذهبت للشارع ومن امحافة لحارة أمجبل للاودارة مكان ما يشتغل .. من بعدها حرّم يشتري لي اي شي يتحرك على عجلات .. والدي عارف في قرارة نفسه أني في يوم من الايام رايح أطير

عمرك جربتِ تبلعي خمس حبات بيض مسلوق مرة وحدة ؟ وتوقف في حلقك .. ولا تتحرك .. وتختنق .. ولا تستطيع أن تتنفس !!  هذا نفس الاحساس الذي شعرت فيه ليلة البارحة وأنا احاول حل واجب الرياضيات ،لم أفهم ،لم أعرف، لم أحل الواجب ..  صحيت اليوم من الفجر ، وصليت جماعة ، اليوم مستعجل ومش رايح افطر من تمر امي المهروس بالسمن البلدي، مش كفاية البيض اللي واقف في حلقي .. !!  رائحة القهوة العربية و التمر بالزبدة تفوح من المطبخ، خرجت للسيب وتسللت للغرفة عندي … أمي هذه مكينة كهربائية .. تكوي ملابسنا تصنع التمر بالزبدة والقهوة العربية تجهّز الصغار للمدرسة ، متى تجد الوقت لصنع وعمل كل هذه الاشياء؟!! .. سألبس ملابسي وأخرج الآن، لحظة غيّرت رأي .. بأمكاني أن العط قطعة تمر مهروسة ع السريع ..اموووت في التمر بالزبدة .. لكن القهوة .. لا والف لا .. القهوة للعجائز فقط

اليوم لن أنتظر عمي عبدالغفور .. أريد أن أصل للمدرسة باكراً لأنقل واجب الرياضيات من اي طالب حلّ الواجب .. سأمشي لنهاية شارع القادسية .. عند صندقة “كشك” أبكر راجح يجتمع بعض الاولاد .. ثم يمّر أحدهم لاخذنا للثانوية ، مرات يكون زميلنا محمد غبشي ، عنده سيارة بيضاء مازدا بوكس .. ومرات عبدالله خميس في سيارة نيسان بيضاء 240 ال

ليلة البارحة جلست على المكتب .. لحظة بالله .. في الواقع أنا جلست على الكرسي ولم أجلس على المكتب !! لكن أسمعهم يقولون كذا في المسلسلات .. جلست على الكرسي ودفتر وكتاب الرياضيات على المكتب ، مكتبي خشبي و له رفوف خشبية وحائط خشبي وكلها قطعة وحدة مع المكتب .. وأفضل شيء في المكتب بالإضافة إلى الادراج هو لمبة حمراء معلّقة كجزء من المكتب ، لحظة بالله ، اللمبة ليست حمراء حمراء ، بس احنا نسميها حمراء مش عارف ليش مع أن لونها اقرب لبرتقالي … !! اللمبة الحمراء الصغيرة للرومانسيين والمتزوجين واستديو تحميض الافلام وأحتمال ايضاً لمتعاطي المخذرات .. أنا لمّبتي كانت في منتهى البراءة برتقالية للدراسة .. كانت لمبة مسجونة داخل كوب أحمر .. وومسوكة بماصورة لونها ذهبي .. اكره اللون الذهبي من طفولتي وأحب الفضي والبرونز .. لماذا أتحدث عن اللمبة ؟ لسببين ، السبب الاول والواضح لأني مش عارف أحلّ واجب الرياضيات

السبب الثاني .. لأن حرارتها قريبة من وجهي .. فكنت كل شوية أعيد تحريك كوع اللمبة .. قعموص (نملة كبيرة)  ظهر فجأة على سطح المكتب .. أكره هذه المخلوق ، قرصته مؤلمة جداً .. أموّته ؟ والا أخلّيه يعيش ؟ لو خليته يعيش هناك إحتمال يقرصني .. ولو موتّه كأني قتلت نفس بدون سبب .. القعموص لم يقرصني بعد .. فقط إحتمال إنه يقرصني في غفلة مني او حين أنام .. عندي كأس زجاج .. سأضع الكأس فوقه .. هكذا سأضمن أنه محبوس ولن يؤذيني .. وسأشاهده وهو محبوس .. لكن ربما يختنق ويموت .. وضعت فوهة الكأس فوق النملة الكبيرة .. لحظة أتأكد أن باب غرفتي مقفول .. أخاف يأتي والدي الآن .. والدي يعتقد أني مقّفل باب غرفتي اذاكر  ، من حسن الحظ أن مكتبي مقابل الجدار وظهري عندما أجلس على المكتب ، أقصد الكرسي ، للباب .. النملة لم تمت !!! هممم .. توقعت تموت من قلِّة الاكسجين ، اعتقد أن مدرّس الاحياء ضحك علينا ، لماذا لم تمت النملة ؟!!! غريبة .. يمكن لأن الكأس كبير وممتلأ بالاكسجين!! والنملة صغيرة جداً ولا تستهلك الاكسجين بكميات تجارية كما نفعل نحن البني آدميين .. لكن أنا أصلا لست متأكد أن النمل يتنفس ، كيف أعرف إذا كان للنملة مناخير وتتنفّس ؟!! والله هذا السؤال يصلح أسأله بكرة لمدّرس الاحياء .. واجب الرياضيات .. واجب الرياضيات .. طيب يمكن النمل عايش على الطاقة الشمسية .. اش عرّفني أنا إنسان جاهل !! لحظة خليني أجرب أقرّب النملة من اللمبة .. اووف صرت عالم احياء .. هذه التجربة لو نجحت ربما ادخل التأريخ .. هل يتنفس النمل الضوء ام أنه يتنفّس الهواء ؟ أخذت النملة وهي في الكأس وقفلت عليها باللمبة .. اووه .. النملة تكعوست .. تكرمشت..  صغرت .. وماتت … الله يرحمها .. كذا أنا صرت عالم اموات ..  هذه مسألة رياضية ليس لها حل .. وهذا الواجب جداً صعب .. إف .. حلو اذن العشاء لازم اروح أصلّي

