ثانوية معاذ بن جبل

(43)

ثانوية معاذ بن جبل

1986

خلاص فات الاوان .. هناك نقطة بمجرد أن تتجاوزها تصبح العودة للخلف شبه مستحيلة .. أنا الآن شبه عالق .. لا استطيع التقدم للامام .. اقصد لاعلى .. نظرت للخلف … اقصد لتحت .. الارض بعيدة ، صخور كبيرة ، لو سقطت ستنكسر ساقي حتماً،  لا أعلم كيف احضروا هذه الصخور هنا ؟! وما الفائدة منها ؟! انا استخدمتها للقفز ، اظن هذا أحد الفوائد .. مازلت متشعبط في الجدار ، اشعر بخدوش اسفل ذراعي من هذا الجدار الخشن، والم حاد على الجلد مثل ذلك الالم عندما ” تبخشك ” بسِّة .. لم اكن اتصور أن الجدار بهذا السُمك ! كيف لي أن اعرف .. لم اتسلقه من قبل

لم اكن أتصور اصلاً قبل دخول الثانوية أن اكون هكذا ملتصق بجدار سور المدرسة مثل وزغة ملتصقة بجدار غرفة المعيشة في عمارتنا بعد ما تلّقت ضربة قاتلة بنعال عمي عبدالغفور .. على الأقل جدار غرفة المعيشة أملس وليس بهذه الخشونة ، من جهة أخرى على الأقل لست مثل الوزغة ميت وفقدت ذيلي .. لكني عالق لا استطيع التراجع والعودة حتى لا تنكسر ساقي .. ولا اعرف كيف سأحمل جسدي المعّلق ليرتفع فوق الجدار للهروب من المصيبة التي تلاحقني .. هذا ااااخر مكان كنت ممكن اتخيل نفسي فيه في اليوم الذي دخلت فيه مدرسة معاذ بن جبل الثانوية 

كنت سعيد جداً عندما ركبت مع عمي عبدالغفور ذلك الصباح في اول يوم دراسي في الثانوية العامة .. وكان هو المتوتر .. كان متوتراً مع أنه هو الكبير وهو المدرس بينما انا الطالب .. غمرني إحساس بالسعادة ، فأنا طالب في المرحلة الثانوية لم اعد في سادسة ابتدائي ولا في المتوسطة انا في الثانوية .. عالم جديد ومثير .. وكذلك لاني بلغت وصار عندي شعر في باطي وخط صغير من الشعر تحت انفي .. بأمكاني الآن أن اعتبره شنب ،

وسبب سعادتي الآخر هو الجزمة التي ارتديها ، عمي عبدالغفور عاش سنتين في مدينة رسول الله والتزم بدين الله ، وصار له لحية كثة ، صحيح تخلّى عن سماع الاغاني وأصبح يقرأ القرآن بصورة أكبر ، وتخلى عن أكثر اصدقائه من السبعينات الميلادية لكنه لم يتخلى عن خفّة دمه وروحه الحلوة مع الناس ، ووحتى ضحكاته الصاخبة .. لكن والأهم أنه تخلى عن جزمة جميلة جداً سوداء لم تعد تناسبه لأنها شبابية ، اعطاني الجزمة وهو يبدو أن نفسه مازالت فيها ، تفضّل خذ الجزمة … كانت سوداء بدون كعب ، جلد .. وحواف مقدمتها مكرمشة مثل وردة ، وفي المنتصف زعنيفة حلوة .. وخفيفة جداً .. كأن رجلي تلمس الارض ، أخفّ من جزمة تميم اللي العب فيها كورة ، وكانت رهيبة مرة مع ثوبي الابيض الكويتي .. ياااه يا عم عبدو .. والله غفرت لك كل خطاياك ، وسامحتك على ايام الجزمة الحمراء المنقّطة اسود او السوداء المنقّطة أحمر .. فاكرة الجزمة الخشبية التي أحضرها لي من مصر وكانت أصغر من مقاسي .. من اليوم قررت فعلاً أفتح جزمة جديدة مع عمي عبدو