مشيت في شارع القادسية بإتجاه كشك أبكر راجع القريب من تقاطع شارع فيصل والميدان .. لم تستيقظ الشمس بعد، الرطوبة ورائحة البحر في الصباح الباكر اقوى في شارعنا من اي وقت في اليوم .. وصلت لمركاز ابكر راجح اول واحد ، يبدو أني حقاً الطالب المجتهد ، دكان ابكر راجح مكان يقف على ناصية الشارع بين تقاطع شارع فرعي ليس له اسم .. وزقاق ترابي غير مسفلت تعبر منه السيارات الى حارة المعّش ، وقفت قلق افكر في واجب الرياضيات وأعد السيارات التي تمّر ، ثاني ولد وصل وكان معي في نفس الفصل .. سألني حليّت واجب الرياضيات؟ جاوبته لا.. بعد دقائق ظهرت سيارة محمد غبشي من ذلك الزقاق التُرابي ، وبمجرد أن اقترب وتوقف .. سألني وتقريباً رأسه كاد أن يخرج من نافذة السيارة خليل حليّت واجب الرياضيات؟!!  اجبته لا لم أحل الواجب ..!!  ليش الكل فاكر أني عبقري زمانه ويبحث عندي عن حلول ؟!! يمكن لأني وصلت اول شخص واعتقد الجميع أنني الطالب المجتهد  .. واجب الرياضيات صعب جداً لدرجة أن مدرس رياضيات آخر ربما لن يعرف كيف يحله ..وصلنا للثانوية .. محمد غبشي يمشي بجانبي .. ونتجّه جميعاً للفصل

لم اكن اعرف ستيفن تيلر نجم فرقة ايروسميث مغني أغنية “إحلم ” في ذلك الزمن، لو حلفت ان محمد غبشي يشبه ستيفن تيلر نجم فرقة ايروسميث في صغره لما صدقتني ، نفس الشعر الناعم والمجنون في نفس الوقت ، نفس الفك البارز للامام نفس حجم الفم الكبير والاسنان الكبيرة والشفايف العريضة ، وحتى نفس شكل العيون ، ربما عيون محمد غبشي اوسع .. عدا ان محمد غبشي قصير ولونه بلون تراب جيزان وومخلوط بملحها ، وعندما يمشي يمشي بسرعه وذراعيه تتأرجح للامام والخلف .. ووسط جسمه يتمايل قليلاً للجانبين مع تأرجح ذراعيه .. يذكرني بشخص نزل البحر والماء وصل لصّرته وهو يمشي ويستخدم يديه ويحركها بتمايل كي تسنده ضد قوّة الماء .. غير أن محمد يمشي مثلي بسرعة

وصلنا الفصل .. وسألنا ثلاثة طلاب موجودين .. حليتوا واجب الرياضيات ؟ ردوا بصوت واحد : لاااا .. بدأ بعدها يتوافد الطلاب واحد بعد الأخر .. وكل ما يوصل طالب يسأل : يا شباب حليّتوا واجب الرياضيات ؟ وكنّا نرد بصوت واحد لااااااااا .. وشوية شوية عددنا صار يزيد .. وكلمة لاااااااا بصوت واحد صارت أكبر وأكبر .. تقريباً صرنا مثل فرقة موسيقي غنائية تغنّي في الاوبرا .. من جد كس أم الفصل اللي لم ينجح فيه أحد .. صرنا ننتظر الطالب الذي سيصل لباب الفصل .. نفسنا يكون المنُقذ ويكون حل الواجب .. لكن أصبحنا متأكدين أنه سيسأل نفس السؤال .. يا شباب حليتوا واجب الرياضيات ؟!! هههههههه .. ونرد بصوت واحد .. لااااااااااااااااا

محمد نسيبي وصل الفصل .. إستغربت إنه وصل بدري .. وسأل نفس السؤال .. يا جماعة أحد حلّ واجب الرياضيات ؟ وردينا بصوت واحد لاااااااااااااااااااااااااااااا ..  نظر محمد نسيبي لماصة فواز وكانت شنطته السامسونايت بجانب الماصة وفواز غير موجود وقال : أكيد فواز حلّ الواجب .. قلت له بسخرية تحتاج ديناميت عشان تنفك الشنطة ..كنت اعتقد أن الشنطة بمفاتيح ..  قال أحد يعرف الارقام السرّية للشنطة ؟!! الشباب قالوا يمكن فؤاد الوحيد الذي يعرف الرقم .. تقريباً 12 طالب مجتمعين يفكرون بجدّية في فتح شنطة فواز السامسونايت حتى يشوفوا لو فواز حل واجب الرياضيات ونقوم بنقل الحل .. ساد الفصل صمت لثواني .. تذكرت ايام الصيف التي كنت أقضيها في مكتبة أبي أحاول فيها فك شيفرة الارقام السرية و فتح شنطه السامسونايت .. صرخت بصوت متردد .. أنا .. أنا أقدر أفك شيفرة الارقام السرية وأفتح الشنطة .. عندي خبرة .. عيون 12 طالب إتجهت نحوي بشغف واستغراب .. قلت لهم ابغى هدوووووءءءء ..  ما أسمع صوت إبرة تطيح على الارض

ناديت محمد غبشي .. قلت له اوقف عند باب الفصل وشوف اذا فواز راجع للفصل وحذّرنا .. قال يا سلااااام اش معنى أنا اللي اوقف عند الباب؟!! ليش مش أحد غيري ؟!!! قلت له يا أخي .. مش انتا اللي إمتحنت دين أهلنا وكل يوم تقول ” اااااااااه لو كنت عسكري ” يالله ياعم لقد عينّتك عسكرياً على الهنود الحمر .. روح اوقف عند الباب الله لا يسيئك وأحرسنا .. رد محمد نسيبي .. أنا اوقف عند الباب .. خلّصنا يا خليل باشا .. فجأة شعرت إني إنسان مُهم جداً .. وأن الكل يحتاجني .. اول مرة أحسّ إني إنسان مُهم .. إحساس فاخر .. هفففف على اظافري .. هذه الاصابع الماسية ستفك ازمة خانقة  .. وتزيح الكرب والهّم عن 12 طالباً بائساً وميؤس منهم .. وضعت الشنطة على الماصة .. وقرّبت اذني من ارقام الشنطة .. وبدأت أحرّك الرقم الاول من اليسار .. تك .. تك .. تك .. ترنك .. اها رقم 4 .. بدأت أحرّك الرقم الثاني في الوسط .. تك .. تك .. ترنك .. اها رقم 0 .. وصلت للرقم الثالث والاخير .. تك .. تك .. تك .. تك .. تك .. ترنك .. اها رقم 6 .. ضغطت على الاقفال .. وأنفتحت الشنطة .. وجدنا دفتر الرياضيات .. ولقيناه حلّ الواجب تقريباً صفحتين ونص .. أخذنا الدفتر .. وأسرع واحد في الكتابة نقل الحل في ثلاث دقائق وأعدنا الدفتر لمكانه داخل الشنطة .. ثم أعدنا الشنطة مكانها بجانب الماصة .. وبدأنا ننقل من دفتر صاحبنا ونوزع الدفاتر التي نسخنا منها وهكذا .. حتى قمنا جميعاً 13 طالب بما فيهم أنا بالانتهاء من نقل واجب الرياضيات .. ثم ذهبنا للطابور الصباحي

مرت حصة الرياضيات وكأن شيئاً لم يكن، سلمنا الواجب ومضى المدرس في روتينه المعتاد ، يكتب على السبورة لثلث ساعة ثم يبدأ شرح الدرس، في الحصة التالية كانت مادة الدين، المدرس يقف امام السبورة يشرح لكن لا يسمعه أحد .. والفصل في فوضى عارمة، ناس تتكلم مع بعض، ناس تلعب على الورق توصيل النقاط لاربع خطوط، شعرت بثقة غريبة وقمت من الكرسي .. مشيت حتى أصبحت واقف خلف المدّرس .. وبدأت اعمل حركات تمثيلية بيدي ، كأن في يدي مطرقة واضرب المدرس بها ، ثمّ أحرّك يداي وكأني أحاول خنق المدّرس من الخلف ..  معقولة اللي قاعد يصير، هل هذه مدرسة؟ هل هذه حصة دين؟ هل هذا مدرس دين؟ هل هؤلاء طلاب؟ هل بلغ بي الحمق أن اقف خلف المدرس دون أن يشعر المدرس بوجودي؟ كان تقريباً نصف الترم قد مضى وكل الاشياء اصبحت مألوفة ، أنا في العادة طالب مشاغب وامزح كثير لكن مع الطلبة ، عمري في حياتي ما تجرأت على مُدّرس .. لا تتعدى مشاكساتي الأسئلة العبيطة التي اسألها للمدرسين، لماذا؟ لاني ولد عبيط ، لكن اليوم أنا أصبحت شخص مهُم ، أنقذت نصف الفصل ، فتحت شنطة فواز السامسونايت وسلمتهم الدفتر ، وقاموا بنقل الواجب ، لولاي لما تجاوزوا تلك المشكلة

كان ظهري للباب وكنت أقف خلف المدرس وأحرّك يدي من خلفه وكأنني اريد أن اضربه، نجحت في جلب بعض الضحكات من هنا وهناك .. فجأةً توقف الاولاد عن الضحك .. وساد صمتٌ رهيب ، لم افهم لماذا توقفوا عن الضحك و ولما توّقف الضجيج؟!! عندما التفت للخلف .. فإذا بوكيل المدرسة يقف خلفي مباشرة ، للمرة الثانية خلال عام قلبي يسقط على الأرض من الرعب .. كان ح يُغمى عليّه من الفجعة ، وكيل المدرسة شخصياً الاستاذ هاشم … خلاص انتهى مُستقبلي الدراسي .. انا مفصول مفصول .. وايضاً احتمال كبير ميت ، لان المدرسة ستخبر أبي بما فعلت وسيقوم والدي بقتلي ، كوني وقفت خلف المدرّس وبدأت اسخر منه بحركاتي دون أن يدري .. ومش اي مدّرس … هذا مدرّس الدين!!  يعني احتمال يوصل الموضوع للمحكمة والقاضي يحكم عليّ بالتعزير وقطع رأسي .. افكار مجنونة دارت في رأسي في ثواني معدودة .. لم أفق من الصدمة بعد