والله فرحان وكأني سأنتقل للعيش في مدينة جديدة ، بطريقة ما .. ثانوية معاذ بن جبل كانت بعيدة جداً عن بيتنا .. لا يمكن المشي لها .. لابد من سيارة، وكونها ستجمع فلول الطلبة من الثلاث مدارس المتوسطة الموجودة في جيزان ، مدرستنا ابن سينا ، ابوبكر الصديق ومتوسطة معاذ بن جبل ، يعني اخيراً أنا إبن الحافة سأقابل ناس من حارة العشيما بعد ما كان بيني وبينهم وديان وجبال وحارة امضريبة وحارة الجبل ..طبعاً كل هذه المسافة دائرة لا يتعدى قطرها عشرة كيلو ،لكن كانت حاجة بعيدة جداً اقصى جنوب جيزان

وهواء البحر يرتطم بوجهي من نافذة سيارة عمي المفتوحة ونحن نعبر فندق حياة جيزان على حزام الكورنيش سأخبرك بسر، انا سعيد اني عبرت للثانوية واتمنى أن لا ارى بعض الناس الكريهين والذين رافقوني في المتوسطة والابتدائية  .. اتمنى أنهم ذهبوا للعسكرية او تركوا المدرسة ، او رسبوا او ذهبوا للجحيم ، يكفي ما عانيته منهم لتسع او سبع سنوات، هناك من اصحابي طبعاً من اتمنى رؤيتهم ، ايوه السر تذكرت ، السر هو هذه الرغبة الدفينة كلما انتقلت الى مرحلة جديدة اتمنى فيها ان اتخلص من حمولة هؤلاء مثل المكوك ديسكفري عندما ينطلق للفضاء ويتخلص من بعض اجزاءه

عمي ما زال متوتراً .. اخبرني انه لايصدق انه عائد للثانوية التي تركها بسبب تعرضه للضرب من المدير بشكل ظالم .. هذا المدير الذي سيصبح رئيسه في العمل  … في نهاية طريق الحزام إنحرفت السيارة لليسار وطلعنا طلعة بزاوية ٤٥ درجة ، هضبة عظيمة تطل على البحر والحزام او ممكن نسميها جبل ، بعد مسافة قصيرة على اليمين توجد ساحة عظيمة ارض يابسة وفوقها تراب وحصى ، حتى أن السيارة اذا ضربت فرامل ممكن تنزلق .. تلك كانت مواقف السيارات للثانوية ، إخترقنا الموقف الفارغ من السيارات وأشعة الشمس برتقالية اللون في وجهنا .. وغبار الارض يتناثر حول السيارة .. ثم سارت سيارة عمي بمحاذاة سور المدرسة تجاوزنا البوابة ثم اوقف عمي السيارة بجوار السور ونزلنا ، عمي لابس بدلة رياضية خضراء غامقة وخط ابيض نحيل ثم يصبح عريض ، مش عارف من فين يجيب هذه البدِّل ، مرة رهيبة ، متأكد أنها مش من السعودية

المدرسة حكومية ، ضخمة جداً مقارنةً بمدرستنا المتوسطة المستأجرة ، سورها عظيم ، ترابي اللون ، المدرسة كلها ترابية اللون ، أكره هذا اللون ، لون سور المدرسة .. ولون سور المقبرة .. ولون سور السجن واحد في جيزان ، ابغى أعرف أني سأدخل بعد قليل للمدرسة وليس للمقبرة او السجن ، ما المشكلة لو كان لون المدرسة ازرق ؟ لكن .. المهم أن في المدرسة ملعب كرة يد طبعاً ، دخلنا على طول وللملعب .. الطلبة بدأوا يتوافدون بكثرة ، بحثت بين الوجوه عن اي شخص اعرفه من متوسطة ابن سيناء ، شاهدت بعض زملائي هيثم عبده عمر ، أحمد قنفذي ، محمد خالد طبيقي ، أحمد هلال الغامدي ، وحتى أسامة احمد رمزي المصري وأسامة الاردني ، وابراهيم بخيت .. واولاد كثير .. وشاهدت طلبة من متوسطة ابن سيناء كانوا مثلاً في ثالثة او ثانية متوسط لما كنت انا في اولى متوسط ، لكني ياللهول قابلت الولد الذي ضربني في آخر يوم في سادسة ابتدائي أحمد هادي الولد الأحول اللي اسنانة قذرة ومكسور سنه الامامي ، لم نتقابل في المتوسطة وجمعتنا الثانوية ، لكني ايضاً كنت أبحث عن شخص آخر ، قابلته عندما حضرت للتقديم في الثانوية واوصلني في سيارته الوانيت للوحدة الصحية ، كان ولد حلو وشعره تقريباً فيه خصلات شقراء

to be continued

05/20/2018

يُتبع

الفصل المحذوف