أمسكني الاستاذ هاشم من ياقة الثوب ومن ظهري والقى بي بوحشية جهة الباب كأنه يلقي بكيس رز .. دفعة قوية جهة الباب .. الاستاذ هاشم بعيون واسعة جاحظة .. بشنّب مرّتب ودقن محلوق .. وكومة عريضة من الشحم متدلية تحت دقنه .. وبالرغم أنه كان رجلاً قصيراً لكنه كان قوياً وبكرشة كبيرة   .. وأنا أصلاً عود مسواك ..  قال بغضب إنتظرني خارج الفصل .. تدحرجت وأستمريت أجري إلى الباب .. وتظاهرت أنني سأقف وأنتظر عند الباب .. لكن في لحظة بدون تردد قررت أن أهرب .. جريت بأقصى سرعة .. قطعت السيب  تجاه الدَرَج .. فكرت أهرب من المدرسة ، وبمجرد وصولي للدرج .. توقفت وغيّرت رأي .. وقررت العودة .. رجعت .. ووقفت خارج الفصل أنتظر خروج الاستاذ هاشم .. اتظاهر بالإنكسار والأسف الشديد .. لم أستطع تجميع اي افكارعن لماذا فعلت ما فعلت .. حاولت أبحث عن اي عذر … لكن لا يوجد .. لا يوجد مجال للكذب .. إمتسكت بالجرم المشهود .. أسخر من المّدرس واتظاهر أنني سأضربه من الخلف .. لا .. ووكيل المدرسة شاهد وحضر الموقف .. يعني لا أعتقد أنه يوجد في المدرسة في تلك اللحظة طالب أسوأ مني حظاً

وقفت بجانب الباب ظهري للجدار   ..  امامي جدار السيب الطويل ، على الاقل الجدار الذي امامي مفتوح .. بأمكاني رؤية السماء الزرقاء .. شجرة ملتصقة بمبنى المدرسة تعيش في الظل ، مثلي تماماً .. وحتى اصوات العصافير اسمعها ، لو وقفت على اصابع رجلي بأمكاني رؤية بوابة المدرسة والحارس او الفراش

 خرج الاستاذ هاشم .. لم انتبه ماذا حدث داخل الفصل .. لدقيقة كنت في السيب امام الباب مشغول داخل راسي .. أقف في غرفة مظلمة ولمبة تتدلى من سلك من السقف ، ضوء خافت يشع فوق طاولة عليها اوراق كروكي المدرسة .. المداخل والمخارج ، موقع غرفة الادارة والمدير امام الدرج ، للاسف لا يوجد سوى بوابة واحدة .. هناك يقف فراش المدرسة شوشو اللئيم ، مستحيل يخليني أخرج بدون ورقة من المدير، مش بعيد يقول لي اخليك تخرج بس تخليني … غرفة عمي عبدالغفور في الدور الارضي تكشف اي شخص خارج من مبنى المدرسة الرئيسي ..  اذاً الهروب من بوابة المدرسة مستحيل

هناك سور المدرسة الجنوبي والذي يطل على مدرسة ومتوسطة ابي بكر الصديق ، يعني اهرب من الثانوية وأطيح في المتوسطة !! لا .. لا يمكن العودة للماضي .. جراح الماضي لم تندمل بعد .. ثم أن الطريق للسور الجنوبي ايضاً مكشوف لغرفة مدرس الرياضة الموجودة تحت اللسان الممتد لمبنى المدرسة ..  حتى الفراش بأمكانه رؤيتي فيما لو قررت الهروب من السور الجنوبي .. لم يبقى سوى سور المدرسة الشمالي والغربي .. يُعتبر خلف المدرسة خلف غرفة الادارة والمدرسين ، لا يذهب احد الى هناك الا في الفسحة ، الان اثناء الحصص الدراسية لا يوجد أحد

تفلت على خرائط مبنى المدرسة داخل رأسي، ماهذه القذارة !! لا يوجد مخارج للطوارئ في المدرسة، يعني الواحد يبغى يهرب ولا يعرف من اين او كيف ، طويت الاوراق وضربتها بيدي بكل قوة حتى وقعت على الارض .. أقفلت الضوء في الغرفة داخل رأسي وخرجت .. عدت على صوت الاستاذ هاشم في السيب ، اش سويّت ياخليل؟ ابوك رجل معروف في جيزان ، وعمك مدرس في المدرسة؟ قالها بصوت ناعم وحنون .. أحاطني الاستاذ هاشم بذراعه .. غريبة !! توقعت يطلع من الفصل غاضب ويصفقني كفّ

والله يا استاذ كنت أمزح .. انا متأسف جداً .. قلتها بصوت منكسر وأنا مطأط الرأس و .. رد الاستاذ هاشم ونحن نمشي في السيب  .. اش سويّت اليوم الصبح ؟ ليش فتحت شنطة فواز؟ إنفجعت من المفاجأة ، تصورت أنه سيتحدث عن ما فعلت مع مدرّس الدين .. كيف عرف أني فتحت شنطة فواز؟!! عصرت مخي احاول اتذكر كل الموجودين حين فتحت الشنطة .. ليش يبلغون عني الادارة اذا كنت أنا اساعدهم؟!! صحيح فعلتها من أجلي .. لكن 12 طالب غيري استفاد من فتح شنطة فواز! تذكرت ..  عندما فتحت الشنطة دخل وليد الفصل ورآني .. وليد يعتبر من اصدقاء فواز .. وملك النميمة في شرق البحر الابيض المتوسط واواسط آسيا وجنوب شرق افريقيا وجمهورية الدمونيكان .. يلعن حظه الكلب فتن عليه .. ويمكن راح قال لفواز .. وفواز راح اشتكى للادارة .. قلت للاستاذ هاشم .. كان عندنا واجب رياضيات صعب جداً .. لم نعرف حلّه .. ولقيت الكل ينقل من دفتر فواز .. قمت نقلت الواجب معاهم .. بس مش عارف مين اللي فتح الشنطة .. كان اولاد كثير مجتمعين .. يمكن فواز اعطاهم الدفتر ينقلوا منه!! اش دراني أنا؟!! قال الاستاذ هاشم .. فيه شاهد يقول إنك اللي فتح الشنطة .. وفواز يقول أن فلوسه انسرقت .. فلوووووس !!! قسم بالله كذاب .. رديت باستغراب وصوت مُرتفع .. قعدت أفكر في النصب اللي قاعد يصير .. الاول كانت القصة فتح الشنطة .. الان صارت سرقة فلوس!! هل الاستاذ هاشم يكذب زي ما أنا اكذب ويحاول يخوفني اكثر؟

عندما دخلنا غرفة المدير ، غرفة كبيرة باربعة مكاتب .. في الوجه مكتب المدير بجانب مكتب الوكيل .. خلفهما شبابيك واسعة من الزجاج المطفي ، مكتب آخر رمادي لشخص أعرفه دمث الأخلاق إسمه علي ، علي يصير ولد خال والدي ، وظيفته .. لا أعلم ماهي ؟ ربما كاتب .. لم يكن مدرساً في المدرسة .. المدير بلحية بيضاء وسوداء .. ونظّارة سميكة ممسك بكتاب يقرأه .. لم يرفع نظره عن الكتاب حتى عندما دخلت .. جلس الاستاذ هاشم .. وقال سنتصل بأبيك إن لم تعترف بالحقيقة .. هل آخذت فلوس فواز من الشنطة؟ شعرت بغضب وإحراج شديد وخوف .. غضب لأني لم أسرق اي فلوس .. إحراج من ولد خال أبي الخلوق .. من المدير الذي شعرت أنه يقرأ الكتاب وينصت لنا في نفس الوقت .. وخوف من ذكر إسم أبي .. قلت للاستاذ هاشم .. كل الذي فعلناه أننا نقلنا الواجب من دفتر فواز .. حتى إسأل محمد غبشي .. كل اللي كانوا في الفصل نقلوا الواجب .. طلب الاستاذ هاشم من الاستاذ علي أن يستدعي محمد غبشي من الفصل

وقفت تائهاً أفكّر .. أشعر بخوف شديد من فكرة حضور والدي للمدرسة .. تذكرّت قصص عمّتي زليخة عن والدي الذي كان يعاقب عمي عبدالغفور وعمي حُمّد ويهينهما أمام الطُلاب عندما يخطئون .. تذكرت عندما ضربني والدي في الشارع بالخيزرانة بدون رأفة او خجل من المارة .. لأني أخذت سيارة عمي بدون اذن .. واوصلت اخواتي للمدرسة .. فجأة أصبحت الدنيا سوداء في عيوني .. لم نعد نُضرب في الثانوية شكراً لله .. لم يعد المدرسين يستخدمون العصا .. ماذا لو نزع والدي جزمته وضربني بها أمام المدير والوكيل والاستاذ علي .. ووو وأمام خلق الله … هل عندي ذرة شك أن والدي لن يفعل ذلك؟!!! بدأت تتفاعل في رأسي خطة الهروب .. لكن كيف؟ كيف أهرب من غرفة المدير؟

دخل الاستاذ علي ومعه محمد غبشي ، كان يبدو على محمد غبشي الخوف .. بمجرد دخوله لغرفة الادارة فاجأه الاستاذ هاشم بقوله .. خليل يقول إنك أنت الذي فتحت شنطة فواز وأخذت دفتر الرياضيات لنقل الواجب وسرقت فلوس من الشنطة ..!! إنذهلت من هذا الكذب من الوكيل في وضح النهار وبدون اي خجل ..!!!  محمد غبشي إنفجع .. نظر لي نظرة سريعة .. بعيون تعاتبني وتقول كذا يا كلب .. وأنا أشرت له برأسي وعيوني دون أن أتكلم .. لا لا لا ..  ذهبت نظرات محمد بسرعة للوكيل .. وأنا أحاول أعطيه إشارات بتعابير وجهي أن الاستاذ هاشم يكذب .. أبداً لم أتفوّه بكلمة مما قال .. كان ح يجيني شلل في وجهي من كثر ما حاولت الفت نظر محمد وأفهمه أنني لم أقل اي شيء .. لكن عيونه تسّمرت بأتجاه الوكيل وقال .. أنا راح أعترف بكل اللي صار من البداية .. أصابتني صدّمة .. ثم بدأ يسرد الحكاية من وقت ما اوصلني من حارتنا الى المدرسة ، مروراً بفتحي لشنطة فواز وأخذ الدفتر ونقل الواجب .. شعرت بأنهيار .. رفع مدير المدرسة أخيراً نظره عن الكتاب الذي كان يقرأه موجّهاً نظراته إليّ وقال : إبن علي .. أنت أنت العقل المُدّبر ..!!!  أنت المُخطط وأنت المُنفّذ .. !!!! أبوك رجل فاضل يؤم الناس الصلاة ويخطب الجمعة .. كل هذا يطلع منك !!! كان يتكلم باللغة العربية الفصحى وكأننا في مسلسل تأريخي أيام صدر الإسلام ..  ثم نظر للوكيل وقال : إتصل على أبيه في إدارة التعليم الآن وأطلب منه الحضور للمدرسة

طلب الاستاذ هاشم من محمد غبشي العودة للفصل .. وطلب مني أن أجلس على كرسي بجانب المكتب .. رفع سماعة تلفون سوداء وأخذ يضغط ارقام .. ثم قال الاستاذ علي لو سمحت .. معاك الاستاذ هاشم وكيل ثانوية معاذ بن جبل … بلعت ريقي .. طيب طيب قل له وكيل ثانوية معاذ بن جبل أتصل عليه ضروري .. ثم أغلق الخط .. نظر الاستاذ هاشم للمدير وأخبره أن والدي في إجتماع .. وأنه ترك له رسالة .. نظر المدير بأهتمام ثم طلب مني العودة للفصل وأنه سيتم استدعائي حين يأتي والدي للمدرسة ..

تظاهرت بالانكسار .. ثم مضيت نحو الباب أجرّ رجلي .. لكن بمجرد الخروج من غرفة المدير نظرت للسيب .. لم أرى أحداً .. كانت الحصة الرابعة او الخامسة والجميع في الفصول .. مشيت بسرعة وحذر للدرج .. ثم لبوابة مبنى المدرسة الخلفي بأتجاه السور الشمالي .. ثم جريت نحو الزاوية البعيدة للسور .. كان المكان خالي تماماً .. صخور ضخمة من الجرانيت تتكأ على جدار المدرسة .. لكنها قصيرة وليست بالارتفاع الكافي .. على الأقل ليست بمستوى الارض والا لكان من المستحيل تسّلق السور .. ربما ارتفاع الجدار ثلاثة امتار .. الصخور بارتفاع متر .. وأنا طولي متر ونصف .. يعني بقي عليّ أن أتشعبط في الجدار وأتسلّق النصف الآخير بكل ما اوتيت من قوة .. قفّزت من فوق الصخور على أمل أن أمسك بقّمة الجدار ثم أسحب نفسي لأعلى .. تفاجأت أن الجدار سميك ويدايا لا تصل للنهاية .. كانت مفاجأة لم أتوقعها .. لو كان الجدار نحيلاً لكان سهلاً التعّلق به .. لكن ما العمل الآن .. شعرت بصدمة إختلاف الواقع عن ما كنت أتخّيله .. وأحباط .. ما العمل؟ كيف سأتسلّق هذا الجدار؟ أصبحت ملتصق بالجدار .. رجلاي بعيدة عن الارض او الصخرة التي قفزت من فوقها .. نتوء الجدار الخشنة جرحت جلدي وشعرت بألم حاد وضغط جسمي على الجدار .. ثم شعور بالتراخي والتعب .. لا لا يمكن أن أسقط .. ولا يمكن العودة للمدرسة الآن .. لن أحتمل اي إهانة من والدي أمام زملائي او المدير والمدّرسين .. أخذت أمرجح ساقي لأعلى الجدار ففشلت … ثم كررت المحاولة للمرة الثانية .. هذه المرة بتركيز وعزيمة أكبر .. إلى أن أمسكت قدمي بسطح السور .. فأستخدمت رجلي وساقي ويدي لتحملني جميعاً لقمة الجدار .. ثم تنّفسّت بسعادة لتجاوز هذه العقبة .. نظرّت للسماء .. للشمس التي تقترب من منتصف السماء .. لغرفة الادارة البعيدة في مبنى المدرسة .. ثم وقفت لأنظر للجانب الآخر من السور جهة مواقف السيارات .. لاتفاجأ بارتفاع السور وبعد الارض .. السور خارج المدرسة مرتفع عنه داخل المدرسة .. ربما اربعة امتار للخارج !! ماهذه المفاجأة الأخرى؟ هل هذا سور مدرسة أم سور سجن ؟ كان ناقص يحطّون اسلاك شائكة على السور وتكمل الحكاية

وقفت أنظر للارض بخوف .. كيف سأقفز دون أن اؤدي نفسي وتتكسر عظامي .. عندما كنت أقف على السور ظهرت لي الارض بعيدة جداً .. فقررت أن أنبطح على السور وأنزل منه بنفس الطريقة التي تسلقتها .. وجهي للسور وظهري للشارع .. تدّلى جسمي للارض .. ثم تركت يدايا الجدار وسقطت على الارض دون مشاكل … أين سأذهب الآن ؟ لم يكن لدي اي فكرة .. مشيت بجانب سور المدرسة وقطعت مواقف السيارات المليئة بالسيارات ، غريب كل هذا العدد من السيارات في مواقف المدرسة الثانوية !! كم طالب عنده سيارة غير المدّرسين .. سأتجه للبحر ملاذ الهاربين .. حاولت الابتعاد عن الطريق حتى لا يمر أحد المدّرسيين بالصدفة ويراني .. مشيت تحت حرارة الشمس ثم تدحرجت من الهضبة لسهل من السبخة .. حتى أن لون التراب تغيّر من اللون الفاتح للون الرمل الغامق .. ملاعب منتشرة .. كنت آتي هنا مع فريقي ايام المتوسطة ونلعب مباريات .. قبل الوصول لطريق الكورنيش .. شعرت وكأني أمشي لساعات .. مع أني أعبر هذا الطريق كل يوم بالسيارة في دقائق

اول مرة في حياتي أهرب من المدرسة ..  أشعر بالوحدة بالغربة بالمرارة .. من ثلاث ساعات كنت بطل وشخص مُهّم .. اول مرة اشعر اني مهم .. والآن اجد نفسي مجرد صعلوك هارب ومتشرد ، ماهذا اليوم الخرافي؟  مرّتان في حياتي أقترب من أن اكون نجماً .. ويتم قمعي .. إن كان لا ارادياً كما فعل والدي .. عندما نجحت الخامس على المدرسة في سنة اولى متوسط .. وقال لي عوضاً أن يفرح .. ” لو كنت شديت حيلك كنت جبت الاول على المدرسة ”  بدل أن يشعرني بنشوة النجاح جرعنّي مرارة الهزيمة .. وكأن الخامس على المدرسة لا يكفي ، ثم حالة التنّمر التي تعرضت لها في ثانية متوسط كوني كنت من الخمسة الاوائل على المدرسة في اولى متوسط ، ليتم قمعي من بعض زملائي في الفصل بشتى انواع السخرية والاهانات ، واليوم عندما برزت في الفصل كلصٌِّ محُترف يستطيع فك شيفرة شنط الساموسنايت .. ايضاً تعرضت للقمع  .. ماهذا البلد الذي يقمع الموهوبين؟

أشعر ايضاً أني تعرّضت للخيانة .. عندما ذكرت إسم محمد غبشي للوكيل توقعت أن محمد في ذلك اليوم اكثر واحد قطع معي تلك الرحلة الشائكة من اليأس لعدم معرفة حل واجب الرياضيات .. لرحلة السيارة من الحارة للمدرسة سوياً .. لفرحة إنفراج الأزمة عندما إستطعت وحدي فتح الشنطة حينما عجز الآخرون .. لكل تلك التضحيات والمخاطرة من جهتي .. لكنه لم يكافأني سوى بالجحود والنكران والتخلي عني تماما .. صحيح تعرّض لخديعة من الوكيل .. حتى أنا تعرّضت للخديعة ايضاً .. لكنني لم القي بأي من زملائي في وجه المدفع كي أنجو أنا .. تذكرت عندما كنت في اولى متوسط وذهبنا رحلة طلابية مع مدرس اللغة الانجليزية لأحد وديان جيزان ” المحالة ” وعندما قرروا رمي كل شخص في الماء وهربت أنا للسيارة وقفلتها ثم ساعدت أحد زملائي يدخل السيارة لأحميه .. ثم بعد التهديد والتخويف الذي تعرضّنا له من الاولاد والمدرّس خارج السيارة لم أستسلم أنا وأنهار صديقي وفتح باب السيارة .. وتم رمينا في تلك المياه الضحلة

في مثل تلك اللحظات أتذكر ولد عمتي هشام المكّاوي .. أحسّ أنه اكثر شخص يقف في صفّي كسند .. لا ينهار بسهولة كي ينجو بنفسه .. بل يدافع عني  .. وأنا اتذكر وجه هشام .. رأيت امواج البحر الخضراء تتلألأ بفعل أشعة الشمس .. لهذا السبب أعشق منظر البحر عند الظهيرة اكثر من اوقات الغروب والشروق .. أحسّ أنه أكثر سعادة من الاوقات الأخرى من اليوم ..  لونه الاخضر الفاتح .. اشتداد تيار الهواء عادة عند الظهيرة وأّشعة الشمس يجعل بلورات الماء كنجمات تتلألأ وتتراقص في فرح ..  عبرت طريق الكورنيش .. عبرت الرصيف .. ثم مشيت بحذر فوق صخور سوداء لزجة مبتلة بالماء تتكأ بجانب بعض .. يغوص بعضها للنصف تحت الماء .. تمتد لمسافة كيلو بمحاذاة البحر .. بعضها تغطيه طحالب البحر الخضراء .. أحياناً لا يمكن الوثوق بصخرة مُبتلة .. وقد لا يكفي الحذر .. قد تسقط في اي لحظة .. رفعتُ ثوبي إلى بطني ولففته حول خصري وربطته حتى لا يسقط .. مشيت على الصخور ويدايا وذراعيا مفتوحتان للهواء والبحر ..  رذاذ البحر يغسل وجهي كبلورات المطر .. صوت الموج يرتطم بالصخور الواحدة تلو الاخرى .. رائحة اعشاب البحر ..   لو كان بأمكاني أن اختبأ هنا حتى أنسى العالم وينساني لفعلت

كم هي محظوظة تلك الكائنات الصغيرة تغتسل بماء البحر ثم تجري بسرعة لتختبأ خلف الشقوق بين الصخور .. سرطانات البحر السوداء الصغيرة لا اعلم إن كانت تهرب من الماء ثم تعود ام كانت تلعب وتحتفل .. ليس لديهم مدرسة وحصص وواجبات صعبة ..  ومواد لا يمكن فهمها .. ووكيل قصير كذّاب بعيون جاحظة وكرشة كبيرة .. ليس لديهم زملاء خونة او لصوص مثلي .. صعب الهروب من الماضي .. سيتعين عليك القفز فوق صخور صلبة حادة الحواف وتسلق اسوار .. ستتجرح ذراعيك وقد تسقط وتتكسر عظامك .. ستتجرع طعم الوحدة .. وستمشي فوق صخور لزجة .. لكن الاصعب الهروب من المستقبل .. لأن المستقبل دائماً بإنتظار وصولك .. صحيح استطعت الهروب من المدرسة لكن  طال الوقت ام قصر لابد من العودة للبيت ومواجهة أبي

سأعود للبيت الآن .. زهقت من الشمس التي لا تريد أن تتزحزح .. الوقت الذي يمر بتثاقل .. الافكار المزدحمة داخل رأسي .. رائحة باطي .. مليت من الخوف والوحدة وبدأت أشعر بالجوع .. مرت سيارة فأشرت لمن فيها أن يتوقف .. ارجوك خذني في طريقك .. انزلني عند تقاطع شارع فيصل واكملت طريقي للبيت مشياً مروراً بالميناء .. لم اشاهد سيارة ابي عند البيت .. توقفت عند البقالة واخذت عصير سنتوب وبسكوت نارجيل .. لا اريد أن تراني أمي .. سأذهب لاختبأ في بلكونة شقة أمي .. اذا استطعت تجاوز مواجهة والدي الى اليوم التالي فقد تنطفي لديه حرارة الغضب تجاهي .. البلكونة خلف العمارة مليئة بكراتين ضخمة من الكُراة وجِزَم الاديداس الزرقاء .. سيأتي حتماً يبحث عني هنا .. سينظر فوق الكراتين وخلفها .. أنا منذ زمن ومع الوقت تأقلمت مثل الحرباء التي تتلون ولا يمكن مشاهدتها بالرغم أنها واقفة امام عينيك على جذع شجرة

منذ فترة أفرغت أحد الكراتين الكبيرة من صناديق الجزم الصغيرة .. واصبح هذا المكان مكاني المفضّل للاختباء .. سيأتي والدي يبحث عني .. سيقف وينظر .. لكنه لن يشاهد سوى كراتين مرصوصة فوق بعض .. لن يتخيل ابداً أني بداخل أحد تلك الكراتين .. شققت جزء صغير من واجهة كرتون .. ووضعت صف واحد من صناديق جزم الاديداس الزرقاء في الواجهة ..  عندما يراه سيعتقد أن الكرتون ممتلأ بصناديق الجزم .. ولن يخطر في باله أني محشور داخله خلف صف من صناديق جزم الاديداس مثل اي جزمة أخرى ..  أنا داخل كرتون جِزَم .. من تحتي كراتين جِزَم .. وفوقي كرتون جِزَم .. وبجانبي صف من كراتين الجِزَم .. ازحته بعض الشيء لاترك شق صغير لبعض الضوء والاكسجين

علاقتي بالجزم إنتقلت لمستوى آخر من الحميمية .. كانت في البداية كراهية .. كنت على سبيل المثال اكره لبس الجزمة ولعب الكرة .. كنت أشعر أن الجزمة ثقيلة .. وكنت أحب العب حافي .. رجلاي بدون الجزمة أخفّ وأسرع .. ولولا حرارة تراب جيزان وقطع القزاز المكسور والمسامير المختبأة تحت الرمل لما لبست جزمة في حياتي .. ثم جاءت جزمة عمي عبدالغفور الحمراء المنقطة اسود او السوداء المنقطة أحمر وكانت صناعة مصرية ضيقة ومتخشبة .. وكرهت الجزم اكثر ..  ثم أحببت جزمة عمي حُمّد بعجلات التي احضرها لي من امريكا .. وازداد هذا الحب مع الجزمة السوداء الخفيفة التي اهدانياها عمي عبدالغفور بداية الدراسة .. واليوم كل هذه الجزم من حولي تحميني من غضب والدي .. تقف في صفي وتسندني .. أفضل عندي من بعض الناس الذين لا يمكن الاعتماد عليهم او الوثوق بهم

عُمر ونزار

استاذ الرياضة ..

ربما تكون سنة اولى ثانوي هي أسعد سنة في حياتي .. آسف لأني مش قادر أحبس دموعي .. فالأيام تتركنا ولا تعود

Believe me i am not a hero, don’t make such a mistake, however,for whatever reason i am not planning to leave this world without making a dent in the universe

to be continued

10/6/2018

يُتبع

2 thoughts on “ثانوية معاذ بن جبل

  1. هالة says:

    حرام عليك يا انور اللي تسويه فينا ! طولت جدا ما ادري وش اقول
    إنت رجعت والا روحي اللي رجعت لي
    هالة

    • دزموند خليل says:

      أهلاً هالة .. يعجبني كثير إسم هالة وسارة وليلى
      معليش ، بإذن الواحد الأحد مايجي الكريسماس الا وأنا في امريكا. اعتذر لم أنتبه أن التعليقات كانت تحتاج تفعيل، المدونة ولوحة التحكم جديدة بالنسبة لي .. أعتقد أني سأكرس جهدي لاكمال هذه القطعة الموسيقية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *